طباعة

 توثيق النص

 

 

 

العبادة في الإسلام

بقلم أحمد عبد الرحيم السايح

 

 

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ, إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}..[1]

فهذه الآية الكريمة .. تحدد غاية الخلق .. كما تبين الحكمة الشرعية الدينية من خلق الجن والإنس, والتي هي وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بتلك العبادات.

والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.[2]

وأصل العبادة: التذلل والخضوع .. وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها، خاضعين متذللين لله تعالى.[3]

والعبادة في اللغة من الذلة .. يقال: طريق معبد, أي: مذلل. وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف[4] ..

والعبادة في الإسلام .. تؤكد إقرار المرء إقراراً كاملاً بقلبه وجوارحه، وخضوعه خضوعاً مطلقاً، يطفى على كل خضوع, لله الخالق الباقي من وراء كل وجود زائل[5] ..

ويقوم التصور الإسلامي على أن هناك ألوهية وعبودية .. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه .. وعبودية يشترك فيها كل من عداه، وكل ما عداه ..

وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية .. كذلك يتفرد تبعاً لذلك بكل خصائص الألوهية .. وكما يشترك كل حي، وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية ..

فهناك إذن وجودان متميزان: وجود الله، ووجود ما عداه من عبيد الله, والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالخلق والإله بالعبيد[6]  ..

والله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان في هذا الكون .. ليعبث أو يلهو أو يلعب، أو ليتمرد على الإنسانية .. ولم يخلق الله الإنسان ليطغى ويتمرّغ في وحل الإلحاد .. ولم يخلق الله الإنسان ليعيش  في أحضان الجهل والتبعية العمياء.. قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}[7] .. وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[8] ..

فالإنسان خلقه الله وركب فيه ما ركب من قوى الإدراك والعلم والفهم والتفكير والعمل .. ليكون خليفة في الأرض .. والخلافة في الأرض ليست مجرد الملك والرياسة والقهر والغلبة .. وليس البطش بالأبرياء والزج بهم في المعتقلات وسجون التعذيب .. وليست سفكاً للدماء، وقطعاً لرءوس المؤمنين.. ولا هي كذلك دعوة إلى الإلحاد وعبادة الطواغيت[9]  .. ولا هي التسلط على الناس والتحكم فيهم بغير ما أنزل الله ..

إذن هي القيام بمسؤلية التكليف. والتكليف حجة على المكلفين فيما يعينهم من أمر الأرض والسماء، ومن أمر أنفسهم ومن أمر خالقهم وخالق الأرض والسماء .. وهي أداء رسالة الإسلام، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للإنسانية, قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[10] ..

والخلافة في الإسلام حقيقة ضخمة، تستغرق النشاط الإنساني كله .. وتوجه النشاط الإنساني كله ..

فهي قدرة على التفوق العلمي.. وقدرة على مواجهة التحديات الشركية, وقدرة على الصمود أمام الأحداث.. وقدرة على محارة الإلحاد والأحزاب الحمراء .. وقدرة على تحقيق الطمأنينة والأمن والعدل والخير والسلام..

"وإن النظرة القرآنية تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض عاملاً مهما في نظام الكون.. ملحوظاً في هذا النظام.. فخلافته في الأرض تتعلق بارتباطات شتى مع السموات, ومع الرياح, ومع الأمطار, ومع الشموس والكواكب، وكلها ملحوظ في تصميمها إمكان قيام الحياة على الأرض، وإمكان قيام الإنسان بالخلافة، فأين هذا المكان الملحوظ، ومن ذلك الدور الذليل الذي تخصصه له المذاهب المادية، ولا تسمح له أن يتعداه[11] .

والإنسان أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعاً. ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية، أو شيء مادي. ولا يجوز أن يتعدى على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة. ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي  أو إنتاج أي شيء مادي أو تكثير أي عنصر مادي..

فهذه الماديات كلها مصنوعة من أجله, من أجل تحقيق إنسانيته، من أجل تقرير وجوده الإنساني .. فلا يجوز أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية، أو نقص مقوم من مقومات كرامته .. [12].

والإنسان أكرمه الله بالعبادة، وأمره بها ليكون صالحاً مصلحاً، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[13] ..

وإذا كانت العبادة غاية الوجود الإنساني, كما هي غاية كل وجود, فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى الخاص الذي يرد إلى الذهن، والذي يضيق نطاقها، حتى يجعلها محصورة بأنواع الشعائر الخاصة التي يؤديها المؤمن، إن حقيقة العبادة تبدو في معنيين.. أولهما عام, والأخر خاص ..

أما العبادة بالمعنى العام .. فإنها تعني السير في الحياة ابتغاء رضوان الله، وفق شريعة الله. فكل عمل يقصد به وجه الله تعالى، والقيام بأداء حق الناس استجابة لطلب الله تعالى بإصلاح الأرض ومنع الفساد فيها، يعد عبادة, وهكذا تتحول أعمال الإنسان مهما حققت له من نفع دنيوي إلى عبادة إذا قصد بها رضاء الله[14] .

فالعبادة ما تكاد تستقر حقيقتها في قلب المسلم، حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وحركة وبناء.

عبادة تستغرق نشاط المسلم.. بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع الناس..

وبهذا الاستغراق، وهذا الشمول يتحقق معنى الخلافة في الأرض في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأََرْضِ خَلِيفَةً..}[15].

لأن الخلافة في الأرض هي عمل هذا الكائن الإنساني .. وهي تقتضي ألواناً من النشاط الحيوي في عمارة الأرض والتعرف إلى قواها وطاقاتها وذخائرها ومكنوناتها، وتحقيق إرادة الله في استخدامها وتنميقها، وترقية الحياة فيها.. كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض، لتحقيق المنهج الإلهي الذي يتناسق مع الناموس الكوني العام..

ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني، أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى.. أوسع وأشمل من مجرد الشعائر, وأن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعاً..

وإن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين:

الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس, أي استقرار الشعور على أن هناك عبداً ورباً.. عبداً يُعبد .. ورباً يُعبد .. وأن ليس وراء ذلك شيء, وأن ليس هناك إلا هذا الوضع، وهذا الاعتبار, ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود، وإلا رب واحد، والكل له عبيد..

الثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة.. التوجه بها إلى الله خالصة، والتجرد من كل شعور آخر, ومن كل معنى غير معنى التعبد لله..

بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة.

قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[16], والعبادة هي العبودية المطلقة، معنى وحقيقة .. وكل ما يأتي به المسلم في طاعة الله فهو عبادة لذا كانت جملة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ..} كلية اعتقادية.. فلا عبادة إلا لله, ولا استعانة إلا بالله..

وفي هذا مفرق طريق .. مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد.

وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل.. التحرر من عبودية الأوهام، والتحرر من عبودية النظم، والتحرر من عبودية الأوضاع.. وإذا كان الله وحده هو الذي يعبد، والله وحده هو الذي يستعان فقد تخلص العبد من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص, كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات[17].

أما العبادة بالمعنى الخاص: فهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.. وهي نوع من التربية على العبادة الكاملة الحقة[18] ..

ففرائض الإسلام تخاطب كل الجوانب في الإنسانية، وتفي بكل الحاجات، وتصحح كل الاتجاهات..

ومن وراء كل ذلك.. نجد أن العبادات في الإسلام تدعو إلى الوحدة والجماعة، وهي أساس لوحدة التفكير، ووحدة المفاهيم الأساسية في الحياة, بل ووحدة القيم، والمقاييس الخلقية، والنظر إلى الخير والشر، والفضائل والرذائل.. وقواعد السلوك.. [19].

والعبادات في الإسلام تنتهي إلى نتيجتين:

أولاهما: الاتجاه إلى تربية الوجدان الديني الذي يجعل المؤمن بالإسلام مؤتلفاً مع غيره، ليتكون من هذا الائتلاف مجتمع إنساني متواد متحاب ..

والثانية: أن غاية العبادات في الإسلام ليست مجرد التقوى السلبية، لأنه تتجه إلى النفع الإنساني العام، وإلى إيجاد مجتمع متحاب، غير متباغض ولا متنازع .. فعلاقة الإخلاص لله فيها أن تكون مطهرة للقلب, قاضية على الشرفية، مؤلفة بينه وبين الناس من غير مراءة ولا مغالاة[20] ..

ويود أن يدرك المسلمون حقيقة العبادة في الإسلام.. ويوم أن يقتنع المسلمون بأن الإسلام هو المنهج الأمثل .. ويوم أن تكون الفرائض الإسلامية عملاً بناء.. لا حركات تؤدى .. ويوم أن تكون (لا إله إلا الله) المنطلق الوحيد للمسلمين.. يومها وبكل تأكيد سوف يتحقق للمسلمين بإذن الله تعالى نجاح رائع في كل نواحي الحياة..

والله ولي التوفيق..

 

 



[1] سورة الذاريات الآيات: 56 ،57 ،58.

[2] كلام ابن تيمية. انظر في ذلك كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص 30 للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. مكتبة الرياض الحديثة.

[3]اجع تفسير القرطبي لسورة الذاريات الآية رقم 56.

[4]فسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير .. المجلد الرابع.

[5]عالم الثقافة الإسلامية، للدكتور عبد الكريم عثمان، ص147 الطبعة الثالثة, الناشر : مؤسسة الأنوار بالرياض.

[6]صائص التصور الإسلامي. سيد قطب ص 215 طبع دار الشروق.

[7]ورة المؤمنون الآية 115.

[8]ورة الملك, الآيتان الأولى والثانية.

[9]ال ابن القيم: "الطاغوت ما تجاور به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم ..".

[10]ورة الأنعام الآية رقم 153.

[11]ظر: تفسير "في ظلال القرآن" للشهيد سيد قطب. المجلد الأول ص 71 الطبعة الرابعة. الدار العربية للطباعة والنشر. بيروت.

[12]ي ظلال القرآن المجلد الأول 70.

[13]ورة الأنعام الآيتان 162 ،163.

[14]عالم الثقافة الإسلامية. الدكتور عبد الكريم عثمان. ص 148.

[15]ورة البقرة. جزء من الآية رقم 30.

[16]ورة الفاتحة.

[17]ي ظلال القرآن المجلد الأول ص 19.

[18]مبادئ الإسلام. للأستاذ أبو الأعلى المودودي ص 94.

[19]من وحي السماء لأحمد عبد الرحيم السايح ص46 ،47 الطبعة الأولى القاهرة.

[20]لمجتمع الإسلامي في ظل الإسلام للشيخ العلامة محمد أبو زهرة ص 96.. القاهرة.