طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كيف نكون شاكرين

لفضيلة الشيخ عبد الفتاح عشماوي

 

 

 

كيف نكون شاكرين؟ ولكي نعرف كيف نكون شاكرين بما أمر الله سبحانه في قوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، يجب أن نعرف أولا ما هو الشكر الذي لا يصح أن نشكر الله إلا به، فلقد فهم الكثير الشكر على أنه كلمة جهرية أو سرية، يشترك في صوغها اللسان والشفتان، على نحو: نشكر الله، والشكر لله، شكرا لله على نعمه، وفي الغالب لا يرددون مثل هذه الكلمات إلا فيما يسرهم من المناسبات، وحتى الذين زادوا على هذا المستوى في معرفة الشكر، ظنوه ينتهي عندما يمدون به أكفهم الندية من خير، ليشركوا غيرهم معهم فيما أعطوا من فضل الله.

وهم وإن كانوا بالتأكيد أفضل حالا من سابقيهم لما وقوا شح أنفسهم. وغيرهم اكتفى بكلمات ميتة حبيسة الفم، تحمل الشر أكثر مما تحمل الشكر، لما قالوها في سرائهم وتركوها في ضرائهم، والآن أدعو النوعين لنفهم معا أمر الشكر من أصفى ينابيعه، من كلام المشكور نفسه سبحانه، فلقد أكرمني بحب كتابه منذ طلبت العلم، وأعطيت منه قدرا والحمد له، كان المداد لما أقول وأكتب فقد قدم لنا سبحانه الشكر على أنه الإيمان به، وأن غير الشاكر هو الكافر به، كفر بلفظه ومعناه، المتصل بإنكار الله، فلم يجعل سبحانه في القرآن شيئا ضد الشكر إلا صريح الكفر، وإليكم من روضة القرآن هذه القطوف من الأدلة {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي تؤمنون، حيث لم يسبق لهم إيمان ليكون الشكر فرعا له، بل إن كفرهم من نوع هو أجرأ ما يكون من مخلوق على خالقه، لما اشترطوا لإيمانهم رؤية ربهم جهرة، وهم يعلمون استحالة ذلك في الدنيا من كتبهم، حيث ادخر رؤيته في الآخرة لتكون قمة العز لمن آمن به بالغيب، فرد على مطلبهم بأن أراهم نفسه في بأسه، لما صعق جموعهم في لحظة، وأراهم نفسه في قدرته، لما أعادهم إلى الدنيا من جديد، ثم قال لهم: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لعلكم بما فعلت بكم تؤمنون بي، وقوله تعالى مخاطبا عباده {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} فهذه الآية القصيرة لم تضم إلا أربع كلمات ما أعجبها، اذكروني بالإيمان والطاعة، أذكركم بالأجر والمثوبة، واذكروني بهذا الوصف، فإن لم تفعلوه فأنتم تكفرون، وقوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} فالكلمتان، شكرتم وآمنتم، معناهما ينتهي عند الثانية وهو الإيمان، إن أدركتم الشكر بالفكر، وأعلنتم الإيمان بالذكر، فلا يُفْعل بكم عذاب، وغير ذلك كافر يقع به العذاب، ومعلوم أننا ما قصدنا التفسير بالتفصيل، وإنما نأخذ من الآيات الكريمة ما نثبت به حقيقة الشكر، وهو أنه الإيمان كله الذي لا يتجزأ، وأن عكسه الكفر الذي لا يتجزأ أيضا، وحكاية القرآن عن يوسف عليه السلام، عندما لم يمنعه شعور السجين المظلوم عن تعريف من في السجن حقيقة الشكر، حيث يقول بوحي ربه مخاطبا صاحبي السجن الكافرين {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ}، فكلمة يشكرون، جاءت في نهاية حديث وجه إلى كافرين، أو مشركين بإشارة واضحة في الآية الثانية، وأنه قال لهما: إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله، وهم بالآخرة هم كافرون، ويشير إلى نفسه عليه السلام بقوله: "ذلك من فضل الله علينا" أي نحن الأنبياء _ لم أوحى الله بالإيمان"، (وعلى الناس) لما أمرنا بتبليغ هذا الإيمان إليهم، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} لا يؤمنون بما أبلغناهم به، وقوله تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام، لما أرى عرش بلقيس مستقرا عنده في أقل من رمشة الجفن {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ؟} فهو هنا عليه السلام وهو الرَّبيُّ المعلم بالوحي، وضع صريح الكفر إن لم يقع الشكر، فلم تذهله صنعة سرير بلقيس عن ذكر القدرة التي حملته إليه بهذه السرعة، ليس محمولا على طائرة أسرع من الصوت ولا على صاروخ، وإنما في الزمن الذي تستغرقه كلمة (كن)، وقدرت الآية هذا الزمن بأنه لا يوازي طرفة العين وإنما أقل {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}، ثم تنتهي الآية بتأكيد حقيقة الشكر على نفس الألفاظ والمعاني السابقة بقوله {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}. فسليمان عليه السلام بعد أن كرر هنا مفهوم الشكر، غلبت عليه صفته الأصلية، وهي أنه رسول مبلغ لحكم لله، ومن ذلك، ما هو مقرر عند الله لكل من الشاكر والكافر كما ذكرت الآية، وهذا الحكم في أمر الشكر الذي أجراه الله على لسان سليمان، وهو أن الشكر أصل وليس فرعا، بل هو أصل الأصول كما أثبت وما سأثبت، لأن المشكور سبحانه إما أن يُعرف بنعمه فيعبد ويوحد، وإما أن تكفر نعمه فيجحد، أقول إن هذا التفهيم الذي أنطق الله به نبيه سليمان، هو بعينه مع حكيم الله لقمان {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.

فانظروا إلى تعريف معنى الحكمة، وهي الموصوفة من ربها سبحانه بأنها خير كثير {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا} حيث شملت خيرية الحكمة بكل كثرتها كلمة {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} فيصبح المعنى، ولقد منحنا لقمان الحكمة، ولكي يعرفها قلنا له: هي شكر الله، ثم يكمل ليؤكد، بأن الشكر بعد أن فهم ليس ضده إلا الكفر، وليس مجرد معصية {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِه وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} ونزيد من تعليم ربنا لنا عن حقيقة شكره، يقول سبحانه: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} فالآية هنا هذه المرة، بدأت بالكفر ليعرف أنه مقصود بحرفيته ومعنويته ليضاد الشكر، ولا يقبل هنا تأويل بغير ذلك، فكلمة الكفر هنا يستمسك اللفظ فيها بالمعنى لا انفصام لهما، والدليل قوله في نفس الآية: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} ثم تأتي كلمة الشكر بعد ذلك تحمل كل الإيمان بجذره وفرعه، لتكون كفئا لمحق كلمة الكفر بكل دنسها، فهو لا يرضى لعباده الكفر لأن ما أعد للكافرين لا يرضيهم ويرضى لعباده الشكر لأن ما أعد للشاكرين سيرضيهم، وفي نهاية هذا الجزء من المحاضرة أتصور تساؤلين، أحدهما: ألا يجوز أن ندخل فيما أوضحنا جواز اعتبار الكفر المقصود فيها أيضا، هو كفر بالنعمة وليس كفراً بالمنعم؟ ومع أنني سأفرد جزءا كاملا من المحاضرة سيأتي بعد إن شاء الله، أفصل فيه الجواب عن ذلك، إلا أنني خشيت أن يعيش معي البعض الآن بشتات فكر، حيث سمع وربما لأول مرة ومن كتاب الله، أن الشكر هو مجموع الإيمان كله، وأن عدمه هو مجموع الكفر كله، ولا وسط بينهما، أقدم الآن مُسكَّناً حتى يتم العلاج بكامله بإذن الله، فأقرر بأنه لا يجوز أبدا أن ندخل فيما ذكرنا إمكان الكفر بالنعمة وليس بالمنعم، لأن التفريق بين المنعم ونعمته محال، بل هو زيادة في الكفر، فالله لا يبعض، فهو بذاته وصفاته وأفعاله واحد له المثل الأعلى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض} وما قاله سبحانه في سورة الإنسان، هو تتمة مشبعة لما سبق من أدلة، {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، هديناه السبيل بيناه له، والإنسان إزاء هذا التبيان إن قَدَرَ حق ربه كان شاكرا، وإن أنكر كان كافرا، وليس في الآية معنى ثالث، لا بالعبارة ولا بالإشارة، ولقد جاءت الآية هنا بشيء يؤكد ما قلت، وهو أنها بالغت في الكفر ولم تبالغ في الشكر، فذكرت الشكر بصيغة اسم الفاعل وذكرت الكفر بصيغة المبالغة، فلمجرد أنه أبى أن يكون شاكرا، أصبح كفورا مبالغا {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.

ومن هذا الذي ذكرناه يفترض التساؤل الثاني، هل إذا شكرتُ بمعنى آمنت بالمشكور سبحانه، وأقمت له أركان الشكر بما أمر ونهى، وجاء يوم رزقت فيه مالا أو عيالا أو شيئا قرت به عيني، ولكن حدث أني ما شكرت في هذه المناسبة أفأكون قد كفرت؟ أقول لك مستحيل أن يقول أحد بهذا التفكير، فقط لك حكم سيأتي في خلال المحاضرة أيضا إن شاء الله تعالى.

هل لنا أن نعرف، إن كان الحمد والشكر لفظين مترادفين لمعنى واحد؟ أم أن لكل منهما مدلولا خاصا به؟ ظاهر الأمر أن مفهومها واحد، وأن البعض ظن ذلك، أو قال به، وأنا لا أظن ذلك ولا أقول به، وإنما بينهما أكثر من فرق، وهذه حجتي إليكم، فالحمد لفظ ينتهي مدلوله عند مرحلتين، الاعتقاد بالقلب والإقرار بالقول، والشكر يشترك معه فيهما ويزيد الإلزام بالعمل، فمن الحمد قال الله سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا} {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}، وعن الشكر قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ}، فقد سأل الله تعالى أن يعينه على شكره بالعمل الصالح الذي يرضاه، بل فهمها من هو أفضل من سليمان. وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكرت آية آل داود إلا أن فيها أمر تنفيذ الشكر مذكورٌ بلفظ العمل الصريح، وليس معاذ الله عدم تقدير مني لدرجات الأنبياء، فرسولنا صلوات الله عليه قال لربه: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، أي كن من الشاكرين بأن تعبد، وليس فقط بأن تقول، وراح الرسول يفسرها بالعمل حتى تورمت قدماه، ولما طلبوا منه التهوين على نفسه، أجاب بنفس الاشتقاق الصادر إليه: "أفلا أكون عبدا شكورا؟"، ولكن كان عندما يتكلم يبدأ قوله بكلمة الحمد، وما علم عنه صلى الله عليه وسلم أنه بدأ قوله بكلمة الشكر، فهو قد جعل الاعتراف بالحمد قولا، وجعل الاعتراف بالشكر يتعدى إلى العمل حتى تورمت قدماه {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً}، فالعمل الصالح في الآية هو الشكر على الأكل من الطيبات، ولأن الحمد قول فقط أيضا، نقول في الصلاة سمع الله لمن حمده، ولا يجوز (رأى الله لمن حمد)، لأن القول يسمع، والعمل يرى، ولهذا قال سبحانه لموسى وأخيه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}، أسمع ما يقال، ورأى ما يعمل، ويقول لنا المفسرون عن كل كلمات الحمد التي بدئت بها سور أو آيات، ولم يذكر قبلها القول صريحا، أن يذكر قبلها تقديرا {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قل أو قولوا: الحمد لله رب العالمين {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} قولوا: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض إلى آخر الآية {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ} أي قولوا: الحمد لله، وهكذا بقية الآيات التي من هذا النوع، فآيات ذكر فيها لفظ القول، وآيات للقياس عليها، وفرق آخر بين الشكر والحمد، وهو أن الشكر بالنسبة للإنسان ألزم من الحمد، لأن الشكر عمل كما أوضحنا، والحمد قول كما أوضحنا أيضا، والعمل للإنسان أجلّ {آمَنُوا وَعَمِلُوا} {وَقُلِ اعْمَلُوا} { ِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ } {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} ولم يبلغ القول في القرآن إلى مستوى العمل أبدا، فالكثيرون يدعون صحة الاعتقاد، وإن يقولوا تسمع لقولهم تجده يخالف نهائيا ما ادعوه، والكثيرون يقولون، ولو حقا، ومن القول الحق ترديد كلمتي الحمد والشكر، ولكن الصعوبة في تحويل صحة الاعتقاد وحسن القول إلى عمل، وتحريك الجوارح لتكون آلة بشرية تنتفع وتنفع، أذكر وأنا في تجوالي في بعض البلاد الإسلامية، ركبت سيارة أجرة، وفيها أربعة بالسائق من أهل البلد الذي كنت فيه، وبعد أن تحركت السيارة صاح أحدهم بكلمة: الحمد لله، وردد الباقون جميعا وراءه، وكنا في نهار رمضان، فقلت لعلها صحبة طيبة جمعها الله على حمده، لعونه لهم على صيام شهره، وما لبث أحدهم أن أخرج من جيبه علبة الدخان وأشعل سيجارة، وربما هو الذي صاح فيهم بكلمة الحمد، وكما رددوها جميعا وراءه، تبعوا جميعا في إشعال سجائرهم، وبالتأكيد ما كانوا جميعا يهودا ولا نصارى، لأن البلد إسلامي والدين الرسمي فيها هو الإسلام، بل انبرى أحدهم وهو أضخمهم طولا وعرضا، يعيب على رمضان لأن أيامه طالت أكثر من اللازم، قال ذلك وهو يجر نارا من سيجارته جرعات يملأ بها بطنه، ورمضان لم يتعبه صومه ولم يمنعه من أن يتكيف، وكان لابد أن يحدث بيني وبينهم ما شاء الله أن يحدث، فهؤلاء سهل عليهم قول الحمد في رمضان، وثقل عليهم تحويله إلى صوم رمضان، وهو العمل ليحصل به الشكر  {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} ولهذا كان المتلفَّظون بالحمد كثيرين، من نوع من كانوا معي في السيارة، وكان العاملون بالشكر قليلين، بقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وقوله {قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}، وقيل إن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يكثر من قوله:" اللهم احشرني مع القليل، فسأله عن هذا القليل، فقال الرجل: أما سمعت قوله تعالى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فسر عمر بها واستعملها لنفسه، ونقدم ما يزيد علمنا بأن عمل الشكر زاد عن قول الحمد، أن الله تعالى لما جعل الشكر من عباده أساسَ عبادته المباشرة، من صلاة وصوم ونحوهما، جعل أيضا شكرهم لبعضهم عبادة له تزيد من أجرهم، فقد أمر سبحانه العبد أن يشكر لوالديه {وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك} فشكر الله عبادته، وشكْرُ الوالدين برُّهُما، وكلاهما عمل بل فاض أمر الشكر حتى زاد عن الوالدين إلى التعامل مع كل الناس، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"، وشكر الناس أن تقابل إحسانهم بمثله، إن كان قولة أو فعلة، لأن مبدأ الشكر الاعتراف بالفضل لأهله، فإن وجد ذلك كان لله ثم لعباده، وإن عُدِم فليس لله ولا لعباده ومعلوم من غير توضيح أن شكر الوالدين وشكر الناس جزء من شكره سبحانه وحده، فمستحيل الفهم على الظاهر هنا بأن يكون له شكر ولغيره شكر آخر، لأن أحدهم سألني عن هذا يوما. وفرق ثالث بين الشكر والحمد يصبح الحمد فيه هو المستمر بلا انتهاء، ويكون الشكر فيه هو المنتهي، ذلك أن الشكر وقد فهمناه على أنه عمل، سينتهي مع الناس بنهاية الدنيا، حيث لا عمل للناس في الآخرة، ولكن ثواب وعقاب، أما الحمد فهو قول قدسي قيل في الدنيا، ثم عبر حاجز فنائها ليبقى في الآخرة، وليقال من جديد بلا حدود، من أفواه لم تكلح وجوهها بلفحة نار، ولم تشوه بماء كالمهل، وإنما هي وجوه نضرة النعيم، فلم يكن يومها أعظم من كلمة الحمد يثنون بها على المحمود وحده، بما ذكر القرآن عنهم {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وآخر ثنائهم قولهم: الحمد لله رب العالمين، وفي آية أخرى {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} مجرد مساس من التعب لا يقع لنا فيها وفي آخر سورة الزمر ينقل القرآن حديثهم {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ}. إلى أن تُختم السورة بقوله سبحانه {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.

أما العباد الشاكرون وقد انقطع عملهم بترك الدنيا، فإنهم هم الذين سيشكرون من ربهم في الآخرة بالأجر الذي سيظلون أبدا يحمدونه من أجله، لما يقول لهم سبحانه بعد أن يستقروا في نعيمهم: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً}، وأظنه قد وضح لكم تماما، أني ما قصدت المفاضلة بين الحمد والشكر، فكلاهما لا غنى للمؤمن عنهما يصرفهما إلى الله وحده وإنما قصدت توضيح أمر علمي على النحو التالي: أن نحمد ونشكر بالقلب والقول، وأن نخص الشكر بالعمل لأنه الإلزام للعبد، وبانتهاء شكرنا في الدنيا يستأنف الشكر لنا من الله بسخاء عطائه، ومن أجل هذا العطاء يستأنف الحمد منا له أبدا الآبدين، إن شاء الله، فلعلنا نعرف اليوم كيف نكون شاكرين، عسى أن نكون يومها من الحامدين.

ومجال الشاكر في الدنيا قبل الآخرة، إذا قام بالشكر على الصورة التي أوضحناها فإن أسرع ما يجمع الحسنتين في الدارين هو الشكر، وحسبنا عن الشاكر في الآخرة، أنه سيتحول من شاكر لربه إلى مشكور منه، يُسمعه كلمة الشكر ويغمره بالأجر، أما في الدنيا ونحن الآن فيها، فلا مانع أن يرجو الشاكر أجره الدنيوي أيضا، وإن عينه لتقر عندما يسمع هذا العهد يأخذه على نفسه مَنْ مَلَك الوفاء كله عندما قال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} قد أعلن مقسما بزيادة الشاكر، أما بقية الآية {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، فقد جعلت لها حديثا منفصلا يلي هذا إن شاء الله، لأن نصف الآية تحدث عن الشاكر، ونصفها الآخر تحدث عن الناكر، {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ولكل حال مقال كما يقولون، أما الآن فحديثنا عن الشطر الأول من الآية الذي وعد الله فيه بالزيادة لمن يشكر، وفهمها البعض على أنها زيادة وقفت عند ظاهر التعبير على أنه شكر وقع وقوبل بزيادة ما، ولكن المعنى هنا مستمر لا يقف، أي كلما زاد الشكر زاد القدر، بلا توقف ولا كم معين، وفي ذلك يقول عالم الصحابة عليٌّ رضي الله عنه: "إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر معلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله، حتى ينقطع الشكر من العبد"، ثم إنه لا يطلب منا أن نوفي الله على كل نعمه، فكل نعَمِه يستحيل إحصاؤها من جهة، ومن أخرى فإننا مهما بلغ منا الشكر فلن نوفيه حقه في واحدة منها، ولكن نعم الله على العباد في هذه الدنيا أجملت أساسا في قسمين، قسم روحي، وقسم مادي، فقسم الروح لما يمن على الإنسان بالإيمان به، وهو منة المنن بلا شك {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ}، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}، ومع عظم ما هديت إليه من نعمة الإيمان، فإنها في حاجة إلى زيادة دائمة من واهبها إذا شكرته عليها بصورة دائمة أيضا، وهذا داخل في معنى الزيادة التي ذكرتها الآية، فكلما شكرته على الإيمان بعمل الطاعات، كلما رفع درجة إيمانك وقربك إليه، والعكس يقع كما سنوضح بعد في الشطر الثاني من الآية إن شاء الله، والقسم المادي من النعم هو ما تحسن وتطيب به دنيا الإنسان، من مال وولد وصحة بدن ومنصب وما إلى ذلك، والشكر على هذا النوع لا يقل عن شكر النوع الأول، فالمنعم واحد والمشكور واحد، والصفوة الممتازة وهم رسل الله، مع علمهم بأن الله أتم عليهم نهائيا نعمته، كانوا من أكثر خلقه شكرا على نعمه المادية الدنيوية هذه، ليبقيها لهم ويزيدهم منها، فهم أعرف الناس بأنه لا يجوز أن يؤمن مكرٌ الله، ولذلك أثنى عليهم بصريح المديح من ربهم، فمثلا إبراهيم عليه السلام مدحه ربه بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ}، فهو قد حمد بالقول لما وهب إسماعيل وإسحاق، وشكر بالفعل لما أكرم أضيافه بالعجل السمين الحنيذ، المشوي، فلم يقدم تيسا ولا كبشا وكان عنده من ذلك الكثير، وإنما شكر على أعلى مستوى مما أعطاه، ونوح عليه السلام، وهو من أمثلة المديح الإلهي للشاكرين، لما قال عنه ربه {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}، قيل إنه بالغ في الشكر، فبالغ الله له في صفته {وكَانَ عَبْداً شَكُوراً}، ومن أمثلة مبالغته في شكر ربه، ما ذكروا من أنه ما مس شيئا قط ولا مسه شيء قط، إلا شكر الله عليه، وأنه إذا سكت عن ذلك أثناء الغائط يقول فور خروجه منه: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأذهب عني ضره"، لكن نعم الله الدينوية على عباده أنواع شتى، يميز كل عبد منها بنوع أو أكثر، ومن هنا يكون شكر المنعم عليه من نوع ما أوتي، فالحاكم مثلا وهو أكثر الناس حظا في الدنيا، شكره محدد بأمر لا يجوز له سواه، وهو تحويل ما في المصحف إلى تنفيذ تام على نفسه وعلى قومه، فهو سلطان الله في أرضه كما وصف عمر رضي الله عنه نفسه بذلك، وصاحب عافية البدن شكره الإكثار من العبادة وعون العاجز والكليل، وصاحب الوظيفة أو المنصب الرفيع شكره الإخلاص وخدمة الناس، وصاحب السعة في الرزق شكره عدم قبض يده لتظل العليا وليست السفلى، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله "بينما رجل يمشي بفلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحابُ فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج (قناة الماء) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هنا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلانٍ لاسمك، فما تصنع فيها؟، فقال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه"، رواه الإمام مسلم، فانظروا إلى قدر الشكر عند الله، يسخر سحابة كاملة لعبد شاكر، ويعين لها الاسم، فتطيع وتطير بمائها وتلقيه حيث أُمِرَتْ، على أن نوعا من الناس لم يعط من مادة الدنيا ما يمده للغير على نحو ما ضربنا من الأمثال، فهو ليس بحاكم، أو به علة منغصة، أو قدر عليه رزقه، فالأول لا يحبك انقلابا لمجرد أن يحكم هو، فقد يمسي مقتولا أو مسجونا، وصاحب العلة المنغصة يغدو بها ويروح، لا يحسد الصحيح، فهو خير ممن ألزمته علته الأرض حتى غدا لا هو حي ولا هو ميت، ومن لا يملك إلا قوت العيال، فلا يحسد ذا المال، فهو خير ممن اضطر أن يتكفف الناس، فهؤلاء وأشباههم شكرهم مداومة النظر إلى من تحتهم فيطمئنون إلى أنهم أحسن كثيرا من غيرهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يوجهنا بجميل قوله بروايتين للبخاري ومسلم، الأول يقول: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال، والخَلْق، فلينظر إلى من هو أسفل منه، ممن فُضَّل عليه"، ورواية مسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" فالذي شكر بهذا التوجيه، وفهم الهدي النبوي منه، يعيش قرير النفس هادئ الفؤاد وَوُهب حب الخير للخلق، ونزع منه الغل للغير وارتفع بعز القناعة، ونعود إلى السؤال الذي افترضته ووعدت بالجواب عنه في موضعه، وهو، هل إذا شكرت بمعنى آمنت بالمشكور سبحانه، وأقمت له أركان الشكر بما أمر ونهى، وجاء يوم ورزقت فيه خيرا ما، وحدث أني في هذه المناسبة ما شكرت، أفأكون قد كفرت؟ نقول لك: لا، لأن عدم شكرك هنا ليس من العمل العمد المتصل بإنكار المشكور سبحانه، فكما لم تشكر اليوم قد تشكر غدا، لكن إذا شكرت في الكثير، وفي غير ذلك قلَّلَ الشيطان النعمة في عينك دون أن تجحد المنعِم، فحكمك حكم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، عسى الله أن يتوب عليك فلا يعاقبك في الدنيا بزوال النعمة، وفي الآخرة بسؤالك عنها.

والآن نريد أن نعرف ما إذا كان الكفر بالنعمة غير الكفر بالمنعم، وهو الأمر الذي قلت إني سأفصله بعد، ودعامة الحديث فيه هو الشطر الثاني من الآية {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}، فالكفر هنا الذي أعد الله له العذاب الشديد هو الكفر بالنعمة، المضادُ لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} فهل العذابُ الموصوفُ في الآية بالشدة، والمعلنُ بالقسم منه سبحانه، يمكن ألا يعد إلا للكافر الذي ذكرته الآية هذه، أو من نوعه في قوله تعالى {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} فالكفر بالنعمة يقتضي الكفر بالمنعم، فلا عقل ولا نقل يختلف في هذا أبدا، ولنسمع هذا المثل النازل من السماء، في أمر صاحب الجنتين اللتين آتت كلتاهما أكلها ولم تظلم منه شيئا، فصورة كفره بهذه النعمة الكثيرة في قوله لزميله الشاكر بقليله وما في القرآن من حكايتهما {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} إلى آخر الآيات، فهو لم يشكر النعمة التي ظن أنها لن تبيد، وجره الظن بذلك إلى الظن بعدم قيام الساعة، التي سمع أنها ستبيد الدنيا ومنها حدائقه الواسعة، فلا شيء يُبيدُ بساتينه أو يُغيضُ ماء نهره، ومع أن كلمة الكفر لا وجود لها من هذا الجاحد في كلمات الآية، إلا أن صاحبه وصمه بها على الفور، فلم ينقله من الكفر بالنعمة إلى الكفر بخالقها، وإنما طبعه مباشرة بالكفر بالخالق، عندما قال له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ؟} إلى أن أعلنت الآية إبادة ما ظن أنه لن يبيد، {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}، وهكذا بعد الفوات، علم بأن عدم شكره  أدى إلى شركه، ومن أمثلة القرآن أيضا نقدم قصة السَّبَئِييَّن: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيل ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} فما طُلب منهم مقابل هذا العطاء العظيم إلا أن يأكلوا ويشكروا، فما أرهقوا بخراج ولا أثقلوا بمغرم، فعن الأكل أكلوا، وعن الشكر أعرضوا، فجوزوا بالعقاب الرهيب الذي ذكرته الآية، فهم أيضا لم يعلنوا كفرهم بربهم، وإنما كفروا بنعمته لما أعرضوا عن شكرها، فغرقوا في مستنقع الكفر بالله إلى رءوسهم كإغراق سيل العرم لزرعهم، ويقرر ذلك باستفهام التقرير مع حصر المعنى بأن جزاءه هذا لا يقع إلا للكافر والمبالغ فيه {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ}، وغير هذا من وقائع كثيرة مذكورة في القرآن، كقصة القرية التي كفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وكقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي كفرت نعمتها، وأصحاب الجنة التي أصبحت كالصريم، لما انطلقوا وهم يتخافتون ألا يدخلنها أي مسكين، والذي عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين، فلما آتاه من فضله خان عهد الله ومنع الصدقة، فكان أن طرد من رحمة الله نهائيا، وشبيه بذلك كل مانع للزكاة، إجماع على أنه يقاتل ودمه هدر، والسنة أيضا زاخرة بذلك، فكلكم يعلم بماذا قضى على الأقرع والأبرص، لما أنكرا نعمة الله في حديث الصحيحين المشهور عن الثلاثة، حيث فاز الأعمى بشكره للنعمى، وخسر الآخران بكفرهما بها، وكذا ما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه بسند صحيح، قوله صلى الله عليه وسلم : "التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر" ولفظ الحديث بتمامه جميل نسمعه "التحدث بالنعمة شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والجماعة بركة، والفرقة عذاب" إذاً فلنشكر نعمة الله على الفهم الذي قدمناه، وليس فقط بكلمة شكر يخادعون بها، وما يخدعون إلا أنفسهم، ويقدمون لزوال نعمتهم، فكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك" وروى الموقدي والزهري عن عروة رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى كسرة ملقاة، فمسحها فقال: "يا عائشة، حَسَّني جِوار نعم الله عز وجل، فإنها قلما نفدت عن أهل بيت، فكادت أن ترجع إليهم"، أو قد تستدرج، بمعنى أن تبقى النعمة وقد تزيد ولو لم تشكر، وذلك في تأويلين بمعنى واحد لقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ}، أحدهما، نُسبغُ عليهم نعمنا ونمنعُهم شكرنا، والثاني: كلما أحدثوا ذنبا، أحدثنا لهم نعمة، ليظنوا صواب طريقتهم، فإذا ما جمعوا فأوعوا، جمعوا المال حتى امتلأت به أوعيتهم، وليس كما استعمل البعض الآية في غير معناها _ وماتوا وتركوها بخلابها وكنزهم لها، فهؤلاء داخلون في قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} وأعلم واحد من هذا النوع، كان يخبئ أوعية المال في أماكن خفية لم يخبر عنها أهله، ففاجأه الموت على غرة، وهكذا حرم نفسه وغيره من نعمة الله، فما استفاد منها ولا أفاد، ولا يقولن جاهل بأن الكافر أوفى نعمة من المؤمن في هذه الدنيا، ذلك لأنه ليست له نعمه، وإنما هي عليه نقمة، فمعروف بأن الدنيا جنته أمليت له، ليزداد بها عند الله شقاء. {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} وعندها سيسمعونها مرعبة {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} فليس في موضوعنا هذا الذي اختار التعامل مع دنياه، أما نحن الذين نتعامل مع الله، فقد آثرنا ما يدوم على ما يزول، فهذا جعلنا نرضى بما نُعطى، وعرفْنا شكره على ما أعطى بأنه إفادة الغير، من نوع أو أنواع ما أنعم علينا به، والاشتغالُ بطاعته وعدمُ إغضابه، بهذا نعرف كيف نكون شاكرين، فيبقي لنا النعمة في الدنيا، ويتمها برحمته في الأخرى، ولنحذر العكس فنحرم، أو نستدرج من حيث لا نعلم وقينا شر ذلك، وجُعلنا من الشاكرين.

إن الذي يتناول الحديث عن الشكر، لابد له أن يطرق جانب الصبر لأن النوائب التي أحوجت الإنسان إلى جهد الصبر، استجلبها هو لنفسه، حيث لم يجعلها الله أساس عمله مع عباده، وإنما بدأهم بالخير غير الممنون، قدم لأول خلقه جنته، وقال له: {إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى}، فأبى إلا أن يهبط منها إلى أرض البلايا، فكان الاضطرار إلى الصبر، بعد عدم الشكر، وما قصدت حديثا شاملا عن الصبر، فهو موضوع ممتدٌ العُياب، يحتاج إلى كتاب، ولم أبلغ من العلم هذا المقام، وإنما آخذ منه ما أكمل به موضوعي وهذا حسبي، فالشكر في أساسه وهو الإيمان، لابد أن يقع في امتحان، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}، وهنا دور الصبر ولا شيء دونه، ليثبت في قلبه نور ربه، والشكر في النعم المسبغة المفرحة للنفس، معرضة للنقص والغِيرَ، وهنا دور الصبر ولا شيء دونه، ليهون عليه الابتئاس والأنكاد، وليذكره بأيام هنيئة شكر فيها، إلى أن يذهب الغيم ويزول الهم، وقد أشارت إليهما مجتمعين أكثرُ من آية، كقوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، فالصبر للشر، والشكر للخير، وقوله {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} فالضحك للسرور الذي له الشكر، والبكاء للحزن الذي له الصبر، إذ لا حيلة لتجنب الابتلاء بالبكاء بعدما قضاه الله في هذه الدنيا، بل إن ما يسيل الدموع فيها هو الأكثر، فلكي تقدر على حقيقتها حلاوة العسل، لابد من حموضة الخل، فلا يصح أن يختل وقتئذ ميزان الإيمان عنده، ليكسب الأجرين معا كما وعد الصادق صلى الله عليه وسلم، حيث جعل كل أمر الدنيا في حالين، سراء وضراء، والمؤمن في كليهما رابح، وقصر ذلك على المؤمن لأنه ثابت الحال عند تبادل الحالين عليه، فقد قال صلوات الله عليه وهو يعجب: " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد. إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له" متفق عليه، ومع أنه سبحانه قدر الابتلاء ليمحص الذين آمنوا وليميز الخبيث من الطيب، لم يفاجئنا بابتلائه، لعلمه بوقع الأسى المفاجئ على الضعف الإنساني، فقدم إعلامنا به قبل أن يوقعه بنا، ليكون سهل الحدوث هين التأثير، فمن ذلك قوله عز من قائل {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} وقوله {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} وقوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ} وقوله {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}، ومن هذا كثير في كتابه مذكور بالمؤكدات كما سمعنا، من هذا كان من اللازم أن يعيش المؤمن طول عمره، مستعدا لتقبل أمر ربه، لا يفاجأ به ولا يُنال من إيمانه، وبذلك يكون إن شاء الله من أهل هذا الحديث الشريف "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيَّؤُها الريح، تصرمها مرة وتعدلها أخرى، حتى يأتيه أجلهُ، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة" رواه الإمام مسلم، فالصبر إذاً شيء يعده المؤمن سلفا، حيث لابد منه يوما، يستعمله في هدوء ورضاً، على حد قول شاعرنا السابق:

عرفنا الليالي قبل ما نزلت بنا

فلما دهتنا لم تزدنا بها علما

وفي اعتقادي أن كل ما أوتيه أيوب عليه السلام من الأجر على الصبر، لا يساوي كلمة المدح التي سُكِبَتْ عليه من ربه، {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجاع تواب فعل هذا وهو تحت وطأة الداء، فقد ذكروا أن زوجته قالت له كلمة، فهم منها استبطاءها لشفائه، لطول علته التي أضنته، فقال لها غاضبا، والله ما أنصفت الله، أيُفيض علينا من نعمه أربعين سنة، ولا نصبر على ابتلائه بضع سنين، والله إن شفيت لأضربنك مائة ضربة، فهو عليه السلام قد غضب لربه وهو في شدة ابتلائه من الذي غضب لأجله، فكان نعم الجزاء هذا الثناء، بل وشملت رحمته زوجته {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، ونُقل عن علي رضي الله عنه هذه الحكاية "لما ضاق بختنصر بنبي الله دانيال عليه السلام، أمر بوضعه في جب مع أسدين، وأغلق عليه خمسة أيام، ثم نظر ليرى ماذا فعل الأسدان بدانيال، فوجده بجانب الجب يصلي، والأسدان لم يفعلا به ضرا، فقال له بختنصر: أخبرني ماذا فعلت حتى دُفع عنك؟ قال: قلت: الحمد لله الذي لا ينسى مَنْ ذكره، الحمد لله الذي يكشف حزننا عند كربنا، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة)، ويقول شريح: "ما أصيب عبد بمصيبة، إلا كان لله عليه فيها ثلاثُ نعم، ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لابد كائنة فكانت"، وذكر في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله في تعريف أصحاب هذه الآية "من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، وظُلم فغفر، وظَلَم فاستغفر، ثم شكر، وهنا سكت صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما له يا رسول الله ؟ قال: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، أما هذا الذي تخدعه بسمات الأيام، ولا يأخذ في باله أن الفم الذي يبتسم، يمكن أيضا أن يعض، فإذا ما دهمته بلوته، كان واحداً من اثنين، إما أن ترجه الصدمة، فيصاب بأسقام قد تلازمه طول عمره لا يبرأ منها، وأظُّننا نعرف قائمة طويلة من هذا النوع بتسمية الأطباء، كالشلل والضغط والتصلب والسكر وقرحة المعدة والسرطان وغيرها، عوفيتم منها جميعا، بل قالوا قد يصاب بظلام العمى، وكان القرآن أسبق وأصدق {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}

بلى قد يؤدي الحزن إلى مصرع المحزون ولا دخل للتحدث هنا عن الأجل، فقد عاتب الله رسوله في هذا قائلا له: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، أما ثاني الرجلين، فهو الرقيق الإيمان المهلهل البنيان، لأنه مع الخير والشر متلون كالحرباء، متقلب كنهار الخريف، يريد لنفسه كل شيء، ولا يعطي من نفسه أي شيء، ولا يكاد يصاب بأمر لا يروقه حتى يضيق صدره، وينطلق لسانه برذاذ التبرم وعدم الرضا بما قدر الله وقضى، بل قد يمرق نهائيا مما كان لديه من بقايا إيمان، فيصبح من أهل هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}، إن رضيَّ البال هانئ الفؤاد رغم سحائب المصائب التي لم تنقشع عن رأسه، هو ذلك الفطن الذي علم بأن من المستحيل أن يحدث الله في كونه شيئا ما إلا لحكمة بانت أو غابت، وأنه ما فعل هذا به أو بغيره ليلعب بعباده أو يتلهى بلا أمر يريده {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ}، وأدرك هذا النابه بعقله الذي أوتيه، أنه حين يقبل أمر ربه راضيا، خير له من أن ينزل على أم رأسه كارها، فقد ملأ قلبه قول ربه: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً}، {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً }، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه}، أي ومن يؤمن بحكمة القدر وليس على أنه فقط تقلباتٌ وغير نهد قلبه إلى ما يهدئه ويُسَكنه، ثم يصبره ويؤجره، وذلك ليذيقه قطوف الحكمة التي اعتقد بالغيب مصاحبتها مع كل قضاء وقدر، وفي هذا يقول صلوات الله عليه بما رواه الترمذي وصححه "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض" وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يصب منه " ففي هذا الحديث ظهرت الحكمة من إصابة المؤمن بأنها إرادة له بالخير، لكن ما هو هذا الخير؟ سيغبط المبتَلَى من المعافي كما في الحديث السابق، ولهذا كان من سمات معتقدي الحكمة في كل ما يبشر أو يكدر، أن الله نزع من قلوبهم حب الدنيا ليهون عليهم كدرها ورغبهم في الآخرة ليديم عليهم صفاءها، ولهذا لما ذكر وفد بني الأزد للنبي صلى الله عليه وسلم: أن من صفاتهم، الشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، أجابهم بقوله: "علماء حكماء"، ووعظهم إلى أن قال: "وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون" ذكره القسطلاني في المواهب وأبو نعيم في معرفة الصحابة، ونُكْتَةٌ جميلة أو لغز جميل، حتى لا يقال: إنكم معشر المصريين تدخلون النكتة حتى في أمر مهيب كالذي نحن بصدده، واللغز هو، اثنان لا يحاسبان يوم القيامة، ومع هذا فأحدهما إلى الجنة، والثاني إلى النار، والجواب سهل لأنه من كتاب الله، أما الأول فهو الصابر {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وأما الثاني {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً} بل إن الصابر فضل على الذي أوتي كتابه بيمينه، لأن الآية قررت دخول الصابر الجنة بغير حساب، والآخذ باليمين قالت عنه {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ولو كان هو العرض كما فسره صلى الله عليه وسلم، لأنه عُرض على الله، وقبل دخول الجنة، والصابر تعرض له الله بعد دخول الجنة.

ثم بعد، فلكي نكون شاكرين، يتحتم أن نكون صابرين، فلابد من بسمة ودمعة {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ} وخير حسناته إلينا هو ما قدمه إلينا في قوله: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} حيث الظاهرة هدانا للإسلام، والباطنة ستره لمعاصينا، لهذا فُرض علينا شكرُه.

نسأله العون على القيام له بالمفروض علينا، عسى أن يتم علينا نعمته في الدنيا والآخرة، فقد سئل الحسن رضي الله عنه عن معنى تمام النعمة فقال: "أن تضع رجلا على الصراط ورجلا في الجنة" ومسك الختام هذا الحديث العظيم، روى ابن أبي الدنيا، وابن حجر العسقلاني، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خصلتان من كانتا فيه، كتبه الله صابرا شاكرا، ومن لم يكونا فيه، لم يكتبه صابرا ولا شاكرا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه، فحمد الله على ما فضله به عليه، كتبه الله صابرا شاكرا: ومن نظر في دينه إلى من دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته، لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا"، سألنا الله الخصلتين، واستعذنا به من ضدهما، وكتبنا عنده صابرين شاكرين.