طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

تعقيب لا تثريب

إبراء للذمة وتذكيرا بالحق

لفضيلة الشيخ: محمد المجذوب كلية الدعوة وأصول الدين

 
 

من مسلم ناصح إلى شيخ المقرئين في مصر - ومن ثم في العالم الإسلامي كله - الشيخ محمود خليل الحصري هدانا الله وإياه سواء السبيل.

الحمد لله الذي أكرم المؤمنين فجعلهم نصحة أمناء، وأنقذهم بذلك من صفات الكافرين الغششة السفهاء، وصلى الله وسلم وبارك على صفوته من خلقه محمد وآله وصحبه ومن التزم سبيله، ونهض بدعوته على بصيرة إلى يوم الدين..

أما بعد، فقد سمعتك أمس تتلو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مقربة من مثواه المبارك قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ..}؛ فأثار ذلك في نفسي ضروبا من التأملات، وكان من غرائب الاتفاق أن تعتري هذه الحالة كثيرين غيري أيضا؛ فإذا أحدهم يقول لآخر وهو يحاوره: كيف سمح هذا الرجل لنفسه أن يقدم على هذه التلاوة هنا في مهبط الوحي، وهو يعلم أن معصيته للوحي ومبلّغ الوحي لم تتلاش بعد من أذهان الناس، ولم يكد يفرغ الكرام الكاتبون من تسجيلها، أبهذا اللسان نفسه الذي افتتح أمس حفل الذكرى لأم كلثوم بآيات الحي القيوم، يرتل في مسجد رسول الله آيات الله!..

وقال آخر: مسكين! ألم يقرأ في كتاب الله غير هذا الويل الموجه إلى الهمزة اللّمزة؟!.. ولم يعلم أن ثمة ويلات كثيرة لكثيرين من العاصين، وبينهم المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، والقاسية قلوبهم من ذكر الله، والظالمون والأفّاكون الآثمون!!.. ولا سهو عن الصلاة أهول من فقدانها روح التطهير من الفحشاء والمنكر، حتى تصبح عادة يؤديها فاعلها كما يؤدي أي عمل آخر في معزل عن الخشوع والوعي، وأي قسوة أشدّ من أن يقرأ امرؤ كتاب الله، بل يتخذ منه حرفة للارتزاق، ثم لا يتورّع عن اقتراف المنكر الذي يخزي صاحبه في الدنيا والآخرة!.. وهل ثمّة ظلم بعد الشرك أكبر من أن يفتتح مقرئ حفلة غناء بآيات من الكتاب الذي اؤتمن عليه، والذي يقول منزله - تبارك اسمه -: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}؟! ألا يعلم هذا المسكين أن هذا عين الإفك وجماع الإثم، وأدنى دركات التلاعب بكتاب الله!..

يا شيخ محمود.. هذا ما يقوله عنك كل مؤمن يعي آيات الله، ويفقه تعاليمه سبحانه، فهل علمت ذلك؟.. وهل أتيح لك من يبلغكه يا أبا الافراج؟!..

لقد والله أحدثت فتقا في الإسلام يتعذر - إذا لم يستحل – رتقه؛ بجرأتك على الله، واقتحامك تلك العقبة الخطيرة، يوم رضيت لتلك الهاوية المغفلة أن تقوم مقام هاتيك الفينة الصغيرة بنظر كل فاضل، وإن كبرت في منظار كل سفيه غوي من أهل الباطل، لتتغنى وتتمعج، كي تستثير إعجاب الغواة الهواة من أذناب الشيطان، كما فجرت الخمر من قبل مشاعر مدمنيها، فراحوا ينظمون في مدحها ونعتها أفانين الشعر، وهم الذين بهم وبأضرابهم دمّر الله حصون هذه الأمة في بغداد والأندلس؛ إذ استطاعوا أن يجردوها من مقوماتها، ويصرفوها عن رسالتها، فذلّت بعد عزّ، وطمع بقهرها كلّ ذي عجز.

ولو أن أي فارغ من الخلق قدم ابنته لأسماع الغواة وأبصارهم على ذلك النحو ولو في موكب من الآيات والذكر الحكيم لما كان لفعلته سوى أثر ضئيل يذكره الناس ثم لا يلبثون أن ينسوه، أما أن يقدم على ذلك شيخ أزهري يسمى في لغة الدواوين شيخ المقارئ المصرية، فتلك هي البدعة الشنعاء التي سيحمل إثمها وإثم من أخذ بها إلى يوم القيامة.

ولعلك قرأت فيما قرأت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" رواه مسلم، وليس كل من ارتكب سوءا يعتبر صاحب سنة سيئة، أو يقال إنه أحدث فتقا لا يرتق، فالحشاشون كثيرون، والسكارى أكثر، وتاركو الصلاة.. والمنسلخات من آداب الإسلام بالسفور الذي ملأ ديار الإسلام إلا من رحم الله، هؤلاء كثير كثير، ولكنهم مع ذلك لا يؤلفون السنة التي يلحق وزرها صاحبها إلى يوم القيامة؛ لأنهم عديمو الوزن في قسطاس الناس، فلا يؤبه لهم ولا يتأسى بهم.. وإنما المحدثون المحشورون في زمرة الظالمين لأنفسهم وغيرهم هم الذين يحملون صفة العلم، ويظنّ بهم الفقه والفضل.. ومن أحقّ بأن يكون مظنة العلم والورع - في نظر العامة وأشباههم - من حملة كتاب الله، الهادين به في بيوت الله، الشاحنين به أمواج الأثير إلى عباد الله!…

أجل يا شيخ محمود.. لقد سبقت كل المبتدعين إلى خرق هذا الفتق الرهيب؛ لأن تاريخ الإسلام لم يعرف قطّ واحد قبلك من كبار القراء أو صغارهم قدّم كريمته للغناء في محافل العابثين، وفي موكب من آيات الكتاب المبين!

أنا لا أستبعد أن تكون قد ندمت على ما فرطت في جنب الله، وأسفت على ما أسلفت، فآليت أن لا تعود لمثلها - كما قيل على لسانك - ولكن ندمك وأسفك لن يمحو وزرك الكبير أبدا أبدا، إلا أن تعلن بكل ما وسعك من وسائل الإعلام أنك كنت بما فعلت في ضلال، وأنك تشهد الله وعباده على أنك أقلعت عنه إلى غير رجعة، وستعمل على تكفيره بكل ما أوتيت من قوّة، رجاء أن يتداركك الله بعفوه ومغفرته، وما أدري إذا كنت قادرا على ذلك وجارئا عليه.. وحولك من الشياطين من لا يرى في جنايتك بأسا، بل لا يرى فيها إلا سابقة مشكورة إلى العمل الصالح!..

استمع يا شيخ محمود إلى واحدة من فضائل حملة القرآن: في معركة المرتدين من بني حنيفة أصابت المسلمين جولة بسبب اختلاط الطلقاء - ذوي الإسلام الحديث - بأهل السابقة العليا من المهاجرين والأنصار؛ فكان الرأي استبعاد الطلقاء عن مباشرة القتال، وتركه لتلاميذ النبوة الناضجين الصامدين، وعهد بلواء الإسلام إلى خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه، فأراد إخوانه أن يلهبوا رجولته فذكروه قائلين: إن الناس إنما يؤتون من قبل راياتهم؛ فحذار أن نؤتى من قبلك، فدفن ساقيه في الأرض، وهو يقول لإخوانه: "بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قبَلي".

ذلك شأن حملة القرآن من سلف هذه الأمة، ثبات في وجه الكفر كثبات الأرض في وجه العواصف، وتصميم على التحقق بكل عزائم القرآن حتى الموت.

فقس بهذا الطراز يا شيخ محمود أولئك الذين لا يفقهون من حملهم للقرآن سوى أنه وسيلة للارتزاق، وسبيل إلى التنافس على الدنيا، والحصول على إعجاب الفارغين العاطلين من تلاميذ الشياطين!.

يا شيخ .. محمود إن الذين يحاربون الإسلام وينخلعون من ربقته كل يوم كثيرون لا يحصرهم إحصاء، على حين إن الذين يلتزمون سبيله ويتفانون في نصرته هم الأقلون المضطهدون.. ولكنهم وحدهم السعداء بمرضاة ربهم؛ لأنهم الثابتون على عهد نبيّهم؛ لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة، فإلى أي الفريقين تنحاز يا شيخ محمود؟ وبأيهما تلوذ؟ فاختر لنفسك! وتذكر أنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه، فلن تنفعك فتوى فلان، ولا تصفيق فلتان، ولا تهريج علان {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً}.

إن الزلّة لكبيرة يا شيخ محمود؛ فأدركها بتوبة تغسلها، وأعلن ذلك على الملأ كما اقترفتها على الملأ.. تلك نصيحتي أبعث بها إليك إبراء للذمة، وتذكيرا بالحق؛ فافتح لها صدرك، وتلقها بمثل الروح التي أملتها، ولا تكن كذلك الذي {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْم}، {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

هذه الكلمات كُتبت في أعقاب السقطة الفاجعة، وكان من حقّها أن تصل إليك يا شيخ محمود على صفحات إحدى المجلات الإسلامية منذ ذلك اليوم، ولكن قدّر الله أن تحول الحوائل دون نشرها، حتى تحمل إلى قرائها بعض ذيول القصة التي بدأت بحفلة الذكرى، ولا يعلم غير الله متى وأين وكيف ستنتهي.

لقد سمحتم للشيطان أن يستحوذ على تلك المسكينة منذ أغفلتم تحصينها بعواصم الإسلام؛ فلم تجد بأسا في الاستجابة لهواتف الغواية تأخذ بخطمها إلى مهاوي الأخسرين أعمالا من أهل الفن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وقديما قيل: إن من وضع قدمه في مزلقة الإثم لا يسعه التوقف قبل القاع، وهكذا فتنت بالغناء وغرّها ما قرأته وما سمعت من تمجيد المضللين لأهله، وإكبابهم على مسجلاتهم يستهلكون معها لياليهم، حتى يصرعهم سكر الطرب، فيسلمهم إلى نوم لا يذكرون معه ربا ولا واجبا، ووجدت - وربما وجدتم - في حنجرتها نغما يؤهّلها للحاق بركب النجوم الذين واللواتي استطاعوا أن يفرضوا سلطانهم على قلوب الجماهير العمياء، التي تكاد تتخذهم آلهة من دون الله؛ فيستولون بذلك على ثروات الأمة، ويسلبوا السفهاء وعيهم حتى لا يروا للحياة معنى بغير وجودهم، فيقتلوا أنفسهم حزنا لفراقهم.

أجل .. لقد استهوى ذلك قلبها إذ كان كالحصن الذي لا حامية فيه؛ فلم تلبث أن سقطت في حبالة الشياطين، وكانت الخطوة الأولى في هذا المنحدر تلك الحفلة التي أفتاك بعض المعمَّمين من عشاق الطرب، وباركتها أنت يا شيخ محمود بالتقديم لها في زفة من آيات الله، ثم ما لبثن الخطى أن تلاحقت في المنحدر؛ فإذا هي تتخذ لنفسها اسم ياسمين الخيام بدل إفراج الحصري، وكأنّها بذلك تعلن الحرب على ماضيها الإسلامي نفسه بالانتساب إلى ذلك العربيد (الخيام) الذي أصبح مضرب المثل في عالم الضياع والدعوة إلى الاستهتار، وتبع ذلك ما لا مندوحة عنه من طرح للحجاب، وعمل مع الفرق الراقصة، وظهور في المسارح الماجنة.. استجداء لتصفيق المعجبين ومشاركة لصعاليك الفن في تجميع الملايين.. وقد رضيت أن تدفع ثمن ذلك الهُويّ كلَّ ذخيرتها من طمأنينة الحياة الزوجية، وأن يسلبها شططها هذا كل أثر للسكن والمودة والرحمة؛ فأشقت الزوج، وأيتمت البنين، وتناست موقفها القريب الرهيب بين يدي رب العالمين!! ولا عجب فهي الحصيلة الطبيعية لهذا النوع من الشذوذ عن سبيل المؤمنين، وليست مأساة (البيت الأردني) الذي دمره شطط تلك الهاوية الأخرى ببعيدة عن عيني إفراج وأبي إفراج، لو كانوا من المستبصرين المعتبرين..

وأخيرا.. لا أدري والله بأي كلمة يجب أن أختم خطابي هذا إليك، أبالدعاء لك بأن يتوب الله عليك؛ فيوفقك إلى التكفير عما أسلفت في هذه المأساة من آثار يتعذر رصد عواقبها على الأجهزة الحاسبة والحاسبين! أم أدعو عليك بعقاب يكافئ ما قدّمت لدينك من مساءة سررت بها الفاسقين، وكسرت قلوب المؤمنين؟!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..