طباعة

 توثيق النص

 

 

 
تاريخ مشرق للعلوم الصيدلية
في النهضة الإسلامية
بقلم دكتور أبو الوفاء عبد الآخر
صيدلي الجامعة الإسلامية
 
 

الحمد لله، خلق الإنسان وعلمه البيان، ورزقه العقل والإلهام، ووهبه البحث والتجربة والبرهان.. والصلاة والسلام على سيد الأنام، وأفضل من دعا إلى العلم النافع، وإلى كل ما ينفع بني الإنسان ..

وبعد .. فإن للأمة الإسلامية في ماضيها: نهضة وحضارة، ورفعة وصدارة، باركتها رسالة السماء، وأيدتها عقيدة سمحاء ..

 فبعد أن أكمل الله سبحانه وتعالى دينه للمسلمين، وبعد أن تأصلت العقيدة في قلوب الموحدين، وبعد أن دانت عمالقة الدول للأبطال المجاهدين .. سارت الأمة الإسلامية في طريق الأسباب - أسباب القوة - كما نظر علماؤها في ملكوت السموات والأرض، وبحثوا عن كل ما ينفع بني الإنسان، تعبداً وقربى إلى الله سبحانه وتعالى .. فأنعم الله سبحانه وتعالى عليهم بحضارة إسلامية، امتدت عبر القرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة.

ولقد كان (للعلوم الصيدلية) نصيب كبير في تلك الحضارة الإسلامية المباركة، وفي مقالنا هذا سوف نقدم موجزاً (لتاريخ العلوم الصيدلية في النهضة الإسلامية) عسى أن يكون لنا في ذلك عبرة وتذكرة، وحافز وهمة، فنقول وبالله التوفيق:

إن (العلوم الصيدلية) تشتمل على مجموعة من العلوم، تشترك جميعاً في هدف واحد، ألا وهو "إيجاد الدواء المناسب لكل داء" ومن هذه العلوم: الكيمياء، والصيدلة، والنبات، والفيزياء.

ولقد اهتم علماء الدولة الإسلامية، بهذا الجانب من العلوم، وقاموا بالأبحاث الرائدة، وقدموا الابتكارات الرائعة، وكلما ذكرت الحضارة الإسلامية في غابر الزمان، ذكر التقدم الصيدلي الذي تحقق على أيدي علماء الأمة الإسلامية، ولقد ظلت المعارف الصيدلية، والأعمال الصيدلية قروناً عديدة إلى ما قبل النهضة الإسلامية، أشبه بما نراه الآن من "أعمال العطارة، وخبرات العطارين" إلى أن ظهر العلماء في عصور النهضة الإسلامية، فقاموا بالدراسات المنهجية، وأجروا التجارب العلمية، واستعملوا الأجهزة العلمية، وتوصلوا إلى الاكتشافات القائمة على البحث والتجربة، وبهذا أصبحت (الصيدلة) علماً له كل مقومات العلم: الملاحظة، والبحث، والتجربة.

 

النهضة الصيدلية وعلماء الصيدلة:

وفيما يلي نعرض بعض مظاهر النهضة الصيدلية، ونذكر بعض مشاهد العلماء الذين شاركوا في هذا الجانب من النهضة الإسلامية:

أولاً: لقد تقدم علم الكيمياء تقدماً عظيماً، وذلك نتيجة لمجهودات العالم الشهير (جابر بن حيان) الذي يعتبر من أعظم علماء العالم في جميع العصور، ولقد عرف العلماء قدره فسموا "علم الكيمياء" (علم جابر).

وكان (جابر بن حيان) أول من حضّر: حامض الكبريتيك، وحامض النيتريك، وكربونات الصودا، وكربونات البوتاسيوم، وماء الذهب. وأصبح لهذه الكيماويات أهمية عظمى في العصور الحديثة، بل تكاد تكون من أسس حضارة القرن التاسع عشر والعشرين في الكيمياء، والصيدلة، والزراعة، والصناعة.

 وهو أول عالم كيميائي استعمل الموازين الحساسة في التجارب الكيميائية.

ولقد ابتدع طرقاً أفادت كثيراً في تحضير العقاقير وتنقيتها وذلك في عمليات (البلورة، والترشيح، والتقطير، والتصعيد) وغيرها من الأعمال الهامة الكيميائية والصيدلية.

وكان (جابر بن حيان) حريصاً على إبراز أهمية التجارب، واتباع المنهج التجريبي، ومن أقواله المأثورة: "إن من واجب المشتغل في الكيمياء، العمل وإجراء التجارب، وإن المعرفة لا تحصل إلا بها" وبهذا يكون (جابر بن حيان) ومن بعده (مسلمة بن أحمد المجريطي) قد سبقا علماء الغرب بعدة قرون في إخضاع العلم للتجربة، ووضع أسس "المنهج العلمي" الذي يقوم على التجربة.

وألف (جابر بن حيان) العديد من الكتب في الكيمياء والصيدلة منها كتاب (الموازين) وكتاب (سر الأسرار) وكتاب (الخواص) وكتاب (السموم ودفع مضارها) ولقد ترجمت معظم كتبه إلى اللغات الأوربية, وظلت مرجعاً في جامعات أوربا لعدة قرون.

ثانياً: ولقد ارتقت العلوم الصيدلية والطبية والكيميائية بعد ذلك درجات أخرى على يدي العالم الشهير (أبو بكر الرازي) الذي برع في الطب والصيدلة والكيمياء، ومن مؤلفاته كتاب (المنصوري) الذي أهداه إلى المنصور أمير خراسان، والذي ترجمه إلى اللاتنية فيما بعد (جيرار الكريموني) وظلت تدرس الأجزاء الكيميائية والبية منه بجامعات أوربا, حتى القران السادس عشر.

وكتاب (الحاوى) وهو موسوعة من عشرين جزءاً, يبحث في كل فروع الطب والكيمياء، وكان يدرس أيضاً في جامعات أوربا، بل إنه كان أحد الكتب التسعة التي كانت تدرس بكلية طب باريس سنة 1394.

وكان مؤلفه (الجدري والحصبة) دراسة علمية رائعة، وهي الدراسة الأولى التي استطاعت أن تفرق بين تشخيص هذين المرضين، وحتى تعرف قيمة الكتاب الطبية، فقد أعيد طبعه أربعين مرة باللغة الإنكليزية بين 1494، سنة1866, وهو من أوائل الكتب التي أخرجتها المطابع الأولى في العالم.

وهو الذي اخترع خيوط الجراحة المصنوعة من جلد الحيوان.

كما أنه قدم العديد المبتكر من الأدوية التي تعالج أمراض العيون، والصدر والأمعاء والمجاري البولية.

ثالثاً: ولقد خضعت الأدوية والعلاجات لدراسات مستقضية على أيدي علماء الأمة الإسلامية في عصور النهضة الإسلامية، وكان من أبرز العاملين في هذا الميدان الشهير (ابن سيناء) الذي يعتبر من أعظم العلماء إلى عصرنا هذا، وكتابه (القانون) من أشهر المؤلفات الطبية التي سجلها التاريخ، وظلت هذه الموسوعة موجعاً للطب والصيدلة في كثير من بلاد العالم المتحضر، حتى أوائل القرن الثامن عشر، ولقد بدأت كتبه تترجم منذ أوئل القرن الثاني عشر، وذلك بعض دارساته أساساً لبرامج التعليم الطبي والصيدلي في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا حتى النصف الأول من القرن الثامن عشر.

وقام (ابن البيطار) وهو أكبر علماء النبات من العرب, بدراسات موسعة على النباتات الطبية, وقام بإجراء التجارب عليها, وما كتبه (ديستوريدس) و(جالينوس) من الغرب و(الإدريسي والغافقي) من العرب.

رابعاً: ولقد مهد علماء الأمة الإسلامية في عصور النهضة الإسلامية للصناعات الصيدلية نتيجة ملا قاموا به من دراسات في (فن التجهيز الدوائي). ولقد وصف (أبو مروان بن زهر) "قالبا" توضع فيه المساحيق، لتخرج أقراصاً سهلة التناول، كما قام بدراسات لحفظ العقاقير فكان من أوائل الباحثين في هذا الحقل..

(وبعد) .. فهذا عرض موجز لجانب من جوانب النهضة الإسلامية التي عاشها المسلمون، لعدة قرون، وذلك عندما تأصلت العقيدة في نفوسهم, وهانت الحياة في عيونهم, ولانت الأسباب لعزائمهم .. فعلى أثر ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، ظهرت أمة مسلمة، تولى أمرها: سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين (محمد) صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله, وفي أقل من 50 عاماً كانت الأمة الإسلامية من الهند وفارس شرقاً إلى المحيط الأطلسي وشمال إسبانيا غرباً, وأصبحت المدينة المنورة والكوفة ودمشق وبغداد والبصرة وسمرقند والقيروان والقاهرة وغرناطة وقرطبة وطيطلة مراكز الحضارة لهذه الأمة  الإسلامية، وانضمت إلى هذه العواصم فيما بعد عواصم أخرى إسلامية: كالأستانة والقسطنطينية، ولقد بلغ المسلمون من المدنية والتقدم والحضارة درجة عظيمة لم يبلغها شعب من شعوب الأض في مثل هذه الفترة القصيرة. كما امتدت حضارتهم عدة قرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة، وكانت النهضة العلمية التي بلغتها الأمة الإسلامية الأساس الذي قامت عليه النهضة الحديثة، ولو أنصف المؤرخون لقالوا: بأن النهضة الحديثة بدأت منذ النهضة الإسلامية واستمرت في تطور متصل بحيث يجب اعتبار النهضة الإسلامية والنهضة الأوربية جزءين متصلين للنهضة الحديثة المستمرة حتى يومنا هذا.

ولهذا فإن (قضية تصحيح تاريخ العلوم) ما زالت مطروحة على الفكر الإنساني بعامة، والفكر الإسلامي بخاصة, ومن الواجب على رجال التاريخ الدفاع عن هذه القضية بما يتيح للحقائق التاريخية أن تظهر وتسود, وبما يتيح لتاريخ الحضارة الإسلامية أن يأخذ مكانته اللائقة بين تاريخ الحضارات..

 

(وختاماً)

 آمل أن يكون في الحديث عن الحضارة الإسلامية ما يحفز الهمم، ويشد العزائم, ويقضي على حالة اليأس والاستسلام ويدفع المسلمين جميعاً إلى العمل الجاد, الخالص لوجه الله الكريم, حتى تأخذ الأمة الإسلامية دورها في ركب الحضارة وحتى تصبح: أمة قائدة لا مقودة، ومبتكرة  لا مقلدة .. والله ولي التوفيق..