طباعة

 توثيق النص

 

 

 

بين القرآن والكتب السماوية

حكم حفظه دونها

لفضيلة الدكتور إبراهيم عبد الحميد سلامية

بكلية الدعوة وأصول الدين

 

 

إذا كانت الكتب السماوية التي عرفتها البشرية قبل القرآن الكريم، قد طواها الزمن، وصارت كأن لم تكن، ولم يصل إلينا منها سوى التوارة والإنجيل على ما بهما من تحريف وتبديل، فإن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي ضمن الله له البقاء والخلود، وتكفل سبحانه بحفظه وحراسته مصداقا لقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[1].

فكما أن ظاهر القرآن حجة على فصحاء العرب والعجم بنظمه، فكذلك باطنه حجة على علماء العرب والعجم بحكمه وعلمه، وكما أن ظاهره مربوط بنظم لا يتطرق إليها عيب، فكذلك باطنه مبسوط بحكم، لا تبقى معه مادة لريب، وكما أن ظاهر نظمه، لو وقع فيه خلل، لكان للطاعنين فيه مقال، فكذلك إن وقع في نظم معانيه زلل لكان للمعرضين عنه مجال، وإليه أشار الحق بقوله {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[2].

وتكفل الحق جل في علاه –بحفظ القرآن الكريم من التحريف، دون غيره من الكتب السماوية الأخرى، حقيقة قررها القرآن الكريم، وصدقها ويصدقها واقعه الملموس ويشهد بها المنصفون من أعدائه، حيث أذعنوا واعترفوا بأن ما بين دفتي المصحف هو عين ما نطق به محمد، لم يصبه أدنى تحريف[3].

 

حكمة حفظ القرآن من التحريف دون غيره من الكتب السماوية

 وإنما كان الأمر كذلك، بالنسبة لهذا الكتاب الخالد، لحكم متعددة أبرزها ما يلي:

 

الحكمة الأولى:

أن القرآن الكريم هو أصل الدين، ومنبع التشريع الحكيم، ودستور الإسلام، ولما كان الإسلام دينا عاما خالدا، ليس موقوتا بزمن معين، ولا بمكان محدد، بل هو عام شامل لكافة الخلائق، منذ بعث الله به نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مصداقا لقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً}[4] لما كان الأمر كذلك فقد اقتضت حكمة الله حفظ كتابه وبقاءه كاملا غير منقوص صحيحا غير باطل، ضمانا لهذا العموم في الزمان والمكان وتحقيقا له.

ولما كانت الرسالات السابقة محلية موقوتة بزمان ومكان معينين فلم تكن هناك من حكمة في حفظ كتبها، وما كانت هذه الكتب السابقة على القرآن إلا خطوات تمهيدية مهدت للخطوة الأخيرة وللغرض النهائي وللكتاب العزيز الذي أوتي الإنسانية بعد أن بلغت رشدها، وأتي العقل بعد أن بلغ نضجه وعلمه، ولو أراد الله أن تكون هذه الكتب هداية للإنسانية عامة في كل مكان وآن، لحفظها وصانها ولحال دون تحريفها، ولذلك لم يحفظ الله إلا كتابه الخالد المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

 

الحكمة الثانية: أن القرآن الكريم هو آية الإسلام الكبرى ومعجزته العظمى، فكان لابد في نظر الحكمة الإلهية من حفظه لتكون هذه المعجزة ملازمة لهذا الدين الخالد، باقية إلى جواره تؤيده وتعززه إلى قيام الساعة، حتى لا يكون لأحد عذر في ترك هذا الدين الأخير، الذي ختم الله به الأديان والشرائع، ولذلك اقتضت حكمته تعالى أن تكون معجزة هذا الدين صالحة للبقاء والخلود، فكانت دون سواها كلاما يتلى في أذن الدهر، وحديثا يقرأ على سمع الزمان، وكتب له الخلود فلم يذهب بذهاب الأيام، ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو قائم في فم الدنيا يحاج كل مكذب، ويتحدى كل منكر، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من الهداية...

ومن هنا يظهر الفرق جليا بين معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزات إخوانه من الأنبياء – عليهم السلام - فمعجزات محمد في القرآن وحده آلاف مؤلفة، وهي متمتعة بالبقاء إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، أما معجزات سائر الرسل فمحدودة العدد قصيرة الأمد، ذهبت بذهاب زمانهم، وماتت بموتهم، ومن يطلبها الآن لا يجدها إلا في خبر كان[5].

يقول الإمام السيوطي في ذلك، ولأن هذه الشريعة، لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية، ليراها ذو البصائر كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا"[6].

ومعنى هذا أن معجزات الأنبياء قد انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، ويمكن أن يقال في معنى الحديث، أن معجزات الرسل السابقين لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت حسية تشاهد بالأبصار، كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصائر فيكون من يتبع محمد لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا[7].

 

الحكمة الثالثة:  أن القرآن الكريم قد أتى بهدايات تامة كاملة، تفي بحاجات البشر في كل زمان ومكان وفاء لا نظير له في أي كتاب آخر، وأن البشرية لا غنية لها عن هذه الهدايات القرآنية، فما أمر القرآن بشيء يمكن الإستغناء عنه و لا نهى عن شيء يحسن الإلمام به، ولذلك خلد على مر الزمان.

ومن جهة ثانية فإن القرآن بما اشتمل عليه من أحكام وآداب، وأخلاق ومعاملات حق دائم لا ريب فيه وصدقه باق لا تناله الأيام بشيء، لأن الحق لا يزول ولا يحول، وذلك سر خلود هذا الكتاب العظيم.

 

الحكمة الرابعة: أن القرآن الكريم خلاصة وافية لكتب الله السابقة، فهو جامع لما توزع فيها من حق وعدل، وفضل ونبل، وزائد على هذه الكتب ما يناسب عصره، وما بعد عصره إلى يوم الدين.

 وإلى بعض هذه الحكم يشير الدكتور محمد عبد الله دراز –رحمه الله- بعد أن بين أن من حق القرآن أن يعنى بحفظه في الصدور والسطور –فيقول: (وبهذه العناية المزدوجة، التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية إقتداءً بنبيها بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه ولم يصبه ما أصاب الكتب السابقة من التحريف والتبديل، وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال: {وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه} أي بما طلب إليهم حفظه..

والسر في هذه التفرقة، أن هذه الكتب السماوية السابقة للقرآن جيء بها على التوقيت، لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه، من الكتب، ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان ساداً مسدها، ولم يكن شيئا منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى يوم قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم[8].

فما هي هذه الأسباب التي يسرها الله لحفظ كتابه وصونه عن التحريف والتبديل؟ ذلك ما سنعرض لبيانه في مقال تال إن شاء الله.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 



[1] الحجر: 9.

[2] فصلت: 42 وانظر كتاب (مقدمتان في علوم القرآن): آرثر جفر: 5.

[3] انظر كتاب (الفارق بين المخلوق والخالق): عبد الرحمن باجه جي زاده (275-277).

[4] سبأ: 28.

[5] مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ الزرقاني ج 2/232.

[6] البخاري –باب فضائل القرآن ج 6 ص 424 ط الشعب.

[7] الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 2/116-2117.

[8] النبأ العظيم د/ محمد عبد الله دراز (8-9).