|
|
|
الإنسان.. والعصيان..! |
|
لفضيلة الشيخ عبد الفتاح
عشماوي |
|
|
|
لقد
هممت أن أقلب العنوان فأجعله (العصيان والإنسان) فتصبح كلمة (العصيان) سابقة
لكلمة (الإنسان)، لولا خشيتي من أن أقلب معها ترتيب الخلق الإلهي، حيث كان
الإنسان ثم العصيان، وسبب تفكيري في أن أجعل المعصية أولا، هو أن الإنسان من شدة
حرصه على أن يذنب، يكاد يجعل عمره بحثا عن الذنب أين يكون ليقترفه، فالإنسان هو
اللاحق التابع، وذنبه هو السابق المتبوع، ودليلي فيما ذهبت إليه من هذا التصوير،
هو كلام خالق الإنسان سبحانه، حيث يقول : {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} {وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ}.. |
|
فالآيتان
الكريمتان تخبران بأن الأهواء هي المتبعة، وأصحابها هم التابعون لها، وقوله أيضا
عز من قائل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ
هَوَاه}، فالآية هنا لم تجعل الذنب متبوعا من الإنسان فقط كما في
الآيتين السابقتين، وإنما زادت بأنه قد اتخذه إلها، فالمعروف بأن الإله هو
المطاع، والعابد هو المطيع، فهل يكون في الأمر غرابة إذا عكسنا العنوان وقلنا:
(العصيان والإنسان)، بعد أن سمعنا قول العليم بما نخفي وما نعلن، وبما أكد أن
الإنسان هو المنقاد لذنبه، بغض النظر عن الدافع لارتكاب الذنب شيطانا كان أو
نفسا أمارة، وبغض النظر أيضا عن النسبة القليلة المطيعة في المجموعة البشرية،
الذين غلب خيرُهم شرَّهم، ولم يسمحوا للنفس ولا للشيطان عليهم بمطلق السلطان،
لأن الشيطان نفسه بادئ أمره في السماء قد أعلن ذله أمام هذه القلة العاقلة من
الذرية الآدمية، حين قال لربه: {لَئِنْ
أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا
قَلِيلاً}، فقد أدرك أن هؤلاء المطيعين سيكونون مستعدين للمقاومة
الدائمة لكل نوازع السوء، فيصبح حديثي عنهم تحصيل حاصل، ولأنهم قليل ما هم حيث
أحبوا العمل وكرهوا القول، وأنفوا التحدث عنهم، فلم يعطونا من أنفسهم مادة لنكتب
عنهم أو نخطب، أما عكسهم فهم الأكثر والأشهر، فقد قدموا المدد العريض من شرهم
ليقول عنهم من شاء بما يشاء، إذا لما جعلت الإنسان والعصيان شيئين لا يفترقان،
وعبرت عن الفريق الذي فسق عن أمر ربه لكثرته كأنه الكل، ما غلوت في ذلك، خاصة
بعدما سمعنا عن اللعين أبي الشيطان {لأَحْتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّتَهُ} أي لأستأصلن الخير من كل
ذرية آدم ولم يستثن إلا القليل الذي ذكرته الآية، واستثناؤه لهذا القليل هو
الدليل على عجزه عن بلوغ قصده، وإلا لأحتنك كل الذرية ولم يستثن أحدا، فقد قيل إنه سئل عن أي
شيء أحب إليه فقال: "لو عرض عليّ ملك الدنيا وأن أضل واحدا من ذرية آدم
لاخترت الثانية"، إذا فقد أطيع ممن أطاعوه بسهولة منهم ورضا، وهو بنفسه
سيقول هذا يومها {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ
مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي
وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} وعليه فلا يجوز للعصاة
قولهم غلبنا الشيطان، والصحيح أن يقولوا دعانا فاستجبنا، حيث لم نستعمل مجرد
العقل لندرك به النجاة من الهلكة، وحيث تقرر في
الآخرة الحقيقة التي كان يكفي فيها تحكيم العقل قبل النقل، عندما يقال لهم عن
حصاد الشيطان معهم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ
جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}؟ فهو هنا سبحانه
اكتفى بذكر العقل الذي هو أساس فهم الأمر ضارّا كان أو نافعا، وما الرسل مع
العقل إلا مبشرين لمن عقل، ومنذرين لمن جهل، والعجب في الإنسان أنه ما نقم وكان
لربه خصيما، إلا وهو موقن من أنه أكثر المخلوقات
استئثارا بما في دنيا الله من نعم، وغمره بما في سمائه وأرضه من خير {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} ولأني مصر على أن الإنسان أذل نفسه
للمعصية وجعلها سيدته المتحكمة في أمره، ولم يكرم آدميته المكرّمة من الله، ولا
ما أشهده على نفسه يوم أن أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، أقدم دليلا من قصة
أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يقصها علينا، {فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، ليعْلِّمنا بها سبحانه أن
أول عمل عمله الإنسان على الأرض بعد الإشهاد
والتكريم، هو مقابلة الإحسان بإغضاب المحسن تعالى، وبأفحش
ما يستجلب به سخطه، فكانت أول معصية وقف أمامها الإنسان أحقر ما يكون، لمَّا فتك
بإنسان مثله، وجعل بداية ما تستقبل الأرض هو الدم الأحمر القاني يختلط بثراها،
يتفجر من جسد المظلوم هابيل، بيد قابيل أخيه ابن أمه وأبيه، من هنا، كان الشر في
الدنيا هو السائد، والذَنب للإنسان هو القائد، واستحق أن يكون ظلوما جهولا، لماّ
لم يكن مع عهد الله من الأوفياء، ولا على أمانته من الأمناء، والقصة هي: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ
قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ
قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ
بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي
أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ
وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، فالأخ
القتيل ذكَّر أخاه القاتل بربه وخوفه منه، لما ذكر له أنه لن يرد سوء
العمل بمثله لأنه يخاف الله {لَئِنْ بَسَطْتَ
إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَك}
السبب {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ} لكن لما كان جانب الشر في الإنسان أقوى وأسبق، وأنه
عندما يسيطر عليه شره، يصبح الأسير المطيع لخبث نفسه، وعلى هذه الصورة قدمت
إلينا الآية قابيل القاتل بأنه وقد ذكَّره أخوه بربه، ورهبه من ناره التي أعدها
لكل أثيم، عندما قال له: {فَتَكُونَ مِنْ
أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. أقول بعد هذا
كله، لم تتحرك شعرة في قابيل نحو أخيه من حنو أو رحمة، ولم يحاول التخلص من
طاعة نفسه المتوحشة، وإنما انقاد لها
ذليلا بأسرع ما تكون الطاعة {فَطَوَّعَتْ لَهُ
نَفْسُهُ}، وقتل من ؟ تقول الآية {قَتْلَ
أَخِيهِ} وبهذا قضى عليه بالخسران {فَأَصْبَحَ
مِنَ الْخَاسِرِين}، ووضع قابيل بإثمه بداية الخُسْرِ
على الأرض لما أصبح أول خاسر، فكانت الكثرة والهيمنة فيها من نوع أول ما عمل على
ظهورها، وهو الكفر بالله والاقتران بمعصيته، وهكذا انطلق الإنسان في أحقاب الدنيا
متقلبا في درْك المنكر ينوعه ويفرعه، لا يرده حياء ولا يخجله فحش، حتى أتي نوعا
من الذنب بعد القتل تكاد السماء منه تنهال وتندك له الجبال، ما فعلها كائن من
خلق الله ولا عالَما من عالمَِينه، لقد رأى الكثير
منا أحط الحيوانات تتناكح، كالقرد والخنزير والكلب، ورأينا كيف تترفع هذه
الحيوانات وتتعفف من أن يعتلي الذكر ذكرا مثله، ويرفض أن يقذر نفسه بمفرز الغائط، يحدث هذا من أحط الكائنات التي يسميها
العلماء حيوانات غير محترمة، ولكنها أثبتت أنها محترمة عن الإنسان لما تعالت عن
هذه الفعلة الوسخة، وراح هو يفعلها ليكون في ذلك أحط من الكلب والقرد والخنزير،
وليكون له فضيحة البدء وعار السبق بعمل لم يكن له من قبل وجود في دنيا الله،
عندما اعتلى الإنسان الإنسان تاركا أنثاه التي كمَّل
الله بها إنسانيته وذرأ بها نوعه، وذلك بما حكى
القرآن على لسان نبي كريم {وَلُوطاً إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ
الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ
النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}، فالآية هنا لم تقل:
أتأتون الكبيرة، لأنها قد تدخل مع أنواع الكبائر على عمومها، وإنما وصفت بأغلظ وصف وضع لكبائر معينة لا يؤجل أمرها إلى لقاء الآخرة،
كذلك أثبتت الآية دليلا إلى ما تقدم من أدلة على أن الإنسان أسلم قياده للمعصية،
حتى جعلها تسبق وهو يلحق، لما قال لوط عليه السلام لقومه المنصوحين: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ}،
والتفسير هنا واضح من أن كلمة { أَحَدٍ } مقصود
بها كل كائن حي وليست مقصورة على جنس الإنسان، أي لم يسبقكم إليها كائن ما
والدليل قوله: { مِنَ الْعَالَمِينَ }،
فلو كان القصد عالم الإنسان فقط ما جمعت الكلمة على الإطلاق، وحتى كلمة { مَا سَبَقَكُمْ }، ليس الغرض منها _ والله
أعلم _ السبق الزمني وحده، وإنما السبق الزمني والفعلي قبل لوط وبعده، فإنه وإن
كان الإنسان لم يفعلها قبل إنسان لوط لكنه لا زال يرتكبها نوع من الإنسان حتى
الآن، أما الحيوان فلم يفعلها لا قبل لوط ولا بعده، ومن هنا يكون معنى قوله {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ}
لم يفعلها غيركم من كل العالمين، ولذلك كان عقاب الله فريدا في نوعه لم يقع لقوم
أي رسول {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} أي محمية في
النار، لأن عملهم بلغ قمة الإسراف بوصف نبيهم لهم {بَلْ
أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }، واليوم نسأل، هل هذا العمل الذي
سمعنا عنه الآن ما يرعب، قد قطع دابره اليوم من أمتنا
الإسلامية على أساس أننا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولسنا أمة لوط عليه
السلام؟ سؤال معلوم جوابه في قصة الإنسان والعصيان. |
|
إن
المعصية في ذاتها شيء لابد أن يكون، فالعصمة لرسل الله وأنبيائه صلوات الله
وسلامه عليهم، ولكن الذي لا يجوز أن يكون، هو أن تستمر المعصية حتى تشقي صاحبها،
وأنواعها شتى لا يحيطها حصر، لكنها جميعها تقع بين دفتي معصيتين، إحداها كبراها
وهي التي تلبس صاحبها الكفر عندما يأبى الاعتراف بموجده سبحانه، والثانية صغراها
وهي مقترفة اللمم، وهذه سنفصل أمرها بعد إن شاء الله،
حيث هي للمسلم الذي تقع منه صغائر وكبائر، أما الكافر فلا صغائر له ولا كبائر،
فقد انضوى كل قبحه تحت ذروة ظلمه {فَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا}، أي لا أحد أظلم
منه، فكل ما يصدر منه كفر صغر أو كبر، لكنه وهو في قمة أو قمامة كفره إذا فطن
إلى سوء نفسه، وزكاها بعد أن دساها، وفهم بأنه وُجد من موجد واحد يتحتم أن يوجد،
فمرحبا به في سعة ربه يكرمه ويفرح به ويقبل عليه وكأنه لم يكفر به يوما، مهما طال
كفره وفحشت معصيته، وإليكم من نوع تصحيح الإنسان لإنسانيته عندما يميل عنها،
قصتان من وقائع عصر
النبوة، أولاهما وقعت من عبد الله بن الزِبَعْرَى لما
هرب يوم الفتح إلى نجران، وكان شاعرا حتى قيل إنه أشعر شعراء قريش، وسخر شعره في
هجاء المسلمين، فبلغه ما قاله عنه حسان بن ثابت رضي الله عنه في هذين البيتين: _ |
|
لا تعد من رجلا أحلك بغضه. |
نجران
في عيش أخس لئيم. |
|
غضب
الإله على الزِبَعْرى وابنه. |
وعذاب
سوء في الحياة مقيم. |
|
فلما
بلغه شعر حسان رجع حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه،
فلما نظر الرسول إليه قال لهم: "هذا ابن الزبعرى ومعه وجه فيه نور الإسلام"، فلما وقف
على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: السلام عليك يا رسول الله، شهدت أن لا
إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك، وركبت البعير والفرس ومشيت على قدمي في
عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا أقرب الإسلام أبدا، ثم أردني
الله منه بخير وألقاه في قلبي وحببه إلي، وذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من
يعبده ومن لا يعبده فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله"،
ثم قال بعد ذلك هذه الأبيات:_ |
|
منع الرقاد بلابل وهموم |
والليل معتلج الرواق بهي. |
|
مما أتاني أن أحمد لا مني |
فيه فبت كأنني محموم |
|
إني لمعتذر إليك من الذي |
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم |
|
فاليوم آمن بالنبي محمد |
قلبي ومخطئ هذه محروم. |
|
فاغفر فدى لك والديّ كلاهما |
زللي فإنك راحم مرحوم |
|
وعليك من علم المليك علامة |
نور أعز وخاتم مختوم |
|
أعطاك بعد محبة برهانه |
شرفا وبرهان الإله عظيم |
|
ولقد شهدت بأن دينك صادق |
حق وأنك في العباد جسيم |
|
والله يشهد أن أحمد مصطفى |
متقلب في الصالحات كريم |
|
والثانية
من صحابي منسي قل الحديث عنه، مع أنه ابن عم شقيق الرسول صلى الله عليه وسلم،
وشبيهه في الخلقة والخلق، وهو أبو سفيان بن الحارث،
غير أبي سفيان بن أمية حتى لا يشتبه الأمر على بعضنا لقلة معرفة صاحب القصة كما
ذكرت إلا بكلمات في كتيبات، يقول أهل السِّيَر: كان أبو سفيان بن الحارث بن عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أرضعته حليمة بنت سعد، وكان
يألف رسول الله قبل البعثة، فلما بُعث عاداه أبو سفيان عداوة لم يعاد بمثلها أحد
قط، فمكث عشرين سنة عدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجو المسلمين بشعره
ويهجونه، ولا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حتى نصر الله رسوله وتهيأ لفتح مكة، قال أبو سفيان بن الحارث: فقلت: من أصحب ومع
من أكون؟ . قد ضرب الإسلام بجرانه، فجئت زوجتي وولديّ
فقلت: تهيؤوا للخروج من مكة فقد أظل قدوم محمد، قالوا
قد آن لك أن تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمدا وأنت موضع في عداوته كنت أولى
الناس بنصرته، فأصاب قولهم موضعا في نفسي، فخرجت متوجها نحوه على قدمي نحوا من
ميل، وكان قد نذر دمي، فتنحيت خوفا من أصحابه، فلما طلع في موكبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية
الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه فأعرض عني مرارا، فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت:
أنا مقتول قبل أن أصل إليه، وأتذكر بره ورحمه فيمسك ذلك عني الخوف، وقد كنت أظن
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي
برسول الله. فلما رأى المسلمون إعراضه عني أعرضوا عني جميعا، فلقيني أبو بكر
معرضا عني، ونظرت إلى عمر فقال لي: يا عدو الله، أنت الذي كنت تؤذي رسول الله
وتؤذي أصحابه، قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته، ورفع صوته واستطال عليّ،
فدخل عليَّ عمي العباس فقلت يا عم قد كنت أرجو أن يفرح بي رسول الله بإسلامي
لقرابتي وشرفي وقد كان منه ما رأيت فكلمه فيّ ليرضى عني، قال: لا والله لا أكلمه
كلمة بعد الذي رأيت إلا أن أرى وجها، إني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأهابه، فقلت يا عم، إلى من تكلني؟ قال: هو ذاك، فلقيت عليًّا فكلمته فقال لي
مثل ذلك، فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله حتى راح إلى الجحفة،
وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين، وجعلت لا ينزل منزلا إلا وأنا على بابه ومعي
ابني جعفر قائم، فلا يراني إلا أعرض عني، فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح
مكة، وأنا في خيله التي تلازمه حتى نزل الأبطح، فدنوت
من باب قبته فنظر إليّ نظرا هو ألين من ذلك النظر الأول ورجوت أن يتبسم، ودخل
عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي فرقَّقَته عليّ، وخرج إلى المسجد
وأنا بين يديه لا أفارقه على حال، حتى خرج إلى هوازن
في حنين فخرجت معه، وقد جمعت هوازن جمعا لم تجمع
العرب مثله قط، فلما لقيتهم قلت: اليوم يرى أثرى إن
شاء الله، فلما لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر الله {ثُمَّ
وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على
بغلته الشهباء وجرَّد سيفه، فاقتحمت عن فرسي وبيدي السيف صلتا قد كسرت جفنه،
والله يعلم أني أريد الموت دونه، وهو ينظر إليَّ لا يعرفني حيث لم يبد إلا عيناي، وأخذ العباس بلجام البغلة وأخذت بالجانب الآخر،
فقال: "من هذا؟" فقال العباس: أخوك
وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارض عنه أي رسول الله. قال:" قد فعلت، فاغفر الله له كل عداوة عادانيها"،
ثم التفت إليَّ فقال: "أخي لعمري"،
ثم أمر العباس فقال: "ناد يا أصحاب السمرة "(أي شجرة الرضوان) يا للمهاجرين، يا
للأنصار، فأجابوا، لبيك داعي الله، وكروا كرة رجل واحد، قد حطموا الجفون وشرعوا
الرماح وخفضوا عوالي الأسنة وأرقلوا
إرقال الفحول، يؤمون الصوت صائحين، يا لبيك يا لبيك،
حتى أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم رسول الله في نحور القوم ما
يألوا ما تقدم، فما قامت لهم قائمة وتفرقوا في كل وجه"، وذكر ابن عبد البر،
بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: مر علينا أبو سفيان بن الحارث فقال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم :"هلمي يا عائشة حتى أريك ابن عمي الشاعر الذي كان يهجوني،
أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه، لا يجاوز طرفه شراك نعله"،
فقد روي أنه رضي الله عنه ظل لا يرفع رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حياء
منه حتى مات، ولما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بكى عليه كثيرا
ورثاه بقصيدة مؤثرة موضحة في كتب السيرة، ولما حضرته رضي الله عنه منيته، بكى
عليه أهله فقال لهم: لا تبكوا عليّ، فما تنطفت بخطيئة
منذ أسلمت، انتهت القصة أو أكثرها، فابن الحارث إبان كفره لم يكن سلبي الكفر،
بمعنى أنه لم يقف عند تكذيب ابن عمه صلوات الله عليه كما فعل كفار غيره، اكتفوا
بإعطاء ظهورهم للرسول واتجهوا منكبين على أصنامهم، أما هو فقد جسَّم كفره بلسانه
وسيفه يظلمان معه على امتداد عشرين عاما قضاها خصيما
لمن هو عند الله أكرم الخليقة حتى نذر دمه، ومع هذا كله وَجد عند الله الترحاب
في أوسع رحاب لما فرَّ إليه من كفره {قُلْ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}،
فما عذر الكافر إذا بقي بعد ذلك على كفره والعاصي إذا بقي على معصيته، وثاني ما
في قصة ابن الحارث أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع إسلام ابن عمه في بوتقة
امتحان الإيمان، ابتداء من الإعراض عنه أول ما لقيه إلى أن احمر جمر يوم حنين،
فأثبت رضي الله عنه أن الإسلام ألبسه حلة العزة لما قال يومها عن الرسول: والله
يعلم أني أريد الموت دونه، وعندئذ فاز بأعلى وسام يوضع على صدور الأعزة على
الكافرين، ساعة أن قال له القائد صلوات الله عليه: "أخي
لعمري"، فما بال أمتنا اليوم رغبت عن التزين بهذا الوسام، ولماذا
نكس علم الجهاد وبقاعنا الغوالي في كل مكان تنادي
منقذيها؟ سؤال معلوم جوابه، في قصة الإنسان والعصيان. |
|
ومن
المؤسف أن بعض من يتصدرون المجالس والمجامع ليبلغوا عظة الله إلى عباده أن
يقدموا إليهم قول الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا
كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم}،
بصورة تفتح للشيطان بابا واسعا ليلج منه إلى نفوس من يسمعونهم، فهذا البعض
المتحدث عن هذه الآية يكتفي بتقديم بشرى لسامعيه بأن الصغائر يمحوها ترك
الكبائر، فهذا التفسير من حيث السطحية صحيح، ومن حيث فهم الكثير من مستمعيه فهو
جد شنيع، حيث يظن أنه لا عليه إذا فعل الصغيرة لأنها تغفر تلقائيا ما دام اجتنب
الكبيرة، فيندفع في معاصيه غير مميز بين الصغائر والكبائر مادام قد استثنى السبع
الموبقات وما عداها مباح لا إثم عليه في نظره، لكنه لو فهم بأن الآية الكريمة
تقرر المغفرة لما سبق من كلا الذنبين إلى يوم التوبة، وأن تحريم الصغيرة قائم
ولو بعد التوبة من الكبيرة، وأن عليه وزرها ما لم تقع منه خطأ أو جهلا أو نسيانا
وهو حريص على تركها، فيَجُبُّها ترك الكبائر وتغفر إن شاء الله، هنا يعلم أن ما
حرّم حرام بأصله وفرعه، أما إن فهم المعنى بغير ذلك أو عملت الصغيرة ولكن
فاعليها تقالُّـوها غير مبالين، وحسبوها هينة، وأمرها
عند الله عظيم فما أظنهم إلا سيزاملون صاحب الكفر
الصريح في الآخرة، فيصبح الكافر وقد تأكدت له النار يرافقه المسلم إذا ارتكب
الصغيرة باستهتار، ولدينا الوفير من أدلة قرآنية ونبوية يكفي عنها بعضها نقدمها
إليكم، ونبدأ المثال بآية تثبت الحرمة في شيء يتصور الناس أنه لا عقاب مطلقا على
فاعلها، فهي عندهم في قائمة الحلال أصغر من أن تذكرن وتلك هي الأكلة الشهية
يستلذها فيرسل منها الكثير إلى جوفه حتى يَتْخَم، يقول عز من قائل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ}، فما ذكرته الآية من أكل وشرب واضح أنه من مصدر حلال
بدليل قوله تعالى: {وكلوا}، فالله لا
يأمر بالفحشاء، ومع أنه حلال طيِّب فقد يتحول الآكل إلى مرتكب حرمة توقع العقاب
إذا أفرط في الشبع، بنص نهاية الآية، {إِنَّهُ لا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. فنفي الحب عن العبد من الله يؤدي إلى
عقابه، وشبيه بهذا التعبير قوله: {إِنَّهُ لا
يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، فأهل
العلم يقولون بأن نفي الحب يثبت البغض، ولا بغض دون أن ينال المبغض وبال أمره،
مع التفاوت في مراتب العقاب حسب الذنب وبما يقضي به الله، فمَلء البطن وهو شر
وعاء يُملأ كما ذكر صلى الله عليه وسلم صغيرة ليس لها مقياس عند الكثير من
الناس، وقصة القطة التي يستوي في نظرنا أن تموت أو تعيش، هل كان دخول المرأة النار بسببها كما أخبر صلوات الله عليه إلا باستصغار
حبسها، وهل كان عذاب صاحبي القبرين إلا باستصغار أحدهما
لقطرة بول تنزل في سرواله أو لا يستتر منها، والثاني باستصغار كلمة وشاية يحرك
بها لسانه بسهولة ابتلاع ريقه، وهل الذي أنبأ عنه المنبأ صلوات الله عليه بأنه
حرم من عافية الله إلا لأنه استصغر المجاهرة والمجانة
حيث لم تكونا من الكبائر عنده، ففي الحديث المروي عن البخاري ومسلم: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله
فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره به، ويصبح يكشف ستر الله
عنه"، والعجب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم من أمته، ومع
ذلك أخبر بأن الله أبعدهم وحرمهم من عافيته {قَالَ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} والآن
أصبح أمر المجاهرة والمجون شيئا لا يفعل فقط على أنه صغير ليس بخطير، وإنما أصبح
يباهى به ويفاخر، لقد حدث في صدر الإسلام أن البعض ظن عدم المانع من مقارفة بعض الذنوب ما دامت دعائم الإيمان راسخة عنده، فنزلت
الآية تصحح خطأ الفهم وضرر ما ظنُّوه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا
أَعْمَالَكُمْ}، فالنداء الإلهي أضفى عليهم صفة الإيمان فعلا، ولكنه
حذرهم من عدم الطاعة في الصغيرة أو الكبيرة، وإلا
بطلت أعمالهم وسلبت صفة الإيمان منهم، لقد كان مجرد رفع الصوت على صوت النبي صلى
الله عليه وسلم ولو بقليل، وهو ليس في قائمة الكبائر {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ} أيَّ
رفع، بل والتحدث إليه بالمستوى الذي يتحدث به الناس إلى بعضهم {وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْض}، إذا وقع الأمران أو أحدهما يقع
معه إحباط العمل كله، حيث لم تستثن الآية منه شيئا لما قال سبحانه: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}
أي وأنتم لا تشعرون بأن أعمالكم الصالحة قد حبطت وبذنب ظننتموه
صغيرا، فيا للداهية، التي تقع اليوم أمام صاحب الحجرة المهاب صلوات الله عليه من
صياح وصراخ يسمع من أقاصي المدينة يقود هذا الصراخ نعيق (المزورين) بكلام طويل
لا ندري من أين أتوا به من كتبوه، يردده وراءهم المئات من الجهلة الأغرار أمام
قبر سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم، وقد التصقت جسوم
الرجال بلحوم النساء في غير أدب ولا حياء، لا من الله ولا من رسوله الثاوي في
حجرته المطهرة، إذا أقول بلا تحرج ولست أهلا للفتوى: إن هؤلاء الذين (زوَّروا
وزُوِّروا) قد حبطت أعمالهم وهم لا يشعرون أو يشعرون، وما أظن الذين يسكتون عنهم
بمنجى من سؤال الله يوما، لهذا كله كان على مستصغر الصغيرة أن يخشى على نفسه
التردي من حيث لا يدري، فالحريق الكبير من شرر صغير كما يقولون، ويقابل مستصغر
السيئة مستصغر الحسنة، فكما أهلكت الأولى فاعلها أنجت الثانية مؤديها، فلعقات ماء بلسان كلب رد بها ظمأه رد الله بها ساقيه أو
ساقيته عن الإدراك في الهاوية، ونصف التمرة التي تستصغر حجمها وقدرها وإذا أكلت
لا تشبع ولا تقنع، هي في حساب الصدقة عند الله تتضخم حتى تسد جميع الأبواب
السبعة لجهنم، وما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم هذين المثالين إلا لننسج على
المنوال ونتشح بنفس السربال، فلا نستصغر شرا ولا
تستقل خيرا، فهو القائل سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ
عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ}. |
|
كنت
في بلد ما، ووجه إليّ أحد الضالين سؤالا فقال: لِمَ يعذب الله الناس بذنوبهم وهو
الذي شاء لهم أن يفعلوها، وكنت أعلم أن هذا السؤال هو الذي اختاروه ليجروا به
البسطاء إلى الشك في عدل الله، وبالتالي يسلبونهم ما لديهم من إيمان، وكنت أعلم
أيضا أنه ما سأل ليعلم، وإنما في اعتقاده ليماري ويفحم، ومع ذلك رجوت أن أشده من
حفرته، ويكون هو الصيد من حيث أراد أن يصيد، لكنه ما لبث أن سمع بداية الجواب
تحمل بعض الأدلة حتى رأيته يتلفت حوله كمن خاف شيئا، ثم يستأذن حتى لا يسمع بقية
الجواب وأسرع مختفيا في زحام الشارع، واليوم رأيت من الضروري أن أكمل الجواب بعد
أن تردد هذا السؤال على ألسنة البعض، ونعيد سؤال الذي هرب حتى لا يؤمن، لم يعذب
الله الناس بذنوبهم وهو الذي شاء لهم أن يفعلوها؟، ونقول إن هذا ومن على شاكلته
ممن تاه في عماه يظن أنه أتي بجديد من نضح ضلاله، فقد جهل بأننا علمنا من الله
ما لم يعمل، وأن من نوعه من سيظل يتخرص بذلك على طول
الدنيا، فليسمع إذا هذه الآية: {سَيَقُولُ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا
حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى
ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ
تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ}،
وليسمع الثانية: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا
آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ} وليسمع الثالثة {وَقَالُوا
لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ
هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ}، فالآيات في مجموعها هوت بقبضة الحجة البالغة
على رؤوس هؤلاء الفسقة فأجهزت على إفكهم، فهم في
الآيات الثلاث أرادوا التنصل من عاقبة إجرامهم وظنوا أن كلمة المشيئة درع وقاية
لبغيهم، ذلك لأهم لم يعرفوا عنها إلا أنهم يخرصون بغير علم كما سمعنا الآن من
القرآن، فحقيقة المشيئة جهلوها لما لم يعلموا أنهم أيضا لهم مشيئة وضعت فيهم
يسألون عنها، يأخذون بها من الأمر ما يشاءون ويتجهون بها نحو الطيب أو نحو الرديء
كما يريدون فلا قهر ولا جبر {لا إِكْرَاهَ فِي
الدِّينِ} {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}
فهو سبحانه وضع من مشيئته العظمى في الإنسان جزءا من المشيئة تكفيه، يفصل بها
بين المحبوب الذي يفيد والمكروه الذي يؤذي، بعد أن جعله أعرف خلقه على الأرض لما
يُحب ولما يُكره، وأظهر له بالحس واللمس الغي من الرشد، ثم ذكره بهذه المشيئة
التي وضعها فيه وقدمها بلفظها في القرآن ليستعملها طائعا
غير مكره، فقط له أو عليه عاقبة ما شاء {وَقُلِ
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر}،
فإن شاء الإيمان فله نعمه، وإن شاء الكفر فعليه خسرُه، ثم أعاد ذكرها مرات،
وكررها ليقررها، حتى لا يقول الفاسق إنه سيق أو أرغم فكيف يعاقب على شيء إليه
{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى
رَبِّهِ سَبِيلاً} {إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ نَذِيراً لِلْبَشَرِ ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}، فإن كانت مشيئته التقدم سلِم، وإن كانت
التأخر ندِم، ولهذا جاء بعد ذكر المشيئة قوله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، ما دام الذي شاءوه
كان اختيارا منهم وطواعية، لكن لكيلا يظن الإنسان وهو الكفور الغرور، أن مشيئته
انفصلت عن المُشِيء الأعلى سبحانه، وليعلمه أنه
المهيمن على ملكوته بالغيب والشهادة، ردّ الإنسان بمشيئته الصغيرة التي أعطاها
له ليسأل بها عن عمله إلى مشيئته العليا العادلة المنظَّمة، فقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}، عليما بأعمالكم تجاهها، حكيما فيما يقضي
بنتائجها، فإذا ذهب الإنسان ولم يستعمل حرية التصرف التي أعطيت له وكان هو
البادئ بطلب الشر راضيا، أفلا يكون له من نوع ما طلب ورضي؟، إن الواحد منهم يقبل
عقاب حاكمه الدنيوي إذا خالف أمرا ظالما له، ولا يرضى بحكم المنزه عن الظلم إذا
خالف أمره، فلا مصلحة له سبحانه في أن يظلم، وإنما جعل عاقبة الذي أساء السوأى
بما سبق أن قدم واختار، فهو الذي اختار ولاية الشيطان وهو يعلم عداوته {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ
لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}، وهو الذي اختار صحبة من أضله {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي}، وهو الذي اختار
لنفسه أن تضر نفسه {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي
نَفْسِي}، وهو الذي اختار لها أن تزيغ {فَلَمَّا
زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، فهؤلاء إذا أبسلوا بما كسبوا،
وعوقبوا بما بدأوا به ورضوا فلم يضطروا ولم يقهروا، أفيكونون قد ظُلموا من أحكم الحاكمين؟، أم أن أمرهم كما قال
سبحانه عنهم: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ
كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}، فظلمهم الذي سبق بالمضي بالفعل (كان)،
والمؤكد بالضمير وقوعه ومضيه معا، نفى بالقطع ظلم الله لهم لما جزاهم بسوء ما
قدموا {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ
الظَّالِمِينَ}، فلم يستعملوا مشيئة الخير الكامنة في أماكن التعقل
الثلاثة، القلب والعين والأذن، فأبطلوا استعمالها بما قال عنهم ربهم: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا
يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا}، لقد
استعملها ابن الزبعرى السابق الذكر فاهتدى، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً}، لما
قال بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم: "وذكرت ما كنت فيه من الضلالة، واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له لا يدري من
يعبده ومن لا يعبده"، واستعمل حواس التعقل هذه ضال آخر فاهتدى أيضا، نحكي
من أمره بقدر الناسبة، يقول الطفيل بن عمرو الدوسي، قدمت مكة قبل أن يصدع الرسول صلى الله عليه وسلم
بأمر ربه، فمشى إليّ رجال من قريش فقالوا لي: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي
بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا،
قال: فوالله مازالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا،
حتى حشوت في أذني كرسفا _ أي قطنا _ فغدوت فإذا رسول
الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض
قوله فسمعت كلاما حسنا، فقلت: واثُكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى
عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما
يقول حسنا قبلت وإن كان قبيحا تركت، فمكثت حتى أتى عليه الصلاة والسلام بيته
فتبعته، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله
ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف، حتى لا
أسمع قولك، فأبى الله إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا
حسنا، فاعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا
عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت
وشهدت شهادة الحق، فلما رجعت إلى قومي أتاني أبي فقلت: إليك عني يا أبت فلست مني
ولست منك، قال: ولم يا بنيّ؟ قلت: قد أسلمت وتابعت محمدا، قال: يا بني فديني دينك، فقلت: فاذهب فاغتسل
وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، ثم أتتني امرأتي فقلت لها: إليك عني فلست منك
ولست مني، قالت: لم؟ قلت: فرَّق بيني وبينك الإسلام، فقد تابعت
محمدا عليه الصلاة والسلام، قالت: فديني دينك، فقلت لها ما قلت لأبي، ثم دعوت
قوم دوس إلى الإسلام فأسلم منهم ثمانون بيتا"، والقصة على روعتها لا نأخذ
منها إلا قوله الطفيل: "واثكل أماه، والله إني
لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن والقبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما
يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت"، فهو رضي الله عنه
استعمل حواس التعقل فيه فشاء لنفسه أن يزكيها، وقد أفلح من تزكى، فهل يبقى هذا
السؤال من الزائغين: لماذا يعذب الله أصحاب الذنوب وقد شاء لهم أن يفعلوها؟ لقد
أجبت بما استطعت، وسيبقى سؤالهم حتى يحيق بهم قول الله فيهم {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ}،
ذلك لأنها قصة الإنسان مع ربه، لما قابل الإحسان بالعصيان. |
|
قلنا فيما سبق
إننا لا نفرِّق بين الكبائر الكافر وصغائره، فهو بكله أصبح جيفة نتنة، فلم يعد
يصله بخالقه شيء حيث انقطع وانفصل، وليس لهذا النوع
من الإنسان إلا أن ينالهم نصيبهم من الكتاب في هذه الدنيا، وعند لقاء ربهم يردُّون
إلى أشدِّ العذاب بما ليس لهم منه فواق، أما المسلم وقد دخل مع الله في عهد يوم
أسلم، فقد صار ملتزما بأوامر ونواهي محددة أخذ نفسه بها فيمسي منذ هذه اللحظة له
صغائر وكبائر يعامل تلقاءها، أما الصغائر فقد سبق
حديثنا عنها، وعن الكبائر الآن نتحدث، فنقول إنها نوعان، نوع يكفي فيه صحة
التوبة وصدق الأوبة فتغفر برحمة من الله وفضل، كالغيبة والكذب وعقوق الوالدين
وقطع الرحم وشبه ذلك، ونوع تتحتم فيه الحدود ولا يمحى أثره إلا بها، والنوعان
موضحان في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ
كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِش} فكبائر الإثم عامة، والفواحش منها
موجبات الحدود، والثاني هو ما أريده لأنهي به حديثي إن شاء الله، لأنه إذا لم
يؤد ما في الآية من الاجتناب لكليهما فيتم في الأول حكم الله كما يريد ويقام في
الثاني حدود الله كما أراد، ويكون ذلك في كل مجتمع ألزم نفسه بالإسلام، ورضي
بالحد ليصلح به في أرض الإسلام ما اختل، ويطهر المجتمع الفاضل من كل منحل، فإذا
ما اختل الأمن بقاتل أو سارق بانت الرأس وانفصلت اليد، فعاد الأمن إلى رؤوس
الملايين ببضعة رؤوس قطعت، واطمأنت نفوس برزقها الذي في حرزها ببضعة أيد فصلت،
وإذا ما خيف على العرض من فاسق لاط أو نال من إحصان،
فيباد جرثوم الفسق ليبقى الارتباط الأخوي والاطمئنان
الأسري نسبا وصهرا، ومن تدنأ بزنية أو قذفة أو خمرة فظهره والحبل اللادغ ليذوق حرقه ما فعل، فيمتنع من كان يريد أن يفعل،
خاصة وقد شهده الناس عند إقامة الحد فأحس بأنه فضح بما هو أشد من الجلد، وهكذا
كان لنا في الحدود وفي القصاص حياة نعيش فيها سالمين آمنين مِنَّة من الله لأهل
دينه، فلا يقلقهم دعيّ إسلام يعكر عليهم صفوهم وينقل مرضه إلى صحتهم، وهكذا كانت
العصا لمن عصا، وكثيرا ما كانت العصا ترياقا لمرضى كثيرين، فيصبح أمرهم كصاحب
الداء يشكر بعد شقائه من سقاه الدواء المر، فيعيش مع مجتمعه الإسلامي ناعم البال
ثم له عند الله حسن المآل، والآن تعطلت حدود الله في أمتنا الإسلامية فملأ
المجرمون السجون، ثم يخرج منها القاتل ليقتل، وطلق سراح السارق ليسرق، لأن الرأس
التي قتلت لم تقطع فبقيت لتقتل، ولأن اليد التي سرقت ما زال فيها أصابعها
لتستأنف السلب من الجيب، وهكذا أمر المجرمين يتمنون أن يظلوا مساجين، ألم يهيأ
لهم المأكل والمسكن والملبس فوجدوا في السجن كافة مقومات الحياة بلا مقابل، وسط
أزمة اقتصادية خنقت من هم خارج السجن، فانتشر الإجرام وكثرت السرقات والاختلاسات
حتى من أموال الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله، وعم الانحلال من النساء
والرجال، وأصبح أهل الفضيلة غرباء في حيرة لا يدرون كيف يبقون على قيَّمهم، فليهنأ
المجرمون بقوانين تدليل المجرمين والتي هدفها تحقير أهل الدين، ولقد رأيت في بعض
البلاد يجمع في حي واحد المسجد والكنيسة والدعارة والخمارة، وتمتلئ الثلاثة
الأخيرة بقصادها ويبقى المسجد يندر من يلجه، لو قدر لبنائه أن يتحرك لغادر مكان التحقير والإهانة،
فلو نفذ حكم الله في تارك الصلاة لعظم المسجد وعادت إليه هيبته، ألم يجمع
العلماء على أن يستتاب تارك الصلاة ثلاثا ثم يقتل حدا أو كفرا إن أصر على تركها
ما دام قد دخل مع الله في عهد الإسلام، إنه لمن الصعب بما يدمي القلب أن نرى حتى
في بلدي الحرمين المعظمين أثناء الصلاة بعض الناس يغدون ويروحون، وجموع السيارات
والدراجات بأصواتها وأبواقها المزعجة تملأ الطرقات، وكأننا في مكان عادي ليس فيه
كعبة ولا رسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم. |
|
والآن نسأل من يحكمون بغير حكم الله، هل بلغكم قول الله فيكم
بثلاث آيات متعاقبات، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، كفر وظلم وفسق،
فماذا بقي؟ فهل هذا الكلام نسخ أم نسي؟ أم أنه الإنسان والعصيان. |
|
فيا أيها
الإنسان، ما غرك بربك الكريم، ألأنه أكرمك، أم لأنه
سواك فعدلك، حتى بعد أن أبيت ونأيت، لا زال يمهلك، ويدعوك عسى أن تفيق وتجيب،
فعجل ولا تؤجل قبل أن تجتاحك الأيام. |
|
يروي البخاري
عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوما فقال:
رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة فأدلجوا
على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبَّحهم الجيش فاجتاحهم"، فهل قبل
فوات الأوان نجيب للنذير العريان؟ أرجو لي ولكم ذلك، ومعيننا هو الله وحده،
ونختم بأبيات معدودة مرتبطة بالموضوع تحكى قصة أحد العصاة،
وهي: |
|
همس العليل وقال أكتب مابي |
فلقد أضعت العمر بعد سراب |
|
بدأت ذنوبي مذ بدأت شبابي |
لما نسيت نهايتي وحسابي |
|
وأقول للنصاح دعكم إنني |
ما زلت لم أقطف زهور شبابي |
|
فإذا بلغت الأربعين وعندها |
سأتوب من ذنبي بخير
متاب. |
|
سأتوب عن ترك الصلاة وأصحَبْن |
أهل الهداية من ذوي المحراب |
|
وأتوب عن فحش الزنا وكذاك عن |
شرب الخمور فلن تكون شرابي |
|
وعن الوشاية حيث صارت بغيتي |
فبها أزاول فرقة الأحباب |
|
وكذاك عند الأربعين أكف عن |
ما كنت أسرق من وراء الباب |
|
فإذا شبعت من المجون فأرعوي |
وأكون توَّا من أولي الألباب |
|
وأعف عن فعل الفواحش كلها |
وأفوز بالفردوس دون حساب |
|
حتى إذا ما جاء ليل عابس |
فيه بداية شقوقي وعذابي |
|
مرض عضال عم كل جوارحي |
أعيا الأساة فلم يزيلوا ماب. |
|
فكما تراني هامدا في مضجعي |
والفقر ألصق راحتي بتراب |
|
كيف الركوع وأعظمي لا تنثني |
أو كيف رد الحق والأسلاب |
|
فالداء جاء ولم أزل في سكرتي |
فبما يكون العذر يوم مآبي |
|
أجَّلت يوم التوب حتى إنني |
من جرأتي حددت نوع ثوابي |
|
وأمنت مكر الله لما جرني |
عوج الشباب إلى افتقاد صوابي |
|
ما زال سن الأربعين بعيدة |
والقبر محفور وحان عقابي |
|
قل للذي سمع الرزية يستفد |
منها فهذي عبرة الأحقاب |
|
فرطت في جنب الإله وعزني |
إبليس ثم غواية
الأصحاب. |
|
فأجبت يا حزني عليك فلم يعد |
نصح يفيد ولا حديث عتاب |
|
خلت الليالي أسلمتك زمامها |
فإذا الخيال خيال عقل مصاب |
|
منك الكثير دعته أصوات الهوى |
فإذا هوى فيقول من أغرى
بي. |
|
فهل الإله هو الظلوم أم الذي |
فعل المظالم كلها متغابي |
|
أفلا يكون العدل سوء جزائه |
وجزاء أهل العقل حسن
مآب. |
|
يا رب نرجو مطلبا هو غاية |
لجميعنا من شيبنا وشباب |
|
أن تحسن العقبى إذا لاقيتنا |
فإذا أجبت فذاك خير جواب |