|
|
|
|
رسائل لم
يحملها البريد |
|
|
لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
|
الأستاذ المساعد- بكلية الشريعة |
|
|
|
|
|
والدي العزيز: |
|
|
لشد ما يحزن القلب ويحزب النفس أن أكتب إليك اليوم أني قد تزوجت، وأني
قد تزوجت فتاة مسيحية ليس بينها وبين الإسلام نسب ولا سبب، وأنها أجنبية الدم
وليس لها في ديار العرب جدود ولا أرحام.. |
|
|
لقد تزوجت منذ ثلاث سنوات خلت، ولكني كتمتك الخبر خشية أن ينقطع عني
عونك المتواصل، ويتخلى عن جيبي مالك المتدفق، أما اليوم فقد أصبحت طبيبا أتدرب
في أحد المستشفيات، وآخذ راتبا يكفيني ويزيد، وتخرجت زوجتي في كلية الآداب
وأصبحت مدرسة في إحدى المدارس الثانوية، وفي مرتبها ما يزيد مالنا قوة على قوة،
ووفرا على وفر. |
|
|
والدي العزيز: |
|
|
سوف تقرأ هذه الرسالة مرة بعد مرة، وفي كل مرة ترجع البصر كرتين تتعرف
توقيعي الماثل في ذيل هذه الرسالة، وتتبين اسمك الكامل الذي أخطه على وجه
الغلاف، وسوف ترجوا في كل مرة أن تكون هذه الرسالة قد كتبها كاتب غيري، أو أن
تكون قد وقعت بين يديك عن خطأ وغفلة من موزع بريد. |
|
|
رفقا بنفسك يا والدي العزيز، وأمسك عليك بقايا بصر كاد يؤدي به مرض
السكر، فما بك من حاجة إلى أن تقرأ هذه الرسالة أكثر من مرة، كل ما فيها صدق لا
يشوبه كذب، وحق لا يعتريه باطل، وهذا التوقيع الذي تحدق فيه وتحملق هو توقيع
ابنك لا شك ولا زيف. |
|
|
سوف تتهمني يا والدي العزيز أني قد عققتك ودلست عليك، وأني لم أك ذلك
الولد البار الذي كنت تتوقع وتؤمل، سوف تتهمني بالخداع والمراوغة، أظهرت لك خلاف
ما أبطن، وقلت لك قولا لم أكن به أومن، حتى إذا ما انتهت حاجتي إليك وأصبحت ذا
غناء عنك، سقط النقاب عما كنت أخفيه، وأفصح اللسان عما كنت أطويه. |
|
|
الحق يا والدي العزيز أني لم أك عاقا لك ولا مدلسا عليك ولا مخادعا
مراوغا، لقد كان علي أن أسلك أحد سبيلين: سبيل الفاحشة التي حرم الله، وليس لها
من عقبى سوى الخسران والضياع، أو سبيل هذا الزواج الذي تكره، ولقد اخترت ما فيه
عصمت لديني ورعاية لخلقي وزلفاي إلى الله، وهذا الخيار على فيه من مشكلات قد
تحدث في المستقبل البعيد هو –فيما أعلم- خير عند الله وخير عند الناس وأحسن
عاجلة وأفضل عقبى. |
|
|
أما خيارك الثالث في الانتظار الطويل حتى أتخرج فلم أستطع عليه صبرا،
وكيف يستطيع شاب مثلي غرثان مرمل ناهز الثلاثين من العمر، تعرض عليه اللحوم
البشرية عارية تفيض غضارة ونضارة، وتناديه من عن يمينه ويساره على مقاعد
الدراسة، وتلقاه وجها لوجه في الحدائق العامة والشوارع المزدحمة، وتنتظره من
خلفه حيث يسكن ويأكل وينام، كيف يستطيع شاب مثلي هذه حاله أن يظل سبع سنوات:
صائما بلا طعام، حيا بلا حس ولا قلب. |
|
|
ما أسهل الحرب على النظارة يا والدي العزيز! وما أصعب غمارها وأشد
أوارها على أولئك الذين يصطلون بنارها ويفغم أنوفهم دخانها وغبارها!! |
|
|
لقد طلبت إليك منذ أربع سنوات أن أتزوج فتاة من بلادي وجنسي، وعلى ديني
وحسي، ولكنك أبيت كل الإباء، ورفضت بعنف وشراسة تهدد وترعد وتوعد، فلم أستطع إلا
أن أسكت على خوف، وأظهر الرضا على مضض، وفي القلب لهيب حب تحت الرماد، وفي النفس
حسرات هوى تكاد تقتل. |
|
|
ما أكثر ما كنت تعزيني عن ذاك الزواج وأنا أجلس إلى جوارك حزينا مطرق
الرأس فتقول: صبرا صبرا يا بني، غدا تصبح طبيبا، وسوف أفتح لك عيادة في أوسع
شوارع عمان وأكثرها ازدحاما وحياة وحركة، وسوف أعلق فوق باب العيادة لافتة كبيرة
كتب عليها بخط كبير جميل اسمك مقرونا باسمي واسم العائلة، وسوف أزوجك فتاة من
إحدى العائلات المعروفة ذات الصيت البعيد والسمعة الطائرة والسلطان الواسع. |
|
|
لن يقفل في وجهك باب يا بني حين تكون طبيبا، ولن يرد الناس لك طلبا، كل
فتاة في عصرنا الحاضر تود لو تصبح ذات يوم زوجا لطبيب، وكل أم تقول لجارتها وهي
ترضع طفلها وتمسح يديها على رأسه إن ابني هذا سيكون طبيبا. |
|
|
يا بني ستكون رجلا مشهورا حين تكون طبيبا، فكيف ترضى أن تكون زوجا لفتاة
مغمورة لا يكاد يعرف أهلها أحد، سوف تعض على يديك ندما وحسرة يوم ترى ما بينكما
في المستقبل، ولن ينفعك يومئذ حسرة ولا ندم. |
|
|
ما أكثر ما كنت تقول يا والدي وما أكثر ما كنت تؤمل، ولقد كنت حريصا على
أن أكون عند ظنك وألبي نداء نفسك وأجيب هتاف قلبك، ولكن البيئة التي أعيش فيها
سدت الطريق أمام ما كنت تؤمل وأمام ما كنت أريد. |
|
|
من الآباء يا والدي العزيز طائفة كانوا يودون لو يكونون في هذه الحياة
شيئا مذكورا، فقصرت بهم العزائم أو حالت دون أمانيهم أحداث قاسية ومطالب عيش لا
ترحم، فهم يريدون أن يعوضوا أنفسهم ويعزوها بأن يروا ما فقدوه حياً ماثلا في
أبنائهم، فتراهم يرسمون لهم الخطط، ويضعون لهم معالم الطرق، ويصبون النصائح في
آذنهم صبا، ويلقون عليهم الأوامر والنواهي كأنهم جنود يعيشون في ثكنات عسكرية. |
|
|
ولكن كثيرا من أولئك الأبناء الذين يعيشون في بلاد أجنبية الدم والدين
يكونون في شغل شاغل عما يريده آباؤهم: |
|
|
وإني وإياها لمختلفان |
هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى |
|
على أنني سوف أسلك طريقا لعله يرضيك أو يخفف عنك ما بك، طريقا ما كان
يخطر لي على بال من قبل وما كان ليخطر لك أنت أيضا على بال، ولكن هذا الزواج
الذي نقمته هو الذي ساقه إلي وجعله سهلا لا حبا أمام عيني، سوف آخذ جنسية هذه
البلاد التي تعلمت في جامعاتها وتزوجت إحدى فتياتها وهأنذا اليوم طبيب في إحدى
مستشفياتها، وبهذه الجنسية أستطيع العودة إلى وطننا الذي أخرجنا منه وإلى
المدينة التي ولدت فيها وإلى دارنا المهجورة المغلقة الأبواب، وسوف أتخذ شقة من
شققها سكنا وأتخذ من أخرى عيادة، وسوف أضع على مدخل الدار لافتة كبيرة أكتب
عليها اسمي مقرنا باسمك وباسم العائلة كما كنت تأمل وترجو، وسوف تكون هذه
الأسماء كبيرة الحروف جميلة الشكل واضحة الرؤية إلى درجة أنها تقرأ بسهولة من
الشارع المجاور، وسيأتي يوم –أسأل الله ألا يكون بعيدا- تسترد فيه بعون الله
تعالى تلك الأرض المغصوبة وتلك المدينة المنكوبة، وحينئذ تستطيع أن تجلس في
حديقة الدار صباح مساء كما كنت تجلس من قبل، وسوف يشير الوافدون على عيادتي
للاستشفاء وهم يعبرون الحديقة جيئا وذهابا، سوف يشيرون إليك بأطراف البنان وهم
يتهامسون: والد الطبيب. |
|
|
قد تحسب هذا خيالا أسوقه إليك ابتغاء مرضاتك وتخفيف وقع هذا الزواج على
نفسك، أحسب يا والدي الحسبان الذي تشاء، وظن الأمر كما تريد وتهوى، فهذه هي
الحقيقة قد جلوتها عليك واضحة، وهذا ما آل إليه أمري قد صورته لك صادقا قد تقول
وأين كانت هذه الحقيقة من قبل، ولم تصور لي ما آل إليه أمرك منذ البداية؟! ولم
كلفتني نفقات زواجك ثلاث سنوات وأنت على يقين أني غير راضي عنه؟! |
|
|
الناس يا والدي العزيز يحبون الحق ويحرصون على العدالة حين ينصبون
أنفسهم حكاما وقضاة، أما حين يكونون غير ذلك فما أكثر ما تقف العدالة والصراحة
وكلمة الصدق على أبوابهم طويلا تطرقها وتطرق وتطرق فلا يأذنون لها ولا يعتذرون. |
|
|
لقد عشت أنت أيها الوالد العزيز أكثر من ثلاثين عاما موظف دولة، أما حدث
ذات مرة أن أمسكت عن قولة الحق وإبداء رأي الصدق حين كنت ترى بعض رؤسائك يبغون
الأمور عوجا ويعرضون الأمر مبتسرا فجا، ألم تك تنفذ بعض الأوامر وأنت تعلمها
جائرة، وتمضي بعض المعاملات على ما فيها من باطل، ألم يحدث ذات مرة أن فعلت شيئا
من ذلك حرصا على راتبك وإبقاء على وظيفتك؟! على أنك لست في هذا بدعا بين
الموظفين ولا فردا بين الناس، فالموظفون كثيرا ما يقولون الكذب وهم يعرفون أين
يكون الصدق، ويأتون الباطل وهم يبصرون طريق الحق، ويعتذرون عن ذلك بلقمة الخبز
لأفراد الأسرة، وكسوة الصغار الذين يدرجون في البيت، وتعليم الكبار الذين يغدون
على المدارس، ولا يذكرون حق الدين وحق الفضيلة إلا كما يذكر الموتى وأسقاط
المتاع. |
|
|
علم الله أني لم أقصد بهذا إساءة إليك، ولا كشف منقصة فيك، ولا إذاعة
عيب عنك، وأنىً لي هذا؟! ولكن الشيء بالشيء يذكر، والحديث ذو شجون. |
|
|
وفي ختام هذه الرسالة أقول: |
|
|
من الخير يا والدي العزيز أن تسمح لابنك هذا بالعودة، وأن تفتح أبواب
بيتك لاستقباله، وأن تمد جناح العطف والرحمة على هذا الزواج. |
|
|
من الخير أن تسمح لهذا الولد الغريب أن يعود إلى بيت أبيه وأمه، ومن
الخير أن تجد هذه الزوجة الأجنبية أبواب البيت لها مفتوحة، والقلوب التي في
الصدور لها مشروحة. |
|
|
وإذا كنت تبتغي رضا وثواب الآخرة حقا، وتحب ألا يضيع ما أنفقته سدى، فمد
أجنحة الحنان والرحمة على هذا الزواج، وافتح الطريق أمام هذه الزوجة الحائرة كي
تتعرف الإسلام من الواقع الذي تعيش فيه أسرتنا وأسر أخرى تهتدي بهدى الإسلام
وتستضيء بنوره، غربها عن هذه البيئة التي تمسك بيدها كلما همت أن تمدها إلى
الإسلام، غربها عن هذه البيئة التي تشد قدميها إلى الأرض كلما همت أن تسير على
طريقه، أنقذ أولادنا من أن يصبحوا على غير دين أو على دين لا يعرفون من شريعته
حكما ولا من قرآنه حرفا، أنقذني أنا من قبل أن أنسى مناسك ديني ومن قبل أن يصبح
قلبي خاليا من الإيمان، تذكر قوله تعالى {وَإِنْ
تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
وقوله تعالى {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. |
|
|
ابنك البار |
|