|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
|
|
الصوم ومسلمو اليوم |
|
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح
عشماوي |
|
المدرس بالمعهد الثانوي التابع للجامعة
الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
وقبل
الحديث عن الصوم مع مسلمي اليوم، نقدم عنه مع مسلمي الماضي كلمات في قليل الأسطر؛
ذلك لأن الصائب من الأمور لا يقال أو يكتب عنه كثير لوضوحه، خاصة لدى من يعقلون. |
|
فمسلمو الماضي أدركوا رهبة وهيبة نداء عُلْوي وجه مباشرة
إلى أهل الإيمان، فلم يأمر نبيه صلوات الله عليه أن يقول لهم بنحو {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ}، كما ورد في مواضع عدة
في القرآن الكريم، وما كان على الموحى إليه صلى الله عليه وسلم إلا نقل هذا
النداء المهيب إلى من عنُوا به {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } (البقرة: 183),
فأدركوا على الفور خطر الأمر، أدركوا أن هذا المنادي من أعلى لا جواب على ندائه
إلا بلبيك يا اجل المنادين، وأدركوا أنه شرَّفهم بندائه المباشر، فأعدوا أنفسهم
ليقابلوا هذا التشريف بأسرع ما تكون الطاعة، وأدركوا أنه وصفهم بالإيمان وهو
يناديهم، فعزموا على أن يكونوا جديرين بهذا النعت العظيم الذي أضفاه عليهم، ومن
هذه الإدراكات من أهل اللب الناهبين، قدروا جلل الأمر
الذي كتب عليهم، وأنه لا بد سامق المكانة عند كاتبه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ} فعلموا من المنادي, أنه الآمر المطاع، وعلموا إلى من
وُجّه النداء، إلى المؤمنين السبَّاقين إلى الطاعة، وأن المأمور به فرضٌ له عند
الله خصوصية "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
. |
|
أدرك
مسلمو الماضي هذه المعاني العجب، التي في أول آيات
الصوم، فتتبعوا بعد ذلك متلهفين بقية آياته المنظمة لأدائه، حتى قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}
(البقرة:187)، فأصبح شهر رمضان عندهم أحب شهورهم، وربيع سنتهم، وخير ما يعيشون
من أعمارهم، يتعجلون قدومه ليسعدوا بعز الذكر الذي نزل فيه، وليشمتوا بعدوهم
الذي يكبل فيه وليزيدوا من سخاء أكفهم لستزيدوا من
مثوبة ربهم وسعة فضله، ويستعيدوا بشهرهم أمجاد نصرهم لما سحقوا فيه عدوهم،
فبقيادة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقعت فيه اثنتا عشرة ملحمة، اثنتان
فاصلتان قادهما بنفسه، بدر والفتح، والباقي سرايا
سيرها وحدد وجهتها وعين قادتها، ثلاث منها بقيادة علي، واثنتان بقيادة خالد،
وقاد كلاً من الخمس الباقية، عبد الله بن عُتَيْك،
وعبد الله بن رواحة، وأبو قتادة،
وعمرو بن العاص، وسعد بن زيد رضي الله عنهم أجمعين، صوام
الماضي كانوا يتعجلون شهر الصوم ليجعلوا منه لجام المتقين، فتصبح شهور الفرج
لديهم ذليلة، ورغبة البطن معافة، والنظرة في دنياهم
زهيدة، يتعجلون قدومه ليصوموه ليلاً ونهاراً، ففي النهار صاموه مادة معنى, لما
صوّموا معهم آذانهم وأبصارهم وألسنتهم عن اللغو
والتأثيم، وفي الليل جعلوا الصوم عن النوم، فتجافت جنوبهم عن مضاجعهم قياماً
ودعاء وبكاء، وكان أكثر ما تفيض به أعينهم من الدمع عند وداعه في عشرته الأخيرة،
يتحسرون لفراق شهرهم الحبيب، فهو موسم أرواحهم وواصلهم
بربهم، لهذا منحو الفرحتين، وجنوا شهي الحسنيين، تلك فكرة ضئيلة عن رمضان مع
مسلمي الماضي، وما رمضان مع مسلمي اليوم ؟!! |
|
أولاً: قيل إن
نسبة الذي لا يصومونه مطلقاً في المجموع العددي المنتسب إلى الإسلام
بالاسم،
تزيد بأكثر من النصف عن الذين يصومون[1] ، إذاً فإلى الأقل الذي نفترض أنه يصوم نوجه حديثنا هذا، لأن هذا
الأكثر الذي لا يصوم لا حديث لنا مع بعد ذلك، لما حادّ الله الذي ناداه، فما كان
الجواب إلا سمعنا وعصينا, ورفض أن يكون من المنادوْن بالإيمان، فانسلخ منه
فأتبعه الشيطان، فلا أملك ولا أحدٌ اعتباره مؤمناً ألبتة،
لهذا فلا موضوع له معنا، أما قسم الصوم من مسلمي اليوم ، باستثناء القلة من
المؤمنة التي لا ينعقد بها الحكم، فنمشي وإياهم مع كلمات القرآن عن رمضان، لنرى
قربهم منها أو بعدهم عنها، حيث لا زال نداء الله للمؤمنين لهذه الآيات قائماً،
يسمعهم النبأ العظيم عن الصوم، وبعد أربعة عشر قرناً، وسيظل يناديهم بها ما بقي
القرآن المجيد يضيء دياجير هذه الدنيا. |
|
فهل
فهمنا نحن صائمي اليوم، أن الصوم فريضة من القدم منذ وجدت الأمم، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم} (البقرة:
183) إذاً فهو أزلي الكتابة، غائر الرسوخ لا يخضع للمنسوخ إلى أن تنسخ هذه
الدنيا، ومن هنا كان علمنا بعلو قدره عند مشروعه، وعِلْمُنا بعظيم نفعه لخلقه
لما جعله ماكثاً في الأرض بطول مكثها، {وَأَمَّا
مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (الرعد: 17), ولو لم نعرف كل النفع ولا تفاصيله؛ لأن شرط
الإيمان الذي إذا اختل ينحل معه الإيمان كله، هو أن المؤمن يطيع أمر ربه ولا
يقول لماذا هذا ولأي شيء تلك، يقينا منه بأن الله لا سميّ له فلا يأمر ولا ينهى
إلا لحكمة عليا ثابتة لديه، بدت لنا أو خفيت عنا {وَقَالُوا
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} (البقرة:285), ولا يجوز السؤال عما هو الخير
الناتج عن السمع والطاعة، بل قد يؤدي هذا السؤال إلى بال {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا
بِهَا كَافِرِينَ} (المائدة:102)، وواضح استثناء السؤال للتعلم
والتفقه ليعبد الله على علم، ولكن المنهي عنه هو ما لم يظهره الله وأبقاه في
غيبه، إذاً فالصوم لما شرع منذ القدم ويبقى إلى أن تصبح الدنيا في العدم له عند
الله حكمة بالغة، بعضها بلغنا ومعظمها أو أعظمها يكشف لنا في فرحة اللقاء "وفرحة عند لقاء ربه", فهل صائمو اليوم
فهموا ذلك من آيات الصوم ليصوموا بهذه المعرفة رجاء قبول صومهم ؟؟ !!. |
|
والتقوى
وهي خوف ما عند الله من عقاب, ورجاء ما عنده من ثواب، شيء محتم أن يلازم المؤمن
طول مقامه في الدنيا، والتجرد منها مهلكة مؤكدة، لهذا قالت الآية بعد ذلك: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ, أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} (البقرة:
184), ذلك لأن التقوى تقاوم على الدوام، وبأشياء عدة تقوم على ركيزتين،
شهوة الإنسان ونزعة الشيطان، وهما مع العبد طول السنة في مدافعة مستمرة، فمرة تغلبها
التقوى ومرة يغلبانها؛ لأن البطن يطلب الطعام في أي وقت من ليل أو نهار، فتجده
حاضراً من حلال أو من حرام لتمتلئ به معدته، والفرج يظل يطلب الشهوة لأن البطن غذاه وأمده، والشيطان طليق يزين الأمرين فوق ما يغمز وينزع،
والتقوى مع هذا كله ترتفع مرة وتنخفض مرات في أغلب أمرها، أما في رمضان فجاءت (لعل)
برجائها مصاحبة لكلمة التقوى، حيث المرجو أن تكون التقوى في أقوى أيامها وأعز
مواسمها، لما وهنت مقاومة الشهوة بقلة المدد من الطعام والشراب، ووهنت مقاومة
الشيطان لما صُفّد نوعه المريد، فخلا الجو للتقوى يعلو بها الصائم على رغائبه السفلى، والتي طالما أخضعته لها، فقد زكته تقواه
وأدنته من الله ويستمر يهنأ بحاله الرباني هذا أياماً معدودات هي أيام رمضان،
فتمناه العام كله حيث انتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة، فهل فهم صائمو اليوم ذلك لعلهم يتقون أياماً معدودات يحصلون بها ما
يزيد عن عديد السنوات؟ |
|
وبعدئذ تأتي الرأفة والحنان من لدنه، حيث انفرد بصفات هو
بها واحد، ليعطي العبد الذي قهره أمر دنيوي عذر التخلي عن الصوم ما بقي في قهره،
فإذا ما زال كان فيه من حال، فليس عليه إلا صيام عدد ما غلب على تركه، ولحق في
الأجر بمن لم يمنعوا أثناء الشهر وأدركوا معهم مقام الصائمين {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} بل وزادت رأفة الرؤوف
بالذين يصومونه فعلاً يصاحب صومهم نوع من النصب والعنت، سواء كان ذلك جسدياً
ككبر أو مرض خفيف ملازم، أو نفسياً كمجرد خوف الأم على رضيعها أو جنينها، وهو ما
قالت عنه الآية {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}؛
لأن معنى الإطاقة إتيان الشيء بجهد، فهذا النوع وما
يشبهه أبيح له الإفطار مقابل شيء زهيد، مدٌّ من أغلب ما يأكله ناس بلده، {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ولكن حسن التعامل
مع المحسن سبحانه، يقتضي أن يكون المؤمن معه الله ذا وُدٍّ أكثر من المد، فدعته
الآية إلى أن يزيد تطوعاً بأكثر من هذه الحفنة ما دام ذا ميسرة {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}
فلن يكون الخير من المخلوق مقابلاً إلا بما يليق بالذي خلق {فَهُوَ خَيْرٌ لَه }، بل ودعته الآية إلى خير
هو أكثر من خير الزيادة على الحفنة، وهو القيام بذات الصوم ولو ببعض المشقة، ما
لم تغلبه مشقته على أمره كما أسلفنا {وَأَنْ
تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أي ولو بتعب يتحمل، ويحبب سبحانه في الأخير
ويرغب فيه قائلاً: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}،
إن كنتم تعلمون حقيقة هذا العمل وإثبات المثوبة لعامله فالحرص منكم على إدراكه
أقرب وأوجب، فالصوم هو المختار على الفدية يا ذا الأعذار
الخفيفة[2] . |
|
اختار
ذلك صوام الماضي، وصائمو
اليوم جعلوا الصداع مرضاً فأفطروا، وجعلوا السفر في مكيف السيارة وبأجنحة
الطائرة لساعة أو أقل أمراً شاقاً جداً يفطرون له، والوالدات يرضعن أولادهن من
المعلبات ويفطرن على أنهن مرضعات، خوفاً على جمالهن من أن يذبل، وأولات الأحمال في بداية حملهن ولو لأيام كذلك، فقد سمع
هؤلاء بأن المرض والسفر والرضاعة والحمل وكبر السن يبيح الفطر، دون تفريق بين
الإطلاق والتقييد، لأن القصد اتخاذ الذرائع والتحايل على أحكام الإسلام، وحتى
بعد هذا التحليل لا افتداء ولا عطاء. |
|
ثم
تترى الآيات لتحدد الأيام المعدودات داخل شهر اسمه
"رمضان"، قلّ أن تكمل أيامه ثلاثين، وتقدمه الآية بأنه شُرّف
بما هو أعظم من الصوم الذي يقع فيه، فقد اختير دون أشهر السنة لينزل فيه كتاب
الله، فكتاب الله كل، والصوم فيه جزء، والصوم أمره ينتهي في الدنيا، والقرآن
عابر لحدودها فهو الذي نظم أمرها، ومن هنا عظم شأن رمضان بالقرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}،
وما أمر هذا القرآن الذي رفع به ذكر رمضان، لقد عرفت الآية أمره بأوجز بيان وأوسع معان {هُدىً
لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ}, هدى للناس لما علموا منه بديع هذا الملكوت الهائل
بسمائه وأرضه وما بينهما وهم ضمنه، فاهتدوا لما
انتهوا بنهيه وائتمروا بأمره، وكرموا بذلك آدميتهم تمييزاً لها عمن هم من
الأنعام أضل، رجاء أن يؤمنهم ربهم من خوف الدنيا وفزع الآخرة، وبينات من الهدى التشريعي والحكم التنظيمي، والحد الذي يقف
كلٌ عنده، فاستقام أمرهم وطاب زمانهم وتآخى جمعهم، وكما هو بينات
من الهدى التشريعي بينات من الفرقان لما وضع لهم
الفوارق الواضحة والضوابط الفاصلة بين ما هو صدق وما هو كذب، فأشرقت جوانحهم
وأنست أفئدتهم للصدق الذي وضحه، ونفرت من الكذب الذي فضحه ذلك هو القرآن الذي
نزل في رمضان، فشمخت به مكانة الشهر وبوركت أيامه، فأفاض الله على صائميه من خزائن رحمته بما شاء. |
|
إذاً
فمن سمع ما ذكر فهفت نفسه إلى جنى الجنتين، فأتت عليه وهو حي هذه الأيام
المعدودات العزيزات، فليصمها على الصورة المشروحة آنفاً
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فليصمه،
أمر قاطع بالعمل بعد تفهيم بالقول، محتم تنفيذه لا يجرؤ رسول ولا مرسل إليه أن
يبدئ فيه أو يعيد، {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة} (القصص:68),
ولما كانت الكلمة الإلهية {فَمَنْ شَهِدَ} يخشى
معها الظن بأن الله تعالى سلب ما خفف حين رخص لذوي الأعذار الإفطار، ثم القضاء
أو الافتداء، أعادها سبحانه ثانية هنا ليعلم عباده
بأنه القائل الذي لا ينقض، والمتفضل الذي لا يرجع، والممد الذي لا يسترد، فأكد
منحته {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}, فليصمه من شهده معافى مقيماً، ومن كان
غير ذلك فرخصتنا له قد أحكمناها وما نسخناها، ولأي شيء؟ {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ} وبدهي أن إثبات اليسر هنا ونفي
العسر ليس قاصراً على ما يتصل بالصوم وحده، وإنما هي إرادة مطلقة، وأرادها
المتصف بالتيسير والمنزه عن التعسير في كل ما شرع، وإلا
فنبئوني، ما هو العسر في صلاة صورتها أن تؤدى وهو واقف مكانه، ولا عليه إلا أن
ينحني وينزل ويجلس، تتم جميعها على هذا النحو المريح في دقائق، عددها خمس في
أربع وعشرين ساعة، مجموع زمان الإتيان بهذه الخمس ساعة أو تقل، وقلّ أن تزيد,
وما هو العسر في زكاة يخرج بها المزكي
اثنين ونصف، ويبقى لنفسه خمسة وسبعين، وقد انتفخت الجيوب الآن بالمال مما
لا يدع الحاضر والباد، ونفس التيسير أو أيسر في بقية أنواع الزكاة، وما هو العسر
في حج يؤدى مرة واحدة في العمر كله، وهكذا كل دين الله أمراً ونهياً، وعفا الله
عن الذين قالوا عن معنى {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} (الأحزاب:72),
أي لصعوبة أدائها ، والتأويل الصحيح هو أن الإشفاق من رهبة العهد خشية عدم
الوفاء ، وليس بالنسبة للمطلوب صعوبة الأداء، وإلا
فهل يمكن التوفيق بين تأويل ذلك بالمشقة وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}
(الحج: 78) وقوله في سورة القمر مرات {وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}
(القمر: 17), أي للعمل به، وقوله سبحانه لمبلغ هذا الدين - صلوات
الله عليه - {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}
(الأعلى: 8) أي الشريعة السهلة، هكذا بحرفيّة ما في أشهر التفاسير. |
|
وحتى
يا من أعذرتم وما قصرتم، لن نتركم
أعمالكم بعد أن تقضوا ,أو تفدوا سنُسَوِيكُم
في الأجر بمن أتموا الشهر صائمين، ونعتبركم مكملين لعدته مثلهم {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} (البقرة: 185),
فالجملة القرآنية هنا أعطت المثوبة كاملة للحريصين الذين قهرهم العذر، فإكمال
العدة إكمال للأجر، وحيث تمت العدة عدداً أو اعتباراً، ووعدتم بمثل الأجر المعد
للصائمين، وإنه لأجر كبير، إذاً فجدير بكم أن تكبروا الله شكراً له على هباته {وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ }(البقرة:
185), هداكم لعمل لما أدّيتموه كبّر لكم
له به الأجر، كذلك قال العلماء إنه بذلك أصبح من عزم الأمور أن يكثر العبد
الصائم من التكبير لعون ربه له على صيام شهره، هكذا صمتم رمضان في الماضي معرفة
به وأداء له. |
|
أما
صائمو اليوم، فرمضان عندهم موسم البطون، تملأ فتتخم
فتمرض، وموسم السهرات في (السينمات)، وأمام (التلفزيونات), والجلوس على المقاهي
للتلهي بلعب الورق (والدمنة) وما إلى ذلك حتى السحور،
وتتحول مباريات لعب الكرة و(التنس) وغير هذا من أنواع الرياضة المختلفة إلى
الليل بدل النهار بقرارات حكومية، أما السهر مع صلاة التراويح، أو مع بعض ركعات
التهجد، أو مع قراءة القرآن في شهر القرآن، فهذا غير وارد في الأذهان عند صائمي
اليوم إلا ما شاء الله. |
|
وآية
الدعاء توسطت آيات الصوم لأنها وإن لم تكن من صميمه
فهي جداً على صلة به وثيقة، لأن الذي صام كما ينبغي بسره وعلنه لا ترد إن شاء
الله دعوته بنص أحاديث مشهورة، فإذا كان العبد في صلاته أثناء سجوده إلى ربه
أقرب, والدعاء ساعتئذ للإجابة أيضاً أقرب، لما وضع
أشرف أعضائه لربه في حذاء قدامه، فيلي حال الساجد حال الصائم, لما قهر شهواته
ومقومات حياته طاعة لربه، فكان أن يُعطى ما يطلب، وجاءت لهذه آية الدعاء هذه بين
آيات الصوم، ولهذا أيضاً انتهت بقوله عز من قائل: {فَلْيَسْتَجِيبُوا
لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة: 186) ، فالصائم استجاب مؤمناً بإخلاص لربه، فأعطي الرجاء من
الله بالرشد, ورجاء الله محقق، فلما دعا فتحت لدعوته مسالك السماء، وتحقق له
بإذن الله الرجاء. |
|
ولما
كان أشد ما يحرم منه الصائم مجافاة الحليلة، ويتحمل من ذلك العنت الكثير، فهي
معه بالمواجهة طول اليوم أو أكثره، ونداء الشهوة
المتصلة بالفرج قد يعشى العين ويوقر الأذن، خاصة لدى الإنسان، فالحيوان عندما
تحمل أنثاه لأول يوم لا يقربها حتى تضع حملها، والإنسان يظل يباشر أنثاه حتى قبل
الولادة بساعة، فشهوة الجنس عنده هي الغالبة على كل شهوة، ولو نودي للشهوة وهو
شديد الجوع شديد العطش لأجاب الأولى وترك الأخيريين،
وقد طلب من الصوام ألا يقربوا نساءهم بعد العشاء، لكن
بعضهم ومنهم مؤمنون أكابر, غلبهم الأمر عند عدوتهم
ليلاً إلى نسائهم، فلم يسخط عليهم سبحانه، ولم يحبط لهم عملاً ولم يضيع لهم
إيماناً، فنسخ المنع ومنح الإباحة, مكتفياً سبحانه من عبده بعدم طاعة الشيطان
الذي من أسهل إغرائه تحريك النصف البهيمي في الإنسان،
وهو أقرب ما يلبى ويجاب سحابة نهار الصوم، فنقل إليهم رسولهم عليه الصلوات قول
ربهم: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم} (البقرة: 187), فهو سبحانه وإن كان قد
أحله متجاوز عما سبق، لكن اعتبره رفثاً كان يجمل أن يعافى إبان المنع، { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ} (البقرة:
187). وهذا التصوير باللباس هو ما قوي الدافع إليه وضعف الصبر عنه، حيث أبيحت
الملاصقة أصلاً كما يلصق اللباس الجسد،
فلم يرض بعد ذلك سبحانه أن يباعد أو يشدد، {يُرِيدُ
اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ
كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ } (البقرة: 187), ومع وجود معنى الذم
واضحاً في الآية، وهو أن خيانة وقعت منهم خانوا بها أنفسهم وليس سواهم، لما باشر
هؤلاء البعض نساءهم حين المنع الليلي، نقول مع ما فهم من ذم في كلمة (تختانون), فإن وعد الله باليسر هو الذي كان، فتاب عليكم بل
ولم يجعل المنع إلزاماً مستمراً، وعفا عما وقع منكم، والعفو معناه إلغاء العقاب
المترتب على الإثم {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ}
(البقرة: 187) بعد علمنا بما كنتم تختانون،
فباشروهن ولا حرج، حتى لا يقع بكم كبت أو عنت، وسداً
لأسهل مداخل الشيطان فلا يفسد ما تجنون من بركات الشهر، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} (البقرة:187)،
أطلبوه يقيناً وعملاً تجدوه عند الله خيراً وأعظم أجراً. |
|
ولكي
تتم لكم صورة الصوم الكاملة لطريقة العمل في رمضان ليلاً ونهاراً، فكما أبحنا
لكم ملامسة نسائكم يكون نفس الأمر مع الأكل والشرب،
فلا تفعلوا شيئاً من ذلك بين الفجر والمغرب، وبين
المغرب والفجر افعلوه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْر. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل}(البقرة: 187)
أي بدايته وهو المغرب، لأن (إلى) هنا بدائية[3]
وليست نهائية, وتم لكم بذلك كيف يكون الصوم، فإذا قصرتم
بعد ذلك فعلى أنفسكم وحدها اللوم. |
|
ولما
كان الاعتكاف من أحلاف الصوم المشابهة له، لأن المعتكف صائم نهاره قائم ليله،
إضافة إلى أنه صام عن كل الدنيا التي هي خارج المسجد، وأنه زهد فيها لما حبس
نفسه فيه، وضمن هذه الدنيا التي تركها خلفه زوجته، ولأن الصيام يبيح المباشرة في
الليل دون النهار، وحتى لا يظن ذلك أيضاً في الاعتكاف وهو أقرب العبادات إلى
الصوم كما قلنا، فأفرد له توضيح خاص به غير ما أبيح في رمضان، وهو منع مباشرة
النساء البتة في الاعتكاف ليلاً ونهاراً طول المدة المنْوية {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة: 187) حيث كان
المعتكف يغادر المسجد إلى بيته ليتغشى أهله ثم يعود ليعتكف، فينافي ذلك تبتل الاعتكاف
والتفرغ لعبادة الله وقد ذهب إليه في بيته يستجديه رحماته، فإن كان ذلك قد وقع
منكم قبل فلا يقع منكم بعد {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. |
|
فبعد
هذه الأحكام المحددة والتشريعات الميسرة، نحذركم من أن تتركوها, أو بزيادة أو
نقص تقربوها {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا
تَقْرَبُوهَا} (البقرة: 187)، وكلمة (تقربوها) مرهبة حقاً، أي الويل
لمن يضيف أو يحيف بأي شيء مهما قل، متعللاً بأن المعنى قريب، أو القصد متقارب،
وهكذا مما نسمع الآن من قول ابتدع بعد أن أُتي بالبدع، وتأتي كلمة التقوى في
النهاية كما أتت في البداية، ذلك لأن قصة الصوم كلها تقوى، لا يتجمل بها إلا من
خشي الرحمن بالغيب، حيث كل العبادات ترى من الله والناس إلا الصوم، فقد تُرى
الشفاه مطبقة ولكن الله رآها تتحرك بالمضغ متوارية، فلا يرجى من الصائم غير
التقوى {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (البقرة: 187)
، هكذا كان صوام الماضي، اتقوا حتى أذلوا
دنياهم ليعزوا أخراهم، فكان لهم من الكريم ما تمنوا. |
|
وصائمو اليوم عاديون وليسوا عباديين مع قلتهم، يشاركون الكثرة المفطرة
في كثير مما يحبط صومهم، ألسنتهم طول النهار عن ذكر الله صامتة، وفي الغيبة
والنميمة ونهش العرض صامدة، عيونهم عن النظر في القرآن والتأمل في عظمة هذه
الأكوان غضوها، وفي النظر إلى المحرمات وتتبع العورات أطلقوها، خالطوا المفطرين طوال الليل في مجالس لهوهم ونوادي شياطينهم،
فالصوم عندهم ساعات محدودة لا تبتلع فيها لقمة ولا تحتسى فيها جرعة، وبعد ذلك
انطلاق مع الهوى بغير حدود، بل وعندما يأمرهم حكامهم الذين يحكمونهم بقوانين
الكافرين بأن يفطروا - حتى لا يحول الصوم دون القيام بالعمل - كما حدث من حاكم
تونس لقومه، أطاعوه مسارعين إلى الإفطار طاعة للمخلوق في معصية الخالق، بل ومن
صائمي اليوم من إذا عُزم عليه من صديق السوء بسيجارة قبلها وضيع صومه أو نفسه من
أجلها، بل قد يصل الأمر إلى أن يقبل كأس الخمر بعد أن تسحر ونوى وأصبح صائماً،
ذلك لأن بلده الإسلامي غارق في نتن مستنقع من الخمر، بل وتنتجها مصانعها وتصدره
لدول إسلامية أخرى، إي نعم، ويصوم صائمو اليوم وهم
وهُنّ (بالمايوهات) عراة على شواطئ البحار، تتلاصق أثناء ذلك الأجسام فوق وتحت
الماء، بل وتراهم في بلادهم الإسلامية صائمين وألسنتهم
لا تكف عن سب الله ودينه ورسوله، إي والله، وليسوا بالقلة ولا بالندرة، وإنما هم
بالكثرة التي لا يغيب فحشها عن أذنك طويلاً، أما الزواج في شهر رمضان فسرعان ما
يتحول من شهر الصوم إلى (شهر العسل9، وهو إصطلاح
مشهور عندهم يبيح للعريس أن يظل في ضيافة الشيطان طول النهار، فلا صوم مع العسل،
وغير هذا كثير حيث كان ولا بد من تطوير الصوم بما يتناسب والمدنية والتقدمية،
وهم وتاركوا الصوم نهائياً في مرتبة واحدة جهنمية، بل
قد يكون صائمو اليوم بالصورة الآنفة
عقابهم أشد، لتلاعبهم هكذا بأمر ربهم، أما الفئة التي لا تكاد أن تعرف ممن
يصومون على طريقة الماضين من السلف، وهم الآن في عصر فيه الفتن، فهم الغرباء
وهنيئاً لهم غربتهم، لأنهم غداً سيكونون أهل الدار. |
|
|
|
[1] وهذا إن صح يكون بالنسبة لبعض أقطار معينة، وليس حكماً شاملاً لجميع المسلمين في كل قطر. التحرير |
|
[2] منهم من قال إن
هذا إشارة إلى بداية تشريع الصوم ثم نسخ، ومنهم من قال إن الحكم كما أوضحنا ولم
ينسخ. |
|
[3] والذي يظهر- كما هي القاعدة - أن (إلى)
غائبة للإتمام؛ لأن الاتمام ينتهي إلى الليل أي إلى
أوله وهو أمر ظاهر .. والله أعلم. (التحرير). |