|
|
|
|
تعقيب لا تثريب |
|
|
أتفسير هذا أم تغـريـر؟! |
|
|
لفضيلة الشيخ محمد
المجذوب |
|
|
|
|
|
|
|
|
{
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداًً. يُصْلِحْ
لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. |
|
|
في هذه الكلمات الإلهية تخطيط شامل لكل مقومات الحياة
السعيدة، يحدد بها بارئ الكون سبحانه لأحبائه الطريق الأقْوم الذي يوصلهم إلى
الفوز الأعظم في الدنيا والآخرة. |
|
|
إنها التقوى، وهي الصورة المثلى لصلاح الباطن، ثم القول
السديد، الذي هو حصيلة الصدق، الذي يتلاقى عليه القلب السليم والعقل الحكيم..
فلا جرم أن يكون التزامهما في كل موقف، وفي كل أمر، مؤديا لصلاح العمل، وموجبا
لمغفرة الذنوب لأنه مظهر الطاعة الصميمة لله ورسوله.. وأي فوز من شأنه أن يداني
هذا الفوز العظيم؟. |
|
|
ولكن ذلك من العزائم التي لا تتيسر إلا لمن أعانه الله
فزينه في قلبه، فهو يحاسب نفسه على النسبة والهمسة خشية أن تشذ عن التقوى،
وتفارق منهج القول السديد. |
|
|
وأنه لمن الآفات المفسدة للعمل أن يستنيم الباحث إلى الكسل،
أو يستسلم إلى الهوى فيرسل القول على عواهنه دون تحقيق ولا تدقيق، فيسئ إلى نفسه
بحرمانها أجر المجتهد المسدد، ويسئ إلى قارئه بإلقائه في عماية لا يتبين فيها
السبيل إلى الحق. |
|
|
هذه المعاني كثيراً ما تراودني وأنا أستمع إلى مفكر يريد أن
يدعو الناس إلى الخير ولكن العجلة تصرفه عن التمحيص، فهو يخلط خبراً صحيحاً في
أثر مضطرب. وأكثر من ذلك ما أقع عليه خلال البحوث أو المؤلفات من هنات ما كان
لها أن تتسلل إليها فتشوهها لو أخذ أصحابها أنفسهم بالصبر، فسألوا أهل الذكر، أو
استفسروا المرجع الموثوق لتجنب هاتيك الفتوق. |
|
|
هذه الأسطر أقدم بها لأكثر من تعقيب، وكان من حقها أن تسبق
الحلقة الماضية كما تتقدم حلقة اليوم، والحلقة التي تليها، لأن الإطار الذي
يضمهن جميعا واحد، يعرض لضروب متشابهة من التهاون بحق التدقيق. |
|
|
حسنات وهفوات: |
|
|
في الخامس والعشرين من جمادى الأولى لعام ثلاثة وثمانين،
وعقيب فراغي من مطالعة كتاب (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) من
عمل الدكتور محمد البهي، أثبت في آخر صفحة منه تعقيباً مفصلاً ختمته بهذه الكلمة
( إن لي هذا الكتاب لعلما غزيرا، وتحقيقا خطيرا، ومادة غنية بالخير، من شأنها أن
تساعد على إنشاء الجيل الذي يعي مشكلات أمته ودينه وعالمه، بشرط أن يصل إلى
السواد الأعظم من القراء المسلمين في كل مكان..) |
|
|
فالدكتور البهي أذن من الكتاب الذين أعجب بهم فأنا أتتبع ما
يكتبون، وأحث طلابي وإخواني على مطالعة نتاجهم، سواء في الكتب أو المجلات، ومن
هنا كان أسفى لما أجده في بعض آثاره المكتوبة أو المسموعة من مفارقات لا تتفق مع
ما عهدته من أناته وعمقه ووفرة سداده في مثل كتابه الآنف ذكره.. |
|
|
لقد فوجئت ببعض هفواته الغريبة ذات يوم، وأنا أستمع إلى
حديث له حول قصة نبي الله لوط في القرآن الكريم، فسجلتها في مفكرتي على نية أن
أكتب إليه بشأنها مستفسراً، ولكن حالت المشاغل دون ذلك، ثم عثرت له على مثلها في
محاولته تفسير بعض الآي من كتاب الله في مجلة الوعي الإسلامي، فاستيقظ في نفسي
ما كدت أنساه من هفواته الأولى، على أن أعباء العمل عادت فحالت دون ذلك، حتى
وقفت اليوم من آثاره على كتيبّه المسمى (تفسير سورة الجن) فلم أجد بدا من التفرغ
لتسطير هذا التعقيب خدمة لكتاب الله، وغيرة على قلم الدكتور العزيز أن يندفع
أكثر في هذا التيار المعرض للأخطار. |
|
|
أفكار غريبة: |
|
|
ولنقف تعقيبنا اليوم على تفسيره (الجني) فهو يقع في ما دون
الخمسين من الصفحات مقسما إلى مقدمة وتمهيد ثم التفسير، ففي المقدمة يعرض منهجه
في ما سيليها من البحث ويكاد يلخص في صفحاتها الأربع أفكاره القائمة على إنكار
ما أجمع عليه الثقاة من مفسري الكتاب الكريم في موضوع الجن، وما ورد من إخبارهم
في سورتي الأحقاف والجن، ليؤكد ما يعتقده من أن الإسلام، وهو دين الإنسان وحده
على الأرض، لا علاقة به للجن البتة، ويختم مقدمته بجملة مشكورة على أولئك
المضللين من (رسميين) و (رجال دين) الذين أخذوا على عاتقهم تنفيذ مخططات أعداء
الإسلام بإخضاع المفهومات الدينية لموحياتهم الشيطانية. |
|
|
ومن ثم ينتقل إلى القسم الثاني حيث ينطلق في تفصيل ما
أجملته المقدمة. فيقف صفحاته العشرين على محاولة إقناع القارئ بـ (اكتشافاته)
التي يحسبها تحريرا للعقل المسلم من دوامة الخرافة المفسدة للتصور الصحيح. ومن
ثم يخلص إلى تفسير السورة الكريمة فلا يخرج عن مضمون المقدمة والتمهيد. |
|
|
ويمكن تلخيص أفكاره بالخطوط التالية: |
|
|
1- أن إبليس
واحد من أفراد الملائكة في الجنس، فهو مثلهم لا نسل له، ومن ثم لا تكليف عليه،
وإنما كان تكليفه يوم صدر الأمر الأعلى بالسجود لآدم، فجاء تمرده عليه إعلاناً
لسقوطه في الامتحان. |
|
|
2- أن
الملائكة مخلوقون من النار، وما ثبت في القرآن عن خلق إبليس من النار شامل لهم
بوحدة الجنس. |
|
|
3- أن تقريره
ملائكية إبليس وما يستتبعها من استحالة تناسله قد حداه إلى القطع بأن الجن
الوارد ذكرهم في السورتين لا يخرجون عن كونهم بشرا من أبناء آدم، ويركز على معنى
الخفاء الذي يميز اسمهم، فيعتبر كل ساع بالخفاء في أمر ما جاناً، بل إنه ليرجح
(أن هذا الفريق الذي تخفى _ عند سماعه القرآن بمكة دون علم رسول الله بهم _ هو
من يثرب ومن المتأثرين بأفكار يهود بحكم مجاورتهم إياهم. ومن ثم يأتي إصراره على
حصر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بالبشر وحدهم. |
|
|
4_ من هذا
التوسع في التأويل الشخصي يمضي إلى تفسير اعترافات الجن في قولهم { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ
فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} بالإتكاء على
الكناية التي يراد بها لازم اللفظ دون حقيقته، فلا حرس ولا شهب، وإنما هو (الفصل
النهائي بين الخرافة وممارستها من جانب، والحق والواقع من جانب آخر) ! |
|
|
تشويش محير: |
|
|
وقبل البد بمناقشة هذه الأفكار أحب أن أذكر القارئ بأن في
بعض تعابير المؤلف عند الكلام عن شخصية الجن، تشويشا يبعث على الحيرة، إذ يخيل
لمطالعه بادئ الأمر أنه مقر بوجود ذلك العالم الخاص المستقل عن عالمي الملائكة
والبشر، وذلك كقوله ص8 من التمهيد (والجن موجود قطعا، وهم قوى مخلوقة من نار
صافية.. وعالم الجن قائم إلى يوم البعث، لا مرية في ذلك. ) إلا أنه لا يلبث أن
يعقب هذا الإقرار بقوله في الصفحة نفسها: (فإبليس ملك عصى ربه، وإبليس جان من
عالم المرئيات. والملائكة من الجن كما هم من النار الصافية.. ويدخل في عالم الجن
من يتخفى من عالم الإنسان في إيمانه وكفره وفي خيره وشره.. كشياطين الجن فإنهم
من الإنسان..) ويستمد العون على ذلك من قوله تعالى -في وصف الشيطان وقومه {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا
تَرَوْنَهُمْ} ويعلل ذلك بقوله (لأن إبليس بحكم طبيعته من عالم الجن.
وأعوانه بحكم تخفيهم في الشر الحقوا بهذا العالم وأصبحوا شياطين الجن..). |
|
|
وفي ظني أن مرد هذا التشويش إلى غموض الفكرة في نفس المؤلف.
فهو لا يستطيع تخليصها من الاضطراب الذي نبع عن شعوره هو باهتزازها. على أن
المبدأ الذي يريد القطع به على الرغم من كل شيء هو نفي المفهوم المتواتر عن
استقلالية الجن، ولهذا يلح على كون (شياطين الجن هم من الإنسان)، وأن إضافتهم
إلى الجن لا تخرج عن كونهم ملحقين بهم بعامل التسلط أو الملك، كما تقول: هؤلاء
حزب فلان وجماعته، ولا يعني أبدا أنهم من جنسه وهويته.. على حين يظل متشبثا بما
ذهب إليه من أن الوحدة الجنسية إنما تشمل إبليس والملائكة بحكم وحدة العنصر
الناري، الذي خلقوا منه جميعا، وعلى هذا فلن يكون هناك سوى عالمين أحدهما من
النار وهو فريق الملائكة وفيهم إبليس، والآخر من التراب وهو فريق الآدميين. |
|
|
إبليس والملائكة: |
|
|
وننتقل الآن إلى مناقشة المؤلف في أساس أحكامه. وطبيعي أن
تكون مناقشته على ضوء الوحي الذي يلزم المؤمن بالخضوع له. وإخضاع رأيه لِحكمه
ولو صدم ذلك هواه وخيَّب مناه. |
|
|
إن منطلق الدكتور في أفكاره عن استقلالية عالم الجن عائد
إلى تقديره لمبدأ الخلق، ونوعية العنصر الذي استُحدِث منه عالم المَلَك والجن. |
|
|
لقد وقف المؤلف عند قوله تعالى من سورة الكهف: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ...} فلم يستطع أن يتجاوز بالاستثناء حدود
الاتصال بين فريقي الملائكة وإبليس. كما هو الحال في مثل قول أحدنا: جاء
الأصدقاء إلا سعيداً، على اعتبار أن سعيدا واحد من جنس الأصدقاء. ونسي المدلول
الآخر للاستثناء حين يكون منقطعا في مثل قول القائل جاء القوم إلا أمتعتهم..
وبخاصة عند وجود القرينة المانعة من وحدة الجنس كما هو الشأن في الآية الكريمة،
إذ جاءت القرينة لفظية صريحة في قوله سبحانه {كَانَ
مِنَ الْجِنِّ} وهي ضرب من الإطناب الذي يفسره البلاغيون بقصد
الاحتراس، لئلا يلتبس المستثنى منه بالمستثنى.. ثم تأتي القرينة الأخرى التي لا
تدع مجالا لإدخال إبليس في زمرة الملائكة، وذلك في التوبيخ المخجل الذي يوجهه
الحق تبارك اسمه إلى المغفلين من أبناء آدم الذين رضوا لأنفسهم بمشايعة إبليس
على الرغم من رفضه المشاركة في تكريم أبيهم الأول، وإعلانه الحرب على نسله إلى
يوم الدين { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ؟!} ففي نسبة الذرية
لإبليس مقنع كاف لاعتباره جنسا آخر لا يمت إلى عالم الملائكة بأي صلة.. إذ لا
خلاف على أن التناسل موقوف على غيرهم من عوالم الأحياء الأخرى. ولكن المؤلف هداه
الله بدلا من الأخذ بالمدلول العفوي للقرينتين، عمد إلى تكلف التأويل، فراح يبذل
المستحيل لإقناع قرائه بأن المراد بذرية إبليس هم أعوانه من أبناء آدم. ناسيا أن
إضافة الذرية إلى مخلوق ما لم ترد في الكتاب الحكيم ولا في كلام العرب على ما
نعلم إلا على وجه الحقيقة. وإنما يقع المجاز في ما عداها من الألفاظ، كالابن
والأخ والأب وما إليها، وبذلك وبدافع من إصراره على أساس نظريته في ملائكية
إبليس يتخذ من لفظ الذرية دعامة لرأيه، فيعتبرها من البراهين القواطع على صحة ما
ذهب إليه من بشرية الجن؛ لأنّ إبليس ملاك، والملاك لا ينسل، فلم يبق من مفهوم
لتلك الذرية إذن سوى القرار الذي اتخذه في شأنها. وهو أنهم جنوده العاملون في
الخفاء من نسل عدوه الذي كرمه الله عليه!. |
|
|
متاهات إسرائيلية: |
|
|
والقارئ الذي يفاجأ بمثل هذه التأويلات المتعسفة لا بد سائل
نفسه عما إذا كان ثمة من سابقة لها في عالم التفسير. أم أنها من مكتشفات المؤلف
التي لم يسبق إليها؟.. فإذا ما راح يستقصى الخبر عثر على تلك الروايات المنسوبة
إلى ابن عباس (رضي الله عنه) وخلاصتها: أن إبليس من قبيلة من الملائكة اسمها
الجن. عصى الله فمسخه الله شيطانا. وفي رواية أخرى عنه أنه كان من الجنانين.
وكأنه في هذه الرواية ينفى عنه هوية الملائكة يجعله من العاملين في خدمة الجنة.
ولئن خدع بظاهر هذه الروايات من أراح نفسه من تحقيقها فمضى يشيد عليها قصور
الوهم. أن هناك من تنبه لما فيها من الدخن فلم تفته ملاحظة لونها الإسرائيلي،
وهو ما عقب به عليها الحافظ بن كثير حين أردفها بقوله "وغالبها من
الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها.. ومنها ما قد يقطع بكذبة لمخالفته الحق الذي
بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد
تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، ولم يتيسر لها من ينفي عنها تحريف الغالين.
وانتحال المبطلين كما قيض لهذه الأمة"
[1]
وهكذا يردنا هذا الحافظ المحقق إلى منطق القرآن الذي لا يأتيه الباطل، بدلا من
الضرب في متاهات المخرفين المحرفين الذين لا يؤمنون على علم ولا دين، والذين
فتحنا لهم عقولنا حتى استعمروها بكاذب الأخبار كما استعمروا مقدساتنا بالحديد
والنار. |
|
|
ولا جرم أن مجرد الوقوف عند حدود الوحي من قرآن وسنة صحيحة
عاصم من كل تشويش واضطراب وقائد إلى الحق الذي لا مرية فيه ولا مراء.. وهو في
موضوع إبليس وذريته بارز الخطوط لا معدي عنه لناشد الحقيقة فإبليس -كما قال
الحسن البصري- "ما كان من الملائكة طرفة عين قط" وأنه لأَصل الجن كما
أن آدم عليه السلام أصل البشر"[2] وليست ذريته سوى الشياطين -كما يقول مجاهد-[3]. |
|
|
بحث لغوي: |
|
|
ولعل من الخير التذكير بما بين لفظي (الجن) و (الشيطان) من
فروق لغوية دقيقة؛ ذلك أن الأول يدل على الجنس المخلوق من النار، في مقابل البشر
المخلوقين من التراب، كما ورد في سورة الرحمن {فَيَوْمَئِذٍ
لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} وفي سورة الناس عند
ذكر {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ
فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} فهناك مُوَسْوِسون
نزاعون للفساد أمارون به بعضهم من الجنة، وبعضهم من الناس فلا وحدة بينهما، ولا
صلة خارج نطاق التعاون على الشر، على حين تتسع كلمة (الشيطان) حتى تشمل كل شرير
من الجنسين وغيرهما. ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ
الْأِنْسِ وَالْجِنِّ}. وفي الحديث "الكلب
الأسود شيطان"[4] بمعنى أنه مؤذ شرير، ووصف الإبل بأنها (من الشياطين)[5]
لكبر خطرها عند الهياج.. |
|
|
ويقول جرير في وصف طفولته: |
|
|
وكنَّ يدعونني الشيطان
في صغـري |
وكن يهوينـني إذ كنـت شيطانـا |
|
ولا يزال الناس يسمون الصغير الكثير النشاط والمزعج شيطانا. |
|
|
وعند التأمل في مورد التعبير القرآني {شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِن}. نلاحظ هذه
الخاصة اللغوية في دلالة (الشيطنة) على طبيعة الإفساد. كما نلاحظ اشتراك الوصف
بين جنسين مختلفين من حيث الهوية عن طريق العطف المتغاير، الذي يقطع باستقلال كل
من الجنسين في عنصره وهويته.. وقد أحسن المؤلف عندما جعل من شياطين الإنس
(الكبراء أو الزعماء الذين يصدون عن سبيل الله علنا وفي غير خجل..) وألحق بهم
رجال الدين الذين يحترفون بدينهم خدمة للشيطان).. وحين جعل من ذرائعهم لهذه
الخدمة (وسائل الإعلام المختلفة، وضروب القوة المتنوعة في الإرهاب والتخويف)[6].
|
|
|
أحكام عَجْلى: |
|
|
إلا أنه لا يرضى إلا أن يعمم حكمه فيشمل شياطين الجن، إذ
يكرر ويلح على كونهم (من البشر تخفوا ويتخفون في مباشرة الشر للناس) فكلا
الفريقين عنده من ذرية آدم إلا أن أحدهما ينشر فساده علانية وبالقوة ويعمد
الثاني إلى الدهاليز المظلمة، يدس من خلالها سمومه المظلة. وانسياقا مع هذا
الاتجاه يضطر إلى تأويل ما أورده الله على لسان الجن في قوله عز من قائل {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ
حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} بأنه -كما أسلفنا- كناية عن إنهاء عهد
الخرافة بعد نزول القرآن (إذ بعد نزوله لا يمكن أن يكون للخرافة وضع في البشرية،
كما لا يمكن أن تكون هناك طبقة كطبقة الكهان تحترف بالعقيدة وتملي على الناس
بدعوى علم الغيب)[7]. |
|
|
وعلى رأيه هذا فلا مقاعد للسمع، ولا تَسمَع لأنباء السماء،
بل هي الكناية التي تتسع لكل تأويل، ما دام الموضوع متعلقا بهذا المخلوق الذي
سُمِيّ بالجن من ذرية آدم، فراح يزعم للمخدوعين به أنه ينقل إليهم أخبار السماء
كذبا وزورا.. وأذن فلا سبيل أيضا لقبول فكرة (القرين) الموسوس في الصدور، لأنها
تجعل الناس يعيشون في ظلام الأوهام وترقّب ما لا يقع في الحياة أبدا
[8]
وفي ظني أن قليلا من التأمل في واقع الحياة البشرية كان كافيا لإقناع الدكتور
بالإقلاع عن هذه الأحكام العجلى، فليس ثمة مكان من هذه الأرض خاليا من أولئك
الدجاجلة الذين يبشرنا بانتهاء عهدهم. والقرآن العظيم في عرضه لأخبار ذلك النفر
من الجن، وحوارهم حول التغيرات الفلكية التي واجهتهم بعد البعثة النبوية، لا
يتنبأ بزوال تلك المحاولات الشيطانية، بل يعلمنا فقط بأنه تعالى قد حجز الشياطين
عن استراق السمع، الذي يمكنهم من تلقف بعض الآي من القرآن لئلا ينقلوها إلى
وسطائهم فيختلط الأمر على الخلق حتى لا يفرقوا بين أخبار الكهنة وبلاغات النبوة
[9]
وأي دلالة على هذه الحقيقة أوضح من الذي يتحدث عن محاولات هؤلاء الشياطين حتى
يقول: "فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون
[10]
وذلك هو الإفك الذي يشير إليه قوله تعالى في سورة الشعراء: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ.
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ
كَاذِبُونَ } وكذلك وصفه عزَّ شأنه لآكل الربا {كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّ} 2/275 هذا الوصف الذي حاول بعض المُحدثين صرفَه عن حقيقته،
فأبي الله إلا أن يؤكده بما يلمسه الناس اليوم في (مناجاة الأرواح) وبما شهد
ويشهده المتتبعون من تلبس الشياطين بعض الناس، حتى ليسمعون أصوات الجانّ من خلال
أفواه ضحاياهم. ثم لا ينزعون عن هؤلاء المساكين إلا تحت ضغط العزائم المشروعة،
التي كثيرا ما تنتهي بإحراق الشيطان وتصاعد دخانه رأي العين
[11]. |
|
|
أما موضوع القرين فإن إنكاره إنكار لصريح القرآن الذي يقول: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} 43/36 ولصحيح الحديث الذي فصَّلَ
مجملَ الآية بقوله صلوات الله وسلامه عليه: "ما
منكم من أحدٍ إلا وقد وُكل به قرينُه من الجن قالوا: وإياك يا رسول الله؟.. قال
وإياي إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"
[12]. |
|
|
ثم أي ذي حافظة سليمة يتذكر تجاربه الخاصة مع قرينه الخبيث
وهو يوسوس إليه بزخرف القول تزييناً لمقبحةٍ أو إغراء بمفسدة، ثم لا يردد في
خشوع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن
الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم"[13] |
|
|
الإيمان بالغيب: |
|
|
ويتساءل الدكتور أصلحنا الله وإياه: عن الفائدة من إيمان
الجن برسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام ذلك لا يشكل حجة على مشركي مكة..
وبالتالي لا يتصل بموضوع الإعجاز القرآني
[14]
وبقليل من التفكير أيضا يتبين المتأمل في سياق الآي النازلة في هذا الأمر أنها
ليست في معرض الحجاج ولا الإعجاز، وإنما هي تعزية لقلب رسول صلى الله عليه وسلم
الذي يؤلمه إعراض قومه عن هدايته، فيأتي الوحي ليسري عنه بنبأ تصديق الجن به.
هذا إلى أن في هذا الإيمان فائدة كبيرة لنا، إذ أن انضمام أي مخلوق إلى صف
المؤمنين إنما هو قوة لهم، وإضعاف لأعدائهم، ثم يبقى ما في قبول الخير الإلهي عن
ذلك من تحقيق لصفة التصديق بأنباء الوحي عن الغيب، الذي هو أحد معالم الفارقة
بين الكفر والإيمان.. |
|
|
ويحق لنا أن نقابل تساؤله بمثله فنقول: أي فائدة للمسلمين
وغيرهم في رفضك ما أجمع عليه أهل العلم بالقرآن، منذ الصدر الأول إلى يوم الناس
هذا، عن إيمان بوجود عالم الجن مستقلا بعنصره وخَلقه ومميزاته؟ وهل بلغتَ من
العلم حد الإحاطة بكل مغيَّب حتى يسوغ لك إنكار ما لم تره.. ودعوة القراء إلى
مشاركتك في هذا الإنكار؟ لقد تلقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خبر الجن
بالتصديق المطلق، إيمانا بشهادة الله الذي يقول أنه خلق الإنسان من صلصال
كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، وإيماناً بشهادة رسوله الذي يقول: "خلقت الملائكة من نور، وخلق آدم مما وصف لكم"
[15]
أفتريدنا على أن ندع هذه الوثائق الإلهية لنأخذ بدعوى لا يسندها إلا الظن وما
تهوى الأنفس!. |
|
|
بين الوهم واليقين: |
|
|
وإذا نحن مضينا معك في متاهات التأويل على هذا النحو فما
الذي يعصمنا من ألاعيب الباطنية، التي تخلق لكل حقيقة قرآنية تفسيراً يدعم
أخيلتها، ومن أضاليل الطرقيين الذين يفصلون بين الحقيقة والشريعة، ومن مخارق
القاديانية والبهائية اللتين تسفهان فهم السلف لكل حقائق الوحي،. بل ما الذي
يحول حينئذ بيننا وبين التسليم لأضاليل المهداوي الذي زعم في محكمته التاريخية
أن الشيطان ليس شيئاً سوى نزغات النفس الناشئة في ظل الإقطاع؟. أو لمهازل ذلك
الحاكم الذي ساقه الغرور أخيرا إلى رفض الخبر الإلهي عن نومة أهل الكهف، وراح
يزعم أن رسول الله يدعو الناس إلى عبادته لأنه يبلغهم أمر الله بالصلاة عليه!
وقد فات هذا المسكين أنه بدعواه هذه يكشف عن جهله بلغة العرب، وبالتالي يفضح
عجزه العقلي والبصري عن التطلع إلى أنوار القرآن. |
|
|
أجل.. أيها الدكتور الفاضل.. إننا لن نؤثر (أوهامك) على ما جاءنا
من العلم، وسنظل على أتم اليقين بأن عدونا الأكبر هو ذلك الذي حسد أبانا الأول
على تكريم ربه إياه، ثم أعلن تصميمه على ملاحقته ونسله بالمضللات إلى آخر
الحياة. وفي ذلك خير لنا كبير لأنه يجعلنا على وعي دائم لما يريده بنا وذريته من
الشر والضر، فلا نفتأ نصارعهم حتى نردهم بقوة الله خاسئين مدحورين. |
|
|
أما بدعتك الأخرى في إنكار شمول الرسالة الخاتمة للثقلين
جميعا، انسهم وجِنّهم، فلا حاجة لإعادة القول فيها كرة ثانية، بعد الذي كتبناه
حولها في تعقيب سابق على كتاب الأستاذ سعد جمعة (الله.. أو الدمار) وسنبعث إليك
بالعددين معا لتقرأ فيهما الموضوع كاملاً إذا شئت، فإما أن تقتنع بالحق الذي
أجمع عليه أئمة الهدى فتعود لتدارك ما أَسلفتَه بالتصحيح المنشود، كالمأمول
بمثلك من أهل الخير، وإما أن تستمر على وجهتك فيكون الحَكَمْ بيننا وبينك أُولو
العلم بعدَ الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. |
|
|
ويبقى ما وقعنا عليه من شططك في بعض الصحف ومن وراء
المذياع، فنرجئه إلى التعقيب القادم الذي سيتناول بتوفيق الله، إلى جانب هفواتك،
أغاليط آخرين سواك. |
|
|
والله الهادي إلى سواء السبيل. |
|
|
|
|
[1] انظر ابن كثير _ ج1 تفسير 34 من سورة البقرة وج14 تفسير الآية 50 من سورة الكهف. |
|
[2] المرجع نفسه ص396ط (دار الفكر) بيروت. |
|
[3] انظر تفسير مجاهد ص377 ط قطر. |
|
[4] أخرجه مسلم عن أبي ذر. |
|
[5] لأبي داود. |
|
[6] الكتيب ص17و 18. |
|
[7] الكتيب 21و 22. |
|
[8] الكتيب ص22. |
|
[9] انظر تفسير ابن كثير لسورة الجن. |
|
[10] مسلم والترمذي. |
|
[11] سنعرض لبعض هذه الوقائع مدعومة بشهادات النقاب في مقال تأتي
إن شاء الله. |
|
[12] أخرجه مسلم. |
|
[13] متفق عليه. |
|
[14] الكتيب ص25. |
|
[15] صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها. |