طباعة

 توثيق النص

 

 

 

المرأة في ظلال الإسلام

للدكتور خالد علي كماخي

 

 

جلست برفقة بعض الكتب العلمية، وقد انقضى من الليل نصفه أو أقل قليلاً، أعد محاضرة لطلبتي في إحدى السنوات المتقدمة في كلية علوم جامعة الرياض لأواصل معهم ما بدءوا دراسته مع مطلع عامهم الدراسي. وعندما فرغت من هذا الالتزام الواجب، شرعت في إعادة ترتيب ما استعنت به من مراجع، فلفت انتباهي كتاب كنت قد استقبلته هدية كريمة من معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير التعليم العالي، ويتضمن نص المحاضرة القيمة التي سبق أن ألقاها في النادي الأدبي بجدة منتصف شهر ذي القعدة من عام خمسة وتسعين وثلاثمائة وألف تحت عنوان  ((المرأة... كيف عاملها الإسلام. ؟)).

 

كتاب يفرض نفسه:

أخذت الكتاب وشرعت في قراءة ما احتوته صفحاته من حقائق فشعرت بأنه يفرض نفسه على قارئه، فلا يملك إلا أن يتابع القراءة إلى نهاية الكتاب، وذلك للطريقة الفنية والموضوعة الواعية في الأسلوب الذي شاء معاليه أن يصوغ به هذه الرسالة إلى الأمة الإسلامية في وضوح تام، مبيناً وضع المرأة في الحياة بوجه عام _ وتقويم المرأة المسلمة في إطار الشريعة الإسلامية السمحة _ ووضعها في الحياة من وجهة نظر العقيدة الخالدة بوجه خاص. وما أن فرغت من قراءة الكتاب للمرة الأولى حتى حدثتني نفسي بضرورة العودة إليه مرة أخرى، على أن أختار لنفسي ظروفاً أكثر ملاءمة للاستيعاب تسر الناظرين والطاعمين. وهكذا قرأت الكتاب للمرة الثانية، فإذا هو عظيم الفائدة وإنَّ فيه لعظة وعبرة لكل من شاء أن يتعظ أو يعتبر، ولكل من يتطلع إلى نجاح موفق في فهم العلاقات الإنسانية، ويستهدف الرفعة وينشد الكرامة لنفسه وذويه، رجلاً كان أو امرأة، وذلك من خلال الإيمان بالله وكتبه ورسله، عليهم أجمعين أفضل الصلاة وأجل التسليم. فيعرف كل من الرجل والمرأة ما لهما وما عليهما من حقوق وواجبات.

 

شخصية المرأة في ظل الشريعة الإسلامية:

ثم عدت أناظر بين الأمس (ما قبل الإسلام وبعده) واليوم بوحي مما وعت ذاكرتي بشأن ما كُتب عن المرأة (قضية العصر الحديث) فتيقنت أن كتاب اليوم يلقي كثيراً من الضوء على شخصية المرأة، ويتلخص في الأمور الثلاثة التالية:

1 _ المرأة في العصور القديمة وإن شئت فقل العصور المظلمة، وكيف أوقف الإسلام منذ إشراق فجره سلسلة المظالم التي واجهتها المرأة، والتي قد يمكن أن تواجهها في المستقبل.

2 _ مفهوم العناية الصادقة والرعاية المخلصة للمرأة.

3 _ المساواة كما رآها دين الحق فأقرها وأوصى بها.

وكل هذه العناصر الثلاثة مؤيد بقبس من آيات الله الحكيم، وبها حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما هنالك من شواهد وأحكام الواقع والمصالح الإنسانية. وفي الجملة فإن الكتاب ثمرة بحث مفصل قصد به إبراز شخصية المرأة في الإسلام، فترك في نفسي ما لابد أن يستثيرها

 

الإسلام والمذاهب الوضعية:

ويقف دين الحق قوياً في الدعوة إلى الإنصاف وخلق أسباب الحياة الكريمة القائمة على المودة والرحمة {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهكذا يحفظ للجنس البشري كرامته على مدى الأجيال المتعاقبة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ويضمن له استمرار التعاون البنَّاء بين جِنْسَيهِ على المنهج الإسلامي، الذي ارتضاه خالق الكون سبحانه وتعالى للبشر عامة منذ نزل قوله الحكيم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} وذلك على النقيض من كثير من النظريات الاجتماعية الوضعية التي يدعو إليها الشيطان وأتباعه، لإبداع مذاهب تناوئ الإسلام سراً وعلانية، تلك المذاهب التي لا تجني البشرية من ورائها إلا الضياع في الحياة الدنيا الزائلة، والعذاب في الحياة الآخرة الباقية، هذا بالإضافة إلى الضياع المشاهد في الخلق والسلوك وحتمية المصير إلى الضلال المبين، الذي أعلن خطته عدو الإنسانية حين قال لربه عز وجل: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً} فالشيطان يعد إتباعه ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً ووعد الله هو الحق {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

ومنذ فترة من الزمن، بدأت عوارض أمراض ما يلقب بالمذهب الشيوعي في عدد من الأمم التي انقادت وراءه وأخذت به حتى إذا تغلغل في نفوسهم الضعيفة أحسوا أن مرضاً خبيثاً لا يستطيعون الخلاص منه سوف يؤدي بهم إلى هوة الانحدار الخلقي، ويصل بهم إلى غاية العذاب النفسي الأليم.

وعندها يندمون حيث لا ينفع الندم {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فلا رحمهم الله ولا رحمهم الراحمون، وباءوا بغضب على غضب من الله وملائكته ورسله والناس أجمعين.

 

بؤرة التشريع الأرضي:

وعلي مرَّ الزمان اختلط الحابل بالنابل حتى أعلنت الأمم المتحدة عن رغبتها في أن تطلق على ذلك العام ما سمي، بالعام العالمي للمرأة، تحديداً لموقف العصور الحديثة منها ومن بقية الأمم غير المسلمة بطبيعة الحال من أن الأمم المتحدة هي بؤرة التشريع الاجتماعي والسياسي إلى آخر ما يوحيه لهم الشيطان من تشريعات هذه الأرض في جاهلية القرن العشرين. وصاحَبَ ذلك نشاط لمطالبة المرأة الغربية على الأخص بحقوقها تمشياً مع لغة العصر ودعاوى بعض الهيئات في جميع الدول الغربية والشرقية قاطبة وبعض البلاد الإسلامية، كما هي عادتهم في التقليد الأعمى لكل ما يصدر من تشريعات صاغها غير المسلمين بوحي من عمل الشيطان، ومن هؤلاء من هم متخصصون في الدراسات الاجتماعية والدراسات التاريخية والدراسات الفلسفية ... إلى آخر ما يزعمون. ولكننا نحمد الله كثيراً نحن أبناء هذه الأمة في المملكة العربية السعودية أنَّ بين أيدينا تشريعاً سماوياً أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ليبلغه الناس كافة، بل الثقلين كليهما من أنْسِ وجن عامة. وكان يجدر بهذه الهيئات وبالعالم حاضره ومستقبله، أن يأخذ من هذا التشريع السماوي السمح قبساً يضيء له طريق المعرفة الحقة في تحديد وضع المرأة وغيرها من العلاقات الاجتماعية لكل عصر، وفي كل زمان ومكان، لتواجه كل تطور على هذه الأرض بما يضبطه في نطاق المصلحة الإنسانية.

 

ليس هنا حقوق مُهْدَرة:

ومهما يكن من رأي في موقف العصور الحديثة من المرأة، فالذي لا ريب فيه وهو مؤكد عند الأعداء قبل الأصدقاء أن الإسلام بريء مما نسب إليه من تقصير في أي من حقوق المرأة، وهذه الحقيقة يعرفها من يعتنق الإسلام ومن يعاديه، إلا أن ما ورثته شعوب أمتنا من الأمم الضالة المضلة، وما صاحب ذلك من ضعف الإسلام في نفوسنا، وما أهملنا من تراثه، وما أخذنا به من تقليد القردة، وما تعلمناه تعلُّّم الببغاء. جميع هذه الملابسات وغيرها، دفعت ببعض الشعوب المسلمة إلى معاناة بعض النقص في أسس الخلق القويم، والحياة الكريمة، أعقبته آثار سيئة جعلت بعض أشباه المسلمين، أو بعض الذين يدعون الإسلام، يظنون أنّ للمرأة حقوقاًَ مهدرة غفلت عنها الشريعة الإسلامية هذه الشريعة التي هي خاتمة الرسالات السماوية إلى الأرض، والعياذ بالله من الشياطين وأتباعهم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. وهكذا مع بالغ الأسف، نلاحظ أن تلك الشعوب المسلمة بدأت ولو بقدر يسير تعيد سيرتها الأولى من الجاهلية الأولى والعياذ بالله. وأن أسوأ ما تُنْكبُ به الأمة المسلمة اليوم هو تجردها من الشريعة الإسلامية الكاملة، ولو بقدر مهما كان محدودا بالإضافة إلى عزوفها عن مبادئها وإعراضها عن أخلاقها، يستوي في ذلك الرجل والمرأة.

 

لابد من اليقظة:

وآياً كانت المناسبة التي دعت إليها المنظمة العالمية فحسبها ريبة أن معظم أعضائها من حزب الشيطان، فلا عقيدة تردعهم، ولا ضمير يؤنبهم على ما ينشرون من نظريات هدفها أولاً وأخيراً محاربة عقيدة السماء. والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى، وحربها للإسلام ومحاولة النيل منه أبرز من أن يشار إليها. ومهما كانت الأتعاب التي خلقتها المنظمة على ذلك العام فهي لن تخرج عن كونها ستاراً في ظاهره الرحمة وداخله العذاب الأليم، فالمسألة تقتضي اليقظة. إذ لابد لكل عامل أن يحسب للزمان حسابه ويقدر للأحداث قدرها، ويتخذ لكل أمر الحيطة الواجبة، حتى لا يغافلنا الحاقدون المضللون، الذين يتقنون الدعاية ويتحينون الفرص للمساس بالدين الخالد {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. فلا بد أن يهيئ الله لهذه الأمة من يوقظها من سباتها لينصروا دين الله، وذلك في كل مناسبة تستوجب يقظة وجهاداً في سبيل الله مدركين بإيمان مطلق قول الله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}

 

المرأة ما لها وما عليها

وفي العصر الحديث منح الله سبحانه وتعالى الأمة المسلمة مفكرين يدافعون عن الحق ويعيدونه إلى نصابه، ويذودون عن العقيدة بالنفس والنفيس استجابة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. ومن فضل الله علينا أن نعيش في بلد شرَّّفها الله بأسمى الرسالات السماوية، وجعل فيها بيته ومثوى نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. كما نحمد الله بأن منَّ على هذا البلد وعلينا بولاة يخشون الله ويرجون لقاءه، فينهضون بأمانة للذود عن العقيدة ومحاربة التيارات الخبيثة والأفكار الهدامة. ولا سعادة لأمة حتى يقوم رجال مخلصون فيها بأداء النصيحة {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}.  وأحمده سبحانه وتعالى أن وهب لنا من أمته ومن أبناء هذا البلد الأمين من تحملوا هذه المسئولية وجاهدوا في سبيل الله مخلصين، لتكون كلمة الله هي العليا، يدعون إلى الحق ولا يخشون في الحق لومة لائم. ومن هؤلاء معالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ الذي وفقه الله لدراسة هذه القضية، قضية المرأة التي تعاني منها الشعوب عامة، فيقدم للأمة الإسلامية بل للعالم أجمع بحثاً موجزاً في أبلغ صورة وأقوى حجة عن المرأة في الإسلام.

لذلك ألتمس من معالي الوزير إذاعة هذا الكتاب بجميع وسائل الإعلام المتوافرة والممكنة وترجمته إلى أكبر عدد ممكن من اللغات الأخرى، وبخاصة تلك اللغات التي تتداولها بعض البلاد الإسلامية والبلاد القريبة منها التي أقبلت على الإسلام، والتي سوف تُقبل عليه آجلاً أو عاجلاً، لتمكينها من فهم الإسلام ومبادئه وإشعارها بالدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية في هذا المضمار. وهذا الملتمس يرجع أولاً إلى الإيمان الكامل بأن حياة المرأة في رحاب الإسلام ميزان صادق لحقوقها منذ ظهوره وحتى تقوم الساعة. وثانياً لأن الإسلام رفع مكانة المرأة من ملكة جمال وعارضة أزياء ونجمة الموسم، بأن بَوّأها منزلة ما كان يمكن أن يتصورها الحاقدون على شريعة الله.