|
|
|
غزوة بدر معالم في طريق النصر |
|
لفضيلة الشيخ محمد السيد الوكيل |
|
|
|
تمهيد: |
|
لقد أحدث الإسلام أخطر انقلاب في تاريخ البشرية الطويل،
فمنذ انقطاع الوحي برفع عيسى عليه السلام والبشرية
تتعثر في خطواتها، وتنحدر بسرعة هائلة إلى حضيض مخيف، وهوة ساحقة. |
|
ووقف
المنصفون وذوو البصائر من هذا التردي وقفة الحذر المترقب، وقفوا يرقبون البشرية وهي تحفر قبرها بيدها، وصاح بعضهم صيحات
الإنذار على هؤلاء الغافلين ينتبهون إلى المصير المشئوم الذي ينتظرهم، ولكن
هيهات. |
|
ولف
الدنيا ظلام حالك، وخيم عليها سكون رهيب، وضاعت كل صيحات الإنذار بين ضجيج
الشهوات المسيطرة، وعربدة الفساد المتسلط، فلا تكاد تجد داعياً ولا تكاد ترى
مصغياً. والمنصفون من القوم يمسكون رؤوسهم بأيديهم، ويعصرون قلوبهم بسواعدهم
خوفاً من وقوع الكارثة كنتيجة لها التردي. |
|
وبينما
هم يرقبون الكارثة بزغ نور بدد الظلام، وفرق السكون،
وأهدى إلى الدنيا أعظم منحة في عمرها المديد، وتبددت علامات التشاؤم أمام هذا
النور الغامر، وحلت محلها بشارات الأمل المنشود. |
|
وانساب
نور النبوة يسري في جزيرة العرب كالماء يتسلل إلى عروق تلك الشجرة اليابسة فيعيد
إليها نضرتها وبهجتها، ويدعو القائظين إلى تفيؤ ظلها
الظليل. |
|
وأعلنت
الرسالة الجديدة ثورة عارمة على الوثنية ومعتنقيها، وحررت رقاب الناس من الخضوع
لأصنام صنعوها بأيديهم، ليذعنوا بها بالعبودية، ويحيطوها بالتقديس والإجلال
ووصلت أصداء تلك الثورة إلى كل قلب, ودخلت كل بيت, وعاشت في كل نفس، وبدأ الناس يفكرون في آلهتهم
ويترقبون ماذا سيكون مصيرها؟ |
|
وأسوا
بنفوذ الدين الجديد يسيطر على أهل الجزيرة طائعين أو مكرهين، وماجت أندية القوم
بآراء الناس في الرسالة والرسول، وارتفعت الأصوات في صخب وضجيج معارضة أو مؤيدة
ومبشرة أو متوعدة، وعاد الناس إلى بيوتهم وقلوبهم واجمة مضطربة، وعيونهم شاخصة
جاحظة، تدور رؤوسهم كالرحا، وهم لا يدرون ماذا تخبئ
لهم الأيام المقبلة؟ |
|
بين يدي المعركة: |
|
أيقن
الشرك الحاقد أن الأمر قد أفلت من يده بنجاح خطة الهجرة إلى طيبة، وظل يجتر
عداوته، ويبدئ ويعيد في خصومته، ونعم المؤمنون بالأمن
والاطمئنان في وطنهم الجديد، وأخذوا يرسلون قواعد الدولة الفتية، ويخططون لإقامة
المجتمع على هدى كتاب الله الذي كان يمدهم بكل ما يحتاجون إليه. |
|
ظن
السفهاء من المشركين أن الآلهة قد أراحتهم من محمد ودينه، وأنهم سيفرغون
لعبادتهم من غير أن يكون هناك معكر لصفوها، وأيقن أولوا الرأي منهم أن نجاح
الهجرة واستقرار الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة إنما هو بداية
نهايتهم مهما طال بهم الأمد. |
|
وأشار هؤلاء على قومهم بمهادنة محمد إذا لم يريدوا الدخول
في دينه صلى الله عليه وسلم، ولقد لقوا من جراء
صراحتهم عنتاً ومشقة وظلت الأوضاع هكذا جامدة لا تغادر أبواب مكة. |
|
ولكن
الرسول قد استعد للأمر، واتخذ وسائل لحماية الدولة الجديدة، فأخذ يعمل على تأمين
حدودها فأرسل السرايا وبعث البعوث ليثبت قوة المسلمين، وقدرة الدولة الناشئة على
حماية نفسها من أي عدو يبغيها الدوائر. |
|
وخرجت
سرية من المدينة تترصد عيراً لقريش قادمة من الطائف، وكانت القيادة فيها لعبد
الله بن جحش واستولى المسلمون على القافلة وكانت محملة زبيباً وأدماً، وقتلوا عمرو ابن الحضرمي وأسروا رجلين من رجالها[1]. |
|
ولم
تتحرك قريش لهذا العدوان، وكأن الأمر لا يعنيها في قليل أو كثير حتى كانت قافلة
أبي سفيان بن حرب القادمة من الشام والتي تمخضت عن غزوة بدر. |
|
لقد أثارت سرية عبد الله بن جحش الرعب في قلوب المكيين،
وكانت سبباً في أمرين هامين: |
|
الأول: اتخاذ اللازم لحماية القوافل.
|
|
والثاني: تشويه سمعة المسلمين. |
|
ولقد
اضطر أهل مكة على أثر ذلك إلى أن يشددوا الحراسة على
قوافلهم سواء كان ذلك داخل الجزيرة أو في خارجها، حتى بلغ عدد رجال قافلة أبي
سفيان المتوجهة إلى الشام أربعين رجلاً.[2] |
|
كذلك
استغل أهل مكة قتل ابن الحضرمي على أيدي المسلمين في الأشهر الحرم حيث قتل في
شهر رجب، وأخذوا يشوهون على المسلمين، وأكثروا من ترديد ذكر الحادث محاولين بذلك
إثارة سكان الجزيرة ضد المسلمين لاعتدائهم على حرمة الشهر الحرام حيث كانوا
يعظمون تلك الأشهر، ويرون الاعتداء فيها خطيئة لا تغتفر. |
|
وقد نجحت دعايتهم إلى حد ما، وأثارت جدلاً عنيفاً حتى
بين المسلمين أنفسهم، وقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم فعلتهم، وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، وعنفهم
إخوانهم المسلمون على صنيعهم.[3]
وقد سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا ولم
يحسم الأمر إلا نزول الآية الكريمة: |
|
{يَسْأَلونَكَ
عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ
عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ
أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}[4]. |
|
وضعت
الآية الكريمة الأمور في نصابها وأوضحت الأمر بالنسبة لموقف المسلمين، ومن ناحية
أخرى أثارت دعاية المشركين المغرضين نفوس المسلمين، ودفعتهم إلى تحديد موقفهم من
تجارة قريش التي تعبر حدود الدولة الإسلامية في طريقها إلى الشام، وعزموا على
مصادرة كل قافلة تمر بهم، وكانت أولى القوافل قافلة أبي سفيان. |
|
فرصة يجب ألا تفلت: |
|
علم
المسلمون بعودة قافلة أبي سفيان من الشام، واستنفر الرسول صلى الله عليه وسلم
أصحابه للاستيلاء عليها، وأسرعوا في الخروج حتى لا تفلت القافلة، فخرجوا وليس
عليهم كبير سلاح، وكان عدوهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. |
|
وعلم
أبو سفيان بخروج المسلمين لمطاردة القافلة في محاولة للاستيلاء عليها فاستأجر
رجلاً وبعثه إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية القافلة،
ووصل رسول أبي سفيان إلى مكة، وصرخ فيهم منذراً بتعرض تجارتهم للوقوع في أيدي
المسلمين، وأخذ أهل مكة يستعدون للخروج. |
|
وكان
أبو سفيان رجلاً خبيراً بمسالك الطريق، فطالما خرج بالقوافل في تجارة القوم
وطالما سلك هذا الطريق حتى أصبح لا يخفى عليه شيء من شعابها ودورها، أفينتظر حتى تأتيه نجدة
قريش؟ وقد يسرع إليه المسلمون فتقع القافلة تحت أيديهم، أم يتصرف بطريقته الخاصة
محاولاً إنقاذ التجارة والنجاة بها، وقدر أبو سفيان أن نجدة قريش قد تتأخر فانحاز على بدر ومال ذات اليمين وسلك طريق
الساحل. ونجا بقافلته. وجاءت الأخبار إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنجاة القافلة، واتجاهها إلى مكة. |
|
أفلتت الفرصة وبقيت المواجهة: |
|
أصبح
الموقف حرجاً بالنسبة للجيش الإسلامي، وبالتالي أصبح موقف الرسول صلى الله عليه
وسلم دقيقاً للغاية، فهو لم يخرج لقتال، ولم يخبر أصحابه بذلك حتى يأخذوا أهبتهم
لملاقاة عدوهم، وماذا يفعل وقد خرجت قريش للحرب، ورمتهم مكة بأفلاذ
كبدها؟ |
|
إن
الجيش الإسلامي لا يستطيع العودة إلى المدينة دون مواجهة، لأن ذلك يعود على
الدولة الناشئة بأضرار بليغة، وعواقب وخيمة، إذ لا يشك إنسان حينئذ في طمع قريش،
وقد يترتب على ذلك مهاجمة المدينة، وانتهاك حرمة الدولة باقتحام حدودها ثم ماذا
سيكون موقف اليهود داخل المدينة، وهم يتربصون بها وينتظرون لحظة ضعف للانقضاض
عليها؟ |
|
وهناك
مشكلة أعظم من ذلك كله، لقد كان أكثر المسلمين من الأنصار حيث كان عددهم واحداً
وثلاثين ومائتي رجل، في حين كان المهاجرون ثلاثة وثمانين
رجلاً[5]،
ولم يكن الأنصار ملزمين بحماية الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه إلا في
داخل المدينة حسب نصوص بيعة العقبة، فما موقف الأنصار من هذه المعركة التي فوجئوا بها، وقد فرضت عليهم نفسها؟ |
|
إن
الموقف دقيق للغاية، ويحتاج إلى حل حاسم وسريع، فليس
هناك مجال للتردد وليس في ميدان المعركة مكان للمترددين. |
|
استعرض
الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل هذه المشكلات، وأدار فكره فيها، وقرر فيها
رأيا، ولكنه لم يفرض على أصحابه ، لأن في المسلمين من
ليسوا ملزمين بالقتال في هذا الموقف، ولأن الأمر شورى بين المسلمين فيما لم يرد
فيه نص، لهذا صارح الرسول أصحابه بحقيقة الموقف، وأخبرهم بخروج قريش لتحمي
تجارتها، وتدخل معهم في معركة إذا اقتضى الأمر ثم قال:
"أشيروا
علي أيها الناس"[6]. |
|
وهنا
قام زعماء المهاجرين - أبو بكر وعمر والمقداد بن الأسود - فأحسنوا الكلام وردوا
الأمر إلى رسول الله ليفعل ما أمره به الله، وقال المقداد: "لا نقول لك كما
قال قوم موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24), ولكن نقول لك:
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين
يديك ومن خلفك"[7]. |
|
وظل
الرسول يطلب مشورة القوم، حتى فطن سعد بن معاذ - رضي الله عنه - لما يعنيه
الرسول من أخذ رأي الأنصار، فقال: "لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً
عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت،
وصل حبل من شئت, واقطع حبل من شئت, وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا منها ما شئت،
وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت, وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك, فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت
بنا هذا البحر لخضناه معك"[8]. |
|
وعندئذ
استوثق الرسول ممن معه، واطمأنّ إلى أنه لن يتخلف منهم أحد عن خوض المعركة فسرّ
بما سمع وأشرق وجهه وقال: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع
القوم"[9]. |
|
وبهذا تكون الجبهة الإسلامية قد توحدت تماماً، ولم يعد هناك
خوف من شذوذ أحد ممن خرج من المسلمين، ولم يعد النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة
إلى التفكير في موقف الأنصار تجاه سياسته الخارجية. |
|
ولو تركنا الجبهة الإسلامية قليلاً في وضعها القوي
المتماسك لننظر في وضع الجبهة الأخرى وحالتها المعنوية لوقفنا على ما يلي: |
|
لم
يكن أهل مكة متفقين على الخروج للمعركة، وهم رغم اتفاقهم في عداوة المسلمين إلا
أنهم كانوا مختلفين في خوض المعركة، فقد تخلف عنهم بنو
عدي بن كعب، ورجع بنو زهرة من الجحفة
نزولاً على رأي الأخنس بن شريق،
فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحد[10]. |
|
ولم
يكن موقف زعمائهم خيراً من موقفهم، فإننا نرى أمية بن خلف وعتبة بن ربيعة، وحكيم
بن حزام لم يخف أحد منهم للخروج لأنهم كانوا غير مؤمنين بسلامة موقفهم، وحتى أبو
لهب مع شدة عدواته لم يشهد المعركة وأخرج رجلاً آخر
مكانه. |
|
ولقد
لعبت العصبية القبلية دوراً خطيراً في الخلاف الحاصل بين المكيين، كما كان لنجاة
القافلة ووصولها إلى مكة سالمة أعظم الأمر في تثبيط همم الخارجين للقتال، حيث
وجدوا أنفسهم أمام معركة لا مبرر لها، ولعلهم أيضاً لا يضمنون نتائجها، حتى
أحسوا بأنهم إنما خرجوا يقاتلون عن قضية وهمية لا وجود لها، وهذا هو ما عبر عنه الأخنس بن شريق حين قال: "يا
بني زهرة، قد نجّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما
نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا لي جانبها، وارجعوا, فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا
في ضيعة"[11]. |
|
وكما
كان ذلك رأي الأخنس فإنه رأى عتبة بن ربيعة حين قام
خطيباً - وقد وصلوا بدر - فقال: "يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن
تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل
يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلوا
بين الرجل وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم
ولم تعرضوا منه ما تريدون"[12]. |
|
ولم يرض أبو جهل بهذا الرأي، وأتاهم عتبة بالجبن والخوف
على ولده الذي كان بين صفوف المسلمين وثار النزاع وتكلم بعضهم على بعض، وحدث
الخلاف واستحكمت الفرقة. |
|
وهكذا كانت الجبهة المكية خلاف في الرأي بين القواد،
وخصومة ونزاع بين الجنود، وعدم وضوح للغاية والهدف عند الجميع. |
|
والتقى الجمعان: |
|
وفي يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة
الثانية للهجرة كانت المعركة الفاصلة حيث التقى الجمعان على الحال التي كانت
عليها كل منهما، ولكن هل كان هناك تكافؤ في الفرص
والعدد والعتاد؟ وذلك ما سأوضحه فيما يأتي: |
|
أستطيع
أن أؤكد أنه لم يكن هناك تكافؤ قط في شيء مما ذكر، بل كان هناك تفاوت وفرق هائل
في كل شيء. |
|
فمن حيث الفرصة فإن المسلمين فوجئوا
بالحرب، ولم يكونوا على استعداد لها، وقد يعدوا من مصادر تموينهم فليست هناك
فرصة للتسلح والاستعداد للمعركة، في حين أن المشركين خرجوا متهيئين للقتال
متسلحين بكل ما يحتاج إليه المحارب، حتى كانوا يقولون: "أيظن محمد أن نكون
كعير ابن الحضرمي؟"[13]. |
|
ومن حيث العدد فإن جيش المسلمين كان أربعة عشر
وثلاثمائة مقاتل، في حين كان جيش المشركين يتراوح عدده بين التسعمائة والألف. |
|
وأما
المعتاد فلم يكن لدى المسلمين سوى سبعين بعيراً يتعاقبونها،
وفرسين فقد، ومن السلاح ما يحمله الرجل الذي لم تخطر بباله الحرب، ولذا كانت
وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ألا يحملوا على العدو حتى يأمرهم, وقال:
"إن اكتنفوكم فانضحوهم عنكم بالنبل"،[14]
كأنه يريد بذلك ألا يسرف المسلمون في استعمال السلاح، وليس معهم ما يكفي ذلك. |
|
وأما
المشركون فكان معهم سبعمائة بعير، ومائة فرس, هذا عدا
ما كانوا يذبحون منه يوماً عشراً ويوماً تسعاً، وكان معهم عدة الحرب كاملة حيث
كانوا قد استعدوا لها،[15]
ولقد وصفهم القرآن الكريم فقال:
{خَرَجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ}[16] لأنهم
كانوا فخورين بعددهم مختالين بقوتهم. |
|
مهارة القيادة الإسلامية ومرونتها: |
|
أثبتت
القيادة الإسلامية مهارة فائقة في رفع الروح المعنوية للمقاتلين حيث وعدتهم
بالنصر، وبشرتهم بالجنة، وأخبرتهم بشهود الملائكة المعركة ليؤازروهم ويهزموا
أعداءهم، فكان - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم:
"والذي
نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا
أدخله الله الجنة"[17]. |
|
كما
أثبتت مرونة لم تعهد من قبل، وذلك بمشاورة الجنود، والنزول عند مشورتهم عندما
تتبين صحة المشورة، كما حدث في مشورة الحباب بن
المنذر حين أشار بتغيير مكان الجيش، فنزل الجيش بذلك أفضل موقع بالنسبة للمعركة،
وحرم جيش العدو من السيطرة على ذلك المكان، كما حرم من استعمال الماء اللازم
ضرورة للجيش[18]. |
|
نتيجة المعركة: |
|
إن
نظرة سريعة إلى المقارنة التي أوردتها آنفاً بين
الجيشين تدل على أن نتيجة المعركة لا بد أن تكون في صالح المشركين لأنهم كانوا
أكثر عدداً وأعظم عدداً، وأحسن حالاً من المسلمين، ولكن هل كانت النتيجة
كذلك؟؟!! |
|
لا،
إن النتيجة كانت في صالح القلة الضعيفة، ذات الأسلحة الهزيلة، والظروف السيئة -
أي في جانب المسلمين - ولم يكن أحد يتوقع ذلك، لأن حساب المعارك دائماً يكون
بالتفوق المادي أما الغيبيات أما قدرة الله، أما نصر الله لعباده المؤمنين، فذلك
لا يدخل قط في حساب الماديين ولهذا كانت النتيجة مدهشة لكل من علم بها، إذ كيف
تنتصر القلة على الكثرة؟ وكيف يهزم الضعيف القوي؟ بل
كيف تتغلب فئة لم تخرج لقتال، وليس معها من السلاح إلا القليل على الكثرة
المغرورة التي أعدت من السلاح وأسباب القوة ما يحقق النصر غالباً؟؟ |
|
ذلك
هو ما حصل في ميدان المعركة، فلم تكد القوتان تلتقيان
حتى ولى المشركون الأدبار ومنحوا المسلمين أكتافهم يقتلون ويأسرون، فكان اللقاء
كما قال سلمة بن سلامة - رضي الله عنه -: "فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن المعلقة، فنحرناها"[19]. |
|
ولم
يكن هؤلاء العجائز الصلع إلا سادات مكة، وأشرفها، لذا
تبسم - صلى الله عليه وسلم - حين سمع مقالة سلمة
وقال: "أي ابن أخي، أولئك المل"أ[20]. |
|
انهزمت
القوة التائهة المختالة، وخلفت وراءها في أرض المعركة سبعين قتيلاً فيهم سادات قريش: أمية بن خلف، عمرو بن هشام - أبو جهل -, عتبة
بن ربيعة, الوليد بن عتبة, شيبة بن ربيعة, نبيه ومنبه
ابنا الحجاج, وغيرهم من القادة والزعماء، كما تركوا في أيدي المسلمين سبعين
أسيراً منهم سهيل بن عمرو والعباس بن عبد المطلب وغيرهما، واستولى المسلمون على كثير من الغنائم، ولم يستشهد
من المسلمين سوى أربعة عشر رجلاً[21]. |
|
وكان
لهذه النتيجة أبعاد أعمق من إحراز النصر نلخصها فيما
يأتي: |
|
أ – رفع معنويات جيش المسلمين، وإحساسه بمعونة الله له. |
|
ب – تشجيع المسلمين
على خوض معارك مع أعدائهم لم يجرؤوا على خوضها لولا انتصارهم في بدر. |
|
ج ـ
شعور الجيش الإسلامي بأنه قوة رادعة جعله يمضي قدماً في
تأسيس الدولة بعزم. |
|
د – ردع الأعداء حتى شل تفكيرهم عن الدخول في معارك جديدة مع
المسلمين لمدة تزيد عن السنة مما أعطى المسلمين فرصة لتنظيم أنفسهم والاستعداد
للقاء عدوهم. |
|
هـ-كل
انتصارات المسلمين بعد تلك الغزوة كانت امتداداً طبيعياً للنصر فيها حيث كان
المسلمون يقاتلون وهم يعتقدون أنهم في معية الله - عز
وجل - وكان
المشركون يعتقدون أنهم يقاتلون عدواً غير عادي ليس من السهل التغلب عليه. |
|
دروس من المعركة: |
|
وإذا
كانت نهاية المعركة جاءت على هذا النحو الغريب، ولم تكن بالشيء الذي يمر به
الإنسان دون أن يقف حياله مبهوراً حائراً، كان لازماً على الباحث أن يستخلص منها
بعض الدروس التي يمكن أن تكون عوامل هامة في توجيه المعركة ونتائجها، كما يمكن
أن يستفيد بها المسلمون في مواجهة أي عدو يلقونه، ومن هذه الدروس ما يلي: |
|
1 –
التنظيم الدقيق الذي امتاز به الجيش الإسلامي، فقد
صفهم الرسول صفوفاً على غير عادة العرب, وأصدر تعليمات مشددة بعدم الهجوم أو بدء
المعركة حتى تصدر أوامر القيادة بتنظيم المبارزة واختيار المبارزين وغير ذلك. |
|
2 – رفع معنويات الجنود بتبشيرهم بالجنة،
وذكر ما أعد الله فيها للشهداء مما جعل الجنود يستبسلون ولا يهفون كما في قصة
عمر بن الحمام حين ألقى التمرات التي كان يأكلها وقال: "بخ بخ أفما بيني وبين الجنة إلا
أن يقتلني هؤلاء ؟!!"[22]. |
|
3 –
دخول المعركة برغبة من الجنود جعل كل جندي يشعر بأن
المعركة معركته وأنه مسئول عن نتيجتها مما جعلهم يضحون بكل غال ونفيس. |
|
4 –
الاعتداد بأخوة الإسلام قبل أخوة النسب والرحم واعتبارها هي الأخوة الحقيقية كما
حدث من مصعب بن عمير مع أخيه أبي عزيز حين رآه أسيراً
فقال لمن أسره: "شد يديك به فإن أمه ذات مال لعلها تفديه منك"[23]. |
|
5 –
الشورى وعدم الاستبداد بالرأي فقد كان ذلك المبدأ هو القاعدة السائدة في المعركة
من بدايتها إلى نهايتها فقد استشار الرسول المسلمين في دخول المعركة, ونزل على
مشورة الحباب في تغيير مكان الجيش، وأخذ رأيهم في
الأسرى. |
|
6
–
الاهتمام بتثقيف المسلمين وتعليمهم، حيث جعل الرسول فداء الأسرى الذين يقرأون أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المسلمين
الكتابة والقراءة[24]. |
|
آثار المعركة: |
|
تركت
معركة بدر آثاراً عميقة في كل من مكة والمدينة، أما في المدينة فقد استقرت على
أثرها أوضاع الدولة الإسلامية، فأصبحت مرهوبة الجانب، يخشاها العدو، ويرهبها
المحايد، وأصبح مركز المدينة مرموقا كعاصمة لدولة أخذت وضعها اللائق بها واعتز
المسلمون بهذا النصر فواجهوا أعداءهم في قوة وحزم. |
|
كما كان لها في نفوس الأعداء المتربصين بها من الداخل -
اليهود والمنافقين - أثران متلازمان هما: الفزع والكيد. |
|
لقد
أحس الأعداء بأن الدين الجديد أصبحت له دولة تحميه، وأن الرجل الذي هرب من بلده
ولجأ إلى بلدهم صار ذا نفوذ وسلطان، فانزعجت نفوسهم، وانخلعت قلوبهم, وبدأوا يفكرون كيف يتخلصون من هذا المأزق الذي أحاط بهم؟ |
|
عندئذ أخذوا يتآمرون ويدبرون المكايد للقضاء على تلك
الدولة، فاتصلوا بالمشركين في مكة يحرضونهم على قتال المسلمين ويعدونهم بالوقوف
معهم، كما اتصلوا باليهود في البلاد الأخرى مستعينين بهم في تنفيذ خططهم لاغتيال
محمد - صلى الله عليه وسلم -. |
|
أما
المسلمون فكانوا بعد الانتصار الذي أحرزوه أقوى معنوية, وأحسن حالاً مما كانوا
عليه من قبل، فقابلوا التآمر بتآمر أكثر إحكاماً, وواجهوا الكيد بكيد أشد
إيلاما، فقتلوا كعب بن الأشرف زعيم المتآمرين، وأجلوا
بني قينقاع عن المدينة، وهكذا أثبت المسلمون قدرتهم
على أعدائهم، وأحبطوا المؤامرات التي تدبر لهم، وأبعدوا عن المدينة الخطر الذي
طالما تهددهم، وأصبحوا أكثر استعداداً لصد الهجمات المتوقعة من جانب أهل مكة. |
|
وأما
في مكة فكان أثر المعركة عنيفاً على نفوس الناس، حيث لم يكن أحد يتوقع هذه
النتيجة المؤسفة، ولكن هذا الأثر اتجه اتجاهاً واحداً، وبرز في تفكيرهم شبحاً
للثأر الذي لا يمكن تركه مهما كلفهم من جهد أو مال، فاتفقوا على أن يجعلوا
القافلة التي نجا بها أبو سفيان، والتي كانت سبباً في معركة بدر وقفاً على تمويل
جيش يحاربون به المسلمين لعلهم يدركون به ثأرهم، وكانت القافلة تضم ألف بعير ومن
الأموال خمسين ألف دينار[25]
وضعت جميعها في خدمة الجيش الذي عقدوا عليه آمالهم. |
|
محمد السيد الوكيل |
|
مدرس التاريخ
الإسلامي |
|
في كلية الحديث
الشريف |
|
والدراسات
الإسلامية |
|
|
|
[1] ابن هشام 2/180. |
|
[2] زاد المعاد 2/217. |
|
[3] ابن هشام 2/180. |
|
[4] البقرة:
217. |
|
[5] ابن هشام 2/250. |
|
[6] ابن هشام 2/188. |
|
[7] زاد المعاد 2/218. |
|
[8] نفسه |
|
[9] نفسه 219. |
|
[10] ابن هشام 2/191. |
|
[11] ابن هشام 2/191. |
|
[12] نفسه 183. |
|
[13] مختصر السيرة ص203. |
|
[14] ابن هشام 2/195. |
|
[15] مختصر السيرة ص230، ابن
هشام 2/189. |
|
[16] الأنفال
47. |
|
[17] ابن هشام 2/196. |
|
[18] زاد المعاد: 2/219. |
|
[19] ابن هشام 2/208. |
|
[20] نفسه. |
|
[21] ابن هشام 2/251-259. |
|
[22] ابن هشام: 2/196. |
|
[23] نفسه 209. |
|
[24] روض الأنف 5/245
تحقيق عبد الرحمن الوكيل. |
|
[25] المواهب المدنية 1/92. |