طباعة

 توثيق النص

 

 

 

في رحاب سورة المائدة

د. إبراهيم عبد الحميد سلامه

 

 

أسماؤها:

لهذه السورة الكريمة ثلاثة أسماء:ـ

1 المائدة، وذلك لأن الله - جل في علاه - قص علينا فيها قول الحواريين لعيسى عليه السلام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ..}؟ وما جرى بين عيسى وبينهم، حيث نصحهم بتقوى الله، وأرشدهم إلى ترك اقتراح الآيات المادية على ربهم، وأنهم بينوا له الغرض من طلبهم هذا فقالوا: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} (المائدة: من الآية113), وهنا رفع عيسى أكف الضراعة إلى ربه قائلاً: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}[1].

2 - سورة العقود، وذلك لقول الله في مطلعها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُم..} الآية. (المائدة: الآية:1)

3 المنقذة؛ لأنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب، يقول القرطبي في تفسيره:  "روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سورة المائدة تدعى[2]  في ملكوت الله المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب"[3].

 

نزولها:

هي مدنية بالإجماع، فقد أخرج ابن المنذر وابن جرير عن قتادة قال: "المائدة مدنية"[4].

 بل إنّ سورة المائدة من أواخر سور القرآن نزولاً فقد أخرج أحمد والنسائي والمنذر والحاكم وصححه وابن مردوية والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير قال: "حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه, و ما وجدتم من حرام فحرموه"[5].

وأخرج أبو عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال: " نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته، فتصدعت كتفها، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من ثقل الوحي"[6].

وإذاً فمدنية هذه السورة بناء على أرجح مذاهب العلماء وأشهرها من أن المدني ما نزل بعد الهجرة، ولو كان نزوله بمكة أو في الطريق بين مكة والمدينة، فالحد الفاصل بين المكي والمدني هو وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكل ما نزل قبله من القرآن فهو مكي، وكل ما نزل بعده فهو مدني ولو كان نزوله بمكة[7].

 

عدد آيـاتها:

هي مائة وعشرون آية عند الكوفيين، ومائة وثلاث وعشرون آية عند البصريين، ومائة وثنتان وعشرون آية عند غيرهم.

وسبب هذا الاختلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ على أصحابه السورة لأول مرة - بعد أن يكتمل نزولها - يقف على رأس كل آية للتوقيف وإعلامهم برؤوس الآيات والفواصل، فإذا قرأ السورة نفسها مرة أخرى فإنه قد يصل بين آيتين منها؛ لأن الثانية تتم معنى الأولى، فيظن من لم يسمع القراءة الأولى لهذه السورة أن هاتين الآيتين آية واحدة، فيترتب على هذا الاختلاف في عدد الآيات.

وهناك سب آخر لاختلاف الكوفيين والبصريين وغيرهم في عدد الآيات القرآنية، هو الاختلاف في البسملة وهل هي آية من كل سورة أو لا؟ فمن عدّها آية تكون السورة عنده أزيد آية واحدة بالنسبة لغيره الذي لا يعتبرها كذلك[8].

وعلى كل فالخطب في مثل هذا الاختلاف يسير هين، لأنه لا يترتب عليه زيادة ولا نقص في القرآن الكريم، فمن قال: إن سورة المائدة مائة وعشرون آية، لا ينكر ثلاث آيات منها بناء على الرأي الآخر الذي يقول: إنها مائة وثلاث وعشرون آية, وصاحب هذا القول الأخير لا يضيف إلى السورة ثلاث آيات، لا يقول بها صاحب الرأي الأول - وإذاً فلا ضرر في هذا الاختلاف؛ لأنه لا يترتب عليه زيادة ولا نقص في النص القرآني، وإنما هو خلاف في عدد الآيات فقط وإن كان الكل مجمعين على آيات كل سورة بلا خلاف.

 

علاقتها بسورة النساء:

إن المتأمل في هاتين السورتين ليرى أن الثانية تناسب الأولى وترتبط بها من وجوه عديدة:

الأول: أن سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود، صراحة أو ضمناً, فالصريح: عقد النكاح والصداق والحلف والمعاهدة، والضمني: عقد الوصية والوديعة والوكالة والعارية، وغير ذلك مما هو داخل في عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا..}(النساء: الآية: 58), فناسب ذلك أن تتبع هذه السورة بما يناسب ذلك وهو الأمر بإيفاء العقود والحفاظ عليها والالتزام بموجبها وذلكم في قوله تعالى في مطلع سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..} (المائدة: الآية:1), فكأنه قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذكرها في السورة السابقة وإن كان في هذه أيضاً عقود، ذكر هذا الوجه الآلوسي نقلاً عن الجلال السيوطي[9].

الثاني: أنه سبحانه لما ختم سورة النساء آمراً بالتوحيد والعدل وإعطاء كل ذي حق حقه، حيث بيّن أنصبة الورثة وحذّر من تجاوز ما شرعه وبينه حيث قال: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} (النساء: الآية:176) ناسب ذلك أن تفتتح هذه السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود والمواثيق والحفاظ عليها، وعدم التحلل منها بحال.

الثالث: أن سورة النساء مهدت السبيل لتحريم الخمر، حيث جاء فيها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون..} الآية[10] , وسورة المائدة حرمتها ألبتة، فكانت متممة لشيء فيما قبلها، وذلكم في قوله تعالى في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[11].

الرابع: أن معظم سورة المائدة في محاجة اليهود والنصارى، مع ذكر شيء من أمر المنافقين والمشركين، وذلك ما تكرر في سورة النساء، ولا سيما في آخرها، فذلك من أقوى المناسبات وأظهر وجوه الاتصال بين السورتين، كأن ما جاء منه في المائدة مكمل ومتمم لما جاء في النساء.

هذا وفي كل من السورتين - فوق ما تقدم - طائفة من الأحكام العملية في العبادات، والحلال والحرام، كآيتي التيمم والوضوء، وحكم حل المحصنات من المؤمنات، والأمر بالقيام بالقسط، والشهادة بالعدل, من غير محاباة لأحد، والوصية بتقوى الله تعالى.

وهنا سؤال يفرض نفسه وهو: لماذا يحرص كثير من المفسرين على ذكر العلاقات والمناسبات التي تربط بين سور القرآن الكريم بعضها ببعض؟ وهل يلزم وجود مثل هذه العلاقات والمناسبات بين آيات القرآن بعضها مع بعض؟ على معنى أن تكون هناك مناسبة بين كل آية وسابقتها ولاحقتها ومناسبة وصلة بين كل سورة وسابقتها ولاحقتها كذلك؟

والجواب على ذلك: أن المفسرين يحرصون على ذكر هذه المناسبات، ليظهروا للناس كلهم وخاصة من عنوا بالدراسات القرآنية ما في هذا الكتاب العزيز من أحكام وترابط وانسجام وتآلف فهو: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود:1). أي أنه منظم رصين، متقن متين، لا يتطرق إليه خلل لفظي ولا معنوي, كأنه بناء مشيد محكم، يتحدى الزمن, ولا ينتابه تصدع ولا وهن، مصداقاً لقول الله فيه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ, لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[12] .

وإذا كان الأمر على ما ذكر فإنه يلزم أن تكون هناك مناسبات وعلاقات بين الآي والسور القرآنية، ويتحتم أن يكون هناك ترابط وانسجام وتآلف بين كل آية وسابقتها ولاحقتها، وكل سورة وسابقتها ولاحقتها كذلك، لأنه كلام الله المعجز للبشر الذي أعجز الفصحاء والبلغاء بأسلوبه الفذ، وأعياهم عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}[13] .

ومن العجيب أن الإمام الشوكاني وهو علَمٌ في التفسير، يعيب على المفسرين هذا المسلك، ويقلل من قيمة هذا العمل، وهو بيان التزام الربط بين الآيات القرآنية وسورها، بل إنه يصرّح بعدم وجود العلاقة والمناسبة بين آيات نزلت في مناسبات مختلفة وظروف متباينة، ويستدل على قوله هذا بأن ترتيب السور القرآنية في المصحف مغاير لترتيب نزولها، وإذا كان الأمر كذلك: "فأيّ معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله  الله متأخراً، وتأخر ما أنزله الله متقدماً، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته وأحقر فائدته .."[14].

والناظر في كلام الإمام الشوكاني يجد أنه مبني على أمرين اثنين:

هما نزول القرآن مفرقا ومنجماً حسب الحوادث والأسئلة والقضايا التي كانت تثار على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن ترتيب المصحف مغاير لترتيب النزول, وهو من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

والحق أن ذلك كله لا يمنع من وجود الترابط والانسجام والتآلف بين الآيات والسور القرآنية، التي بلغت أعلى درجة في البلاغة والفصاحة والإحكام.

ذلك أن القرآن الكريم، وإن نزل منجماً ومفرقاً حسب الحوادث والوقائع إلا أن جبريل عليه السلام كان يوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع الآية من السورة، وكان صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه وخاصة كتّاب الوحي إلى ذلك، فيقول: "ضعوا هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة"، أو بين آيتي كذا وكذا من سورة كذا, وذلك لأن ترتيب آيات القرآن من النظم المعجز، ولذلك لم يقل أحد بأنه من صنع البشر.

وإذا كان ترتيب الآيات في سورها توقيفاً - فإنه من غير شك - يكون على أعلى درجات الإحكام والترابط والانساج والتآلف.

وأما ترتيب السور القرآنية في المصحف وكونه من عمل الصحابة, فإن ذلك أيضاً لا يمنع من وجود المناسبات والعلاقات بين السور القرآنية؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا في عملهم ملتزمين الترتيب الذي علموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يتلو القرآن أمامهم في الصلاة وخارجها.

وخلاصة ما تقدم أن الآيات القرآنية قد رتبت في عهد رسول الله وبتوقيت منه عن جبريل عليه السلام، حفظاً في الصدور وكتابةً في السطور، وأما السور فقد رتبت في عهده حفظاً فقط، ولم ترتب كتابة لعدم جمع القرآن كله في مصحف واحد في عهده صلى الله عليه وسلم ، فقام أصحابه رضوان الله عليهم بهذا العمل على النحو الذي كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل الإمام الشوكاني يريد أن يقول إن المناسبة بين بعض الآيات قد لا تكون واضحة، أو أن العقول البشرية قد تقصر أو تعجز عن إدراكها, وفي مثل هذه الحالات فإنه يحسن عدم التكلف والتعسف في إظهارها تنزيهاً لكلام الله تعالى عن محض الرأي المنهي عنه.

والذي يدفعني إلى هذا الفهم من كلام الشوكاني أمران:

الأول: أنه إمام من أئمة التفسير وعلم من أعلامه المبرزين فيبعد على مثله أن ينكر المناسبات بين آيات القرآن الكريم وسوره فيما يظهر لي ولو أن كلامه يبدو منه الإنكار.

الثاني: أن الدارس لتفسير الشوكاني يجد أنه كثيراً ما يذكر المناسبات والعلاقات التي تربط آيات القرآن الكريم بعضها ببعض في عبارة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء وأكتفي بذكر مثال واحد يؤكد هذه الحقيقة:

عند شرحه لقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار..} (البقرة: الآية 25) ، ذكر علاقته بما سبقه فقال: " لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين، ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه"[15].

إلى غير ذلك من المثل العديدة البارزة في تفسير الإمام الشوكاني والتي جعلتنا نفهم كلامه على النحو السابق، وإن كانت عبارته ظاهرة في إفادة عدم التناسب بين الآيات حيث يقول: ".. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتبانية هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار, والملاج والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض؟"[16].

وفي ختام هذه الدراسة نحب أن نقف وقفة متأنية مع قصة ولدي آدم عليه السلام التي قصها الله علينا في هذه السورة الكريمة لنقف على بعض ما فيها من عظات وعبر، وإليك البيان:ـ

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ, لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِين إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ, فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ, فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}[17].

 

معاني المفردات:

{اتْلُ} الأصل في هذه المادة التبع، فالتلو - بالكسر - ولد الناقة والشاة، إذا فطم وصار يتبعها، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال له تلوه، والتلاوة - بالكسر -: القراءة, ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى، وسميت قراءته تلاوة لأنه مثاني، كلما قرئ منه شيء أتبع بقراءة غيره أو بإعادته أو لأن شأنه أن يُقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به.

{نَبَأَ}: النبأ هو الخبر العظيم الذي له شأنه.

{بِالحقِّ}: أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة، لأنها من عند الله.

{قُرْبَاناً}: هو اسم لما تتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة أو غير ذلك.

{بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ}: مددتها لقتلي وإراقة دمي.

{تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: أي ترجع بإثم قتلك لي، وإثمك الخاص بك، الذي كان من شؤمه عدم قبول قُربانك.

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}: أي زينته وسهلته، وشجعته عليه.

{سَوْءَةَ أَخِيهِ}: أي جسده، وقيل: عورته؛ لأنها تسوء ناظرها، وخصت بالذكر وإن كان المطلوب مواراة جميع الجسد لأن سترها آكد[18].

 

علاقة الآيات بما قبلها:

بعد أن ذكر - عز اسمه - موقف اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عن دعوته على الرغم من وضوح البراهين الدالة على صدقه، حتى همّ قوم أن يبسطوا أيديهم لقتله، وقتل كبار أصحابه، مصداقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ }.[19]  وما ذاك إلا حسداً منهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام, على ما آتاه الله من الدين الحق، وذكر كذلك تمردهم على نبيهم موسى عليه السلام, ونكوصهم عن قتال الجبارين, وذكر بعد ذلك قصة ولدي آدم عليه السلام اللذين قتل أحدهما صاحبه، بياناً لكون الحسد الذي صرف هؤلاء عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, وحملهم على عداوته عريقاً في الآدميين، فالداء قديم والشر أصيل، وإن كان هؤلاء اليهود قد ورثوا عن أسلافهم من هذا الداء الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر مصداقاً لقوله تعالى فيهم : {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}[20]. وقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}[21] .

قال القرطبي: "وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه"[22] .

 

في ظلال النص الكريم:

يأمر الله - جلّ في علاه - رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلو على الناس عامة وأهل الكتاب خاصة, ذلك النبأ العظيم، نبأ ابني آدم, تلاوة متلبسة بالحق, مظهرة له، لأنها من عند الله عالم الغيب والشهادة, مبينة لغرائز البشر وطبائعهم وأنهم جُبلوا على التباين والاختلاف, الذي يفضي إلى التحاسد والتقاتل، ليعلموا الحكمة فيما شرعه الله من عقوبات رادعة للبغاة الظالمين, الذين يحاربون الله ورسوله, ويسعون في الأرض فساداً، وليعلم أهل الكتاب صدق محمد صلى الله عليه وسلم, وذلك لاشتمال كتبهم على هذه القصة، وهو لم يطلع على هذه الكتب، فتعين أن يكون علمها عن طريق الوحي، فتقوم بذلك الحجة عليهم ويعرف الجميع أنهم ضلوا على علم، وجحدوا عن بينة.

وخلاصة نبأ ولدي آدم أن كلا منهما قرب لربه قرباناً، فتقبل من أحدهما, لتقواه وإخلاصه وطيب نفسه بما قدم، ورفض قربان الآخر لأنه كان على العكس من ذلك كله، عندئذ ثارت ثائرته ودب الحسد في قلبه، وحمله على البغي والعدوان فقال مهدداً ومتوعداً أخاه الذي تقبل الله قربانه: {لأَقْتُلَنَّكَ} فأجابه بقوله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} أي: إنما يتقبل الله الصدقات وغيرها من الأعمال, القبول الحسن المقترن بالرضا والمثوبة من عباده المتقين المخلصين.

فهذا الجواب يتضمن بيان سبب قبول قربان أحدهما ورفض قربان الآخر، وكأن هذا الابن البار يقول لأخيه: إنني لم أرتكب ذنباً في حقك لتقتلني، فإن كان الله تعالى لم يتقبل منك، فارجع إلى نفسك فحاسبها على السبب، فإنما يتقبل الله من المتقين الذين يتقون الله ولا يقعون في المعاصي, فاحمل نفسك على تقوى الله, والإخلاص له في العمل، ثم تقرب إليه بصالح الأعمال فإنه عندئذٍ يتقبل أعمالك, ويرضى عنك، ويجزيك خيراً[23].

ثم بين الابن البار لأخيه الحاقد حقيقة أخرى هي حرمة إراقة الدماء فقال: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} أن يراني باسطاً يدي إلى الإجرام وسفك الدم بغير حق، فإن ذلك يسخطه ويوجب عقابه ونقمته؛ لأنه رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه ويربيهم بفضله وإحسانه، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسدة لهذه التربية.

وهذا الجواب من الأخ البار التقي يتضمن أبلغ موعظة، وألطف استعطاف لأخيه الحاقد العازم على إراقة الدم بغير حق, ثم يواصل الابن البار نصح أخيه وإرشاده عله أن يرعوي ويعود إلى رشده، فكيف عن تهديده وتوعده له بالقتل، مذكراً إياه بعذاب الآخرة فيقول: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}.

قال الفخر الرازي: "كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(الأنعام: الآية: 164).

والجواب من وجهين:

الأول: قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة - رضي الله عنهم - معناه: "تحمل إثم قتلي، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي".

والثاني: قال الزجاج: "معناه ترجع إلى الله بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك"[24] .

وهناك وجه آخر في الجواب, وهو أن القاتل يحمل في الآخرة إثم المقتول إن كانت له آثام، وذلك يعارض قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}؛ لأن تحمل القاتل لآثام المقتول إنما هو بسبب قتله له، فالقاتل بهذا لا يحمل إلا أوزار نفسه.

ونلاحظ من هذه المواقف أن الأخ التقي البار قد ترقى في نصح أخيه الحاقد وصرفه عن عزمه على النحو التالي:

1 – بين له أنه أُتيَ من قبل نفسه لعدم تقواه {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

2 نزه نفسه عن مقابلة الجناية بمثلها: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}.

3 ذكره بما يجب عليه من خوف ربه واتقاء عذبه: {إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.

4 ذكره بأن المعتدي يحمل وزر نفسه وأوزار المعتدى عليه: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ}.

5 ذكره بعذاب النار وكونها مثوى للظالمين الفجار {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}.

ولكن هل أثرت هذه المواعظ وتلك النصائح الغالية في نفس ذلك الأخ الحاقد الباغي؟ ذلك ما بينه ربنا بقوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} لقد كان بفطرته البشرية يتخوف من قتل أخيه، ويتهيب هذا الأمر العظيم، ولكن نفسه الأمارة بالسوء ما زالت به تسهل له هذا المنكر, وتزينه وتشجعه عليه، حتى تجرأ وأقدم على هذه الجريمة النكراء، جريمة قتل أخيه ظلماً وعدواناً، بلا تفكر ولا تدبر، فأصبح بعمله هذا من الذي خسروا أنفسهم حيث عرضوها لعقاب الله ونقمته، وخسروا أقرب الناس إليهم, وأبرهم بهم، وخسروا نعيم الآخرة, إذ لم يعودوا أهلاً لدار المتقين، بل صاروا أهلاً لجهنم وبئس مثوى الظالمين.

قال الشوكاني في تفسيره: "وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل"[25].

ولما كانت هذه أول جريمة قتل ترتكب على ظهر الأرض، فإن هذا القاتل الأثيم لم يعرف كيف يتخلص من جثمان أخيه، فشاءت حكمة الله أن يكون تلميذاً للغراب، حيث يتعلم منه سنة الدفن ومواراة جسد الميت في التراب، فكان ما قصه الله بقوله: {فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.

وقول هذا الأخ القاتل: {يَا وَيْلَتَى}يدل على شدة تحسره وتألمه، لأن هذه الكلمة لا تقال إلا عند حلول الدواهي العظام، والمصائب الكبار، ولكن هذا التحسر لم يكن ندماً وتوبة وخوفاً من الله، ولكنه كان لإحساسه لأنه صار دون الغراب علماً وتصرفاً، ولو كان ندمه ندم توبة لقبل الله توبته، ولكن الله أخبر عنه أن صار بعمله هذا من جملة الخاسرين, وكذلك دلت السنة المطهرة على أنه سيحمل كفلاً من دم كل نفس تقتل ظلماً وعدواناً، لأنه أول من سن القتل، فدل ذلك كله على عدم توبته.

وإذاً فتحسر هذا الأخ وندمه إنما كانا لعدم انتفاعه بقتل أخيه, وإحساسه بأنه صار دون الغراب علماً وتصرفاً كما أسلفنا.

قال الفخر الرازي: "فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم تقبل توبته؟ أجابوا عنه من وجوه:

الوجه الأول: أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين.

الثاني: أنه صار من النادمين على قتل أخيه، لأنه لم ينتفع بقتله، فضلاً عن أن قتل الابن يثير غضب والديه وإخوته فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لكونه معصية.

الثالث: أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله .. فكان ندمه لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم أن لم ينفعه ذلك الندم"[26] .

وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين، هل كانا لصلبه أو لا ؟ فذهب الجمهور إلى الأول، وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: إنهما كانا من بني إسرائي، فضر ب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة فتقربا بقربانين، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل، والحق أن هذا كلام بعيد عن الصواب.

قال ابن عطية: "وهذا وهم، أي من الحسن والضحاك إذ كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب في ذلك"[27].

ولكن ما هو سبب تقديم ولدي آدم عليه السلام لهذين القربانين، وهو قربان كل منهما؟ وكيف علما أنه تقبل من أحدهما دون الآخر؟ وكيف تم تنفيذ هذه الجريمة وهي الأولى من نوعها على ظهر هذه الأرض؟ ومتى وأين وقعت؟ وما هو اسم كل من هذين الاثنين؟

أسئلة كثيرة لم يعطها القرآن أدنى اهتمام، لأنه لا تتعلق بها فائدة، وإنما ركز القرآن على مواطن العظة والاعتبار التي تفيد البشرية المعذبة لو أنها أرادت لنفسها الهداية والاستقامة على الطريق بتطبيق شريعة الله.

ولكن المفسرين قد أثاروا بعض هذه الأسئلة، وذكروا الإجابة عليها أقوالاً عديدة، واستندوا إلى روايات لا تعلم صحتها وجلها منقول عن أهل الكتاب:

فمثلاً يقول صاحب روح المعاني: "أخرج ابن جرير عن مجاهد وابن جريج أن قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس اللعين في هيئة طير فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين فشدخه فعلمه القتل، فقتله وهو مستسلم"، ويقول كذلك: "واختلف في موضع قتله، فعن عمرو الشيباني عن كعب الأحبار أنه قتل على جبل دير المران، وفي رواية عنه أنه قتل على جبل (قاسيون) وقيل: عند عقبة حراء, وقيل: بالبصرة، في موضع المسجد الأعظم"([28]) .

وكذلك ذكر المفسرون روايات كثيرة كهذه يجيبون بها على الأسئلة التي تثار حول هذه القصة القرآنية المنزلة بالحق من عند الله رب العالمين، لبيان أن الحسد يجر على صاحبه خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ويجر صاحبه على البغي وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.

قال صاحب المنار: "ولكن هذه الرواية من الأخبار الإسرائيلية، وقد اختلفت فيها روايات السلف، وبعضها يوافق ما عند اليهود، وبعضها يخالفه، وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعول عليه"[29].

ما ترشد إليه القصة من عظات وعبر

1 - الناس جبلوا على التباين والاختلاف وذلك يفضي إلى البغي والحسد وإراقة الدم ظلماً وعدواناً.

2 أن الحسد مرتعه وخيم، ويجلب على صاحبه خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

3 أن الله لا يتقبل الأعمال إلا من عباده المتقين المخلصين.

4 أن خوف الله تعالى يحجز الإنسان عن محارم الله ومقابلة الشر بمثله، ويضبط سلوكه وتصرفاته وفق ما شرع الله.

5 حرمة الدماء بغير حق، ووجوب الحفاظ عليها، وعدم الاعتداء على أحد، لأن حياة الإنسان لها حرمتها العظيمة في نظر الإسلام الحنيف.

6 وجوب مخالفة النفس الأمارة بالسوء؛ لأنها تزين لصاحبها الشرور، وتغريه بالنكرات, حتى تورده موارد الهلكة والبوار.

7 في اشتمال القرآن على هذه القصة دليل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة، فتكون هذه القصة حجة على أهل الكتاب الذي ضلوا على علم وجحدوا عن بينة مصداقاً لقول الله فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة:146).

8 أن الحسد الذي صرف اليهود عن رسول الإسلام وحملهم على عداوته، عريق في الآدميين فالداء قديم والشر أصيل، وإن كان اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ورثوا عن أسلافهم من هذا الداء أكبر حظ وأوفر نصيب والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

 

 

 


[1] راجع الآيات: 112-115 من سورة المائدة.

[2] يبحث عن درجة هذا الحديث.

[3] تفسير القرطبي: 6/30 وانظر الآلوسي: 6/47.

[4] فتح القدير للشوكاني: 2/3، والقرطبي: 6/30.

[5] أخرجه أحمد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه، انظر فتح القدير: 2/3، وتفسير ابن كثير: 2/2

[6] تفسير الآلوسي: 6/47، وفتح القدير: 2/3.

[7] راجع: مناهل العرفان للشيخ الزرقاني: 1/186-188.

[8] انظر: الإتقان للسيوطي: 1/67، والبيان للشيخ غزلان: 223، ومناهل العرفان للشيخ الزرقاني: 1/337.

[9] الآلوسي: 6/48.

[10] النساء: 43.

[11] المائدة: 90 . الخمر كل ما يخمر العقل أي يغطيه ويستره. والميسر: القمار. والأنصاب: الأصنام المصنوعة للعبادة. والأزلام: قداح الميسر.

[12] فصلت: 41-42.

[13] الإسراء: 88.

[14] انظر: فتح القدير للشوكاني: 1/72-73.

[15] المرجع نفسه: 38.

[16] فتح القدير: 1/72-73.

[17] المائدة: 27-30.

[18] انظر: المنار: 6/340، والآلوسي: 6/314.

[19] المائدة: 11.

[20] البقرة: 90.

[21] البقر: 109.

[22] تفسير القرطبي: 6/133.

[23] انظر: تفسير المنار للشيخ رشيد رضا: 6/343.

[24] الفخر الرازي: 12/199.

[25] فتح القدير: 2/32، وانظر القرطبي: 6/140.

[26] الفخر الرازي: 6/202.

[27] انظر: فتح القدير: 2/30.

[28] الآلوسي: 6/114-115.

[29] تفسير المنار: 6/343.