طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

دراسات في التربية والتعليم

لمحة عن التربية الإسلامية

لفضيلة الدكتور محمد نغش - كلية الشريعة

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالتربية الإسلامية هي الوسيلة للسعادة في الدارين الأولى والآخرة، بها تتكون شخصية المسلم المؤمن بربه، والمطيع لأوامره والمتجنب لنواهيه، المتمسك بدينه، الذي يؤدي رسالته في الحياة بأمانة، ويعمل للآخرة متبعا الكتاب والسنة، محاربا كل بدعة، مطيعا لربه العليم؛ {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[1]، ومقتديا بسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم؛ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر}[2].

والتربية معناها التنمية للقوى العقلية والخلقية والجسدية، وكلمة الأدب الواردة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"[3] معناها أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ربّى نبيه ليكون خير قدوة للبشرية، وقد منحه سبحانه هذه الشهادة الممتازة، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[4].

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تربية الرجال والنساء والأولاد، مثلما جاء في الأحاديث الثلاثة التالية: "أوقفوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم"[5]، و"أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم"[6]، و"مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع"[7].

 

التربية الأبوية:

إن هذا تقسيم تدريجي، محكم الحلقات في أصول التربية الأبوية الإسلامية، وضعه خير البرية ليساير أرقى النظريات التربوية الحديثة؛ فمعظم ما يقوم به الإنسان مرجعه إلى العادات، والعقوبات الوسيلة الناجحة لمعالجة الانحرافات، وكلما كانت في سن مبكرة أثمرت ثمرة طيبة، والتفرقة بين الآباء والأبناء في المضاجع منذ العاشرة يجعل لهم شخصية مستقلة، ولنستمع إلى قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}[8]، هذا الاستئذان رمز لكل الآداب الأخرى، صغيرة كانت أو كبيرة، فيه توجيه حسن للسلوك الفردي، وتهيئة للسلوك الجماعي اللازم في مواجهة الحياة، وهو أعظم هبة يهبها الله ورسوله المؤمنين في تعليم تلك البراعم الصغيرة، وهو شرع يتوارثه الأخلاف عن الأسلاف، وتقليد فيه خير لكافة الأجيال، فيه يعرف الفرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وهو الأدب الحسن الذي يسيطر على النوازع والرغبات، وبه تتحقق هذه الأمنية الغالية؛ {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}[9].

والذي يعلّم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه فقد عمل في ولده عملا حسنا، {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً}[10].

وهذا الواجب يتقاسمه الوالدان بصفتيهما الأبوية، ويشاركهما في هذا الواجب أب روحيّ وهو المدرس، فإذا شعر بمسئوليته تجاه الله والمجتمع، عرف أن التربية أمانة في عنقه، وأن جزاءها تضعيف الأجر؛ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَة}[11]، فالآباء هم القدوة للأبناء؛ إذ يقلدونهم في سلوكهم الحسن منه أو الرديء، فليكن الأب لابنه مصباح هداية، وليحذر أن يكون مفتاح غواية، وللموعظة الحسنة أثرها بجانب السلوك السوي، وخير ما نلقنه للأبناء وصايا الرحمن على لسان لقمان لابنه؛ فهي تجمع بين الإيمان والتوحيد، والدعوة إلى الخلق القويم، {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ … يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}[12].

ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وصايا عديدة، من اقتدى بها حصل على مزايا جليلة[13]، يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في وصية له: "اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة؛ اصدقوا إذا حدثتم، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم، وأوفوا بالعهد إذا وعدتم، غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفّوا أيديكم"[14]، إن هذه الوصية الجليلة من جوامع الكلم، تجمع آداب السلوك الاجتماعية اللازمة لسعادة البشرية.

فالله خلق الإنسان وأنشأ له الإرادة، فعليه الاختيار إما أن يفعل الخير فيصير من الأبرار، وإما أن يفعل الشر فيصبح من الأشرار، والجزاء معروف؛ فلهذا الجنة ولذلك النار.

ولذا يحرص الآباء المسلمون على تعليم أبنائهم تعاليم الدين ويبدأون بحفظ القرآن الكريم؛ لتتحد البواعث الدينية في نفوسهم مع البواعث الشخصية منذ نعومة أظافرهم.

وهذه هي الوسيلة السليمة لتنشئتهم النشأة القويمة التي تؤتي ثمارها الطيبة بإذن ربها.

 

التربية المدرسية:

والمدرسة من أكبر العوامل في تكوين الشخصية، خصوصا في المرحلة الأولى حيث يتصل الطفل بغيره من الصبيان ممن هم في مثل سنه أو ممن يكبرونه أو يقلون عنه قليلا، ويتصل أيضا بالمدرس الذي يعده التلاميذ قدوتهم، ويقلدونهم في سكناته وحركاته، فمحاكاة الحركات والأعمال أسبق من محاكاة المعاني والآراء.

ففي المرحلة الأولى من حياة الصبي يقع سلوكه في دائرة تأثير المعلم، وتأثير الصبيان الذين يختلط بهم، وتأثير آبائه في المنزل، فإن صلحت هذه الدائرة نما الطفل وترعرع بين الفضيلة، وإن فسدت انغمس الصبي في متاهات الرذيلة، ولهذا يجب الحرص على أن يتنفس أبناؤنا - فلذات أكبادنا - في جو إسلامي صحي، فمن الخير للإنسان المبادرة بتكوين العادات الفاضلة في الأبناء حتى تتأصل فيهم، وتنزل منزلة الطبع؛ لأن الإقلاع عن العادات المرذولة إذا تمكنت يكون شاقا عسيرا.

من هذه الصفات الخلقية التي يجب أن يتحلى بها الصبيان الطاعة لله ورسوله أولا وقبل كل شيء ثم لأولي الأمر، وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الطاعة بل تأمر بها، فقد أمر الله المرأة أن تطيع زوجها، والابن أن يطيع أباه، والمعلم يحل محل الوالد، ومنزلته هي نفس منزلته، ولذلك تجب طاعة الصبيان له.

ومن الصفات الخلقية التي يجب أن يتعودها الصبيان النظام؛ لأن الفوضى مفسدة للمجتمع، ومضيعة للتعاون الضروري للحياة الإنسانية.

ويجب أن يكون للإشراف الاجتماعي والرياضي دوره الفعال في الاستعلاء بالغريزة الجنسية عندهم، وقد حذّر القابسي الفقيه السني من خطورة الاختلاط بين الطلبة بقوله: "وإنه لينبغي للمعلم أن يحرس بعضهم من بعض، إذا كان فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو يكون له جرأة".

وهو أسلوب وجيز العبارة، لطيف الإشارة، يدل على عفة في نفس المؤلف، تحمله على الابتعاد عن الإطالة في مواطن الفحشاء والمنكر[15].

والإعلاء بالغريزة الجنسية والتسامي بها يأتي من استغراق الجهد واستنفاذ الطاقة وتحويلها إلى عمل نافع للفرد والمجتمع، وليكن قول الله رائدنا {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[16].

فالعبادة - وبخاصة الصوم - وقاية للمؤمن؛ فهي تملأ قلبه بالطمأنينة، وتذهب عنه وساوس الشيطان؛ إذ يتيقن أن ما يفعله هو استجابة لأمر الرحمن حين يقول: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}[17].

وبهذا الأسلوب تنتصر الإرادة على الهوى، والإنسانية على الحيوانية، وإن لنا في قصة يوسف لعبرة.

 

تربية الدعاة:

ولتخريج الدعاة إلى الله يستلزم الأمر تهيئة بيئة إسلامية سليمة يعيش العاملون فيها ونفوسهم مفعمة بحبّ الرحمن، الذي خلق الإنسان علمه البيان، وقلوبهم مؤمنة بخلود رسالة الإسلام وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

يجب أن تكون عقيدة المعلم والمتعلم مبنية على التوحيد لله رب العالمين، وفهم القرآن فهما دقيقا؛ فعلى الإنسان أن يعيش مع آياته الكريمة حتى يكون خلقه القرآن، فهو الكتاب الوحيد الذي يرافقه في رحلته طيلة حياته، يحل به كل مشكلة، وينتصر به على كل معارضة، ويفوز به في الدنيا والآخرة، إنه مفتاح السعادة وباب الرحمة.

ويجب أن تدرّس السنة المحمدية؛ فبها ينتظم المجتمع على أسس قويمة، فهي تزكية للنفوس الإنسانية، وهي هادية لفهم الآيات السماوية، إنها الوحي الثاني من رب البرية.

وأن يهتم الدارسون بالكشف عن جوانب العظمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصلاحية هذه الشخصية الكريمة لتكون قدوة لجميع الأجيال، وأسوة حسنة لجميع طبقاتها وأفرادها؛ إنها الشخصية التي لا تسعد البشرية ولا تتزن الحياة ولا يقوم المجتمع الصالح إلا بالاقتداء بها واتخاذها إماما ورائدا[18]، ويتفرع من هذين الأصلين الثابتين كتاب الله وسنة رسوله علوم الدنيا والدين.

فلننظر مثلا في فرع كالشريعة الإسلامية، ولنطبق ما فيها من حكمة بالغة ومقاصد نبيلة، مع مراعاة تطور العصر الحديث، وما جدّ فيه من نظريات وأفكار شملت الحياة بأسرها، وتناولت العلوم كلها.

ولنأخذ بعين الاعتبار أن تكون علوم اللغة العربية أدوات لمعرفة ما في هذين المصدرين من كنوز وضعها الله لعباده؛ رحمة بهم وجعلها خيرا وشفاء لما في صدورهم.

وكما نعلم أن كتاب الله لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ فعلوم البشر النظرية أو العقلية ضئيلة، وهي مستمدة من علم الله الذي لا حدود له، ولا يمكن الإحاطة به، فلنتخذ القرآن سراجنا إلى السعادة.

فالله يرشد عباده في كثير من آياته إلى الحياة الاجتماعية الفاضلة؛ فيحثهم على الزواج وينفرهم من الزنا، وينظم الحياة الأسرية على المحبة والمودة المتبادلة والأواصر المتينة المبنية على أسس سليمة، ولا قيمة للعبادات إذا لم تكن لصالح الجماعات المحتاجة إلى الإعانات، كما في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[19].

ولما كان المال عصب الحياة فقد ورد في القرآن الكريم الحثّ على الإنفاق في صور شتى، كالصدقة والزكاة وعتق العبد وإطعام المسكين والعناية باليتيم.

وقرن سبحانه وتعالى الإحسان بالوالدين بعبادته الحقة فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}[20].

والله يعلم أعمالنا كبرت أم صغرت؛ {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[21]، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[22]، بل أكثر من ذلك {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}[23].

والهدف من وراء ذلك هو ألا يعمل الإنسان إلا الخير، ولا يفكر إلا في الخير؛ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}[24].

أن يعلم كل فرد أن الله رقيب عليه، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه يحاسبه بالعدل الذي هو أساس ملكه، سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}[25].

يا أخي اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فالإيمان بالله وحده والتزام عبادته، والاعتصام به سبحانه، هي الوسائل الفعالة في التربية المؤدية إلى حياة الضمير ويقظته، والعبادة العملية هي الطريق الصحيحة إلى تثبيت ذلك وتدعيمه.

فالصلاة - وهي الركن الركين في الإسلام - عبادة الغرض منها معرفة الله، وذكره في كل وقت، ودوام الذكر هو السبيل إلى يقظة الضمير، لهذا السبب نصّ الفقهاء على وجوب انصراف المرء في الصلاة إلى ذكر الله، مع عدم الانشغال بأي أمر من أمور الدنيا، والصلاة المفروضة على المسلمين يؤدونها في خمسة أوقات متفرقة من كل يوم لدوام الذكر[26]، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}[27].

ولا تصح الصلاة بغير وضوء؛ لأنه شرط للصلاة، والوضوء غسل وطهارة ونظافة، والنظافة من الفضائل الشخصية العظيمة الأثر في الصحة، كما تنتقل فائدتها إلى النفس فتطهرها، ذلك أن الشعور بالنظافة الظاهرة يهيئ الإنسان إلى النظر في المعاني بنفس الأسلوب؛ فيعف اللسان ويطهر الفكر، فالإنسان مطالب بطهارة الجسم كما هو مطالب بطهارة القلب والنفس، لذلك ينبغي أن يكون صادقا عفيفا، أمينا، حافظا للعهد[28].

وأسلوب القرآن حكيم في الترغيب في الدين والترهيب من الخروج على مبادئ الإسلام والمسلمين؛ لعلمه سبحانه بالطبيعة الإنسانية التي فيها التفكير والتدبير، وفيها المحبة والكراهية، وسلوك الفرد يتحرك بدافع من الرأي والنظر، ويتحرك بقوة الخوف والغضب، وقد وصف الله الجنة في محكم آياته ليكون الناس على بصر بما يلقون من ثواب هو النعيم الذي إليه يشتاقون، وفي نفس الوقت صور الجحيم وما فيها من عذاب أليم ليكون المجرمون على علم بما ينتظرهم يوم الدين.

وهكذا يرسم الدين الإسلامي للناس قواعد التربية السليمة التي ينبغي أن يسيروا عليها، ولن يضل الناس طالما تمسكوا بالقرآن والسنة على الرغم مما يسود العالم من فساد رأي يدعى بالحرية، ووقاحة فكر تنعت بالجرأة، وفلسفة مادية ملحدة تحاول تفسير كل شيء على هواها، إنها مضللة مفسدة.

إن الدين الإسلامي ينظم أفعال المرء مع نفسه، وأفعال المرء مع غيره، فالله سبحانه ينصح الإنسان بالاقتصاد في المال، كما يقتصد في تناول الطعام والشراب لصلاح حاله وصلاح جسده، فيقول: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط}[29]، ويقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}[30]، هذه فضيلة الوسط بين الإفراط والتفريط التي لا تتلاءم مع الحياة الواقعية.

ويرى جولد زيهر: "أنه إذا أردنا الإنصاف ينبغي أن نؤمن أن في مذهب الإسلام قوة صالحة توجه الإنسان نحو الخير، وأن الحياة المتفقة مع التعاليم الإسلامية حياة أخلاقية لا غبار عليها، ذلك أنها تتطلب الرحمة نحو جميع مخلوقات الله، والوفاء بالعهود، والمحبة والإخلاص، وكفّ غرائز الأنانية"[31].

فالإسلام شريعة سمحة تدعو الإنسان إلى الخير والرحمة، وتحثه على الإخلاص والمحبة، وتقضي على الأنانية التي هي آفة البشرية.

وإذا كان أصحاب الكهف مثلا للشباب المستبصر الذي لم تطمس ظلمات الكفر في بيئته شعاع فطرته، ولم تشب أوضاع الضلال صفاء استقامته فإن المجتمع الإسلامي لا يترك شبابه لهذه المعاناة، ولا يعرضهم لهول هذه المحن، فهو مجتمع يقوم على الإيمان بالله وتحقيق شريعته، ومن هنا فهو حريص على أن يحمي ناشئته من الفتنة، ويقيهم سبل الضلال والغواية، فلا يكل توجيههم إلى قلوب مريضة، ولا يترك زمامهم بأيد ملوثة، بل يوفر لكل ناشئ فيه جوا صالحا تزكو فيه الفطرة وتتفتح أزهارها.

فأئمة الضلال حين يتولون التوجيه والتنشئة يصبغون الأجيال بصبغتهم، ويوجهون بها إلى طريقهم؛ فيضل المجتمع ويشقى[32]، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"[33].

فإذا شبّ الفتيان على العقيدة السليمة، ورسخت في نفوسهم العادات الحميدة استحقوا أن يوصفوا بما وصف به أهل الكهف من قبلهم ِ{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً}[34]، إن أهل الكهف قد راعهم ما تردى فيه قومهم من الشرك بالله، فاعتزلوا بهتانهم، ونجوا بأنفسهم حتى لا يصيبهم ذلك البلاء، ولا تتسرب إليهم تلك الأدواء، إنهم لجأوا إلى الكهف ينشدون من الله الرحمة، وأن يثبت قلوبهم على الإيمان به، ويهديهم بنور الحقيقة، ويفتح لهم أبواب المعرفة؛ ليبنوا بسواعدهم الفتيّة وعزائمهم القوية مجتمعا جديدا خالصا من أدران الوثنية والشرك برب البرية.

والدعاة من الشباب المسلم يصنعون بإذن الله الخير للناس كلهم، فينقذون العالم من الظلام الذي يعمهم، ومن المفاسد التي سرت بينهم إلى حد بعيد؛ حتى أصبح الناس منها في كرب عظيم.

والشباب المؤمن يملك القوة ويتحمل المسئولية مستجيبا لأمر ربه، ناشرا رحمته وعدله.

وأملنا أن يحقق هذا الشباب رسالة السماء ويكسب العالم الأمن والصفاء، ويعيش الناس في سعادة وهناء في ظل شريعة الإسلام السمحاء.

وأخيرا فهذه كلمة كتبتها موجزة، ولكن التربية الإسلامية تحتاج إلى دراسة مستفيضة، أرجو الله تعالى أن يوفقني إلى القيام بها، فالعالم في حاجة ملحّة إليها، وستكون إن شاء الله الهادية له من الضلال والظلام والمنقذة له من الغرق والآلام.  

 

 

 

 

 


[1] سورة الحشر الآية 7 .

[2] سورة الأحزاب الآية 21 .

[3] النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج 1 ص 3 .

[4] سورة القلم الآية 4 .

[5] رواه البخاري.

[6] رواه ابن ماجة.

[7] رواه أبو داود والحاكم واحمد في مسنده.

[8] سورة النور الآية 59 .

[9] سورة الفرقان الآية 74 .

[10] سورة النساء الآية 124 .

[11] سورة البقرة الآية 245 .

[12] سورة لقمان الآية 13،17،18.

[13] من وصايا الرسول لطه عفيفي (عشرة أجزاء).

[14] أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه.

[15] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص 118 .

[16] سورة الشرح الآية 7، 8 .

[17] سورة النور الآية 33 .

[18] نحو التربية الإسلامية الحرة لأبي الحسن علي الحسن الندوي ص 93 .

[19] سورة الماعون الآية 7 .

[20] سورة الإسراء الآية 23 .

[21] سورة يونس الآية 61 .

[22] سورة الحديد الآية 4 .

[23] سورة ق الآية 16 .

[24] سورة البقرة الآية 235 .

[25] سورة الزلزلة الآية 7، 8.

[26] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص 102 .

[27] سورة الذاريات الآية 55 .

[28] الدكتور أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص 115 .

[29] سورة الإسراء الآية 29 .

[30] سورة الأعراف الآية 31 .

[31] أحمد فؤاد الأهواني: التعليم في رأي القابسي ص 96 .

[32] الدكتور مصطفى عبد الواحد: المجتمع الإسلامي ص 167.

[33] أخرجه الطبراني والبيهقي.

[34] سورة الكهف الآية 13 .