|
|
|
الدين الحق |
|
لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين |
|
الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
إن الدين الحق اتباع يظهر في السلوك والعمل، وليس قولا وادعاء لا يطابقهما الفعل، قال الحسن البصري -رحمه الله ((ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال)). |
|
الدين الحق أساسه الإيمان، والإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث متفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" |
|
وقال صلوات الله وسلامه عليه في حديث صحيح رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وأحمد وغيرهما "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" |
|
وقال صلى
الله عليه وسلم في حديث رواه مسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم
يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطيع فبقلبه فذلك أضعف الإيمان". |
|
وقد كثر
الآن المتحدثون باسم الدين والمتجرون به في الأقطار الإسلامية المختلفة، وارتفعت
أصوات هؤلاء ارتفاعا غطى على أصوات المؤمنين الصادقين الذين يدينون دين الحق،
وأصبح الأتجار بالدين الحق حرفة رائجة في البلاد الإسلامية، والعجيب أن أكثر
الناس في أنحاء مختلفة في العالم الإسلامي يظهرون الحرص على التمسك بأحكام
الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتظاهرون بأنهم يحملون أمانة الدعوة
إلى دين الله، ويتشدَّدون في نقد من يخالف الكتاب والسنة في أمر من الأمور، ولكن
أعمالهم تخالف أقوالهم وباطنهم يختلف مع ظاهرهم وأنهم يقولون ما لا يفعلون. |
|
والذين
يتكلمون ولا يعملون كلامهم كالطبل الأجوف يقلق ولا يرشد، لأن الدين الحق يرى في
سلوك المتدينين به، والداعية يكسب لدعوته بسلوكه أكثر مما يكسب لها بموعظه،
فسلوكه هو التطبيق العملي الحي لما يؤمن به، ويدعو إليه. |
|
لقد كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المطبقين لأوامر الله في سلوكه ومعاملاته،
فكان عمله هديا وإرشاد وتطبيقا لما أنزل عليه وما أمر به، وينبغي أن يكون
للمسلمين في رسولهم أسوة حسنة يقول الله جل جلاله{لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}
(الأحزاب:21) |
|
إن القدوة
العملية تصيب من القلوب أكثر مما تصيب الكلمة مهما كانت طيبة ومؤثرة. ونستطيع أن نأخذ الدروس النافعة الهادية من سيرة رسول الله صلوات الله
وسلامه عليه، ولقد حدث بعد صلح الحديبية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر
أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا رءوسهم فلم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة
فأشارت عليه أن يخرج ثم لا يكلم أحد كلمة حتى ينحر بدنه ويدعو حالقه فيحلقه،
فلما فعل صلوات الله وسلامه عليه قام الناس ينحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا. |
|
هذه حادثة
معبرة أصدق تعبير وأوضحه على أن تطبيق الداعية لما يدعو إليه له تأثير قوى فعال
في المدعوين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من هو لما أمر الناس
بالنحر ثم الحلق فلم يستجب له أحد، وأخبر أم سلمة فأشارت له بالعمل بدل القول،
فلم يكد الرسول صلوات الله وسلامه عليه يخرج إلى القوم ويفعل ما يجب أن يفعل حتى
بادر الصحابة رضوان الله عليهم بفعل ما امتنعوا عن فعله حين كلمهم. |
|
أجل إن
القدوة العملية تؤثر في الناس أكثر مما تؤثر الأقوال مهما كانت بليغة، فعلى
الدعاة أن يكونوا عمليين أكثر منهم قوالين حتى تثمر دعوتهم، وينبغي أن تظهر هذه
الثمار في بيوتهم وفي دوائر أعمالهم، فيظهر الدين الحق في سلوك الزوجة والأولاد،
والخدم والأحفاد والمتصلين بالدعاة والمشتركين في عمل من الأعمال. |
|
إن الذي يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهدية ينبغي أن يتبع هذا بالتطبيق العملي لما يدعو إليه، فيظهر هذا التطبيق في سلوكه وجميع أعماله، وأن يلزم المتصلين به والعاملين معه بتطبيق ما يدعو إليه وما يطبقه هو، وكل تقصير في التطبيق مدعاة للسخرية والاستهزاء، وسبب في أن تصير الدعوة غير مجدية، وغير مؤثرة في القلوب، لأن الدعاة إذا لم توافق أعمالهم أقوالهم كانوا دعاية سيئة لما يدعون الناس إليه |
|
إن دعوة
الناس إلى الخير، تقتضي أن يكون الدعاة سباقين إلى الخير، ومطالبة الناس باتباع
الكتاب والسنة تستوجب أن يكون الدعاة متبعين للكتاب والسنة في جميع أعمالهم،
ونهي الناس عن منكر يحتم أن يكون الناهون ملتزمين لذلك النهي مبتعدين عن المنكر
في أفعالهم. |
|
ولهذا أوصى
الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الذي سأله أن يقول له في الإسلام قولا فصلاً
بقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". |
|
ووصية
الرسول هذه وصية جامعة لأن إعلان المسلم الإيمان بالله إثبات لولائه لله رب
العالمين، واستقامة المؤمن دليل على صدقه في إعلانه الإيمان بالله، وذلك
بالتطبيق العملي الدال على صدق القول والإعلان. وقد بشر الله جل جلاله الذين
قالوا ربنا الله ثم استقاموا بالجنة في قوله تعالى: {إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30). |
|
فالدين
الحق تطبيق وعمل، واتباع لما أمر الله به، واجتناب لما نهى الله عنه واهتداء
بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الذين يقولون ما لا يفعلون فهم أخطر على
الإسلام من أعدائه، لأنهم يلبسون زي الدعاة، ويتظاهرون بأنهم يحملون أمانة
الدعوة إلى دين الله، ويطالبون الناس بالاستقامة ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن
المنكر، ثم تكون أعمالهم منافية لأقوالهم، فبينما تراهم ينتقدون الناس إذا
خالفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر من الأمور إذا هم في سلوكهم
ومعاملاتهم يخالفون الله ورسوله، فلا يعدلون إذا حكموا بين الناس بل يميلون مع
الهوى، ويستبيحون لأنفسهم الظلم وأكل حقوق الغير، ويساندون العاملين تحت إمرتهم
إذا ظلموا واغتالوا حقوق الناس وحكموا بغير ما أنزل الله، ولا يلزمون أهليهم بما
يدعون الناس إليه، ولا ينتقدون أولادهم إذا ارتكبوا أمراً منكراً من الأمور التي
يتشددون في انتقادها إذا ارتكبها غيرهم. |
|
هذا في
الواقع ما ابتلي به المسلمون في كثير من أقطارهم، إن هؤلاء المتجرين بالدين
يشبهون علماء بني إسرائيل الذين خاطبهم الله جل جلاله بقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}
(البقرة: 44). |
|
إن الذين
يتجرون بالدين أينما وجدوا ينطبق عليهم قول ربنا سبحانه وتعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف: 103-104). |
|
إن مخالفة
الداعية في سلوكه لما يدعو غيره إليه أمر يتنافى مع العقل والمنطق السليم مما
يجعل دعوته تفقد قيمتها وتأثيرها، بل قد تحدث نتيجة عكسية وهذا هو الخطر الذي
يتهدد شباب المسلمين من جهة هؤلاء المتجرين بالدين، الذين يقولون ما لا يفعلون. |
|
إن الدين
الحق أن يصدق العمل القول، وأن يطبق المسلم في سلوكه وفي كل ما يصدر عنه من
أفعال ما جاء في كتاب الله وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه
عليه. |
|
إن الإيمان
الصادق هو الدافع المحرك للقوى الكامنة في نفس الإنسان، وهو الذي يجعل المؤمن في
شوق دائم للعمل بما يرضي الله تعالى، فيدفعه إلى تفضيل أعمال البر ليثقل ميزانه
يوم القيامة. |
|
فينبغي على
المؤمنين الصادقين الذين يدينون دين الحق أن يقفوا في وجه المتجرين بالدين، وأن
يكشفوا زيفهم وضلالهم، وأن يحملوا أمانة الدعوة إلى دين الله الحق الذي يزيغ
أمامه كل باطل، وأن يعملوا بقول الله جل وعلا: {وَلْتَكُنْ
مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل
عمران: 104). |
|
وليعلم
المؤمنون الصادقون الذين يدينون دين الحق أن أهل الباطل كالزبد يذهب جفاء، وأن
ما ينفع الناس يمكث في الأرض. |
|
ولكن على
المؤمنين الصادقين أن يعملوا {وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ
إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ} (التوبة:105). |
|
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. |