|
|
|
نظرات في كتاب مع الرعيل الأول |
|
لفضيلة الشيخ محمد سليمان العبده |
|
|
|
مقدمة
بين يدي هذه النظرات |
|
كانت ماكرة تلك الهجمة الاستشراقية
الصليبية على الإسلام والمسلمين في هذا العصر، فراحت تتهم الإسلام بشتى التهم
وراح بعض المسلمين _ وبعاطفة الدفاع عن الإسلام _ يلصقون بالإسلام ما ليس منه أو
يلتمسون من هنا وهناك شهادات للغربيين بأن الإسلام دين الرحمة أو دين المدنية
ليقولوا للناس (والفضل ما شهدت به الأعداء) وكان هذا في أول هذا العصر. |
|
ولم تنتشر الثقافة الإسلامية بعد بهذا المدى التي وصلت إليه
الآن، ولذلك فنحن لا نحاسب الذين تأثروا بهذه الهجمة بما نحن عليه الآن، ولكننا
نرى أن مقالاتهم وكتاباتهم وإن أفادت في وقتها وتأثر ناس بها ولكنها الآن لا
تناسب ما وصل إليه الشباب المسلم من وعي، لأنها كتبت من موقف الدفاع والضعف لا
من مركز القوة واستعلاء الإيمان، إن كتابات مثل كتابات ابن تيمية في أول القرن
الثامن الهجري نتلقاها الآن وكأنها كتبت بالأمس وذلك لأنها كتبت من مركز القوة..
والاستعلاء على فلسفة اليونان وكل الترجمات التي تأثر بها المسلمون منذ بدأت
الترجمة في العصر العباسي. كتبت بدون عقدة النقص التي
يشعر بها المسلمون الآن تجاه الحضارة الغربية. |
|
وإلا فما حاجتنا إلى شهادة
مستشرق خبيث مثل (دوزي) ليقول لنا: إن العرب تغيرت
حياتهم بعد فجر الإسلام. |
|
إن اسم (دوزي) على كتاب مثل ( مع
الرعيل الأول) تزكية له والرجل من أخبث المستشرقين وسأنقل إن شاء الله بعض كلامه
في هذه المقالة. |
|
2 _ وكذلك كانت موجة القومية العربية قد طغت في أول هذا العصر
وخاصة في بلاد الشام بعد الحرب العالمية الأولى (لأن الذي حركها هم نصارى لبنان
للتخلص من الدولة العثمانية)[1] |
|
وأول من تأثر بها هم من يسمون أنفسهم المثقفين، ولكنها
أصابت ببعض شررها بعض المخلصين من المسلمين أيضا الذين يحبون الإسلام وخاصة أنه
كان عندهم رد فعل على محاولة طمس اللغة العربية من قبل جمعية الاتحاد والترقي
التي حكمت الدولة العثمانية في أواخر حياتها وكانت جمعية معروفة بعدائها
للإسلام. |
|
ويظهر أن الكاتب الكبير محب
الدين الخطيب كان ممن أصابهم شرر هذه القومية، وسيتضح
هذا من بعض فقرات كتابه. |
|
وكذلك نقول: إننا لا نحاسب
الأستاذ محب الدين الخطيب على عصره فالبيئة لها تأثير كبير، ولكن نقول: إن
الأمور قد اتضحت الآن ولابد من بيان الخطأ. |
|
3 _ وليس
معنى ملاحظاتنا على كتاب (مع الرعيل الأول) أننا نغمط
حق مؤلفه، أبداً فكتابة المؤلف عن الصحابة كتابة قوية وفيها أسلوب جديد يجمع بين
الأدب الرفيع والتحقيق العلمي، ولولا ما سوف نلاحظه على تأثر الكاتب بالأشياء
التي ذكرت لكانت هذه الطريقة هي الطريقة المثلى في
إعادة كتابة تاريخ أفضل الأجيال. |
|
بعد هذه المقدمة سنبين بعض
الملاحظات على الكتاب ويمكن أن نجمعها أو نشد خيوطها إلى ثلاثة أمور: |
|
1 _ الدفاع
عن الإسلام من مركز الضعف والشعور بقيمة ما عند الغربيين عن الإسلام. |
|
2 _ بعض
الألفاظ التي توحي بتأثر الكاتب ببدعة القومية العربية. |
|
3 _ ملاحظات عامة. |
|
ونبدأ بالنقطة الأولى فنقول: |
|
إن المؤلف أكثر من الاستشهاد بالمستشرقين ونقل أقوالهم. ففي
أول صفحات الكتاب ينقل مقالاً كاملاً للمستشرق (دوزي).
وقد قلت إن هذا المستشرق من أخبث المستشرقين ففي كتابه المشهور (تاريخ مسلمي
أسبانيا) يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ربما
كان رسول الله لا يفوق أحداً من معاصريه ولكنه لم يكن على شاكلتهم فقد ورث عن
أمه رقة الطبع وحدة المزاج)؟![2]. ويتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يشاطر قومه (قريش) في
احتقارهم لأهل المدينة لأنهم زراع[3] ولكنه لما يئس من قومه اضطر لتناسي هذه النظرة فرحب
بوفود هذه المدينة[4] ومثل هذا الكلام كثير في كتابه فلا يجوز أن يذكر مثل هذا وكأنه
من المعتدلين. |
|
وفي المقال الثاني صفحة (7) يبدأ المقال بكلمة (جوستاف لوبون) وفي نفس المقال
يستشهد بأقوال ثلاثة من الغربيين وينقل عن أحدهم (ويلز) تعريفه للإسلام بأنه هو
المدنية. فهل هذا التعريف صحيح؟. وماذا يقصد (ويلز) بالمدنية؟ الله أعلم بمدنيته ماذا تحتوي لأنه يقول: "إن الدين
الذي لا يسير مع المدنية؟ فاضرب به عرض الحائط"[5]. وهل الإسلام يقاس بالمدنية أم العكس. |
|
وفي الصفحة التاسعة أراد أن يستشهد بكلام (المسيو كلودفاير) فأتى به من
مقدمة كتاب (العباسة) لجرجي زيدان وذكر كتاب جرجي زيدان بدون تعليق عليه كأنه توثيق له. ومعلوم أن هذا (الجورجي) من أساطين الصليبية والاستعمار الحاقدين. |
|
وفي صفحة (11) يريد أن يمدح الإسلام فيقيسه ببعض المصطلحات
عند الغربيين يقول: "إن الإسلام الذي بعث الله به صاحب هذه الذكرى هو ما
يسميه الإفرنج (السبرمان)؟!" |
|
أولاً: نحن لا نقيس الإسلام بما
عند الغربيين. |
|
ثانيا: إن كلمة (السبرمان) تعني
الرجل المثالي الخيالي الذي قد لا يوجد على الأرض. ولكن الإسلام وجد على الأرض.
ويناسب أهل الأرض. وطبق على هذه الأرض. |
|
وفي صفحة (15) نلاحظ تأثره بالغربيين (وهذا حصل لغيره بسبب
عدم وضوح هذه المفاهيم على أساس الإسلام). فنراه يقيس
الإسلام بالديمقراطية. وهي كما نعلم مبدأ غربي لا يمت
إلى الإسلام بصلة لأن معناه هو حكم الشعب وفي الإسلام الحكم للشريعة التي أنزلها
الله وليس للشعب. |
|
يقول: "ونحن الآن في
عصر الديمقراطية الذي تنزل فيه الدولة على حكم الأمة" ويطلب من القراء أن
يكثروا من المطالبة بالإسلام حتى ينزل مجلس النواب على رأيهم!؟ ونحن نقول: إذا كان مجلس النواب هو ثمرة هذه الديمقراطية
المهترئة فكيف يكون هو، وكيف نطلب منه أن ينقذ
المسلمين ويحكم بالإسلام. |
|
في صفحة (149) يركز كثيراً على موضوع الأخلاق. وهذه شنشنة غربية معروفة وهي أن (الدين المعاملة) التي يرددها
كثير من الناس الذين يتساهلون في أمور العبادات كالصلاة وغيرها.. لذلك نراه يقول: "والعقيدة بلا أخلاق ساحل لبحر لا ماء
فيه" والأخلاق عنده هي البحر الأعظم من الدين.. ولو قال العكس لكان أفضل، فالعقيدة هي الأساس والأخلاق وغيرها يبنى على العقيدة. |
|
2 _ وأما
تأثر المؤلف ببعض شرر القومية فهذا ما نلاحظه في ثنايا كثير من الصفحات وبعض
الكلمات والإشارات ففي صفحة (19) دافع عن أهل مكة في
الجاهلية وبرر لهم عدم وجود حكومة تجمعهم فقال: "لأنهم -أي أهل مكة- قلما
عرفوا فيهم مواطناً تنزع نفسه إلى الشر). مع أن هذا نقص في أهل مكة والعرب
الجاهلية، وقد ذم رسول صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: "من
مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"[6]
يعني كما كان أهل الجاهلية لا يبايعون أحدا ولا يجتمعون على رئيس لهم يسوسهم.
ويردد كثيرا ً كلمة العروبة. ومعلوم أن هذه الكلمة أصبحت تستعمل الآن بمعنى
القومية الذميم وليس بمعنى حب اللغة العربية أو اختيار الله سبحانه لرسوله صلى
الله عليه وسلم خيارا من خيار. |
|
ويقول في صفحة (150):
"وأنا أعتقد أن تاريخ العرب قبل الإسلام من أخصب تواريخ الأمم وأثمنها". |
|
أما أن يكون عند العرب قبل
الإسلام بعض الصفات التي تمتاز بها عن غيرها مثل بعدها عن فساد الحضارة والمدنية
فهذا صحيح وأما أن يكون تاريخهم في الجاهلية من أثمن التواريخ فهذا مما يُشك
فيه.. ويقول أيضا "إن الإنسانية لا تعرف أمة أثرى وأنبل وأوغل في مثلها العليا
قولاً وعملاً من أمة العرب في الجاهلية" فكيف تكون في جاهلية وعندها هذا
الثراء.. |
|
ويكرر في صفحة (151): "ويستلذ السهر في إخراج تاريخ العروبة والإسلام".. فهل العروبة غير الإسلام ويكرر هذا أيضاً في صفحة 167.. |
|
ويصرح أكثر في صفحة (177)
عندما يصف بعض القبائل العربية "وكان لهم نضوج العقل وجمال المنطق وهما من
ميراث القومية العريق في القدم". |
|
وفي تبرير أفعال عبد الملك بن مروان
قال في صفحة (203): "وأمثال عبد الملك كانوا يرون أن ما كان عليه الخلفاء
الراشدون إنما كان فوق مستوى البشر"... ولم يعلق على هذا. فإذا كان مستوى الخلفاء الراشدين فوق مستوى البشر فكيف
يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبعه ونتبع سنة الخلفاء الراشدين
المهديين من بعده. |
|
والله سبحانه أرسل الرسل من البشر حتى لا يقول الناس (لو
أرسل لهم ملائكة) هؤلاء ملائكة لا نستطيع تقليدهم أو إتباعهم والإسلام أنزل حتى
يطبق في الأرض لا ليكون فوق مستوى البشر، وكيف استطاع عمر بن عبد العزيز أن
يهتدي بهدي الخلفاء الراشدين، وعبد الملك لا يستطيع؟ |
|
ولقائل أن يقول ما صلة عبد الملك
بالقومية العربية. فأقول: إن المؤلف يبرر كثيراً من
أخطاء بني أمية لأنه يعتبر أن دولتهم دولة عربية ولذلك يبرر أخطاء الحجاج بل
ويدافع عنه دفاعاً مجيداً. ويهاجم عبد الله بن الزبير، وينتقد أهل المدينة بسبب
موقعة الحرة وهذا في تعليقه على كتاب (العواصم من القواصم). |
|
3 _ هناك ملاحظات عامة: فمثلاً كرر ذكر المولد النبوي في صفحة
(11) فقال: "وهذا الدين الذي نحتفل بذكرى رسوله الأعظم في شهر ربيع الأول
من كل عام" وكذلك في صفحة (15) مع أنه من المعلوم أن هذا الاحتفال بدعة. |
|
وعندما تكلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وتحت عنوان صغير
(سحر العروبة) ذكر أن أعظم عمل قام به الفاتحون لمصر هو تحبيب
اللغة العربية لهم حتى أصبحت كما يقول: "لغة الزوجين في كوخهما بآخر قرى كوم أمبو ولغة
التأليف والنشر ولغة المنابر والمعابد ولغة الموسيقى والأغاني" فهل هذا
اعتراف منه بالموسيقى والأغاني المصرية؟! |
|
وأخيراً نعود فنقول: إن المؤلف قد أبرز سيرة بعض الصحابة
كالنعمان بن مقرن المزني وعمرو بن العاص وبعض التابعين كالأحنف
بن قيس وسعيد بن المسيَّب بما هم له أهل وبما يستحقون
من إبراز محاسن أفعالهم وعظيم جهادهم في الفتح الإسلامي وكذلك أبرز سيرة بعض
الفاتحين الذين قلّ أن يدري بهم شباب الإسلام اليوم من أمثال الجراح ابن عبد
الله الحكمي. الذي توغل وفتح ما يسمى بلاد الخزر
والتي تقع الآن تحت حكم روسيا. كل ذلك بأسلوب بليغ ومحبة لهؤلاء الصحابة
والتابعين ومحاولة تنبيه الشباب إلى أمجاد التاريخ الإسلامي. |
|
ولكن ما يفيد في وقت قد لا
يفيد في وقت آخر، وقد مرت على المسلمين فترة كانوا فيها بموقف الذي يجعل الإسلام
في قفص الاتهام ثم يحاول الدفاع عنه. وقد تجاوز
المسلمون هذه المرحلة الآن إلى مرحلة الثقة المطلقة بالإسلام وإلى الهجوم على كل
مبدأ غريب عن هذا الدين بدلاً من محاولة إلصاق أي مبدأ براق به، لتزيينه أمام
الشباب كما يزعم. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نكون دائما في موقف العزة، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. |
|
|
|
[1] إن العلاقة بين النصارى والقومية العربية واضحة
من أسماء روادها: نجيب عازوري، قسطنطين
زريق مشيل عفلق. الخ. |
|
[2] درزي: تاريخ مسلمي أسبانيا 1: 22. |
|
[3] درزي: تاريخ مسلمي أسبانيا 1: 27. |
|
[4] درزي: تاريخ مسلمي أسبانيا 1: 27. |
|
[5] مع الرعيل الأول ص8. |
|
[6] جزء من حديث ص334 مختصر صحيح مسلم. |