طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

ولم يزل أعداء الأمة يمكرون

لفضيلة الدكتور محي الدين رمضان

كلية الآداب بجامعة اللآذقية

 

 

إن في عالم فكرنا المعاصر ظاهرة لا تخفى على أحد، تلك هي اضطراب المفاهيم الإسلامية لدى أغلب فئات الأمة، حتى كأنها مبتدعات الأفراد والجماعات؛ فلا تكاد هذه المفاهيم تستقل بذاتها ولا بمضمونها، ولا تكاد تأتلف في جزئياتها، ولا تلتئم في أساليبها، وهكذا هي سواء في أمور العقيدة والعبادات التي يرثها المسلم دون مناقشة ولا تمحيص، أم في أمور العلاقات فيما بين الفرد والجماعة، أم في أمور الحكم والتشريع، أم في أمور المعاملات وغير ذلك.

وأسباب ذلك كثيرة تتلخص في فوضى مناهج التربية وتضارب أفكارها ومبادئها، وهو شيء مهّد له منذ أبد، وأنفق الممهدون له جهدا ووقتا طويلا، ولم يكن ارتجالا أو خبط عشواء، وإنما هو النافذة التي فاجأ هؤلاء المتربصون منها هذه الأمة بعد أن أعيت عليهم المذاهب مدى قرون عديدة، وكانت هذه النافذة هي الثقافة والفكر والتربية ومناهجها والتعليم وأساليبه، فأجدى هذا أي جدوى بعد أن فلّ السيف وأُخرس المدفع ودحرت الجيوش.

فكل ما يتصل بالثقافة والفكر وأسباب نشرهما والحرص على إذاعتهما، والعناية بهما وما يستوجب هذا كله كانت مفاتيح بأيدي هؤلاء الناس الذين وجهوا العقول، واستمالوا القلوب حتى أذلوا الرقاب، وخلصوا إلى النفوس، وامتلكوا كل زمام دون أن يتكبدوا ما تكبده أسلافهم جيوشا وعتادا وجهودا وأموالا ثم لم يفلحوا، واتخذت هذه الجهود الماكرة صورا شتى بدأت برجال الثقافة والبعثات العلمية والمعونات الطبية، ثم المعاهد التبشيرية تناثرت هنا وهناك، وانتهت إلى صور أخرى يراها البصر ولا تدركها البصيرة.

وقد كثرت وسائل الإعلام من صحف ومجلات ونشرات وسينما وراءٍ[1]، وتطورات أساليب التوجيه والتأثير، وأنجزت هذه كلها مراحل من المخططات العديدة التي كان همها الأكبر هو تنشئة شخصية ليس لها طابع مميز إلا أن يكون تبعا إمعة، تتنكر لأمتها وماضيها وتستهين بتراثها وتنعى عليه، وتتعلق بالأجانب وبما أتوا به، ويقلدونهم ويرون فيهم أئمة يقتدون بهم، ويحرصون على القوال بآرائهم واعتقادها والتسليم بها، وهؤلاء الذين استطاعت تلك المعاهد والبعثات أن تحتويهم وتربيهم وتعلمهم، وكانوا طلائع فئات من الشباب والرجال صاروا إلى مناصب في طول البلاد وعرضها، وقاموا بما نشئوا عليه وعُلِّموه، بما عوّل عليهم معلموهم ومربوهم؛ فأدوا عنهم ما كان موكولا إلى هؤلاء من الجديد الخطر تربية وفكرا وثقافة، ونابوا عنهم في مهمتهم، وبهذا تواروا عن الأنظار كغرباء، يمكن أن يبعث ظهورهم عند الأمة على الاستيقاظ والانتباه، وهذا من مكرهم وغفلة الأمة عما يدبر لها.

وليس هذا كله من هؤلاء المكيدين بدعا ولكنه صورة متجددة الشكل متفقة المضمون، وهو شيء تشرحه الآية الكريمة وتدل عليه قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق} (البقرة 109).

وهذه الرغبة العارمة عند هؤلاء هي الدافع لهم إلى كل محاولة لصرف المجتمع المؤمن عن الجادة بكل وسيلة ودون توان، ورغبة الإفساد سببها الحسد الذي ذكر في الآية، وهذا الحسد إنما هو لخير ما أوحى به تعالى من كتابه العزيز إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو ما تقدّم ذكره في آية هي قوله عز وجل: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة 105).

ولا يتحقق لهؤلاء ما يرغبون فيه ويسعون إليه بنشر الفساد بين الناس، ولا يتم لهم الفساد ولا يتأتى إلا بأسباب وأساليب، ولا بدّ لهم من سعي وجهد، وأيسر أسباب الفساد وأجدى أساليبه تزيين المعاصي والمباعدة بين الدين وأهله، وتهوين أمر الكفر والعصيان، وهو ما حرض عليه أهل الكتاب من بني إسرائيل بعد أن كفروا وطغوا، فقال فيهم عزّ من قائل: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة 64).

وكذلك إشاعة الفاحشة بين المؤمنين وهي إحدى الطوامّ القوا صم التي تحلق الدين، وتوهي أواصر المجتمع، وقد قال سبحانه فيها: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النور 19).

وتكفي الملاحظة الخاطفة إلى ما يتصل بهذه الظاهرة من عناية مصممي الأزياء وثياب الجنسين وأشيائهما، وما يتعلق بالرجل والمرأة جنسين متميزين، وما ينشأ من تأثير أحدهما في الآخر إغراء وإثارة، فذلك يكفي في الكشف عن غرض هؤلاء الناس.

وهناك ظواهر كثيرة يجدر بأهل الغيرة من علماء وباحثين وكُتَّاب أن يولوها عنايتهم في رصدها والكشف عنها وتحليلها بما يقف جمهور الأمة على وجهها وينبه أولي الأمر كيما يوجهوا بما يناسب ويحول دون هؤلاء المتربصين وكيدهم.

وينبغي أن يقترن هذا بالتوجيه والتربية الكفيلين بحماية الفرد والجماعة من هذه الأشراك الخفية، ويتم هذا التوجيه وتلك التربية في كل بيئة من بيئات المجتمع، الأسرة والعمل والطريق والمدرسة، وذلك أن هذه البيئات متكافلة متواشجة الصلة جدا.

 

 

 


[1] هو التلفزيون.