طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الفتاوى

لسماحة الشيخ  عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدي بهداه..

أما بعد:

فقد سألني كثير من الأخوان عن حكم الاعتماد على الإذاعة في الصوم والإفطار وهل ذلك يوافق الحديث الصحيح "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الحديث ..؟

وهل إذا ثبتت الرؤية بشهادة العدل في دولة مسلمة يجب على الدولة المجاورة لها الأخذ بذلك؟ وإذا قلنا بذلك فما دليله وهل يعتبر اختلاف المطالع؟

والجواب على هذه الأسئلة أن يقال: قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة أنه قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين", وفي لفظ آخر "فأكملوا العدة ثلاثين", وفي رواية أخرى "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين".

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أن المعتبر  في ذلك هو الرؤية أو إكمال العدة.

أما الحساب فلا يعول عليه وهذا هو الحق وهو إجماع من أهل العلم المعتمد بهم، وليس المراد من الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه وإنما المراد ثبوت البينة العادلة, وقد خرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام"، وخرج أحمد وأهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: "إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟" فقال: "نعم"، قال: "فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً", وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: "ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وأنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها, فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" رواه أحمد ورواه والنسائي ولم يقل فيه "مسلمان", وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال: "عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤيا فإن لم نره وشهد شاهداً عدل نسكنا بشهادتهما" رواه أبو داود والدارقطني وقال: "هذا إسناد متصل صحيح".

فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه يكتفى برؤية هلال رمضان بالشاهد الواحد العدل. أما في الخروج من الصيام وفي بقية الشهور فلا بد من شاهدين عدلين جمعاً بين الأحاديث الواردة في ذلك، وبهذا قال أكثر أهل العلم وهو الحق بظهور أدلته, ومن هذا يتضح أن المراد بالرؤية هو ثبوتها بطريقها الشرعي وليس المراد أن يرى الهلال كل أحد، فإذا أذاعت الدولة المسلمة المحكمة لشريعة الله كالمملكة العربية السعودية أنه ثبت لديها رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو هلال ذي الحجة فإنّ على جميع رعيتها أن يتبعوها في ذلك.

وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما, وأخرجه مسلم بلفظ: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين". وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال: "فإن أغمى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين". فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها يعم جميع الأمة, ونقل النووي رحمه الله في شرح المهذب عن الإمام ابن المنذر رحمه الله أن هذا هو قول الليث ابن سعد والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم قال - يعني ابن المنذر -: "ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي يعني مالكاً وأبا حنيفة رحمهم الله" انتهى. فقال جمع من العلماء: إنما يعم حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع, إما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم, وحكاه الإمام الترمذي رحمه الله عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كريباً قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان فأخبر أن الهلال رؤي في الشام ليلة الجمعة فإن معاوية والناس صاموا بذلك فقال ابن عباس: "لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو تكمل العدة", فقلت: "أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: "لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم". قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم, وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام، وقال آخرون: لعله لم يعمل برؤية الشام لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول.

فقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام 1392هـ فاتفق رأيهم أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد.

قلت: هذا قول وسط, وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم إذا علم ذلك.

فإن الواجب على أهل العلم في كل بلاد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر لأن ذلك يسبب انقسام الناس وكثرة القيل والقال, إذا كانت الدولة غير إسلامية. أما الدولة الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم، وإلزام الناس به من صوم أو فطر عملاً بالأحاديث المذكورة وأداء للواجب ومنعاً للرعية مما حرم الله عليها, ومعلوم أن الله يزع بالسلطان ما يزع بالقرآن، وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين, والثبات عليه, والحكم به, والتحاكم إليه, والحذر مما خالفه, إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.