طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

ملامح المجتمع الإسلامي

لفضيلة الشيخ محمد السيد الوكيل

 

 

تمهيد: لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم  والناس فوضى متفرقون، لا تكاد تجد شخصين يلتقيان على كلمة سواء، ولا زوجين يسيران في اتجاه واحد، قبائل متناحرة، وبيوت ممزقة وأسر متفرقة.

مجتمع مهلهل في عقيدته، مشتت في أوضاعه ووجهته، واصدق تعبير عن هذا التمزق قول شوقي:

 

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم
.

 

إلا على صنم قد هام في صنم
.

 

بعث النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وهذه حال العرب، بل حال الدنيا كلها، فكانت مهمته _ صلى الله عليه وسلم _ جمع الشتاة، ولَمِ الشمل، ولهذا جاء _ صلى الله عليه وسلم _ بالتوحيد، توحيد العقيدة وتوحيد الوسائل وتوحيد الغاية.

هذا التوحيد الشامل لكل نواحي الحياة المختلفة، هو الغاية العظمى التي من أجلها بعث رسول الله، فقامت أمته على التوحيد، حتى كان التوحيد أساس عقيدتها، وواضع نظمها وثقافتها وروح منهاجها وطريقتها ومنطلق وسائلها وغايتها.

لم يكن هناك شيء يجمع هذه الأشلاء الممزقة إلا التوحيد، حيث عجزت هذه الأمة أن تلتقي على شيء فشلت عروبتها في جمعها، كما عجزت آلهتها عن لَمِ شملها، وبالتالي عجزت صرخات الحنفاء من أبنائها الذين نادوا بالتحذير وحاولوا تبصيرها بعاقبة أمرها.

لقد عجزت كل الوسائل، ولم يبق إلا التوحيد بمعناه الشامل الواسع الذي ذكرته سابقا. ولقد شاء الله _ سبحانه لهذه الأمة أن تكون خاتمة الأمم، كما شاء لرسالتها أن تكون للناس كافة، فهي ليست دعوة إقليمية، ولا هي دعوة شعوبية، بل هي للأمم عامة وللناس كافة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}[1] .

فكان لا بد لهذه الأمة المصطفاة، التي كتب لها أن تبقى لتشهد مصرع الحياة، كان لا بد لهذه الأمة من ملامح تميزها عن غيرها من الأمم التي ستعاصرها في تلك الحقبة من الزمان، فكانت تلك الملامح مجتمعة في التوحيد: وحدة العقيدة، وحدة الوسائل، ووحدة الغاية.

 

1_ وحدة العقيدة:

العقيدة أهم الوسائل توحيد الأمة، لأن الأمة إذا كانت موزعة العقيدة متفرقة الدين تتخطفها آلهة شتى، ويتنازعها أرباب متفرقون، كانت أمة مبعثرة الاتجاه، ممزقة الشريعة ضالة الغاية.

فتوحيد العقيدة يتجه أولا إلى توحيد الله _ عز وجل _ إذ يقتضي التوحيد أن يكون إلها واحدا، وأن يكون هو ربها الذي تدين له بالربوبية، وهو سبحانه معبودها الذي تعنو له جباهها.

وتوحيد العقيدة يقتضي صرف العبادة بأنواعها المختلفة إلى ذلك الإله الواحد، فيكون توكلها عليه، ورجاؤها فيه، وخوفها منه، ومحبتها له، كما يكون نذرها وذبحها، واستغاثتها واستعانتها، ودعاؤها وأملها، كل ذلك يكون لذلك الإله الواحد _ جل وعلا _.

وإن أول تفرق الأمة وتمزقها، يأتيها من تفرق عقيدتها، فدعاء الناس مخلوقا لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا هو أول أبواب الشر الكثيرة التي تفتح عليهم وخوفهم من المخلوقين وتوقع الضر والنفع منهم هو أعظم البلاء الذي ينزل بهم، وتوكلهم على ذوي الجاه والمناصب واعتقادهم بأنهم هم الذين يسيِّرون الأمور، ويدفعون الشرور، هو أكبر المخاطر التي تحيق بهم.

فإذا تحقق التوحيد _ بهذا المعنى _ في القلوب، وسيطر على النفوس، غير مجرى الحياة كلها، فترى الناس يستمدون قوتهم من الله الواحد، ويستلهمون خطتهم من الإله الواحد، تطمئن قلوبهم إلى نصره، وتطمع نفوسهم في تأييده، وتمتد إليه سبحانه أيديهم بالسؤال، لأنه وحده الذي يملك الإجابة وتعنو جباههم له بالعبادة، لأنه الواحد الذي يستحق العبادة، وتطأطئ رؤوسهم لعظمته، لأنه الواحد المتفرد بالعظمة، وتنحني هاماتهم خضوعا لجلاله، لأنه وحده ذو الجلال والإكرام وتنقطع آمالهم إلا من كرمه لأن خزائنه سحاء الليل والنهار، وتخضع أعناقهم لحكمه، لأنه _ جل شأنه _ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

فهو _ جل جلاله _ الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

إن عقيدة التوحيد تجمع القلوب المتفرقة، وتمد الضعفاء بقوة فوق قوة البشر وتجعل الأمة المبعثرة الممزقة وحدة ترهب الأعداء، وتحقق الآمال، وتنشر العزة بين الصفوف فيواجهون الشدائد بعزة المؤمنين، ويتغلبون على الصعوبات بقوة اليقين بنصر الله.

تلك هي اللمحة الأولى من ملامح المجتمع الإسلامي وهي اللمحة الأهم التي ركز عليها الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ منذ بعثته حتى انتقل إلى جوار ربه.

 

2_ وحدة الوسيلة:

إذا كانت وحدة العقيدة هي اللمحة الأولى للمجتمع فإن وحدة الوسيلة من أهم أسباب وحدة الأمة لأن الوسائل هي الطرق المؤديَّة إلى الغاية.

والغاية في الإسلام هي إرضاء الله _ عز وجل _ بطاعته فيما أمر ونهى وإخلاص العبادة له وحده دون سواه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}[2] .

ولقد شرع الإسلام الوسائل التي تتضمن توجيه الناس إلى الغاية التي خلقوا لها حيث شرع العبادات، وكلَّف بها الجميع على السواء، وهي علاوة على كونها عبادة لله _ عز وجل _ فإنها وسائل تجمع الأمة، وتخط لها طريقا سويا، تسير فيه على هدى وبصيرة حتى تصل إلى غايتها.

والوسائل في الإسلام يجب أن تكون شريفة كشرف الغاية التي تريد الوصول إليها، والإسلام يرفض القاعدة التي اختطها بعض الناس، ورسموا على أساسها منهج حياتهم، وهي (الغاية تبرر الوسيلة) يرفض الإسلام تلك القاعدة، لأن الغاية التي يعمل لها نظيفة وشريفة ولا يمكن الوصول إليها إلا بالوسائل النظيفة الشريفة.

فمهما كانت عظمة الغاية، ومهما كانت حاجة الإنسان إليها، فإن ذلك لا يبرر مطلقا الوصول إليها بوسائل غير مشروعة، لأن الوسائل غير المشروعة، لا توصل إلا إلى غايات غير مشروعة.

فإذا كنت تريد جمع المال الحلال، فإنه لا يمكنك الوصول إليه بطريق الربا، أو الاحتكار أو الرشوة أو القمار.

وإذا كانت غايتك أن تعف نفسك، فلا يمكنك ذلك عن طريق الزنا أو اللواط. وإذا أردت أن تكون شجاعا، فلا يتأتى ذلك بالاعتداء على الناس، وظلم الضعفاء. وفرق واضح بين أولئك الذين يتحرون الحلال في المكسب والمطعم والمشرب، وبين أولئك الذين يريدون جمع المال، ولا يهمهم كيفية الحصول عليه، وبين أولئك الذين يريدون إعفاف أنفسهم، وبين الذين لا هم لهم إلا إشباع رغباتهم، وبين الشجاع الأبي وبين المعتدي الأثيم.

الفرق واضح بلا شك، لأن الغاية الشريفة تأبى أن تٌنال بوسائل خسيسة لهذا فإننا نرفض تلك القاعدة، ونرفض أن تكون منهاج حياتنا، ولهذا أيضا كانت وسائل سامية، تدعو إلى مثل وفضائل عالية، وهي تجتمع كلها في العبادات.

 

كيف تحقق الوسائل أهدافها؟

سنرى فيما يأتي كيف تحقق هذه الوسائل أهدافها ولنبدأ بالصلاة:

الصلاة: فالصلاة تجمع المسلمين في الحي كل يوم خمس مرات، وفي كل أسبوع مرة على صعيد القرية أو المدينة في صلاة الجمعة، ثم في كل عام مرتين في صلاة العيدين على صعيد المدينة.

ولا يجوز لمسلم يسمع النداء، وهو غير معذور، ثم يصلي في بيته، وهذه الصلاة تكون في جماعة ليجتمع المسلمون فتزيد قوتهم، وتقوى روابط المحبة والمودة بينهم.

الصيام: وهو فريضة جماعية من حيث زمانه، فلا يجوز لمسلم أن يصوم شهر شعبان بدلا من شهر رمضان، وفترة الصيام محدودة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك هو عين المعنى الجماعي الذي ينشد الإسلام.

الزكاة: تجمعها الدولة من كافة الموسرين المسلمين الأغنياء يحسون بحاجة إخوانهم الفقراء، فيبذلون من أموالهم، فتتوطد علاقات المحبة، والمودة بين أفراد الشعب، فيعيشون كالجسد الواحد.

ثم الحج: وهو فريضة يظهر فيها الجانب الجماعي واضحا، فالمسلمون يلتقون في يوم واحد، وليس لمسلم إن يتقدمه أو يتأخر عنه، ثم هم يلبسون زيا واحدا، ويؤدون أعمالا جماعية، واجتماع المسلمين في يوم واحد، ومكان واحد، وقيامهم بأعمال واحدة كل ذلك ينمي فيهم الروح الجماعية التي جاء من أجلها الإسلام.

ومن هذا العرض السريع نتبين أن العبادات التي فرضها الله _ تعالى _ على المسلمين، كلها وسائل تجميع للأمة تربي فيهم حب الجماعة، وتنمي فيهم الروح الجماعية.

فالإسلام إذن هو دين التوحيد الخالص، دعا إليه في العقيدة، ورسمه في الوسائل وفرضه على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتلك هي اللمحة الثانية من ملامح المجتمع الإسلامي فالمجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يعيش بعقيدة التوحيد، ويتوصل إلى غايته بوسائل واحدة.

وهناك لمحة ثالثة موعدنا معها العدد القادم.

 

 

 



[1] سورة سبأ الآية (28).

[2] الذاريات : 56.