طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ثمار من غرس النبوة

القائد الشاب

لفضيلة الشيخ محمد الشال

 

 

وتأهب الحجيج القضاعي للسفر إلى مكة فأعدوا الرواحل وتزودوا للرحلة. وحانت ساعات الوداع وشخصت الأبصار إلى حارثة بن شراحيل وأخيه كعب، وفيها دمعات حبسها الإشفاق على الوالد الحزين الذي لا يزال في هم موصول ينفث حزنه المكبوت في قوله:

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل

أحيٌّ فيرجى أم أتى دونه الأجل

ويا ليت شعري هل لك الدهر أوبة

فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل

سأعمل نص العيس  في الأرض

ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

ويطرق الركب المودع بالرءوس حتى لا تقع عين حارثة على الدموع المنهمرة فيزداد به الحزن ويبرح به الألم. ويتهامسون بالتحية تعلوها الزفرات ويأخذون طريقهم إلى مكة ينصون عيسهم في الدروب والوهاد. وهم يرددون نشيد الوالد الحزين لعل الريح تحمل صداه إلى مكان زيد. ولكنه يضيع في جوانب الصحراء. ويستمر الركب في إنشاده حتى يصل إلى مكة ويطوف بالبيت ويلتقي بزيد ويسمعه نفثات أبيه ويجيب الغريب النائي بقوله:

أحن إلى أهلي وإن كنت نائيا

بأني قعيد البيت عند المشاعر

فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم

ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر

فإني بحمد الله في خير أسرة

كرام معد كابرا بعد كابر

ويسأله رهطه عن أمره ويقفون منه على أنه عند محمد صلى الله عليه وسلم ويحدثهم زيد عن مكانته عنده ومنزلته في نفسه... ويؤوب الركب وهو يطوي الصحراء خفافا تستخفه البشرى وتدفعه إلى الجد في السير. ولعل الوالد الحزين كان يستشرف أخبار الركب على أبواب الدروب ومنافذ الطرق.. ويلتقي الآيب بالمقيم ويخبرونه برؤية زيد وينشدونه حنينه. ولعل حارثة لم يطل به المقام حتى ينتهي الركب من حديثه فيمتطي راحلته ويستأنس بأخيه كعب ويسير إلى غايته يستروح رائحة زيد كلما علا نجدا أو هبط واديا.

ثم يصل إلى مكة ويسأل عن محمد فيدله الناس عليه فيضرع إليه في إشفاق أن يرد عليه ابنه ويأخذ ما شاء من فداء. ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم يرى سحابة من الحزن الطويل على سمات حارثة وأخيه فيرق له رقة الوالد ويطمئنه على أنه لن يطلب منه مالا ولكنه سيخير زيدا بين المقام والظعن فإن اختاركما فذاك، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا. فيزيد الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك على النَّصَف كما قال حارثة وأخوه.

ويأتي زيد ويسمع خيار رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ولشد ما يقع في نفس الوالد وأخيه حينما يسمعان من زيد أنه اختار البقاء على الرحيل ويقولان له أتختار العبودية على أبيك وأمك وبلدك وقومك ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع عليهم الحديث العاتب بمكافأة زيد بالإنعام عليه بالحرية والبنوة على عادة قومه إذَّاك.

وتهدأ نفس الوالد ويزداد الابن تعلقا بأبيه الجديد. ويشيع في الناس أن محمدا قد تبنى زيدا ويناديه القوم بالبنوة لمحمد.

وكان يقيم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم حاضنته أم أيمن التي شهدت مولده وهي على سمرتها الحبشية قد أبيض قلبها البياض كله في إخلاص الحب للرسول صلى الله عليه وسلم فكانت له أما بعد أمة تحنو عليه حنين الغريب على الغريب فقد اجتمعت لها وله غربة الدار وغربة اليتم.

ويدرج الرسول في مدارج الطفولة وقد حرمه القدر من رحمة الأبوة وحنان الأمومة. فتعوضه أم أيمن ما استطاعت بحنانها وحبها ويخلص لها الرسول صلى الله عليه وسلم الحب ويناديها يا أمي، ثم يزوجها من متبناه زيد فيجمع بهذا الزواج بين قلبين قد أخلصا له الحب ومحضا له الوفاء.

وتنجب أم أيمن أسامة وقد ندبه عرق لأمه ففيه سمرتها وفيه شبهها ويشب الوليد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسبغ عليه حبا غامرا يزيد على حب والديه ويحمله بين يديه ويداعبه مداعبة الأبوة الرحيمة على الطفولة المرموقة ويرضى فيه رغبة الأبوة بعد أن فقد أبناءه أطفالا ويعثر أسامة يوما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسيل دمه فيمسحه الرسول ويضمد جراحه ثم يكفكف دمعه ولا يزال يمازحه حتى ينسيه ألمه.. ثم لا يزال أسامة في رعاية الرسول ورعاية والديه حتى يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم ويهاجروا معه إلى أن يؤمر أباه على جيش ذاهب إلى تخوم الشام ليدفع بوادر الشر التي ظهرت من ولاة الرومان. ويستشهد زيد في مؤته ويرجع الجيش ولا يرجع زيد. وينظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أسامة وقد أصابه اليتم فيزداد عليه حدبا وله محبة.

ويعرف أسامة وقد أصبح أهلا للمعرفة أن أباه قد قتله الرومان في البلاد النائية. ويغدو أسامة ويروح لا يسمع لأبيه صوتا ولا يرى له شخصا وتتوق نفسه إلى أن يذهب إلى تخوم الشام لعله يلتقي بمن قتلوا أباه ولعله إن التقى بهم وأظهره الله عليهم يقتص لأبيه القصاص العادل وينتصف للإسلام انتصاف المظلوم ولعله أظهر هذه الرغبة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول يشفق عليه لحداثة سنه فلم يكن قد أتم العقد الثاني من عمره.. ولعل أسامة استمر ينشد بغيته.

ويرى الرسول صلى الله عليه وسلم من أمره الجد ويعلم أنه أصبح أهلا للإمارة كما أن أباه كان أهلا لها وينادي الرسول صلى الله عليه وسلم عام وفاته بتأهب المهاجرين والأنصار للحرب. وقد استمر بغي الرومان على رسل المسلمين ولم يكف شرهم جيش زيد ولا جيش الرسول من بعده. ولو تركوا لساورتهم أنفسهم بغزو المسلمين في المدينة.

ويستجيب كبار المهاجرين والأنصار لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويعدون عدتهم ثم يتطلعون للقيادة. ويتقدم الرسول ويقلد أسامة على حداثة سنه الإمارة ويسمع همسا خافتا أن غيره أولى منه بأمارة الجيش وأحق منه بقيادته.

وينادي الرسول صلى الله عليه وسلم نداء يحبس هذه الهمسات في الصدور فيقول "وأيم الله إنه لخليق بالأمارة وأن كان أبوه لخليقا بها.." ويتولى أسامة إمرة الجيش وينزل المسلمون على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الجيش لا يكاد يبدأ السير حتى يمرض الرسول وينتظر الجيش وأميره ليقفوا على الأنباء ولا يطول الانتظار فيلقى الرسول ربه.. ويؤول الأمر لأبي بكر.

وتظهر الهمسات المكبوتة وتصل إلى أبي بكر في رجاء من عمر أن يعزل أسامة ويولي غيره.. ولكن أبا بكر لا يعزل قائدا ولاه الرسول ويأمر الجيش بالمسير ويأمر أميره الشاب بالركوب ويأخذ أبو بكر بلجام فرس أسامة ويسير ماشيا ليغبر قدميه ساعة في سبيل الله حتى لا يبقى لمعترض إثارة من خوف وحتى يخرج الجيش إلى غايته وهو راض عن قائده.. وتضيع الهمسات على الشفاه فلا يسمع لها صوت ولا يتردد لها صدى.

ولقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أبو بكر رضي الله عنه أن لأسامة غاية وثأرا، أما غايته فهي نشر راية الإسلام على ربوع الشام ورد كيد أعدائه.. وأما ثأره ففي مؤته حيث تخضب ثراها بدماء أبيه. ولذلك أمره الرسول أن يصل إليها ويقف على الثرى الذي روي بالدماء الزكية من أبيه ورفاقه في القيادة يستروح رائحتهم وهي عابقة بالمجد معطرة بالإيمان.

ولقد وقف أسامة موقف أبيه وجاء إلى البلد الذي استشهد فيها فأخذ له بثأره وردع من وقفوا في سبيل الدعوة الناشئة.. وانقلب بنصر حقق أمل الرسول فيه وأرضى أصحاب الهمسات وغيرهم ورسم لهم منهج الاعتماد على الشباب ووضعهم في مصاف القيادة إذا ما آنسنا منهم نضجا أو كانت لهم ثارات.

وللعرب ثارات وثارات على عرصات فلسطين وفوق ثرى سيناء والجولان وبور سعيد خلفت وراءها الكثير من اليتامى ممن اختطف البغي آباءهم. ولهؤلاء علينا حقوق وحقوق ألاَّ نشعرهم باليتم المضيع أو المنة المذلة أو المهانة التي تغرس في نفوسهم العداوة للمجتمع. بل نرعاهم رعاية الإعزاز لهم والتكريم لآبائهم وننزلهم من نفوسنا منزلة أسامة من نفس محمد صلى الله عليه وسلم، وننادي فيهم كل يوم أن لهم ثأرا لا يزال ينتظرهم، وأن ملاعب صباهم وملاهي طفولتهم قد اغتصبها أفاقون وأن أموالهم وديارهم قد استولى عليها خليط عجيب متنافر القلوب متحد الهوى ينفث في روعه أعداء لنا لا يألون جهداً في تدبير الكيد للوقوف في سبيل نهضتنا ليضاعف بغيه ويواصل عدوانه.

وأن دماءنا لا تزال تخضب الثرى الزكي يحمل أريحها النسيم الغادي والرائح ونسمع لها همسا دامعا أو داميا ألاَّ ننسى الديار ولا نرضى بالضيم.. وسوف نجد بين البراعم الناشئة أسامة وأسامة يأخذون بالثأر ويحققون الرجاء