|
|
|
تعدد الزوجات وحكمه في
الإسلام |
|
لفضيلة الشيخ محمود عبد
الوهاب فايد |
|
|
|
|
|
تعدد الزوجات ما شأنه؟ ولم كثر حوله اللغط؟ وما بال خصوم
الإسلام اتخذوه مطية للقدح فيه والتشنيع عليه. إن الإسلام لم يبتدعه في عالم لم يعرفه، فقد كان التعدد
شائعاً في كثير من الأمم القديمة كان معروفاً لدى الفرس والروم والآشوريين
والبابليين وغيرهم من الأمم عدا إسبرطة فقد كانت وحدها تقرر تعدد الأزواج دون
تعدد الزوجات. |
|
وشريعة بني إسرائيل تبيح للرجل أن يتزوج بما شاء دون تقيد
بعدد ولهذا ورد في الملوك الأول الإصحاح الحادي عشر 0(وكان له _ أي لسليمان _
سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري) _
وفي التثنية 21: 15 _16 "إذا كان لرجل امرأتان إحداهما
محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة فإن كان الابن البكر
للمكروهة فيوم يقسم لبنيه ما كان له، لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة البكر على
ابن المكروهة البكر". |
|
هذا النص فيه تسليم بتعدد الزوجات، وبيان ما يتفرع عنه من أحكام. |
|
ولا يوجد نص في الإنجيل يصرح بمنع التعدد. |
|
وقد تزوج قسطنطين بكثير من
النساء وهو أول ملك آمن بالمسيحية ودعا إليها وسن فالنتين
الثاني تشريعا يبيح تعدد الزوجات وبقي ذلك مباحا حتى منعه جوستنيان
بقانون 350 م واستقر الأمر أخيرا على هذا وظلت الكنيسة تناوئه وتقول بحرمته. |
|
نعم .. أباحة
بعض البابوات لشارلمان ملك فرنسا وهو الذي عاصر
الخليفتين: المهدي وهارون الرشيد. |
|
والعرب في جاهليتهم كانوا يعرفون تعدد الزوجات ويذهبون فيه
كل مذهب ولا يقفون به عند حد فلما بعث الرسول إليهم نظم شرعة الزواج تنظيما
دقيقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فجعل له أركانا وشروطا واعتبره
ميثاقا غليظا، وقرر بمقتضاه حقوقا على الرجل نحو المرأة،
وحقوقا على المرأة نحو الرجل، ورتب عليه آثارا في
الحياة وفي الموت، في الاتصال وفي الانفصال. |
|
وموقف الإسلام من مشكلة التعدد موقف يشهد ببراعته، ويدل على
دقته وحكمته، فهو يمنع تعدد الأزواج لأنه ينافي الفطرة السليمة، ويعادي الطبيعة
المستقيمة، ويؤدي إلى فساد النسل، ويجر إلى اختلاط الأنساب. لكنه بجانب هذا يبيح
تعدد الزوجات دون أن يرغب فيه أو ينهى عنه، ويشترط لإباحته ضمان العدل وأمن
الجور. |
|
وفي هذا يقول المولى: {وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا
فَوَاحِدَةً } |
|
روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها
قال لها: يا أمتاه {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا
تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} إلى {مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قالت عائشة: "يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر
وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص من صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن
يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء". |
|
قالت عائشة:" استفتى
الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} إلى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}. فأنزل الله لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات مال
وجمال رغبوا في نكاحها ونسبها والصداق وإذا كان مرغوبا عنها في قلة المال
والجمال تركوها وأخذوا غيرها من النساء. قالت:
"فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن
يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق". |
|
في ضوء هذا الأثر نستطيع أن نفهم الآية وندرك وجه الربط بين
الشرط والجزاء فالمولى يقول لهؤلاء الأوصياء الذين يطمعون في أموال اليتامى
ويرغبون في إحرازها عن طريق الزواج ولا يتحرون العدل معهن في الصداق ولا يأمنون على أنفسهم من أن يجوروا عليهن يقول لهم: ما يضطركم
إلى هذا الطريق الوعر الذي يجر عليكم المآثم فقد
أفسحت لكم المجال وأبحث لكم أن تتزوجوا باثنتين أو ثلاث أو أربع ممن تستطيعوهن
وتميل نفوسكم إليهن. |
|
وواضح أن الآية بهذا المعنى نص في التعدد ودليل على أن الله
أباح لنا أن نتزوج من النساء إلى أربع بشرط أن نتيقن العدل معهن ولا نظلم واحدة
منهن فإن خفنا عدم العدل وتوقعنا الشطط فلا يباح سوى واحدة ويكون الاقتران بأخرى
عند ذلك ممنوعا والعدل الذي يشترطه الإسلام هو الداخل في نطاق الوسع من النفقة
والمبيت ولا يمكن أن يراد به ما يشمل ميل القلب فهذا أمر خارج عن الطاقة وقد
رفعه الله عن العباد {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}. |
|
وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تقرر هذا وتؤكده، فقد كان
عليه الصلاة والسلام يتحرى العدل بين أزواجه في القسم، ولا يميز واحدة على أخرى
ثم يعتذر عما لا يقدر على التصرف فيه وهو ميل الفؤاد، ورغبة النفس واتجاه اللب. |
|
روى الأربعة عن عائشة رضي
الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا
أملك يعني القلب". |
|
فهذا الحديث يلقى
الضوء على العدل المشروط لإباحة التعدد، ويبين أنه العدل في القسم دون غيره. |
|
هذا ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمه الصحابة، وجرى
عليه العمل إلى عصرنا ولا يعقل أن يتوسع المولى فيفتح لنا باب التزوج برابعة مع
أن الثانية في نظر من يحرمون التعدد ممنوعة لامتناع شرط الإباحة وهو إقامة العدل
بين الزوجات. |
|
ومما يؤكد ما فهمناه من جواز التعدد بشرطه أن الإسلام عمل
على تنظيمه فبعد أن قال المولى: {حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} نظم في سلك المحرمات {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} فالآية
الكريمة تدل على منع الجمع بين الأختين ويحمل عليه ما شابهه مما أشارات إليه
السنة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجمع بين المرأة
وعمَّتِها ولا بين المرأة وخالتها"
فتحريم هذا الجمع وإباحة ما سواه تنظيم للتعدد ودليل على جوازه، ولا فائدة من
النص على تحريم الجمع بين الأختين ما دام بين المسلمات ممنوعا كما يزعم نفر من
أبناء عصرنا ترديدا وتقليدا للغربيين. |
|
قال البخاري في صحيحه 9: 126،
127 "جمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي.. وجمع
الحسن بن الحسن بن علي بين ابني عم في ليلة". |
|
هذا هو ما فهمه المسلمون منذ
الصدر الأول إلى يومنا، وليس فهما جديدا مبتكرا. والقول
بتحريم التعدد على إطلاقه قول في دين الله بغير علم، وفهم حديث لا سند له من
كتاب ولا سنة، وترديد لأقوال المتفرنجين الذين يبغون لي عنق الإسلام ليتمشى مع
مذاهبهم ومسالكهم. |
|
ولن يكون الناس في آخر
الزمان أصح إدراكا، وأنفذ بصيرة، وأصدق فهما لنصوص الشريعة ومراميها من أولئك
الذين حملوها إلينا، وفضلهم المولى علينا.. نعم. إنه لا يتصور أن يكون الذين
فهموا إباحة التعدد وجروا عليه من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أيامنا
هذه قد أخطئوا الفهم، وحادوا عن الصواب، وظل خطؤهم عالقاً بأذهان المسلمين إلى
أن جاء في عصرنا الذي اتسم بالتحلل نفر من المتفقهين أصلحوا لهم خطأهم، وأوضحوا
لهم وجه الصواب في دينهم، وكيف يستساغ هذا وفيه إساءة بالغة إلى أسلافنا الأوائل
الذين تلقوا الإسلام وفهموه من المعلم الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. |
|
قد يقول بعض المغرمين بإثارة الشبهات: إن المولى يقول {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} وفي
آية أخرى يقرر أن العدل غير مستطاع فيقول سبحانه {وَلَنْ
تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}
فمجموع الآيتين يفيد حظر التعدد ويمنع إباحته. |
|
ونقول لهؤلاء: إنكم تغافلتم
عن قول الله عقب ذلك {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ
الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} فأشبهتم من يقرأ {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ} ويدع قوله بعدها {وَأَنْتُمْ سُكَارَى}. |
|
إن المولى نفى استطاعه العدل بمعناه الشامل لميل القلب،
ومالا يستطاع لا يكلف به إنسان قال تعالى: {لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} لذلك بين القدر الكافي في
براءة الذمة فقال: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ
الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة} أي لا نطلب منكم توخي العدل
تماما في سائر النواحي فهذا ليس في طاقتكم وإن حرصتم ولكن عليكم بالقصد في كل
أعمالكم، فلا تميلوا لواحدة ميلا كليا وتهملوا الأخرى كل الإهمال فتذروها
كالمعلقة. |
|
ومثل هذا ما رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت
له امرأتان ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه
ساقط" فهذا الحديث يصرح بوقوع التعدد ولا يمانع فيه، إنما يمانع في
الجور ويعاقب عليه. |
|
قد يسأل بعض الناس ولم صدر المولى الآية بنفي الاستطاعة؟ فقال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} |
|
وأقول: إنما صنع ذلك لكي يثير المخاوف في قلب الإنسان حتى
يفكر طويلا في شرط التعدد، ويتثبَّت من مقدرته على العدل بين الزوجات فلا يتسرع
في الزواج بأخرى لشهوة طائشة أو رغبته جامحة أو وهم كاذب ينخدع به لفترة قصيرة
ثم يستيقظ بعد فوات الأوان وسوء الحال، وليس معنى هذا أن الشارع يحرم التعدد. فما كان الله ليبيحه نصا، ويأتي به ابتداء في مستهل الآية ثم
يأتي عقب ذلك في مقطعها بما يتناقص مع مطلعها. |
|
إن أمر التعدد ورد في القرآن قبل أمر التفرد، وقد روي عن
قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي
صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: "اختر منهن أربعا" رواه
أبو داود وابن ماجة. |
|
وعن عبد الله بن عمر قال: "أسلم
غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه
وسلم أن يختار منهن أربعا" رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وعن نوفل
بن معاوية قال: " أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فارق واحدة وأمسك أربعا" رواه
الشافعي والبيهقي. |
|
هذا كله دليل على جواز التعدد ولو كان حراما لأمر الرسول
صلى الله عليه وسلم هؤلاء بأن يمسكوا بواحدة ويفارقوا البواقي كما أمر بمفارقة
ما زاد على أربع. |
|
ولا أدري كيف ينظم الرسول
صلى الله عليه وسلم طريقة القسم بين الزوجات ما دام التعدد ممنوعا؟ كيف يتأتى
على مذهب المانعين ما رواه البخاري ومسلم عن أبي قلابة
عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ثم قسم
وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم" قال أبو قلابة:
"ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" كيف
يتأتى هذا وكيف يتأتى قول أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاث ثم يعود إلى نسائه"
رواه الدرقطني. |
|
إن هذين الحديثين يؤكدان أيضا ما قررناه من إباحة التعدد
لمن قدر على العدل بمعناه الذي شرحناه. |
|
ولا يحول دون ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
وهو على المنبر " إن بني هشام بن المغيرة
استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا
أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي مضغة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها". |
|
فهذا الحديث الذي يردده المانعون لا وجه للتمسك به فهو كما
ترى يبيح التعدد ويزيد عليه إباحة الطلاق، وما أظن الذين يتملقون المرأة خداعا ويزعمون أنهم أنصارها يرضون بهذا _ نعم فيه ما
يدل على استهجان الجمع بين بنت رسول الله وبين بنت عدو الله كما صح في رواية
مسلم. وهذا أبشع ما يكون من الجمع وهو على الرغم من بشاعته جار على مقتضى عاطفة
الأبوة التي أرادت فاطمة أن تثيرها فقالت له كما في صحيح مسلم: "إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك" . |
|
فأي شيء أن يشارك الرسول وهو بشر ابنته فيما
يثيرها؟ أي شيء في أن يطيب خاطرها _ بعد أن أثارت عاطفته بكلمة طيبة تهدئ ثائرتها؟
لقد أنصت الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة، وأفسح صدره لشكاتها وأعانها بالحيلة
والقول الحسن وما كان ينتظر منه كمثل أعلى للوالد البار الحنون أن ينهرها ويغلظ
لها القول ويتنكر لها في هذه الساعة. |
|
وماذا عليه لو استرضى فاطمة بقول له فيه سعة، وفاطمة هذه ابنته
الوحيدة، وهي أولا وأخيرا بنت خديجة التي أعانته في
دينه ودنياه، وقد ماتت أمها وأصبح الرسول ملاذها الوحيد عليه وعليه وحده أن
يبرها لأنها ابنته، ولا ملجأ لها سواه، وعليه كذلك أن يبرها وفاء بحق خديجة تلك التي ظلت تحسن إليه طول حياتها. |
|
فماذا لو استؤذن في أن يتزوج
عليها فلم يأذن وهو بعد لم يحرم حلالا ولم يحل حراما؟ |
|
ليس هناك نص من الشارع يفرض على الوالد أن يأذن بالزواج على
ابنته ونصوص الإسلام التي وردت توصي ببر الأهل، والإحسان إليهم بالقول والفعل
وهذا كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم برا بفاطمة وإحسانا إليها، ومن حق كل
بنت على أبيها أن يسرى عنها في مثل هذه الظروف العارضة، ويحاول بفطنته أن يجد
لها مخرجا وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتمل سوى هذا فقال: "إني لا أحرم ما أحله الله" أي لا أحرم
التعدد الذي أباحه الله، ولكن إذا استؤذنت كوالد
لفاطمة لا آذن بالتزوج عليها، وأرى _ ومن حق كل والد أن يعالج مشكلات ابنته على
الوجه الذي يظن فيه الخير _ أرى أن يطلق ابن أبي طالب ابنتي ويتزوج ابنتهم ما
دامت نفسه تطيب بذلك، وهذا الذي عرضه الرسول كان بعد أن قلب وجوه الرأي، وقد
ارتآه عليه الصلاة والسلام خشية على بنته من أن تفتن في دينها وتقصر في حقوق
زوجها، ورغبة أيضا في أن يفسح الطريق أمام علي إن قوى ميله إلى أخرى وأصر على
الاقتران بها، ولا يعدو أن يكون هذا مجرد عرض أراد الرسول به أن يجد خلاصا
لفاطمة، ويصرف _ بكياسة _ نظر علي عن أمر له في تركه سعة، ويثنيه على الجمع بين بنت
رسول الله وبنت عدو الله ولم يرد أن يحرم ما أحله الله أو يحل ما حرمه، ولكيلا يتوهم الناس ذلك حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على
أن يقول صراحة، وبلهجة صارمة مؤكدة، كما في صحيح مسلم
"إني أتخوف أن تفتن في دينها وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما". |
|
بعد هذا البيان أرى أن
الحديث يصدم أولئك الذين يزعمون أنهم أنصار المرأة
بدعوتهم إلى منع التعدد، وحظر الطلاق. وذلك لأنه يبيح تعدد الزوجات ويسمح في
ظاهره للرجل بأن يتزوج ما شاء إذا سمحت نفسه أن يتخلص من الأولى بالطلاق، وهذا _
كما هو واضح _ على عكس ما ينادي به هؤلاء. |
|
فليفهم هذا أولئك الذين يرددون هذا الحديث وليعلموا أنهم
بين أمرين لا مفر منهما فإما أن يرتضوا التعدد مع
الجمع من غير طلاق وهو ما نذهب إليه وتؤيده النصوص، وإما أن يرتضوا التعدد إذا
أصر الزوج عليه ويرتضوا بجانب ذلك تطليق الأولى أخذا بظاهر هذا الحديث. |
|
إن الإسلام حين أباح التعدد أراد أن يتمشى مع ظروف كل
إنسان، ويلائم الناس جميعا في كل زمان ومكان، ويعالج أدواء المجتمع علاجا سليما
ويقضي على ألوان الفساد قضاء مبرما. |
|
نظر إلى الناس فرأى منهم من يصلح حاله
بواحدة، ومنهم من يحتاج لأكثر ودون ذلك يتعرض ويتعرض المجتمع معه لخطر المخادنة، فتعيش المرأة معه عيشة
الحيوانات لا تربطه بها سوى اللذة البهيمية حتى إذا
قضى وطره منها تركها وشأنها فريسة الأوهام والأحزان لا يعترف لها بحق ولا يقر
لولدها ببنوة ولا يتكلف لها ما يتكلفه الأزواج لزوجاتهم، ولا يهتم بأولادها كما
يهتم الآباء بأولادهم. |
|
هنا سمح الإسلام للرجل _ مع تيقنه بالعدل _ بأن يتزوج إلى
أربع ولم يكن له أن يقف في طريق ذلك أو يأباه وهو الدين الذي يحارب الزنا، ويقاوم الرذيلة، ويحافظ على النسل ويقضي على التشرد،
وتلك كلها نتيجة حتمية لداء المخادنة فالمرأة التي لا تجد لنفسها ولا لولدها حقا معترفا به يسهل
عليها أن تقدم على الانتحار، وترمي بثمرة جرمها في قارعة الطريق دفعا لعاره
وتخلصا من أوزاره. |
|
كذلك نظر الإسلام نظرة رحمة وإشفاق إلى من ابتلي بزوجة عقيم
أو مريضة فأباح له أن يأتي بأخرى تحقيقا لهدفه من النكاح ورغبة في حصوله على
النسل، ورحم الأولى فلم يفجعها بالطلاق وحرص على راحتها وهناءتها فاشترط لها
العدل. |
|
كذلك وضع في حسابه وفرة
النساء وقلة الرجال أعقاب الحروب ففتح الطريق ليكون لكل جماعة منهن عائل يدخل
السرور عليهن ويقوم على راحتهن ويتولى شئونهن، ويحقق بالعدل هناءتهن. |
|
وليس من الإنصاف أن نرعى
واحدة ونتجاهل بقية النساء بل الواجب أن نشملهن جميعا بالعطف، ونحكم فيهن شرعة
المساواة وأولى أن يشتركن جميعا في الخير من أن تنفرد واحدة به. |
|
وهنا نحب أن نبين لماذا اهتم
الشارع بإقامة العدل بين الأزواج؟ وسر ذلك أن الرجل إذا التزم به وسار على نهجه
ضمن سلامة بيته ورضا أزواجه، وعطف أولاده، وأصبح من الممكن أن يعيشوا في سلام
ووئام يتعاونون جميعا على جلب ما ينفعهم، ودفع ما يضرهم، فإذا اضطرب ميزان
العدالة في يد الرجل تبع ذلك اضطراب البيت، وانقلب جحيما على من فيه وتحللت
الأسرة، وتقوضت دعائم المجتمع، وأصبح ضرر التعدد أكثر من نفعه، وهذا لا يمكن أن
يقره الإسلام أو يرضى عنه. |
|
لكن من ذا الذي يستطيع أن
يزن العدل المشروط لإباحة التعدد؟ إنه الرجل نفسه لا
القاضي ولا شهادة الشهود ولا قلة المال أو وفرته. فقد تختل نظرة القاضي ويتعذر
على الشهود أن يعرفوا حقيقته، ويفهموا طبيعته، ويدركوا خبيئته، فكثيرا ما حسنت
أخلاق بعض الناس خارج المنزل، وساءت في داخله. |
|
والمال عرض زائل، وعارَّية مستردة، يعلو ويهبط، وينمو
ويثقل، ويكثر وينمحي فلا يصح أن يكون مقياسا وهو في غاية الاضطراب خصوصا والمولى
يقول: {وَأَنْكِحُوا
الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ
يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ
فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. |
|
قد يقول قائل: إن بعض الدول
الإسلامية تعاني من مشكلة زيادة السكان وكثرة التناسل، ووفرة التعداد. |
|
ونقول في دفع ذلك إن هنالك
آفاقا واسعة في أرض الله لكثير من الأيدي العاملة.. واقتحام هذه الميادين
واستصلاح الأراضي البور واستغلال القوى الطبيعية التي
يسرها الله تعالى لنا، وإنشاء المصانع والمعامل..، كل
هذا يعين عل حل تلك المشكلة ويساعد على معالجتها مع العلم بأن تعدد الزوجات في
مثل هذه الدول ضئيل جدا بالنسبة لعدد المتزوجين. |
|
نعم. إننا في حاجة ماسة إلى تربية
الأمة تربية دينية خلقية، وإلى وضع حد لمآسي السفور والاختلاط فلا سبيل إلى
سعادة الأمة إلا بالدين والخلق، ويوم يفهم الناس ما عليهم من واجبات وينهضون بما
في عنقهم من تبعات. ويعملون في ضوء الوصايا الدينية والمبادئ الخلقية يومئذ يسمو
الفرد، وتهنأ الأسرة، ويسعد المجتمع، وترقي الأمة، ويعيش الناس جميعا عيشة راضية
مرضية. |
|
وبعد.. فإن تحريم تعدد الزوجات يؤدي بنا _ على الرغم منا
إلى إباحة المخادنة كما هو مشاع في أوربا. |
|
وماذا نصنع مع من مال قلبه إلى
فتاة ومالت إليه وتمكن الحب بينهما؟ وما أكثر ما يقع
هذا في مجتمعنا اليوم! إما أن نقر التعدد بنظامه
المشروع وتبعاته المقررة.. |
|
وإما أن نرتضى المخادنة
بأساليبها المنكرة، وحقوقها المهدرة. |
|
ولن يوجد عاقل يؤثر الرذيلة على الفضيلة، أو يقدم الشر على
الخير. |
|
وحسبنا دليلا على بعد نظر الإسلام ما بلغته أوربا من سوء
الحال نتيجة تحريم التعدد حتى ضج عقلاؤهم بالشكوى وطالبوا بإباحته حفظا لكرامة المرأة، وصونا للنسل من الضياع، وقد قرأنا في الصحف أن أهل
مدينة بون” عاصمة ألمانيا الغربية” قد طالبوا حكومتهم بإباحة تعدد الزوجات. |
|
وأصروا عل إدخال هذا النص في الدستور ومن قبل قال غستاف لوبون في كتاب روح
السياسة: |
|
(إن تعدد الزوجات
الشرعي عند الشرقيين (المسلمين) خير من تعدد الزوجات الخبيث المؤدي إلى زيادة
اللقطاء عند الغربيين). |
|
ونشرت جريدة لاغوص ويكلى ركورد يوم 20/ 4/ 1901
مقالاً جاء فيه: |
|
"لبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي
على الاكتفاء بامرأة واحدة فهذا التَّحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجل ولابد من تفاقم
الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة. |
|
أي ظن وأي خرص يحيط بعدد الرجال
المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعالة على المجتمع الإنساني
فلو كان تعدد الزوجات مباحا لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من
العذاب الهون" . |
|
هذا كله يؤكد تماما أن الخير كل الخير فيما جاءت به رسالة
خاتم الأنبياء من لدن الحكيم الخبير. |