طباعة

 توثيق النص

 

 

 

المقاومة في الشعر الأندلسي

دراسة تحليلية نقدية

لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي

 

 

يرى بعض الكتاب أن أوربا هي أول من عرف أدب المقاومة، وذلك حين وقعت في قبضة النازية، فكان الأدب أحد العناصر القتالية التي قاومتها، وشنت عليها حرب شعواء، فقد بدأ الأدب يكشف مخازيها وإهدارها لكرامة الإنسان، فعبأ النفوس وأشعل جذوة الحماس، ودعا للقتال، ونادى لمقاومتها، حتى يتقلص ظلها وتذهب ريحها، فتسلم البشرية من بالغ ضررها وعظيم خطرها.

هذه النظرة إن خلت من التعصب فهي قطعا لا تخلو من القصور، ذلك أن الأدب العربي قد سبق الأوربي إلى ميدان المقاومة، فهو حتى في جاهليته لم يكن بمعزل عن وجدان الأمة منصرفا عن احتياجاتها مقصراً في الذود عن قيمها. بل كان فكرها المدبر ولسانها المعبر يحدو مسيرتها، ويعبئ قواها، ويثر حماسها خاصة في الأوقات التي تتعرض فيها للهزائم العسكرية والهزات النفسية.

ونحن نعرف أن القبيلة في الجاهلية كانت تقيم الحفلات وتدق الطبول ابتهاجا بنبوغ شاعر، لأنه سيكون الناشر لأمجادها الذائد عن حياضها. وكان الشاعر إذا مدح قبيلة رفعها مكانا عاليا رغم دنو منزلتها وحقارة شأنها، وإذا هجا أخرى حط من قدرها وإن كان ذاهباً في أجواء السماء. ومرجع هذا طبيعة الكلمة العربية ذات الخاصية المتفردة، فهي إذا ما صيغ منها شعر موزون أو نثر مسجوع فعلت في النفوس فعل السيف في الأبدان فلا غرو إن شبهوا اللسان بالسيف. قال سويد بن أبي كاهل اليشكري:

كحسام السيف ما مس قطع[1]

ولسانا صيرفيا صارما

ولما جاء الإسلام بما خالف عليه العرب في حياتهم الدينية والاجتماعية، وجد الشعر نفسه أمام معركة لم يلبث أن حدد فيها دوره، وأخذ مكانه، وأعلن إلتزامه، فكان أحد الأدوات الحربية والوسائل النضالية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض حسان بن ثابت على قول الشعر رداً على المشركين، وكان يخبره أن شعره أشد عليهم من وقع النبال، ويدعو له: "اللهم أيده بروح القدس"[2].

وظل الشعر يواكب مسيرة الأمة في عصورها المختلفة، يتغنى بنصرها، ويستعرض مواقف المجد والبطولة في تاريخها، ويستنهض هممها، ويحرك مشاعرها وينعى عليها تخاذلها وقعودها عن جهاد العدو المتربص بها الطامع في أرضها.. وهكذا مضى هذا التيار الهادر حتى وصل مداه وبلغ زباه في الأندلس.

ونعني به هنا الشعر الذي أنشئ أيام الحرب الإسلامية المسيحية التي دارت رحاها في جزيرة الأندلس، وكما عرفنا آنفا بأن الأدب العربي حتى في جاهليته لم يخل من شعر المقاومة إلاً أنه لم يكن بالتوسع والعمق اللذين نجدهما في الأدب الأندلسي، ولعله مما أكسبه ذلك طبيعة الأحداث التي جرت في منطقته، إذ أن الأمة الإسلامية لم تعرف في تاريخها الطويل نكبة كتلك التي وقعت في أندلسها، ورغم ما وقع في مشرقها من حروب التتر والمغول والصليبيين إلاً أنها استطاعت أن تنتصر على هؤلاء جميعا، وأن تخرج من تلك النكبات وهي أقوى عوداً وأمضى عزما وأشد مراساً بينما لم تستطع ذلك في الأندلس، فقد تقلص هناك ظلها، وطويت رايتها، وأفلت شمس وجودها، فلا عجب إن كان الشعر الأندلسي أكثر بكاء وأحر ندبا وأشد حرقة وأعلى صوتا وأعمق أثرا في استنهاض الهمم وتحريك المشاعر حتى شعرهم الرثائي لم يكن خلواً من المضامين النضالية والصرخات الإنذارية والإشراقات الوطنية، فقد كانوا طوال فترة الحرب يعبئون الجهود، ويشحذون العزائم، وهم يرْثون المدن الضائعة ويبكون جمالها الذاهب، وقد فطن بعض الكتاب لهذا الملحظ فقال: ((.. ولم تسقط مدينة في يد مسيحي الشمال إلا بكوها، وتفجعوا عليها تفجعا حاراً، وهو تفجع كانوا يضمنونه استصراخاً للمسلمين في مغارب الأرض ومشارقها لعلهم يستنقذون تلك المدن من براثن الأسبان، ويستعيدونها إلى حضيرة الإسلام قبل أن تدك هناك كل صروحه، وتسقط كل رايته وأعلامه))[3].

وقد توسع مدلول المقاومة عندهم فشمل الدعوة إلى الثورة على الملوك الذين خضعوا لملوك النصارى، واستعانوا بهم على إخوانهم في العقيدة والوطن، كما شمل محاربة المنكرات الفاشية والمفاسد البادية بحسبانها سبب الضعف والهلاك، وشمل كذلك الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله ومقاومة العدو المغير، كما شمل أيضاً البحث عن قيادة رشيدة تجمع شمل الأمة، وتمضي بها في عزم وثبات، ولا ننسى القصيدة المادحة التي مجدت الأبطال، وتغنت بانتصاراتهم وقد استعانت في نقل التجربة وتكثيف العاطفة بالمعنى الحي والكلمة المؤثرة والصورة المعبرة التي تستلفت النظر، وتستوقف العجل، وتستنفر القاعد، وتجعل المرء يخوض غمار الحرب بصدر رحب وجنان جريء وعزم قوي. هذا، وقد ارتفع صوت هذا الشعر حتى جاوز حدود الأندلس الجغرافية فشّرق وغرّب مستنجدا مستنهضاً.

ونحب أن تقف عند بعض ضروب المقاومة التي ألمحنا إليها آنفاً، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، إذ أن تتبع جزئياتها والإلمام بها يحتاج إلى جهد متصل وبحث منفصل قد لا تتسع له مجلة تعالج أكثر من موضوع.

من ذلك ما قاله خلف بن فرج الألبيري في حكام غرناطة:

ماذا الذي أحدثتمو

ناد الملوك وقل لهم

أسر العدا وقعدتمو

أسلمتم الإسلام في

إذ بالنصارى قمتمو

وجب القيام عليكمو

فعصا النبي شققتمو[4]

لا تنكروا شق العصا

فالشاعر هنا يعلنها ثورة على هؤلاء الحكام الذين فرطوا في الدفاع عن الإسلام وخذلوه حين أسلموه للأعداء برضوخهم لهم، فتخلوا عن قيمه، وقعدوا عن حمايته، وقد مضوا في هذا الطريق الخطر إلى غاية ما بعدها إلا العثور وذلك حين استعانوا بالنصارى بعضهم على بعض في عراكهم الذي هو غير معترك، ومن أجل ذلك وجب مقاومتهم وشق العصا عليهم، لأن طاعتهم والتسليم لهم سيقود حتما إلى نهاية أليمة وعاقبة مخزية وخيمة. والشاعر هنا يبرر الخروج على الملوك بأنهم أحدثوا في الإسلام حدثاً، وأنهم سلموه للأعداء، وقعدوا عن نصرته، وأنهم ما لأو الكفار وواطؤهم على النيل منه، وأنهم عصوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه كلها براهين يسوقها لتأييد قضيته وتدعيم دعوته ووجاهة فكرته.

وقد تناول الشعر المنكرات، فشدد النكير على مرتكبيها مبينا مضارها وخطورة انتشارها، فقال أحد الشعراء عند سقوط طليطلة، في يد الأسبان عام 478هـ:

وجاءهم من الله النكير

فإن قلنا العقوبة أدركتهم

نجور وكيف يسلم من يجور

فإنا مثلهم وأشد منهم

وفينا الفسق أجمع والفجور

أنأمن أن يحل بنا انتقام

إليه فيسهل الأمر العسير

وأكل للحرام ولا اضطرار

كذلك يفعل الكلب العقور

ولكن جرأة في عقر دار

على العصيان أرخيت الستور[5]

يزول الستر عن قوم إذا ما

إن نكبة طليطلة لم تأتي ضربة لازب، وإنما تقدمتها أسباب مهدت لها، وساقت إليها، من تلك الأسباب ما ذكره الشاعر في أبياته المتقدمة، وكما هو واضح فإنا ما ذكره لم يكن قاصراً على طليطلة منتشرا بين أهلها وحدهم وإنما هو عام في كثير من الأقاليم والمدن، ولو أن المسلمين هناك وعوا الدرس لعادت نكبة طليطلة ربحاً لبقية مدن الأندلس، ولكنهم استمرأوا ارتكاب المنكرات من فسق وفجور وأكل للحرام من غير اضطرار، ومن تجرؤ على حدود الله وارتكاب للمعاصي في السر والعلن، فلا عجب إن عمت مصيبتهم ونزلت من سماء الأندلس رايتهم.

ولا شك أن مقاومة هذه الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالأمة أمر تحتمه المحافظة على جسم الأمة صحيحا وروحها قويا وعزمها صلبا حديداً، فذلك أدعى لصمودها أمام من عاداها وردٍ سهام من رماها.

وكان الشعر يدعو إلى الجهاد، ويرغب فيه ذاكراً ما أعد للمجاهدين من أجر عظيم ومثيراً الحفائظ بأبلغ ما تستثار به من حماية الدين وتدعيم لأركانه، وتمهيد لنشره بين الناس. من ذلك ما قاله إبراهيم بن خلف المتوفى سنة 649هـ.

هي عزة الدنيا وفوز المحشر

ورداً فمضمون نجاح المصدر

شيم الحمية كابراً عن كابر

يا معشر العرب الذين تواراثوا

بيعوا ويهنيكم وفاء المشترى

إن الإله قد اشترى أرواحكم

وبكم تمهد في قديم الأعصر

أنتم أحق بنصر دين نبيكم

ذاك البناء بكل لدن أسمر

أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا

أغنتكم عن كل طرف مضمر

ولكم عزائم لو ركبتم بعضها

مستمسك بذناب عيش أغبر

الكفر ممتد المطامع والهدى

ألاً تجوس حريم رهط أصفر

والخيل تضمر في المرابط غيرة

من معشر كم غيروا من معشر

كم نكروا من معلم كم دمروا

من حلية التوحيد صهوة منبر

كم أبطلوا سنن النبي وعطلوا

أين العزائم مالها لا تنبري

أين الحفائظ مالها لم تنبعث

سيفاً ودين محمد لم ينصر[6]

أيهزٌ منكم فارس في كفه

فالشاعر هنا يأمرهم بورود حوض المنايا جهاداً في سبيل الله ضامنا لهم نجاح المصدر فهو: إما نصر وسيادة وإما قتل وشهادة، ثم يذكرهم بأنهم أهل الحمية الإسلامية والنخوة العربية التي هي إرث موروث لهم أبا عن جد مستنهضا بذلك ما همد من عزائمهم ومشعلاً ما خمد من رجولتهم، مذكراً لهم بأنهم قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى مشيراً بذلك إلى قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ..}الآية[7].

وهو هنا يشتار من رياض القرآن، ويعتصر رحيق الآيات، ليأخذ من جماله زينة لأسلوبه ومن قوته دعماً لمعانيه، فما دام الأمر كذلك فليس هناك أحد أحق بدعم هذا الدين منكم أنتم الذين بعتم أنفسكم وأموالكم في سبيله لقاء الجنة، ثم أنتم الذين شيدتم أركانه، وأعليتم بنيانه، ومهدتم طريق نشره بين العالمين، ومما يعينكم على ذلك عزائمكم الماضية التي لو ركبتم بعضها لأغنتكم عن الخيول الضامرة، فلم هذا التقاعس والكفر مرفوع الراية ممتد الرواق مسنود الجانب طمعاً في القضاء على الإسلام بينما ((الهدى مستمسك بذناب عيش أغبر)) وهذا التعبير كناية عما يعانيه الإسلام الذي هو دين الهدى من اضطهاد وخذلان وانكسار جناح، ثم يبالغ في استثارتهم فيقول إن هذا الأمر قد استفز حتى العجماوات، فها هي الخيل تتحرق شوقا وتتحرك ضجراً في مرابطها ألا تجد سبيلا إلى ميدان الوغى لمقاتلة الرهط الكفار الذين أبطلوا سنن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعطلوا المنابر من دعوة التوحيد ونكروا المعالم وغيروا المشاعر، وقتلوا المسلمين، لعله بذلك يبعث عزائمهم، ويثير حفائظهم، ويدفع إلى الجهاد كتائبهم، ثم يخاطبهم في لهجة استنكارية ونغمة توبيخية فيقول:

سيفاً ودين محمد لم ينصر

أيهزٌ منكم فارس في كفه

ولئن سلكت هذه الكلمة مسلك الشدة في الخطاب والعنف في العتاب فإن الكلمة الآتية قد نهجت نهجا تميز بالهدوء والرقة إلا أن قسوتها في رقتها، وعنفها في هدوئها، وأعني بهذا تلك القصيدة التي أرسلها لسان الدين بن الخطيب المتوفى سنة 776هـ إلى أهل المغرب في الاستنفار للجهاد وإغاثة الأندلس والتي يقول فيها:

فقد كاد نور الله بالكفر أن يطفأ

إخواننا لا تنسوا الفضل والعطفا

فقد بسط الدين الحنيف لكم كفا

وإذا بلغ الماء الزبا فتداركوا

فلهفا على الإسلام ما بينهم لهفا

تحكم في سكان أندلس العدا

فإن ظمئت لارى ألا الردى صرفا

وقد مزجت أفواهها بدمائها

وما نام طرف في حماها ولا أغفا

أنوماً وإغفاء على سنة الكرى

فلا وزراً عنهم وحداً ولا لهفا

أحاط بنا الأعداء من كل جانب

أقام عليها الكفر يرشفها رشفا[8]

ثغور غدت مثل الثغور ضواحكا

فهو يبدأ قصيدته بكلمة ((إخواننا)) لإثارة الحمية والعطف في نفوس المخاطبين إدراكا للإسلام الذي كاد الكفر يطفئ نوره وقد بلغ الأمر مبلغه من الشدة والحرج ولم يعد ممكن الاحتمال، وها هو الدين يبسط لكم كفه مستنجدا بعد أن مد الأعداء أياديهم إلى راياته، وبسطوا سطوته على أهله، وعاثوا في الأندلس فسادا، وأذاقوا أهلها ذلا واضطهادا، فمن ظمئ منهم لا يجد إلاً كأس المنية مشربا، فلم النوم والإغفاء وبلاد الإسلام لم ينم لها طرف ولا غفا لها جفن وها هم الأعداء قد أحاطوا من كل جانب ولا معين ولا نصير.

وفي البيت الأخير يشير إلى ما عليه ثغور الإسلام من رونق وجمال، وكأنها بذلك تطمع الأعداء فيها، وتغريهم بالهجوم عليها، ولما شبهها بالثغور رشح ذلك أن يقول:

ثم بين الصلة التي تجمعهم والحبل الذي يربطهم والعروة التي يعتصمون بها فقال:

من الملأ الأعلى تقربنا زلفى

وسيلتنا الإسلام وهو أخوة

وذلاً وقد عذنا بعز من استعفى

أخوفاً وقد لذنا بجاه من ارتضى

يجير من استعدى ويكفي من استكفى

فهل ناصر مستبصر في يقينه

فلا مشتر أولى من الله أو أوفى

وهل بائع فينا من الله نفسه

وكيف لضوء الصبح في الأفق أن يخفى

أفي الله شك بعد ما وضح الهدى

قبائل منكم تعجز الحصر والوصفا

وكيف يعيش الكفر فينا ودوننا

ليوث نزال كلما حضروا الزحفا

غيوث نوال كلما سئلوا الندى

وهبوا لنصر الدين فينا فقد أشفى[9]

فقوموا برسم الحق فينا فقد عفى

فالإسلام هو الدين الذي يجمع بين المسلمين على اختلاف أجناسهم وتباعد أقطارهم ويجعل منهم إخوة يأسى يعضهم لجراح بعض، ويسمو بأرواحهم إلى الملأ الأعلى، ويكوّن. منهم وبهم قوة تهوي على رأس العدو وتحطمه، فهم على الله متوكلون وبنصره واثقون، فلم الخوف وهو أقوياء، ولم الذل وهم أعزاء، ولم التهيب وركنهم شديد.

ثم يلتفت فيسأل في لهفة وشوق عن رجل قوي اليقين واثق من نصر ربه ليكون غياثا لهؤلاء الضعفاء، فيرد الطمأنينة إلى قلوبهم وسهام الأعداء إلى نحورهم ثم يعتب عليهم بأنهم قبائل لا يحصيها العدد، ولا يعوزها المدد والكفر ممتد رواقه ظاهر في الأرض عيثه وإفساده، فليهبوا للجهاد بأموالهم فهم غيوث هاطلة، وبأنفسهم فهم ليوث ضارية، فقد أظلهم زمانه، وحل بينهم إبانه.

ومما يدخل في شعر المقاومة المديح الذي مجد البطولة، وأثنى على الأبطال، وألهب المشاعر الوطنية، وأضرم القلوب والصدور غيرة وحماسا، ونظر بعين الأمل والرجاء لعله يرى تباشير النصر تلوح من قريب. من ذلك ما قاله أبو جعفر المرقشي من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين يوسف بن عبد الله المؤمن بن علي صاحب مراكش عندما دخل الأندلس، وأخذ يسترجع كثيرا مما أخذه النصارى من المدن مطلعها:

 

 

وهامت به عذب الحمام ورودا

أبت غير ماء للنخيل ورودا

يقول:

فأبصر شمل المشركين طريدا

ألا ليت شعري هل يمد لي المدى

تغادرهم للمرهقات حصيدا

وهل بعد يقضي النصارى بنصرة

يعيد عميد الكافرين عميدا

ويغزو أبو يعقوب في شنث يافث

فيتركهم فوق الصعيد هجودا

ويلقي على إفرنجهم عبء ككل

ركوعا على وجه الفلا وسجودا[10]

يغادرهم جرحى وقتلى مبرحا

فهو هنا يتطلع مستشرقا إلى اليوم الذي يرى فيه شمل الكفار مبددا، وقد انتصر عليهم المسلمون بعد أن ألحموهم سيوف الحق، وجرعوهم كئوس الموت، ومضى أبو يعقوب فغزاهم في عقر دارهم ومكان عبادتهم.... في شنث يافث وهي كنيسة عظيمة في ثغور ماردة لها عند النصارى قداسة دينية عظيمة لأسباب ذكرها الحميري في كتابه: صفحة جزيرة الأندلس صفحة 115، وهناك ألقى عليهم بثقله، ورماهم بجنده، وأسر عميدهم فغادرهم ما بين قتيل وجريح وساجد على وجه الأرض. وهذا تعبير رائع يعج بالحركة، ويرسم صورة حية لما يتمنى أن تنتهي إليه هزيمة الكفار، فهو أشبه ما يكون بمهندس بارع يرسم خريطة منزل على صفحة الورق ثم يطلب من العمال تنفيذها على صفحة الأرض.

وينعى شعر المقاومة على الناس تركهم أوطانهم ونزوحهم إلى غيرها هروباً من المدافعة والتماسا للنجاة، فيقول أبو المطرف بن عميرة المتوفى سنة 658هـ:

بكل طريق قد نفرنا وننفر

كفى حزناً أنا كأهل محصب

بنار اغتراب في حشاه تسعر

وإن كلينا من مشوق وشائق

وقول ألا ليت شعري تحير

ألا ليت شعري والأماني ضلة

عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر

هل النهر عقد للجزيرة مثلما

فيزور عنه موجه المتكسر

وهل للصبا ذيل عليه يجره

بما راق منها أو بما راق تسحر

وتلك المغاني هل عليها طلاوة

نروح إليها تارة ونبكر

ملاعب أفراس الصبابة والصبا

بها العيش مطلول الخميلة اخضر

وقبل ذاك النهر كانت معاهد

في هذه الأبيات نجد نهجا جديدا في المقاومة.. نهجا يعتمد على الإقناع المنطقي والروح الإنساني، ويعدل عن اللهجة الحادة التي نجدها في قصيدة المرقشي السابقة والتي دعا فيها إلى حصد الأعداء وسحقهم واتخاذ بساط من أشلائهم إلى غير ذلك.

أما أبو المطرف فقد عدل عن كل ذلك إلى القول الهادي والأسلوب المقنع حين ذكر أن هذه الأرض ذات الأنهار الجارية الخمائل المخضرة والمغاني الساحرة والهواء النقي هي ملاعب صبانا ومراتع لهونا ومنابت رزقنا، وهي من أجل ذلك واجب علينا البقاء فيها والدفاع عنها، وبهذه الجمل الهادئات الهامسات ينجح الشاعر في إقناع هؤلاء الفارين النازحين بالبقاء في ديارهم والعيش على أرضهم ودفع العدو المغير حتى لا تثبت أقدامه فيها، وتمتد يده إلى ما سواها.

ونحن نعلم أنه عندما سقطت طليطلة في يد الأسبان ظهرت دعوة تنادي إلى شد الرحال والهجرة إلى خارج الأندلس من ذلك ما قاله ابن العسال:

فما المقام بها إلا من الغلط

 

حثوا رحالكم يا أهل أندلس

سلك الجزيرة منثورا من الوسط

 

السلك ينثر من أطرافه وأرى

كيف الحياة مع الحيات في سفط[11]

 

من جاور الشر لا يأمن بوائقه

وقد تصدى الشعر لهذه الدعوة فحاربها، وبين سوء عاقبتها وعظيم مخاطرها من ذلك هذه الأبيات الرائية التي استغل الشاعر فيها العاطفة الوطنية ومازال يبدئ فيها ويعيد، ويعزف على هذا الوتر الحساس تكثيفاً للعاطفة وإثارة للحمية حتى يقنع هؤلاء النازحين بالرجوع إلى ديارهم والبقاء فيها، فذلك أحفظ لكرامتهم، وأحمى لحوزتهم.

ومن شعر المقاومة الشعر الذي تطلع إلى قائد ينهض بالأمة من كبوتها، ويخلصها من محنتها، ويدفع عنها وبها كيد عدوها. يقول بعضهم:

به مما نحاذر نستجير

 

ألا رجل له رأي أصيل

وأين بنا إذا ولت كرور

 

يكر إذا السيوف تناولته

يقول الرمح ما هذا الخطير

 

ويطعن بالقنا الخطار حتى

بأندلس قتيل أو أسير

 

عظيم أن يكون الناس طراً

على أن يقرع البيض الذكور

 

أذكر بالقراع الليث حرصاً

لخطب منه تنخسف البدور

 

يبادر خرقها قبل اتساع

إذا ضاقت بما تلقى الصدور[12]

 

يوسع للذي يلقاه صدراً

فهو هنا يستشرف إلى رجل عبقري في تفكيره حازم في رأيه وتدبيره قوية عزيمته مشدودة شكيمته، لا يرام ما وراء ظهره، صبور في ميدان القتال، لا يستسلم مهما عظمت الخطوب وكثرت العقبات وأظلمت الدروب بل يقتحمها بفكر نير وعزم قوي وسيف مسلول ذوداً عن حرمات الأمة وحماية لظهرها، وأنه إذا رأى خرقاً بادر بسده وإذا أبصر خطراً أسرع برده توحيداً للكلمة وصوناً لها من الفرقة والانقسام، ويزين كل هذه الخلال سعة صدر يلقى بها الأمور الخطيرة إذا ضاقت بها الصدور.

إن الناظر في واقع الحكام المسلمين يوم ذاك يجدهم قد انشغلوا بملذاتهم عن الدفاع عن الإسلام وأهله ودياره، كما أن المعارك فيما بينهم قد استوعبت جهدهم واستقطبت طاقتهم، ومن ثم فإن الشاعر قد يئس منهم، وانصرف عنهم، وأصبح كأنه يصيح في عالم المجهول بحثا عن قائد ذكي التفكير حكيم التدبير تجد فيه الأمة ضالتها المفقودة وأمنيتها المنشودة، يوحد صفها، ويجمع كلمتها، ويتجه بها إلى ميدان المعركة، ويواجه بها أعداءها صابراً محتسبا، لا يجد اليأس إلى نفسه سبيلاً، ولا ترى في أعماله من الرياء فتيلا.

ومما يدخل في هذا الباب الشعر الذي تحدث عما حل بالمساجد من تحويلها إلى الكنائس وارتفاع صوت النواقيس بداخلها بدل الأذان وتعطيل الصلوات فيها وتلويثها بعقيدة الشرك وأكل الخنزير وشرب الخمر وما أصاب السكان من تقتيل وتشريد للرجال وسبي النساء وامتهان لعفتهن، وفي هذا يقول عمرو بن المرابط:

فأهلك عليه أسى فلا تتجلد

 

كم من جامع فيها أعيد كنيسة

والخمر والخنزير وسط المسجد

 

القس والناقوس فوق مناره

من قانتين وراكعين وسجد

 

أسفي عليها أقفرت صلواتها

مستكبر مذ كان لم يتشهد

 

وتعوضت منهم بكل معاند

فكلاهما يبغي الفداء فما فدى

 

كم من أسير عندهم وأسيرة

فيهم تود لو أنها في ملحد

 

كم من عقيلة معشر معقولة

ولداه وداً أنه لم يولد

 

كم من وليد بينهم قد ودً من

يبكي لآخر في الكبول مقيد

 

كم من تقيٍ في السلاسل موثق

ما بين حد ذابل ومهند

 

وشهيد معترك توزعه الردى

ورقً لهم من قلبه كالجلمد

 

ضجت ملائكة السماء لحالهم

ثم يقول:

وسيوفكم للثأر لم تتقلد

 

أكذا يعيث الروم في إخوانكم

خمدت وكانت قبل ذات توقد

 

يا حسرة لحمية الإسلام قد

فشعر كهذا مثير للحفائظ محرك للمشاعر، فقد استعمل فيه الشاعر القلم والريشة فجاءت صورة واضحة المعالم تستلفت النظر، وتستوقف العجل ثم يبالغ في استثارة المشاعر الدينية والعواطف الإنسانية، فيذكر ما حل بالمساجد التي حولت إلى كنائس والمآذن التي تعطل الأذان فيها، وارتفع من فوقها صوت الناقوس والمحاريب التي خلت من الركع السجود، وعمرت بكل معاند متكبر لا ينطق بشهادة التوحيد.

وقد كان للنصارى تقاليد معينة في تحويل المساجد إلى كنائس، فما إن يفتحوا بلداً، وتتم لهم السيطرة عليه حتى ينتظموا في موكب فخم يتقدمه الكهنة وفرسان الجماعات الدينية، ويتجهوا صوب المسجد وهم ينشدون أناشيد الحمد والثناء ثم يتم تحويله إلى كنيسة، ويرفع فوق ساريتها علم النصر[13].

ومن أبشع ما ارتكبه النصارى انتهاك الحرمات وامتهان الكرامة الإنسانية والاعتداء على عفة النساء، فكم من أسير وأسيرة امتهنت كرامتها، ولم يجدا إلى الفداء سبيلاً، وكم من امرأة مصونة اعتدي على عفتها حتى تمنت لو أنها في قبر، وكم من طفل حيل بينه وبين والديه حتى تمنيا أنه لم يولد، وكم من تقي عابد كبل بالسلاسل، وكم من شهيد قطعته السيوف إرباً إرباً .. إنها حال بلغت من القسوة النهاية، وتجاوزت في سوءها الغاية حتى لقد ضج أهل الملأ الأعلى وانفطر منها قلب الجليد، واهتز لها وقار الحليم، ولا شك أن ذلك من أبلغ ما يستثار به غيور أو تستنهض به همة، أو يدعى به إلى نجدة.

وقد استعان الشاعر في تعبيره للوصول إلى هدفه بإثارة العواطف الدينية والأسرية وبالإلحاح على صور المأساة وأوضاعها مما كثف آثارها فجعلها تسيطر على نفوسنا، وتهيمن على حسنا، وتنفخ في جمرة الحمية.

وقد استغل الشاعر ما وصلت إليه النفوس من حماس وغليان فقال:

وسيوفكم للثأر لم تتقلد

 

أكذا يعيث الروم في إخوانكم

خمدت وكانت قبل ذات توقد

 

يا حسرة لحمية الإسلام قد

ولكن هذه الصيحات ذهبت جميعاً أدراج الرياح، ونفذ أمر الله، وخرج المسلمون من الأندلس بعد ثمانية القرون التي كانت حجر الزاوية في بناء الحضارة الأوروبية الحديثة.. خرجوا وقد تركوا تراثاً ثقافياً ضخماً على صفحات الكتب وآثاراً عمرانية رائعة على صفحة الأرض تشاهد الآن وكأنها نوادب تبكي قوماً رحلوا، وتتطلع في لهفة إلى عودتهم.

 

 



[1] المفضليات، ط 3 القاهرة، 201.

[2] عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للبدر العيني ط بيروت، 4/217.

[3] شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ط 6 القاهرة، 434.

[4] أنظر، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، القاهرة 1955م، 113.

[5] أحمد المقري، نفح الطيب، القاهرة 1302هـ، 2/592.

[6] الرسالة، مجلة، 105  8 يوليو 1935م، السنة الثالثة.

[7] التوبة 111.

[8] نهاية الأندلس، محمد عبد الله عنان، القاهرة 1966م، 190.

[9] نفسه.

[10] نفح الطيب 2/588.

[11] نفح الطيب، 2/523.

[12] نفسه 2/594.

[13] يوسف أشباخ، تاريخ الأندلس ترجمة محمد عبد الله عنان، القاهرة 1958م، 433.