طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

دراسات حول إعجاز القرآن الكريم في القرن الثالث الهجري

لفضيلة الدكتور صادق إبراهيم خطاب

أستاذ البلاغة والنقد بكلية الشريعة

 

 

القرآن الكريم منذ أن نزل على النبي الأمين محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - كان وما يزال الحجّة الكبرى والمعجزة العظمى التي وقف العرب أمامها مبهورين لا يملكون جواباً وما عساهم يفعلون، لم يكن أمامهم إلا أن يرجعوا إلى أنفسهم لعلّهم يجدون مخرجاً، ولكنّ الحجّة أعيتهم ووقفت ألسنتهم واحتبست أصواتهم وهم يستمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبلغ الناس قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[1]، وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[2]، وقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}[3].

ولكنّهم عجزوا أن يأتوا بمثله أو بأقصر سورة؛ وهم أصحاب لسن وفصاحة وبيان وإقناع، مع حرصهم البالغ على تكذيب الرسول فيما يدّعيه أنه مرسل به من ربّه، وبدأوا يتخبّطون؛ فقالوا: {مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرى}،  {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ}، ويقولون: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}، ومع هذا أخذوا يتحاشون سماع القرآن الكريم خوفا من أن يؤثّر في نفوسهم ويهديهم برغم أنوفهم، ولنستمع إلى الوليد بن مغيرة أحد خصوم الدعوة الألدّاء بعد أن استمع إلى بعض آي الذكر الحكيم قال: والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق.

كان هذا موقف العرب عند بدء الدعوة، ولكن بعد أن اتّسعت الفتوح وانتشر الإسلام واختلط العرب بغيرهم من أهل البلاد التي فتحوها شُغل الناس بالقرآن الكريم؛ يتدارسونه ويوضحون معانيه ويبحثون عن ألفاظه وتراكيبه وما فيه من علوم وفنون، فأضحت آياته ميدانا لدراسات مختلفة، خاصة البلاغيّة منها؛ يحاولون بذلك بيان الوجه الذي من أجله عجز الناس عن محاكاته أو الإتيان بأقصر سورة منه، وكان لانقسام المسلمين إلى فرق وطوائف أثر بالغ في هذه الدراسات التي تدور حول القرآن وما فيه من معان وأغراض وأسرار، وأقدم ما ظهر من الكتب في هذا الشأن هو كتاب ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 208هـ، ويقول أبو عبيدة عن سبب تأليفه هذا الكتاب: إن الفضل بن الربيع وزير الرشيد ثم الأمين استقدمه من البصرة، فلما بلغ مجلسه ببغداد وكان به إبراهيم بن إسماعيل الكاتب سأله الكاتب عن معنى قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} وإنما يقع الوعد والوعيد بما عرف مثله وهذا لم يعرف؟ فقال له أبو عبيدة: إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:

ومسنونـة زرق كأنيـاب أغـوال

أيقتلـني والمشرفي مضاجعـي

وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم ويفزعهم أوعدوا به؛ فاستحسن الحاضرون هذا الجواب.

ومنذ ذلك الحين عزم أبو عبيدة على أن يخرج كتابا يبين فيه ما يشتبه على الناس، فلما رجع إلى البصرة أخذ في تأليف كتابه هذا ((مجاز القرآن)) وهو لا يريد بكلمة (مجاز) ما يقابل الحقيقة كما هو اصطلاح المتأخرين، وإنما يريد الدلالة الدقيقة لصيغ التعبير القرآنية المختلفة، وقد ظهر مراده هذا في السطور الأولى من الكتاب.

جاء في فاتحته: قال الله جل ثناؤه: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} مجازه تأليف بعضه إلى بعض، ثم قال سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه} مجازه فإذا ألّفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك... وهكذا يمضي في كتابه مسترشدا باستعمالات العرب وما أثر عنهم في أشعارهم وأساليبهم، وأدّاه هذا الاختيار إلى أن يتحدّث عمّا في الآيات من تشبيه وكناية وتقديم وتأخير وحذف وإضمار وتوسّع في تصور الخصائص التعبيرية، كالدلالة بلفظ الخصوص على العموم، وبلفظ العموم على معنى الخصوص، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، ومخاطبة الجميع مخاطبة الواحد، كما تنبّه في ثنايا ذلك إلى الصورة العامة للالتفات وإن كان لم يسمّه باسمه؛ يقول: ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحوّلت مخاطبته إلى الغائب، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} أي بكم.

والذي يقرأ كتاب أبي عبيدة يلاحظ أنه اختار الآيات التي تصوّر طرقا مختلفة في الصياغة والدلالة، متمثلا بما يشبهها من أشعار العرب وأساليبهم، وشارحا لما تضمنه من لفظ غريب أو معنى بعيد، وما كان أبدا يعني بكلمة مجاز المعنى الذي أراده البلاغيون؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية[4]: (أول من عرف أنه تكلّم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية).

وفي النصف الأول من القرن الثاني الهجري ظهر أبو عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ المتوفى 255هـ فألف كتبا كثيرة نقف عند اثنين منها، هما: البيان والتبيين، والحيوان، وقد تحدّث في كتابه الأوّل عن الفصاحة والبلاغة عند العرب وعند غيرهم، وأكثر من الحديث عن جزالة الألفاظ وفخامتها ورقتها وعذوبتها ونشر ذلك في كل جوانب كتابه، كما عرض لتلاقي الكلمة مع الكلمة، ملاحظا أن من الألفاظ ما يتنافر بعضه من بعض، وأوجب أن تكون الكلمات كأفراد الأسرة الواحدة التي تقوم بينها واشجة الرحم. وعلى الجملة فقد ألَمّ الجاحظ في كتابه هذا بالصور البيانية المختلفة وبكثير من فنون البديع، غير أنه لم يسق ذلك في تعريفات وتحديدات، فقد كان مشغولا بسوق النموذج البلاغية من غير أن يعنى بتوضيح دلالة المثال على القاعدة التي يقررها.

وكتب الجاحظ وإن لم تكن في موضوعنا الذي نعالجه نصّا إلا أن بالمسلم حاجة إلى قراءتها؛ ليستطيع تمييز الكلام الجيّد من غيره، وكما نعلم فإنه لا يقف على وجوه إعجاز القرآن إلا من عرف معرفة بينة وجوه البلاغة العربية، وتكوّنت له فيها ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام، بحيث يميز بين نمط شاعر وشاعر ونمط كاتب وكاتب، وبحيث يعرف مراتب الكلام من الفصاحة.

ولا شك أن الجاحظ فيما كتب كان خبيرا بالأساليب الفصيحة يميزها ويذكر خصائصها ويكشف عن سبب حسنها أو رداءتها؛ فهو صيرفيّ بارع في هذا الشأن، وسنورد طرفا مما أتى به من تأويل بعض الآيات لنتبين مذهبه في بيان ما أشكل فهمه على الناس.

وكانت عنايته في كتاب الحيوان منصبّة على أنواع الحيوانات، وطبائعها وخصائصها وما جاء في القرآن الكريم عنها وما ذكره العرب في ذلك، وإن كان قد عرض لكثير من النصوص الأدبية وبيّن المراد منها وسبب حسنها أو قبحها.

يقول في تأويل آية[5]: حدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا}؟ فقلت: إن تدبيرا يعجب منه نبي من الأنبياء ثم يعظم خطره حتى يضحكه لعجب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه؛ فإنه قد يضحك النبي عليه السلام من الأنبياء من كلام الصبي ومن نادرة غريبة، وكل شيء يظهر من غير معدنه - كالنادرة تسمع من المجنون - فهو يضحك؛ فتبسم سليمان عندي على أنه استظرف ذلك المقدار من النملة، فهذا هو التأويل.

ويقول[6] في تأويل قوله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ}: وليس أن الناس رأوا شيطانا قطّ على صورة، ولكن لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور الشياطين واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك رجع بالإيحاش والتنفير وبالإخافة والتفزيع لما قد جعله الله في طباع الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم.

ويقول[7] في تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً}، وقوله عزّ اسمه: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}: إنه قد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ولبسوا الحلل وركبوا الدواب؛ ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل، وقد قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً}.

وقال الشاعر في أخذ السنين من أجزاء الخمر:

وتَبَقّـى مُصاصَهـا المكنونـا

أكـل الدهـر ما تجسـم منهـا

 وقال الشاعر:

يأكـل منهـا بعضهـا بعضـا

مـرّت بنـا تختـال في أربـع

 ثم يعلّق على هذه النصوص بقوله: إذا قالوا (أكل الأسد) فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف، وإذا قالوا (أكله الأسود) فإنما يعنون النهش واللدغ والعضّ فقط.

ويقول في باب آخر في مجاز الذوق وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق! وكيف ذقته؟ وكيف وجدت طعمه؟.

وقال عزّ وجلّ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}.

ويختم كلامه بقوله[8]: وللعرب إقدام على الكلام؛ ثقة بفهم أصحابهم عنهم، وهذه فضيلة أخرى، وكما جوّزوا بقولهم (أكل) وإنما عضّ، و(أكل) وإنما أفنى، و(أكل) وإنما أحاله، و(أكل) وإنما أبطل عينه جوّزوا أيضا أن يقولوا: (ذقت) ما ليس بطعم، ثم قالوا: (طعمت) لغير الطعام، وقال العرجي:

وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بـردا

وإن شئت حرمت النساء سواكـم

وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي}، يريد لم يذق طعمه.

وعلى هذا النهج وضّح الجاحظ كثيرا من المعاني التي ربما أشكل فهمها على غير الواقفين على أسرار العربية، وبين المراد منها مستشهدا باستعمالات العرب؛ إذ إن القرآن الكريم نزل بلغتهم؛ فهو يسوق اللفظ ويبيّن المراد منه في القرآن ويستدل على أن العرب يستعملونه هذا الاستعمال، وإن جاء ذكر المجاز في كلامه فيعني به ما عناه أبو عبيدة وما يقصد منه في اللغة، ولا يستطيع منصف أن ينسب للجاحظ أو يأخذ من كلامه أنه قصد من المجاز ما ذهب إليه المتأخرون من أنه قسيم الحقيقة.

ولذلك نرى أن الدكتور شوقي ضيف[9] قد جانبه التوفيق حين قال: إن استعماله - يعني الجاحظ لكلمتي الحقيقة والمجاز في كتاب الحيوان - يدخل في استعمال البلاغيين المتأخرين، وقد أدّاه هذا الفهم الخاطئ لكلام الجاحظ إلى أن يحكم على ابن تيمية بالخطأ؛ إذ يقول[10]: إن ابن تيميه أخطأه التوفيق حين زعم أن تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث بعد القرون الثلاثة الأولى للهجرة. والنصوص التي سقناها من كلام الجاحظ فيما سبق شاهدة على صدق ما نقول.

وننتقل الآن إلى كتاب آخر ظهر في منتصف القرن الثالث الهجري، هو تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى المتوفى سنة 276هـ، وهو عالم سنيّ محافظ يكره الاعتزال والمعتزلة، وكان غرضه من تصنيف كتاب (تأويل مشكل القرآن) الردّ على الملاحدة الذين يطعنون على القرآن الكريم؛ ويقولون إن به تناقضا وفسادا في النظم واضطرابا في الإعراب، وإنما أدّاهم هذا إلى جهلهم بأساليب العربية وقصورهم عن إدراك أسرارها وفهم مراميها، ومن ثم جاء هذا الكتاب لإظهار الحق وإبطال ما يدعون.

وقد عرض ابن قتيبة لبعض آيات الذكر الحكيم وبيّن المراد منها، مستشهداً على ما يراه بنصوص من الشعر العربي؛ ليقيم الدليل على ما يقول ويسقط دعوى الطاعنين وسفه المكابرين، وكان متأثرا بأبي عبيدة في كتابه (مجاز القرآن) يصنع مثل صنيعه وينسج على منواله؛ فيعرض من صور الآيات المشكلة ويبيّن المعنى المراد منها على غرار ما صنع أبو عبيدة، وكأنما يتحدث بلسانه ومضمون آرائه حين يصور مباحث مصنفه وجهل الملاحدة بمعرفة أسرار العربية فيقول: وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومآخذه؛ ففيها الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء والإظهار، والتعريض والإفصاح، والكناية والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص... إلى آخر ما ذكره.

ولفظ المجاز عند ابن قتيبة لا يزال يستخدم بالمعنى العامّ كما هو عند أبي عبيدة، ولم يذهب إلى المعنى الاصطلاحي عند المتأخرين، ولم يشر إليه في كلامه.

نراه يعرض لصور قرآنية مما يدخل عند المتأخرين في المجاز المرسل والاستعارة، ويتحدث عن المقلوب؛ وهو أن يوصف الشيء بضد صفته، كتسميتهم اللديغ سليما، والفلاة مفازة، كما يتكلم عن التقديم والتأخير في الآية الكريمة {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} أي: بشرناها فضحكت، كما تحدّث عن الحذف والاختصار والتعريض والكناية ومخالفة ظاهر اللفظ معناه، وعن الاستفهام يأتي للتقرير أو التعجب أو التوبيخ، وعن الأمر يكون للتهديد أو التأديب أو الإباحة، ومنه عام يراد به خاص وجمع يراد به واحد، وواحد يراد به جمع، وقد يعود الضمير على صنفين وهو لأحد هما، أو على واحد من اثنين وهو لهما جميعا، وهو يفيض في ذكر صور كثيرة من آي الذكر الحكيم عارضا لمعناها، شارحا للمراد منها، موضّحا ما فيها من بيان على الحدّ المعروف عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم.

والواقع أن ابن قتيبة كان متأثّرا كل التأثر بأبي عبيدة معمر بن المثنى؛ حتى لنستطيع أن نقول: إنه لم يزد عليه شيئا ذا بال إلا ما عرف من دقة التبويب، وإلا ما توسع فيه عند الحديث عن بعض الكنايات.

وابن قتيبة يسوّي بين اللفظ والمعنى في البلاغة ويجعل المزية لهما جميعا، وكأنه بذلك يردّ على الجاحظ مذهبه في تقديم اللفظ على المعنى، وجعل المزيّة له حيث يقول: المعاني مطروحة في الطّريق يعرفها العربيّ والعجميّ، ولكن ابن قتيبة يجعل المعنى شريكا للّفظ في الحسن، ويقسم الكلام على هذا الأساس إلى ما حسن لفظه ومعناه، وما حسن لفظه دون معناه، وما حسن معناه دون لفظه، وما ساء وقبح في لفظه ومعناه جميعا، وإن كان لم يقف عند القسم الأخير لأنه لا يدخل فعلا في الكلام البليغ.

ومن هنا نتبين مذهب ابن قتيبة في الحكم على الكلام وسبب الحسن فيه، وأنه لكي يكون الكلام بليغا لا بد أن يجتمع فيه حسن اللفظ وحسن المعنى جميعا.

ولا يبقى معنا بعد ذلك لنوفيّ البحث في علماء القرن الثالث الهجري سوى ملاحظات عابرة نثرها الإمام النحوي المبرّد المتوفى سنة 285هـ في كتابه الكامل.

وقد عرض في كتابه هذا نماذج شعرية ونثرية كثيرة متّبعا لها بالشرح اللغوي، ومشيرا أحيانا إلى ما فيها من التفات أو إطناب أو تقديم أو تأخير، وأحيانا يذكر كلمة المجاز ولكن بالمعنى اللغوي، ولعلّ أعظم ما خلفه للبلاغيين للسّير على هديه هو ما وضّحه لهم بشأن الكلام وتنوّعه، ذلك أن الفيلسوف الكندي قال له يوما: إنّي أجد في كلام العرب حشوا؛ يقولون: (عبد الله قائم) و(إنّ عبد الله قائم) و(إنّ عبد الله لقائم) والمعنى واحد! فأجابه المبرّد قائلا: بل المعاني مختلفة؛ (فعبد الله قائم) إخبار عن قيامه، و(إن عبد الله قائم) جواب عن سؤال سائل، و(إن عبد الله لقائم) جواب عن إنكار منكر.

وقد كانت هذه الإجابة سببا في بحث البلاغيين لباب من أبواب علم المعاني سمّوه أضرب الخبر، وسمّوا الضرب الأول ابتدائيا والثاني طلبيا والثالث إنكاريا.

هذا ما يسّره الله مع ضيق الوقت وقلّة المراجع، ونعتذر للقارئ الكريم! وللبحث بقية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق.

 

 

 



[1] سورة البقرة 23،24 .

[2] سورة هود 13 .

[3] سورة الإسراء 88 .

[4] كتاب الإيمان.

[5] كتاب الحيوان جـ4 ص 22.

[6] كتاب الحيوان جـ4 ص 39.

[7] كتاب الحيوان جـ5 ص 23 وما بعدها.

[8] كتاب الحيوان جـ5 ص 32.

[9] البلاغة تطور وتاريخ ص 56.

[10] المرجع نفسه ص 56.