طباعة

 توثيق النص

 

 

 

أهل الكتاب في القرآن الكريم

لفضيلة الشيخ معوض عوض إبراهيم

3

 

 

الذين يستجلون إنصاف القرآن لأهل الكتاب -يهود ونصارى- باعتباره الثبت الإلهي الوحيد الذي حفظه الله منذ كان من أن تمتد إليه الأهواء أو تلحقه مفتريات الأعداء، يزدادون بالنظر الموصول في الآيات التي نادتهم " يا أهل الكتاب" والآيات التي أخبرت عنهم بذلك أو باسم "يهود ونصارى" أو بصفاتهم التي تنم عنهم وتدل عليهم، أو بأنهم " أهل الإنجيل" كما تطالع المتأمل لسورة البقرة [1] وآل عمران [2]، والنساء [3] والمائدة [4] والعنكبوت [5] والأحزاب [6] والحديد [7] والحشر [8] والبينة [9] وغيرها [10] يزدادون يقينا بأن الإسلام هو دين الله ونعمته التي أتمها على المسلمين، وأن القرآن كتاب الله حقا وهو يخاطب الأقوام ويخبر عمن انصف منهم ومن مارى في الحق واعتسف، وآثر هواه على هدى الله {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [11]

ولقد عرف الرسول صلوات الله عليه اليهود، وشافههم أول من عرف وشافه من أهل الكتاب بعد أن هاجر إلى المدينة، وكانوا على بينة من أمر نبي يُبْعث في آخر الزمان يعرفون صفاته وتتحرك ألسنتهم بسماته ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويتوعدون به وقد حان حينه وتقارب زمانه، غيرهم من مشركي يثرب، ولكن الذين ما حفظوا عهود موسى عليه السلام، والذين جرعوه كئوس الخلاف عن أمره متزعة، والذين لم يحفظوا التوراة التي استحفظوها فحرفوها حتى أُنسوها ووضعوا مكانها من كلام غير الله ما لا تثبت نسبته إلى السماء حجة، ولا يقوم على ذلك بها دليل .. هؤلاء الذين لم يكن حظ عيسى عليه السلام من أحفادهم أطيب من حظوظ من سبقوه، كان أحفادهم أمناء على أحقادهم المورثة ومكايدهم لمن عداهم فشعارهم في كل اتجاه {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [12].

فإنهم يطلقون " الأميين" على كل من ليسوا يهوداً، ويعاملونهم كما يشهد عليهم التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون [13] بأحط ما تعامل به الحيوانات.

وفي باب الهجرة من صحيح الإمام البخاري رحمه الله جـ2 ص 230 طبعة الحلبي القاهرة 1372هـ من حديث أنس بن مالك قال "فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم -أي إلى المدينة- جاءه عبد الله بن سلام فقال:

"أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأَعلمُهم وابن أَعلمِهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يَعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يَعلموا أني قد أسلمت قالوا فِيَ ما ليس في .. فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"يا معشر اليهود. ويلكم، اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا فقالوا: ما نعلمه، فأعادها صلوات الله عليه ثلاثا عليهم، وهم يجيبونه كذلك، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمِنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاش لله، ما كان ليسلم -وكررها ثلاثا وكرروا ما قالوا- قال صلى الله عليه وسلم : يا ابن سلام أخرج عليهم فخرج فقال:

يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " 1هـ.

وفي الصحاح كلها روايات أخرى بزيادات تشهد بطبيعة اليهود، واستمساكهم بباطلهم، ودورانهم حول أنفسهم وأنانيتهم وعبادة ذواتهم، والنظر بعين المَقْتِ لسواهم" ولا أدلَّ على ذلك من حوار رسول صلوات الله وسلامه عليه لهم، وحوار الطب الحبير ابن سلام رضي الله عنه، ذلك الحوار الذي لم يثر فيم مقنعا ولا أدرك من قلوبهم موضعا، وقد لا يكون قرع منهم مسمعا، قال تعالى {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} حتى قال فيهم رب العالمين {إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب} الآيتين[14].

والأيام والليالي تؤكد أن الأبناء على هوى الآباء " ولا تلد الحية إلا الحية " وأنهم في بغيهم وصلفهم وغيهم على قلب رجل واحد، رجل حاقد واحد -سواء  في ذلك أحبارهم ورجال دنياهم- وقديما قيل: " من التعذيب تهذيب الذئب، ومن العناء رياضة الهرم" و "شديد عادة منتزعة" إن القوم يملكون اليوم مقاد الإعلام العالمي المجنون، ويتلاعبون بالأفكار، ويتوسلون بكل سبيل إلى استثارة الغرائز واستمالة الأغرار، وإشباع أهواء من يحسبونهم قادرين على خدمة أغراضهم في قيادة العالم، والتصرف في مقدراته كما يشاءون، ويجامعهم في كثير من عدة المكايد من غير اليهود أقوام في نفوسهم كحز المدى على الإسلام والمسلمين، يدخلون معهم تحت عنوان " أهل الكتاب" ويدني بعضهم إلى بعض -إلى حين-  فرصة يظنونها تُعِين على التمكين من المسلمين، وبينهم من الخلاف الواغل ما لا يخفى على لبيب، واصطلاحهم الظاهري على ذلك في هذه الأيام، كسحابة الصيف وخيال الطيف لا تلبث الأعين أن تبصرها حتى يدركها الزوال، {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [15].

وما ينبغي أن تستبد بنا الغفلات، أو تستهوينا الشعارات أو يخدعنا عن حقائق الأشياء كلامُ مُنَمَّقٌ تردده كالببغاوات أبواق الشرق، أو حديث مزوقٌ يرسله في مجتمع الإسلام أقوامٌ هم أصداء للغرب وأفكاره وتصوراته ومطامحه وأطماعه، فإن هؤلاء جميعا {هُمُ الْعَدُوّ} [16] الذي ينبغي أن نعرفه ونكشفه في نور الإسلام وضياء الحنفية السمحة التي يظلمها من يقيسها بغيرها.

إذا أنت فضلت امرءاً ذا نباهة

على ناقص، كان المديح من النقص..

إن الرسول قد حاور اليهود وعاهدهم وواثقهم، وواثق من بعدهم غيرهم، فهل أجدى الحوار؟ وهل أغنى عن الجهاد الجاد مع اليهود بخاصة نُبل النبي وفضله؟ الجهاد الذي يسترد الحقوق، وليس منه بحال صراخ الصارخين الذي يُصم الآذان في أماكن وأزمان، وحين تقرع الحجة الحجة، ثم لا ينتصف البرهان، وتفقد الكلمة معناها يكون إباء الرجال متمثلا في القتال، لا في الهمس والدَّس والتآمر في الدروب والأوكار، هو الطريق الذي يحق الله به حقه وينصر جنده، ويحمي أقداسه، ويعزُّ عباده وبلاده.

إذا الحرب حلت ساحة القوم أظهرت

عيوب رجال يعجبونـك في الأمـن

وللحرب أقـوامٌ  يـذودون دونهـا

وكم قد ترى من ذي رواءٍ ولا يغنى!

وكنت من أكثر من ثلاثين سنة قد قلت في موقف من مواقف الدعـوة إلى اللـه

إن جرى غيرنا مع الكفـر يبغـون

سـوى الأرض دولـة في  السمـاء

وتـهـنَّوا بـقـوةٍ مكنـتـهـم

بعض حـين من كاهـل الضعفـاء

واستـطالـوا بعلمهـم وهو منـا

نهـلـوه، وأفحـشـوا في الجـزاء

وسعـوا سعـيهـم ونحـن نيـام

نـتـغـنى  بـعــزَّة  الآبــاء

أن يكـن ذاك شأنـهـم فعلينـا

وزر  ما كـان، لا عـلى الأعـداء

شغـلتـنـا عن الجـهـاد رءوس

نشـأوا في مـهـاد الاستـخـذاء

لا  يرون الجـهـاد إلا كـلامـا

في كـلامٍ لا  في صفـوف الفـداء

أي وربي جنـايـة الغـرب فينـا

دونـهـا من رجـالـنـا هـؤلاء

وما أهون الكفاح، وأيسر الجهاد إن كان هو ذلك الذي يضحك الثكالى في أماكن وأزمان!!

_ إن إنعام النظر في آيات سورة البقرة يضعنا أمام حشد طاغ من تعنت اليهود مع الله الذي آتاهم من أنعمه مالم يؤت أحدا من العالمين، ومع ملائكة الله الذين هم بأمره تبارك وتعالى يعملون، ومع أنبيائهم على النحو الذي سنجلوه مرات - إن شاء الله - ومهما اجتهدنا في ذلك فما نحن ببالغين من بيانه المدى الذي بلغوه..

ولا يخطئ الصواب من جعل " أهل الكتاب" مرادين في كلام الله عن الكافرين في صدر سورة البقرة فكلامه عن المنافقين {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} وما وراءها من آيات قرر الله فيها أنه: يستهزئ بهم عدلاً وقسطاً لاستهزائهم بالمؤمنين، وآيات ضرب لهم فيها الأمثال على أنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْي} وأنهم لم ينتفعوا بالحق الذي عرفوه كما لم ينتفع أقوامٌ في المثل الآخر {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ..} الآيتان.. [17].

و "أهل الكتاب" هم بنو إسرائيل (يعقوب عليه السلام) {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [18] ويفد عليَّ من ذاكرتي مثل الفتى الذي قال لأخيه " لأهجونك" فقال له أخوه: كيف تهجوني وأبي أبوك وأمي أمك؟ فأنشد:

أبـوك أب حـر  وأمـك حـرة

وقـد يلـد الحـراَّن غـير نجيـب!

وخطاب الله لبني إسرائيل في عهد سيدنا محمد صلوات الله عليه تذكير وتبصير للأبناء بسوالف هبات الله وإحسانه إلى الآباء..

قال ابن الجوزي " المراد من ذكرها أي في قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ..}[19] شكرها، "أي إيجاب شكرها، فإن من لم يشكر فما ذكر" [20]

وفي إجماع واع دال لما تكلفت به سورة البقرة من أغراض قال الشيخ رشيد رحمه الله [21]..

" ثم خص بني إسرائيل بالدعوة تاليا عليهم ما لم يكن يعلمه محمد لولا وحيه تعالى له، فذكرهم بنعمه، وأمرهم أن يؤمنوا بما أنزله على خاتم رسله، ونهاهم أن يكون المعاصرون له منهم أول كافر به، وحاجَّهم في الدين بتذكيرهم بأيام الله، وبأهم الوقائع التي كانت لسلفهم مع كليمه، من كفر وإيمان وطاعة وعصيان ثم بالتذكير لهم وللعرب بهدى جدهم إبراهيم الخليل، وبنائه لبيت الله الحرام، مع ولده إسماعيل، ودعائهما إياه تعالى أن يبعث في الأميين رسولا منهم، وبأن علماءهم يعرفون أن محمدا هو الرسول الذي دعا به إبراهيم وبشر به موسى -كما يعرفون أبناءهم-، وبأن فريقا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون، أي والفريق الآخر يؤمنون به، ويعترفون بوعد الله لإبراهيم ثم لموسى بقيام نبي من أبناء إخوتهم مثله".

ويردف الشيخ رشيد قائلا: " بدئ هذا السياق بالآية 40 من السورة؟ {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ... الخ} وانتهى بالآية 142 منها [22] وتخلله بعض الآيات الموجهة للمؤمنين للاعتبار بما فيه من شئون أهل الكتاب السابقين والحاضرين من اليهود بالتفضيل، ومن النصارى بالإجمال، إذ لم يكن أحد منهم  -أي من النصارى- مجاورا ولا مخالطا للمسلمين في تلك الحال، فإن نزول البقرة كان في أول عهد الهجرة، وما تقدم يناهز نصف السورة وهو شطرها الخاص بأمة الدعوة..." 1هـ.

لكن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- يضيف لهذا الكلام الجليل إضافات جزيلة الفائدة نلحقها بهذا الكلام إتماما للموضوع في هذا السياق وإجابة على سؤال قد يعرض وهو: لم أعطى الله كل هذا الاهتمام لبني إسرائيل؟! قال الشيخ رشيد: [23] قال شيخنا في سياق درسه ما مثاله:".

" اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتماما بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية، والمؤمنة بالأنبياء المعروفين، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين [24]" ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير لعظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم.. ولذلك كانوا يسمون شعب الله -كما في كتبهم- وفي القرآن أن الله اصطفاهم وفضلهم.. ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله، منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب، وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس شكرا، وأشدهم بنعمته ذكرا، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان، وسبب إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم زعموا أن فضل الله تعالى محصورٌ فيهم، وأنه لا يبعث نبياً إلا منهم، ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته وقفَّي عليه الأمر بالوفاء بعهده" 1هـ.

وحتى نبلغ هذه الآية إن شاء الله وما بعدها نتساءل: هل تغير إلى الأحسن أهل الكتاب من اليهود فحفظوا العهود وأنجزوا الوعود، وانطفأت فيهم جذوة الأنانية، وصاروا شيئاً آخر غير أصولهم الذين قال الله فيهم {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}[25].                       

إلى لقاء

 

 



[1] البقرة في آيتي 105، 109 عدا الآيات التي سماهم فيها باليهود والنصارى أو وصفهم بها .

[2] _ آل عمران في اثنتي عشرة آية من 64 _ 199.

[3] _ النساء في أربعة آيات من 133 _ 171.

[4] _ المائدة في ست آيات والسابعة خطاب لأهل الإنجيل من 15 _ 77.

[5] _ العنكبوت في الآية 46 وفيها الرفق في خطاب خيارهم.

[6] _ الأحزاب الآية 16.

[7] _ الحديد /26.

[8] _ الحشر / 2، 11.

[9]_ البينة / 1_6.

[10] _ لم تستقص الآيات التي نودوا فيها بغير أهل الكتاب.

[11] _ القصص /50.

[12] _ آل عمران / 75 وسنتناولها بالبيان بعون الله.

[13] _ التلمود من كتبهم المقدسة والبروتوكولات نشر الأستاذ محمد خليفة التونسي.

[14] _ سورة الأنفال / 21 _ 23.

[15] _ ص /88.

 [16]_ المنافقون /4.

[17] _ الآيات الثلاثة عشرة من 8 _ 20.

[18] _ فاطر /18.

[19] _ الآية /40.

[20] _ زاد السير جـ1 ص73.

[21] _ تفسير المنار ص 106، 107.

[22] _ وهي قوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاء.. الخ} وسنعرض لها إن شاء الله عما قليل.

[23] _ جـ1 من تفسير المنار ص289 وما بعدها.

[24] _ أن شدتهم على المؤمنين من جهتين: مكايدهم وسوء مكرهم بهم، والثانية وهي أشد وأمعن لأنهم عرفوا الحق وعادوه وافتروا عليه الأكاذيب _ الكاتب.

[25] _ البقرة /100.