|
|
|
تأملات
في كتاب (الله أو الدمار) |
|
لفضيلة
الشيخ محمد مصطفى المجذوب |
|
|
|
بين يدي الساعة كتاب (الله.. أو الدمار) من تأليف الأستاذ سعد جمعه رئيس
الوزارة الأردنية أيام النكبة، التي زلزلت العالم الإسلامي عام 1387هـ (1967م)
وقد سبق أن قرأت من تصانيفه كتابيه (المؤامرة ومعركة الصبر) ثم (مجتمع الكراهية)
فحفزني إعجابي بهما على تصفح هذا الثالث، الذي لم يفارق سبيلهما في تقصي الوقائع
واستشفاف الحقائق بنور الله، الذي يفيضه على القلم النظيف، فيهز بما يكتب القلب
المفتوح لأشعة الحق. |
|
لقد وفق المؤلف في هذا السفر إلى استجلاء كثير من الأسرار، التي لا
يتوافر الحصول عليها إلا للصابرين على المطالعة والمتابعة والملاحظة، فهو حصيلة
عشرات الكتب، وخلاصة لدراسات نفسية على الطبيعة، تغلغل بها إلى الأعماق من
التيارات التي واجهها ويواجهها أثناء وجوده في الحكم، واستشرافه عن كثب للعوامل
التي ألفت عناصر المأساة، ثم ما أعقبها من زعازع لا تزال تخض أعصاب الجيل
فتبعثره بين مختلف المذاهب والجوانب، ولو شئت الإشارة إلى ل ما انطوى عليه هذا
الجهد من الحسنات لاضطررت إلى الوقوف عند كل واحدة من صفحاته المائتين والسبعين،
التي حفلت بالقبسات البارعة، والاستنباطات الرائعة، والتعابير المتألقة الماتعة،
وما ذلك بالميسور في المحدود من السطور، فبحسبي إذن أن أوجه نظر القارئ منها إلى
بعض النماذج الدالة على ما ورائها من الجمال، لينهض إلى استقصائها بنفسه فذلك
أجدى عليه وأمتع له. |
|
في صدر الفصل الخاص بالتبشير والاستعمار مثلا يقف المؤلف على عمل
المستشرقين في تمجيد ما يسمونه (التصوف الإسلامي) لقربه في زعمهم من المفهومات
المسيحية (فهم لذلك يسوغون عقيدة الحلول والفناء عند الصوفية التي تدعوا إلى
الرهبنة والانعزال والهروب من مشاكل الحياة، وصرف المسلمين عن فكرة الجهاد)[1]
ومع أن المؤلف لم يطل وقفته هناك، فقد قدح بها رغبة القارئ في تتبع مجاري هذه
المكيدة الاستشراقية، ليرى مدى نجاحها في استهواء العديد من طلابهم المسلمين،
ودفعهم إلى التشبث بهذه الانحرافات، بعد أن تمكنوا من الاستحواذ على إعجابهم،
فعادوا إلى مواطنهم يبثون في قلوب العامة وأشباههم هاتيك السموم، ويتعهدون
تغذيتها بكل ما أوتوا من طاقة ونشاط.. |
|
ويتبع المؤلف آثار المستشرقين والمبشرين في أوساط البعثات التعليمية
(التي عادت محملة بخمائر المذهبيات الأوربية..) وراحت تحقق أغراضهم في بث
الخلافات الايديولوجية التي صدعت الشمل، ونشرت بذور التشكيك. وضرب على ذلك مثلا
بطه حسين الذي حمل دعوة هؤلاء الشياطين للانفصال عن الإسلام، والاندماج في بناء
الحضارة الغربية بعُجَرَها وبُجَرها.. ثم يخص بالذكر الشيخ علي عبد الرزاق،الذي
يعرضه كعينة لما يمكن لعدوى الاستشراق والتبشير أن تعمله حتى في أفكار بعض علماء
الدين. وينقل هنا رأي الدكتور محمد البهي في نقد كتاب هذا الشيخ (الإسلام وأصول
الحكم) ومهاجمته فيما حواه حيث يلخص مضمونه بأنه دعوة صريحة لتهديم النظام
الإسلامي بإبطال الجهاد، واعتبار الشخصية الجماعية في الإسلام قد انتهى أمرها
بوفاة صاحب الرسالة {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ
كَذِباً}. |
|
ولقد أحسن المؤلف صنعا حين نقل في أمثال هؤلاء، الذين خربهم المستشرقون
والمبشرون، شهادة (جان بول سارتر) في مقدمته لكتاب (معذبو الأرض) المترجم إلى
العربية وفيها يقول (شرعت الصفوة الأوربية تصطفي فتيانا مراهقين، ترسم على
جباههم بالحديد الأحمر مبادئ الثقافة الأوربية، وتحشو أفواههم بشعرات رنانة، ثم
تردهم إلى ديارهم وقد زيفوا، واستحالوا أكاذيب حية[2]..)
وإنها لشهادة دامغة لهؤلاء الناعقين بأبواق الغرب يطوقهم بعارها واحد من أساطين
الهدامين الذين أسهموا في إفسادهم.. |
|
ومثل ذلك تصويره لخصائص اليهودية التي جمعت أولئك الشذاذ على إقامة
إسرائيل حتى ينتهي بالقارئ إلى ذلك المشهد الرهيب حيث أحاطت جماهير اليهود بحائط
المبكى، يوم السابع من حزيران لتقيم صلاة النصر، وهي تهتف بأصواتها المدوية:
ليسقط.. اليوم انتهى محمد.. محمد مات وخلف بنات يالثاَراتِ خيبر!!! |
|
ثم يردف ذلك العرض الفاجع بهذا التقريع الصادع: (لم يهتفوا ضد ناصر أو
الأتاسي أو عارف أو الحسين، أو غيرهم من قادة العرب وزعمائهم لأن هدف المؤامرة
هو محمد والإسلام). |
|
وإنها والله لكذلك.. |
|
فوا محمداه.. ووا إسلاماه!!! وبعد.. فتلك لمحات عجلى من روائع ذلك السفر
لا تغني عن قراءته في تدبر. وأن عنوانه (الله.. أو الدمار) لأدل على مضمونه من
أي محاولة لتعريفه إذ هو حشد من البراهين الحاسمة، تلاقى على صياغتها التاريخ
والعلم والأحداث، والدراسات النفسية والاعترافات الصارخة، على أننا نحن العرب
والمسلمين، بل البشرية أجمعون مهددون –بعد الضياع- بالدمار الماحق، إلا أن نعود
إلى الله، ونعتصم بحبله الذي لا ينفصم: الإسلام. ولكم كنا نود لو تمت له ميزة
السداد، فسلم من بعض الهفوات التي رأينا التنبيه إليها في هذا التعقيب، خدمة
للكتاب، وتعاونا على الخير الذي يهدف إليه الكتاب. |
|
1- في القسم الخاص بالحديث عن مفاسد المبشرين من مقدمة الكتاب يعرض
المؤلف صورا باهرة عن تسامح الإسلام، وعن آثار المسلمين في ميادين العلم
والحضارة ويستشهد لذلك بكلام من مؤلفات بعض المستشرقين. وهو منهج سليم ومفيد،
إلا أن بعض نقوله تكاد تتجاوز الضروري بل تكاد تؤدي إلى غير ما يريد، ونمثل على
ذلك بما نقله على المستشرق (اميل درمنجهايم) في ص 85، 59 عن موضوع الصلة بين
الإسلام والنصرانية، ومحاولة هذا المستشرق تصوير الصلب الذي يزعمونه للسيد
المسيح، على أنه متفق مع تفسير بعض مفكري المسلمين -كذا- إذ ينسب لهؤلاء القول
بأن المسيح قد صلب ولكنه لم يمت على الصليب، بل أنزل عن صليبه قبل أن يلحق روحه
بالرفيق الأعلى وهو زعم لا نعرف له قائل في تاريخ الإسلام.اللهم إلا أن يكون من
المأخوذين بترهات هذا الأفاك..الغافلين عن حكم الله بأنهم {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ..}
وقد أجمع علماء القرآن على أن المراد بالتشبيه إلقاء شبه السيد المسيح (ع) على
شخص الخائن يهوذا حتى أخذ مكانه، وهو ما أثبته برنابا في إنجيله المعروف. ومع
ذلك فإن المؤلف سامحه الله يكتفي بعرض هذه المفتريات دون معارضة ولا مناقشة سوى
قوله (ليس قصدي من إيراد هذه النصوص الخوض في مناقشات دينية أو التسليم بكل ما
احتوته..) وإنما عمد إلى ذلك النقل ليثبت مدى رعاية الإسلام للنصارى، تألفا لهم
وتطمينا لقلوبهم. وقد كثر هذا الضرب من المعاملة لهؤلاء المواطنين وبخاصة في هذه
الأيام، حتى كدنا نهتم بالملق، دون أن يعود ذلك إلى قضايانا المصيرية بأي مردود
مفيد. وأمامنا الأمثلة القاطعة على هذا الإخفاق في لبنان ومصر والفليبين
واندنوسية، وعشرات الأقطار التي أطبقت عليها كوابيس التعصب الصليبي فلم تراع
فيها إلا ولا ذمة.. وكان الأحرى بنا والأكرم أن نعاملهم بعدالة الإسلام وصراحته،
فنخاطبهم بما خاطبهم الله {قُلْ يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا
نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(3/64) ونؤكد لهم في تصميم حاسم أننا ملتزمون
معهم أبدا بالمبدأ الإلهي الخالد {لا يَنْهَاكُمُ
اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(60/8) فما داموا سَلَماً لنا، مخلصين في
معاملتنا، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا، بل لهم فوق ذلك منا حق البر لهم الذي
هو زائد على العدالة.. |
|
ولعمر الله إن لم يرضيهم منا هذا كله فلن يرضيهم إسرافنا في التزلف
إليهم بالغا ما بلغ ذلك الإسراف. |
|
2- وفي القسم الأخير من الكتاب يتناول المؤلف الفاضل أوضاع المجتمع
القائم في ديار الإسلام، فيعرض للتناقضات الماثلة بين طبقاته وحقائق الوحي، وفي
أسف عميق يتساءل(أليس من عجائب دهرنا ومصائب زماننا أن يصبح علماء الإسلام في
بعض البلاد العربية هيئة دينية كالاكليروس مهمتها اللهاث في مواكب الحاكمين
والركض في ركابهم، والإفتاء لتشريعاتهم المخالفة للإسلام!..). |
|
وهو في هذه الزفرة اللاذعة إنما يعبر عن ضمائر المؤمنين في كل مكان من
عالم الإسلام.. غير أنه في صدد النقد لبعض هؤلاء العلماء يحدثنا عن واحد من
أساتذة كلية الشريعة في بلد عربي سمعه يخطب في إحدى المناسبات الدينية فيقول (إن
محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى الإنس وحدهم، بل إلى الإنس والجن
جميعا..). |
|
يقول المؤلف: هذا التقرير القطعي الذي لا سند له من قرآن أو سنة.. ومن
أجل ذلك عاد إلى كتاب الله يكرر قراءته، وإلى الحديث الصحيح يتلوه مجتهدا، فلم
يجد دليلا على أن رسول الله قد اجتمع برهط من الجن ليبلغهم رسالته.. ثم يأخذ في
سرد الآيات المتعلقة بذكر الجن وبرسالته صلى الله عليه وسلم ليؤكد لنا ما ذهب
إليه من نفي لدعوى ذلك الأستاذ!. |
|
وأنا مع تقديري الكبير لمجهود المؤلف وإخلاصه العميق للحق، أجدني مضطرا
للوقوف بجانب ذلك الأستاذ، لأني من المؤمنين بشمول رسالة نبينا صلى الله عليه
وسلم للثقلين جميعا. وفي اعتقادي أن الأستاذ المؤلف أيضا لن يتردد طويلا حتى
ينضم إلى صف المؤمنين بهذه الحقيقة، بعد الإطلاع على دلائلها القاطعة إن شاء
الله. |
|
ولننظر إلى الموضوع من زواياه المختلفة، ففي كلام الأستاذ المؤلف حفظه
الله أمور تقتضي التفصيل: |
|
1- أنه ينفي اجتماع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي رهط من الجن. |
|
2- ومن ثم فهو ينفي أن يكون صلى الله عليه وسلم قد بلغ الجن. |
|
3- يفهم الأستاذ المؤلف من قوله تعالى {يَا
مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ
عَلَيْكُمْ آيَاتِي}.. أن لكل من الفريقين رسلا من جنسه، فللإنس
رسلهم من الإنس، وللجن رسلهم من الجن. |
|
4- ويستشهد لذلك بقوله تعالى في خطاب محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً.. } إذ
يفهم منه حصر رسالته صلى الله عليه وسلم بالناس دون غيرهم. |
|
وعلى هذا فسنتناول كلاً من هذه النقاط على حدة حتى ننتهي إلى النتيجة
المقنعة. |
|
ونبدأ بالأول فنقول ما قاله رواة السنة عن ابن عباس وغيره أن النفر
الذين ورد ذكرهم في سورتي (الأحقاف) و (الجن) لم يجتمعوا برسول الله بل أوحي
إليه خبرهم، وإنما أتاه داعي الجن بعد ذلك، فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله
عز وجل، كما رواه البيهقي عن ابن مسعود (رض)[3]. |
|
وفي رواية البيهقي أيضا عن ابن هريرة (رض) أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم. قال له: "أتاني وفد جن نصيبين فسألوني
الزاد، فدعوت الله تعالى لهم ألاً يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاما"
وقد أخرجه البخاري في صحيحه بإسناد قريب منه. |
|
وفي مسند الإمام أحمد عن علقمة عن ابن مسعود (رض) أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال له: "أتاني داعي الجن فقرأت
عليهم" وفيه أنهم سألوه الزاد فقال: "كل
عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف
لدوابكم.." وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن
علية به نحوه. |
|
ومن أخبار ابن مسعود (رض) عن اجتماع رسول الله بالجن ما يرويه ابن جرير
وغيره من أنه صلى الله عليه وسلم انطلق به ذات ليلة "حتى إذا كنا بأعلى مكة
خطً لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة
كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته..". |
|
والقارئ لتفسير ابن كثير لسورة الأحقاف يواجه العديد من الأحاديث التي
ورد فيها هذا الخبر من طرق كثيرة العدد أيضا.. مما يقطع بأن اجتماعه صلى الله
عليه وسلم بالجن، وتبليغه إياهم الدعوة، قد حصل في مرحلة تالية لاستماعهم منه
دون علمه. |
|
هذا إلى أن سورة (الرحمن) بأسرها توكيد لهذا الواقع، الذي يتجلى في خطاب
الثقلين. وإقامة الحجة عليهم جميعا، بآلائه التي لا يسع أحداً من الفريقين
إنكارها. {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَان!!}. |
|
وقد روى البيهقي والترمذي عن جابر بن عبد الله (رض) قوله: قرأ رسول الله
سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: "مالي أراكم
سكوتا؟ لَلْجن كانوا أحسن منكم ردا. ما قرأت عليهم هذه الآية {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان} إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب. فلك
الحمد". |
|
أما قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ
رُسُلٌ مِنْكُمْ}فهو كقوله سبحانه {يَخْرُجُ
مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}. ومعلوم أنهما لا يخرجان إلا
من أحد البحرين دون الآخر، وهي من طرائق العرب في إعطاء حكم الواحد للأكثر
لعلاقة بينهما، وإنما الآية تقرير ملزم بإيصال الرسالة إلى الثقلين دون تحديد
لجنسية الرسول من أي الفريقين. لأن هذه الهوية قد حددت في آيات أخرى كقوله عز
اسمه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ
رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ..} ففي ذلك توكيد قاطع بأن الجن تابعون
لرسل الإنس، وليس فيهم رسل من جنسهم وإنما فيهم منذرون يبلغون رسالات النبيين من
بني آدم. ويستدل العلماء على ذلك من آية الأحقاف (29-32) حيث نرى المستمعين
القرآن من الجن ينطلقون لفورهم إلى قومهم منذرين، فيربطون بين رسالة موسى ورسالة
خاتم النبيين، ويعلنون ألاّ خلاص من عذاب الله إلا بإتباع هذا الداعي الجديد،
المصدق لما سبقه من كتب الله، والهادي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. وهو سياق لا
يدع مجالا للريب بأن هؤلاء كانوا مؤمنين برسالة موسى عليه السلام ثم أقبلوا يكملون
إيمانهم بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبذلك يسقط كل جدل حول هذه القضية. إذ
لا يبقى مناص عن الإقرار بشمول الرسالة الخاتمة للثقلين جميعا، وبذلك أيضا ينتفي
الوهم بحصر رسالته صلى الله عليه وسلم في الناس وحدهم كما فهم الأستاذ من قوله
تعالى {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً}
لأن مساق هذا الجزء من الآية التاسعة والسبعين من سورة النساء صريح بأنه تفنيد
لمغالطات المنافقين الذين لا يفقهون حقيقة الرسالة، ويردون كل سوء يصيبهم إلى
إتباعهم -في الظاهر- لرسول الله، فجاءت الآية ردا على تقولاتهم، وبيانا لمهمته
صلى الله عليه وسلم بأنها التبليغ عن الله، مع تنزيهه عن كل ما ينسبه إليه أولئك
الخراصون. |
|
والبحث مع مثل المؤلف لا يقتضي الإسهاب في موضوع الجن،
وجودهم وكونهم مكلفين وملزمين بإتباع الرسالات الإلهية. فذلك أمر مفروغ منه بحكم
إيمانه بالكتاب والسنة، وإنما يكفي لإقناعه بالحق تذكيره بالنصوص الشاهدة له
عملا بقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ
الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(24/51)
وحسب المؤمن في ذلك قول ربه: {وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(51/56) ولا عبادة إلا
بشرع، ولا شرع إلا بوحي، ولا وحي إلا برسول. وما أخال الأستاذ حفظه الله بعامد
إلى الجدال في الأحاديث المتعلقة بالبحث لكونها من الآحاد، فذلك قول لا يقف أمام
الحجة البينة من أعمال الصحابة في التبليغ عن رسول الله، وفي صحيح البخاري باب
خاص في إجازة خبر الواحد لا يدع مجالا لمعترض يريد وجه الله. |
|
3- وقد بقيت ثمة هفوات صغيرة، ولكنها على ضآلتها مشوهة
لجمال الكتاب رأينا أن نختم الكلام بالإشارة إليها رجاء أن يتداركها في الطبعات
التالية فيكمل له الأجر من الله، والدعاء من عباده إن شاء الله. |
|
ففي ص 14 من المقدمة. وأثناء تحديده لمهمة المفكر الشريف في
إطار الإصرار الصارم على قولة الحق، يفاجئنا بهذا الكلام: (أما الصخب والكذب و..
فهي ليست من صفات من يحمل قلمه كصليب يسوع!..) فلا نتمالك أن نتساءل في أسى: وما
شأن الصليب ويسوع في هذا المقام!.. وكيف سمح لقلمه أن يلتقط مثل هذا التعبير
الدخيل المنافي لمعتقده الإسلامي!.. |
|
وفي ص 140 يقول (فكل من يدعو إلى القومية، وينكر وجود الله،
هو حيوان في صورة إنسان!) وأنا أستميحه عذرا للدفاع عن حقوق الحيوان، الذي أفرط
في إهانته عندما وضعه على مستوى الملحد المنكر لوجود خالقه.. فكيف؟.. وربنا يشهد
للحيوان بارتفاعه عن مكانة أولئك المسوخ حين يقول: {إِنْ
هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(25/44)
ويستمر المؤلف في تسفيه هذا الضرب الحقير من شراذم الكفر حتى يقول: (فهو جاهل
غبي مخلوق خطأ..) وأحسب الأستاذ يريد بذلك أنه مقلوب العقل مشوه الفطرة، إلا أن
التعبير بكونه (مخلوقا خطأ) من الأشياء التي كنا نود أن يتنزه عنها مثل ذلك
القلم المؤمن. لأن أقل ما يفهم منه نسبة الخطأ إلى الخالق في إيجاد هذا النوع من
المخلوقات ومثله أبعد ما يكون عن قبول هذا المضمون، لأن خلقه تعالى هؤلاء الكفرة
كخلقه الأفاعي والجردان، لا يخلو من حكمة تليق بجلاله سبحانه، فلو سلمت الحياة
من هذه الآفات لقُتِلت حوافز البحث في الإنسان ولما كان ثمة ضرورة لإقامة
المخابر والمصانع، والالآف من مظاهر المدنيات.. |
|
ولنختتم هذه الجولة بوقفة قصيرة حول كلمة صغيرة. ولكنها من
حيث آثارها المجربة كبيرة. |
|
لقد عني الأستاذ بالعبارة المشهورة (اختلاف أمتي رحمة) فأقر
نسبتها إلى الرسول وجعل يؤكد بها يسر الإسلام، وتقديره لحرية الفكر والعقل. وما
إلى ذلك[4].
ولو هو قد رجع إلى ما كتبه المحققون حولها لبحث عن نص آخر من الكتاب أو السنة
يدعم بها فكرته. ذلك لأن العبارة موضع (اختلاف) كثير، ولم يثبت لها سند متصل عن
رسول الله. |
|
يقول السخاوي في (المقاصد) عن بعض رواتها: جويبر هذا ضعيف
جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع. ثم يقول: وعزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر
المقدسي مرفوعا من غير بيان لسنده ولأصحابيه، وعزاه العراقي لآدم بن أبي إياس
بدون بيان وبلفظ: (اختلاف أصحابي رحمة لأمتي) وهو مرسل ضعيف[5].
وفي (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) يعقب السيوطي على العبارة بقوله: هذا
يدل على أن المراد اختلافهم في الأحكام. وقيل المراد اختلافهم في الحرف والصنائع
). وهذا أقرب إلى المعقول من تسويغ الاختلاف في كل شيء. لأن ذلك كناف لروح
الإسلام الذي يحذر المسلمين الاختلاف وحسبنا في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(3/105)
وأي خير يرجى من الاختلاف بعد أن جعله الله في مقابل الرحمة إذ يقول سبحانه {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك}(81-118
و119) ولعمر الحق لو أن الأستاذ استحضر في ذهنه ما يعلمه من واقع المسلمين وما
يعانونه من دواهي الاختلاف، وما أدى إليه من تفرقهم حتى في العقائد، لم يأذن
ليراعه بإثبات هذه الكلمة، ولتذكر أن موقف الإسلام من تقدير الفكر والعقل لا
يعود إلى الاختلاف بل إلى التعاون على البر والتقوى، وبذل الوسع في إصابة الحق
وإلتزام القول السديد، حسب توجيهات الكتاب المجيد.. ولا بأس بعد ذلك في تباين
الفهوم، وتفاوت القُدَر، ففي هذا متسع للمواهب غير محدود. |
|
وأخيرا.. لقد سبق أن ذيلت آخر صفحات (مجتمع الكراهية)
بالكلمات التالية: |
|
((.. في هذه النفثات حقائق ووثائق، ولكن أروع ما فيها هو
صدقها وحرارتها.. فليجزك الله يا سعد عنا كل خير، وليغفر لك هفواتك التي لم ترد
بها إلا الخير..)). |
|
عالية- لبنان 19/7/1391هـ. |
|
وأكرر في كتاب اليوم ما قلته في كتاب الأمس.. سائلا الله
جل وعلا أن يهدينا لما اختلف فيه الناس من الحق بإذنه، فإنه الهادي من يشاء إلى
صراط مستقيم. |