طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مفهوم الجرجاني للإعجاز القرآني

لفضيلة الدكتور أحمد جمال العمري

الأستاذ المساعد بكلية الدعوة

 

 

يُعد عبد القاهر الجرجاني[1] المتوفى سنة 471هـ حد العلماء القلائل الذين فهموا الإعجاز القرآني فهما خاصا، وتناولوا إبراز وجوهه تناولا دقيقا. استنادا إلى بلاغته، ودقة نظمه، وتآليف كلامه.. لذلك فإن بحوثه حول هذا الإعجاز، وإثارة القضايا المنطقية، ومناقشتها مناقشة تحليلية استدلالية لتبيين تفاوت النتاج الأدبي للعرب، بين الغث والسمين، بخلاف ما عليه القرآن الكريم، الذي يخلو من كل ما يعيبه.

ألفّ الجرجاني في إعجاز القرآن مؤلفَيْن.. كتابا ورسالة..

أما الكتاب فهو "دلائل الإعجاز[2] " وأما الرسالة فقد سماها "الرسالة الشافية" ختم بها بحثه الأصيل.. العميق.

ومن الطبيعي أن يكون تأليف هذه الرسالة في مرحلة تالية. يدفعنا إلى القول بهذا الرأي عدة أمور:

أولها: التسلسل الفكري والموضوعي للبحث في إعجاز القرآن كما وضح من المؤلَّفَيْن.

وثانيها: أنه في مصنفه دلائل الإعجاز أبرز وجوه الإعجاز القرآني فقط.

ثم كان عليه أن يؤكد وقوع الإعجاز ذاته، وإثباته بالبراهين والأدلة، فألف هذه الرسالة العلمية، لتكون شافية كافية بتوضيح ما قصد إليه، لذلك اشتق اسمها من مضمونها ومقصودها، وجاءت الرسالة مكملة لما بدأه في كتابه[3].

وثالثها: ما تمتاز به هذه الرسالة من التركيز والتكثيف لبعض الموضوعات التي طرقها وتحدث عنها مسبقا في كتابه، فهي عمل علمي متمم "لدلائل الإعجاز" حتى ليمكن القول: أن الرسالة الشافية وحدها لا تعكس مفهومه للإعجاز القرآني مباشرة إلاّ بعد الإطلاع على كتابه.. وإن الكتاب لا يمكن الاستغناء به - في فهم الإعجاز القرآني - عن الرسالة، فكلاهما عمل علمي يكمّل بعضه بعضا.

لقد وضح لنا من تتبع الجرجاني بين ثنايا مُؤَلَّفَيْه أنه أحد العلماء النابهين الذين فهموا الإعجاز القرآني فهما خاصا، وكرسوا حياتهم لدراسته، حيث صوّر هذا الإعجاز تصويرا دقيقا، ينمّ عن ملكة حساسة، وعقلية نفاذة، فأوضح معالمه، وأبرز دقائقه، بأسلوب تحليلي أدبي، يتسم بالعمق والدقة والموضوعية معا. ومن هنا اعترف الباحثون المُحْدَثُون بأن بحوثه حول الإعجاز القرآني تُعدّ انتقالا كبيرا في التفكير والبحث، وكشفا دقيقا لأسرار هذا الإعجاز.

لقد ركز الجرجاني في بحوثه على موضوع "النظم" وجعله المحور الأساسي الذي يدور حوله كل موضوع، وينتهي إليه كل طريق، لذلك كان النظم - من وجهة نظره - هو الوجه الوحيد المشرق للإعجاز القرآني.. أما بقية الأوجه التي توصل إليها الباحثون والعلماء السابقون، وسجّلوها في مصنفاتهم ورسائلهم فلم يعرها التفاتا، ولم يعطها اهتماما.

مهَّد الجرجاني لإثبات وجهة نظره هذه بمقدمة هامة، جعلها فاتحة كتابه "دلائل الإعجاز" بيّن فيها أولا ماهية النظم وحقيقته، ثم كيف يحصل، وما هي أسبابه وروابطه.. فيقول:

 "معلوم أن ليس النظم إلاّ تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب بعض". ثم يفصح عن مضمون معنى الكلم بقوله: "والكلم ما هو إلا اسم وفعل وحرف. وللارتباط بين هذه الأقسام الثلاثة طرق معلومة لا تعدو ثلاثة أحوال.. تعلق اسم باسم، واسم بفعل، وتعلق حرف بهما"[4].

ثم ينتقل الجرجاني بعد ذلك إلى توضيح هذه الأحوال الثلاثة، فيقدم لنا مجموعة من الشواهد لكل منها، ويستعرض بعض الآثار الأدبية التي توضح مقصوده، وتبيّن مفهومه لمعنى الكلم .. وهو يرمي من وراء هذا كله إلى توضيح الفكرة التي توصل إليها وهي ((أن تأليف الكلام ونظمه لا يتعدى هذه الأحوال الثلاثة، سواء كان هذا الكلام وحيا أو كلام بشر)).

إن الجرجاني يهدف من هذا التقرير أن يثير انتباه القارئين.. إنه يضع أمام الأذهان قضية، يحيط بها مجموعة من التساؤلات، ليشرع بعد ذلك في الإجابة عليها.. لذلك نسمعه يقول:

"وإذا كان ذلك كذلك، فما جوابنا لخصم يقول: إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلق التي هي محصول النظم موجودة على حقائقها وعلى الصحة، وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها، وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا يختلف بها الحال، إذ لا يكون للاسم بكونه خبرا لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالا لذي حال، أو فاعلا أو مفعولا لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر..

فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية، وباهر الفضل، والعجيب من الوصف حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقدر، وقيد الخواطر، والفكر حتى خرست الشقاشق[5] ، وعدم نطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يبِنْ بيان، ولم يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، ولم يمض له حد، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذا أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم من سؤاله، نرده عن ضلاله وأن نطلب لدائه ونزيل الفساد عن رائه[6].

وهنا يتصدى الجرجاني للرد على هذه التساؤلات جميعها، مستخدما الأسلوب المنطقي التحليلي، مستعرضا الكثير من الموضوعات اللغوية والبلاغية والمقارنات الأدبية، ليصل من وراء ذلك جميعه إلى غايته .. فنراه يتحدث عن المقصود من النظم، وأنه ليس تأليف الألفاظ، أو تنظيم مخارج الحروف .. وإنما النظم – في مفهومه – يخضع لقواعد وأصول يجب أن يراعها الناظم في نظمه، ليصل إلى قمة الجمال والروعة.

وبعد أن يؤكد الجرجاني على هذا الجانب في أكثر من موضع من "دلائل الإعجاز" يصل بقارئه إلى هدفه الأساسي وهو: إثبات حقيقة عجز العرب عن معارضة القرآن الكريم، وانقطاعهم دونه بعد أن تحداهم على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة واحدة من سوره ..فعجزوا عن ذلك كله ..يقول:

"إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لولا أنهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدوا إلى معارضته، سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله، وأنهم قد رازوا[7] أنفسهم، فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه، أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، لكان مجالا أن يدعوا معارضته وقد تحدوا وقرعوا فيه، وطولبوا فيه، وأن يتعرضوا لشبا الأسنة، ويقتحموا موارد الموت، فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبرونا عنهم عماذا عجزوا؟ .. أعن معاني من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ .. أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإذا قلتم عن الألفاظ .. فماذا أعجزهم من اللفظ؟ أم ما بهرهم منه؟

فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه، ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها .. وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة، وتنبيه وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة، وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة يَنْبُوا بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح مكانا أو أشبه، أو أحْرى وأخلق.. بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور نظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم، ولو حكّ بيافوخة السماء موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدعى وتقول، وخلدت القروم فلم تملك أن تصول[8] .

وهنا يتضح لنا مفهوم الجرجاني لفكرة الإعجاز، وأن مردّها جميعا هو "النظم" لذلك فهو يطلب من الباحث عن حقيقة وكنه هذا الإعجاز أن يُعمل عقله، وأن يكد فكره، ليصل عن طريق ذلك إلى المزايا والخصائص التي امتاز بها نظم القرآن ليقف عليها بنفسه، ونتيجة لإحساسه وذوقه، لا أن يقلد غيره، ويسير مع السائرين وفي هذا المعنى يقول:

"فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه بالفتى في عقله ودينه، وأزبد له في علمه ويقينه.. أن يقلّد في ذلك، ويحفظ متن الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟..

ومن أين كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟. وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة؟ بأن يؤتي ببعضها، في أثر بعض لطائف لا يحصرها العدد، ولا ينتهي بها الأمد، أم أن يبحث عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا فبابا، حتى يعرف كلا منها بشاهده ودليله، ويعلمه بتفسيره وتأويله ويوفق بتصويره وتمثله، لا كمن قيل فيه:

 

يقولون أقوالا ولا يعلمونها
.

 

ولو  قيل هاتوا حققوا لم يحققوا"[9]
.

 

بعد كل هذا التمهيد والاسترسال، والتنقل من موضوع إلى موضوع لإبراز الوجه الحقيقي للإعجاز وهو النظم _ يعقد الجراجاني فصلا خاصا للحديث عن ماهية النظم، يتحدث فيه عن الفرق بين نظم الحروف الذي يأتي بحسب تواليها في النطق، وبين النظم الذي يأتي اقتضاء لمعنى وفي ذلك يقرر أن نظم الألفاظ يجب أن يقترن بترتيب المعاني، لأن المعاني هي الأساس الذي يجب أن يراعى عند نظم الكلام، ثم تأتي الألفاظ لتستوعب هذه المعاني، لأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها، ولاصقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها من النطق، وأعلم أنك إذا نفسك علمت علما لا يعترضه الشك إلا نظم في الكلم، ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبين بعضها على بعض، ولا تجعل هذه بسبب تلك[10] .

ويؤكد الجرجاني هذا المضمون في موضع آخر فيقول: "وأعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت، فلا تخل بشيء منها الخ"[11].

هذا هو محور بحث الجرجاني في إبراز وجه الإعجاز القرآني، كما وضح في كتابه دلائل الإعجاز. وهو نفس المحور الذي دار حوله لتأكيد وقوع هذا الإعجاز وإثباته في رسالته الشافية .. فلننظر كيف أثبت وقوع الإعجاز القرآني .. وكيف توصّل إلى ذلك في رسالته ..

افتتح الجرجاني رسالته - كعادته في بحوثه - بمقدمة استعرض فيها علاقة الألفاظ بالمعاني - أو كما يقول البلاغيون: الشكل بالمضمون، وعلى طريقة المدرسين قال: "اعلم أن لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبا من العبارة هو بتأديته أقوم وهو فيه أجلى. ومأخذا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل، وإذا كان الشيء متعلقا بغيره، ومقيسا على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الأفهام وتقريره في النفوس أن يوضع له مثال يكشف عن وجهه، ويؤنس به ويكون زماما عليه يمسكه على المتفهم له، والطالب علمه[12].

إن المتأمل لهذه المقدمة، يستطيع أن يضع يده بسهولة على ما يرمي إليه الجرجاني خاصة بعد أن درسنا مفهومه ..

إنه يودّ أن يقول: إن القرآن الكريم بنظمه وتآليفه، قد حاز هذه الفضيلة، وإن هذا النظم كان مدعاة لأن يعترف العرب الذين تحدوا إلى معارضته، أن الذي سمعوه تقصر دون محاكاته قوي البشر، ويضيق به ذرع المخلوقين لأنه كلام رب العالمين. وتأكيدا لهذا الأمر  يقدم لنا جُملا من القول في بيان عجز العرب حين تُحّدُوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتسع له ذرع المخلوقين، وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ومراتبهم، وبعلم الأدب جملة.

ثم يتحدث الجرجاني عن بلاغة العرب، وتملكهم لزمام القول .. ولما كان القرآن معجزة الرسول الأميّ، لذا كانت بلاغته فوق بلاغة العرب أنفسهم، الذين دانت لهم الأساليب، وتملكوا كل شيء فيها شعرا ونثرا وخطبا ..

من هنا سمعنا صوت الجرجاني وهو يتحدث طويلا عن البلاغة العربية، وعن التفاوت والتفاضل بين أساليب العرب من كلام الشعراء والأدباء، وأن لهذا التفاضل غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها فوق بعض، ليصل إلى حقيقة يعرفها وهي: أن العرب (زمن الرسول الكريم) كانوا القدوة في ذلك. ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم.. يقول:

((ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضا، وأن علم ذلك علم يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم تبع لهم، وقاصر فيه عنهم وأنه لا يجوز أن يدّعى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم _ الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا إليه[13] .

ويقدم الجراجاني شواهد على ذلك من واقع المجتمع العربي يومئذ..

فهذا خالد بن صفوان يعترف بسبقهم، وأنه وأمثاله لا يستطيعون مجاراتهم .. ويقول: "كيف نجاريهم وإنما نحاكيهم، أم كيف نسابقهم، وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم؟" [14].

أما الجاحظ فإنه ينسب إلى العرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفّه أحلامهم في إنكار ذلك، ثم يقول: "ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف البلاغة، من القصيدة والأرجاز، والمنثور والأسجاع، ومن المزدوج ومما لا يزدوج .. فمعنا على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعار الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والشيء القليل[15] ..

إن الجرجاني يريد أن يقول .. إنه إذا كان العرب الذي نزل فيهم القرآن قد تحدوا به فعجزوا عن الإتيان به – مع ما كان في جعبتهم من أدوات الفصاحة وألوان البيان .. فمن الطبيعي أن يكون ما بعدهم من الأجيال أعجز منهم، وما سوى العرب في ذلك منهم تبع لهم .. وفي الحقيقة فإن هذا الرأي قد سبق إليه الباقلاني ولكن الجرجاني لم يشر إليه ..

بعد هذا التمهيد ينتقل الجرجاني غلي توكيد عجز العرب عن معارضة القرآن ولقد اتخذ إلى ذلك سبيلا ملموسا من واقع أحوالهم، ودلائل أقوالهم. فيقول: "وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة فإن علمهم العالم، فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلي عليهم القرآن وتحدوا إليه، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنه، وبتّ الحكم بأنهم لا يستطيعون ولا يقدرون عليه .. وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكّوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلا على وجه من الوجوه" ..

ثم يتناول بالتحليل دلائل الأحوال فيقول:

"أما الأحوال فدلّت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف وطبائعهم التي لا تتبدل أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة، وهم يجدون سبيلا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم.

كيف؟ وأن الشاعر أو الخطيب يبلغه أن بأقصى الأقاليم الذي هو فيه من يبأى[16] بنفسه ويدل بشعر يقوله أو خطبة يقوم بها أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحميَّة ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل، ويبذل ما لديه من المنَّة، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه ببعض العلل وبنوع من التمحُّل، هذا ولم ير ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيِّج على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التعرض، وإن كان المدعي ذلك بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أدعى له إلى مباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يَقْصُر عنه، أو أنه منه أفضل، فإن تضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مُمَاتَنَتِه، ويحركه لمقاولته، فذلك الذي يسهر ليله ويسلبه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحد في مناقضته.

يضرب الجرجاني لذلك مثلا بما حدث في العهد الأموي بين الشعراء عامة، وما حدث بين جرير والفرزدق خاصة، وقد اجتمعا في عصر واحد فيقول:

"كيف جَدَّ كل واحد منهما في مغالبة الآخر، وكيف جعل ذلك همه وكده وقصر عليه دهره، وليس به ولا يخشى إلا أن يُقضى لصاحبه بأنه أشعر منه، وأنّ خاطره أحَدّ، وقوافيه أشرد، لا ينازعه مُلكا، ولا يفتات عليه بغلبته له حقا، ولا يلزمه به أتاوة، ولا يضرب عليه ضريبة ..".

وبعد أن يكشف الجرجاني عن هذه الغريزة المتأصلة في النفس البشرية، وكيف أن الناس فُطروا على منافسة بعضهم البعض، وتحدي بعضهم بعضا .. يطبِّق هذه الفكرة على ما حدث في الأمة العربية منذ فجر تاريخهم الأدبي، وكيف استبدت بهم هذه الغريزة يوم سمعوا القرآن، ليصل من وراء ذلك إلى مَرامه وهو:

إظهار موقف العرب من القرآن الكريم الذي جاء يتحدى هذه الغريزة في موطنها وعقر دارها فيقول:

"وإذا كان هذا واجبا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلاّ ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط .. فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيَّة، والهمم العليَّة، والأنفة والحميَّة، من يدَّعى النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنّة ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقا وغربا، وأنه خاتم النبيين. وأنه لا نبي بعده .. إلى آخر ما صدع به صلى الله عليه وسلم"، ثم يقول:

"وحُجتي أن الله قد أنزل عليّ كتابا عربيا مبينا، تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثل، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة. ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والأنس، ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبينوا سَرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه".

"هذا وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادّعاه حَدّا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر..".

"وهل سُمع قط بذي عقل ومُسكة استطاع أن يخرس خصما له فقد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها، فترك ذلك إلى أمور يسفّه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعزّ عليه المخْلَص؟."

"أم هل عُرف في مجرى العادات، وفي دواعي النفوس ومبنى الطبائع أن يدع الرجل ذو اللُّب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح عنها، ولا يجلي عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما ادعى، ولا يدعي أن ذلك عنده وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه التسرع إليه، والسفه عليه والإقدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟."

"أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة فيؤلِّب عليهم الناس، ويدبِّر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم وكبارهم، وسبي ذراريهم وأولادهم، وعمدته التي يحد بها السبيل إلى تألف من يتألفه، ودعاء من يدعوه، دعوى له إذا هي أُبطلت بَطَل أمره كله، وانتفض عليه تدبيره، ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمعتذر ولا ممتنع؟"[17] ..

هذا عن دلائل أحوال العرب عند بدء الدعوة _ أما أقوالهم التي استشهد بها الجرجاني فكثيرة _ منها ما حَدَّثَ به الوليد بن المغيرة، حين وقف متحيِّرا أمام روعة القرآن. لا يدري ماذا يقول فيه، وقد وفدت جموع العرب _ في الموسم _ من كل مكان، فذهب إلى قومه يشاورهم في الأمر، فلم يجدوا ما يقولونه في هذا القرآن. قاسوه على الشعر وهم أفذاذه، فلم يجدوا فيه ما يشبه شعرهم، وقرنوه بالسجع فلم يتفق معه، فلما أعيتهم الحيلة، قالوا: إنه سحر.. سحر يفرّق فيه بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، الخ ما قالوه[18].

ومن هذه الأقوال أيضا حديث عتبة بن ربيعة، وكان سيدا حليما _ حين أرسله قومه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم _ ليثنيه عن هدفه، ويعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضا منها، فيعدل عن رأيه، فاستمع الرسول إلى قوله، حتى إذا فرغ من كلامه، تلا عليه الرسول، {حم .. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}[19] فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها، يستمع منه، حتى انتهى رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إلى السجدة منها فسجد ثم قال له: قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه لينصحهم أن يكفوا عن محاربة محمد صلى الله عليه وسلم[20] .. ومنها حديث أبي ذر في سبب إسلامه[21] .

ولكي يوضح الجرجاني مراده، ويوسّع دائرة بحثه، فيستطرد بالحديث عن ماذا على ألسنة الناس من وقوع المعجزات عند بعض الناس، دون بعضهم الآخر، وهو ما يقع في الحياة بين الحين والحين من ظهور العباقرة والنوابغ في فن القول من أمثال امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى وغيرهم، ممن أجمع عليهم القول بأنهم شعراء العرب. فهؤلاء الأعلام يكونون عند ظهورهم قمما شامخة بين أبناء عصرهم بل ربما كانوا كذلك بين أبناء العصور السابقة أو اللاحقة، فيأتون من الأعمال أو الأقوال ما يعجز عنهم أبناء جيلهم، أو أبناء أجيال كثيرة قبلهم أو بعدهم، ومع هذا فلم يكونوا من الأنبياء، ولم يدّعو هُمْ _ أو يدّعي لهم أحد أنهم من الأنبياء أصحاب المعجزات[22] .

فما تأويل هذا عند من يؤمنون بالأنبياء، ويؤمنون بما حملوا من معجزات؟ وما الفرق بين ظهور النبي في عصره. واحتلاله بالمعجزة التي بين يديه قمة الحياة.. وبين العبقري أو النابغة حين يظهر فيحتل بعلمه أو عمله قمة أشبه بهذه القمة؟

هذا هو محور المناقشة في الفصل الذي خصصه الجرجاني لتولي الرد على هذه التساؤلات وتفنيدها. يقول في مطلعه[23] :

"واعلم أن هاهنا بابا من التلبيس أنت تجده يدور في أنفس قوم من الأشقياء وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، وستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع فيه أنه الفرد الذي لا ينازع، ثم يذكرون امرأ القيس والشعراء الذين قُدموا على من كان معهم في أعصارهم، وربما ذكر الجاحظ وكل مذكور بأنه كلن أفضل من كان في عصره .. ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية، وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أَتُوا من سوء تدبيرهم لما يسمعون وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل ...

وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر، حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة، وتخرس الألسن عن دعوى المداناة، وحتى لا تحدِّث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله يمكن، وحتى يكون بأسهم منه، وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه مثل ذلك في كله[24] ..".

هذا الذي يقرره الجرجاني .. هو مقطع القول في هذا الأمر .. إذ ليس الذي يأتي به العبقري، أو النابغة من قول أو عمل، الشيء الذي يقطع على الناس سبيل النظر فيه، أو المساماة له، أو الغلبة عليه، فلم تشهد الحياة أبدا لإنسان أنه انقطع بعمله أو قوله عن منازعة الناس له، والدخول معه فيما قال أو عمل، فيقصرون عنه في جانب، ويعملون عليه من جانب آخر، فيما خيّل إلى الناس أنه انفرد به ..

ويقيم الجرجاني مقارنة أدبية نقدية يجعل محورها امرأ القيس، الذي عرف بأنه أشعر أهل زمانه، ليصل عن طريق ذلك إلى تضحيد أقوال الظّانين وردّها فيقول:

"ليت شعري من هذا الذي سَلَّم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد _ إن قيل امرؤ القيس فقد كان في وقته من يباريه، ويُمَاتنه، بل لا يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه، فقد عرفنا حديث علقمة الفحل، وأنه لما قال امرؤ القيس وقد تناشدا أيٌّنا أشعر؟ قال: أنا : غير مكترث أو مبالٍ حتى قال امرؤ القيس: فقُل وأنعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي، فقال علقمة: إني فاعل، والحكمُ بيني وبينك المرأة من ورائك، يعني أم جندب، امرأة امرؤ القيس، فقال امرؤ القيس:

 

خليلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ
.

 

نُقَضِّ لُبَاناتِ الفُؤاَدِ المعذَّبِ
.

 

وقال علقمة:

 

ذَهَبت من الهجراَنِ في كل مَذْهَبِ
.

 

ولم يَكُ حَقًّا كلُّ هذا التجنُّبِ
.

 

وتحاكما إلى المرأة ففضلت علقمة[25].

ويمضي الجرجاني، فيروي ما جرى بين امرؤ القيس وغيره من شعراء عصره من المساجلات والمباريات، التي احتفلت بها كتب النقد والأدب، ليصل في النهاية إلى ما يريد فيقول لقارئه:

"فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بالتوابع ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن، مَنْ تراخى زمانه عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ وأشباهه كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض عليهم أسهل، وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدّعي النبوة ما لم يستطعه مملوك قط..".

"وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم، ففي معنى تقدم واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار، إذا حققت النظر، إذ ليس بأكثر من أنَّ واحدا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم أو أحذقهم في صنعة، وأبرهم في عمل من الأعمال، وليس ذلك من الإعجاز في شيء ..

إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر، أو في علومهم إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم".

ويدعم الجرجاني هذا الرأي بتقديم مثال ملموس من واقع الحياة الأدبية، وهو ما بلغه الجاحظ وأمثاله من مكانة علمية وأدبية، نتيجة لما استقوه من كلام بلغاء العرب الذين تقدموا في الأزمنة .. فيقول:

"وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة، وأنهم فجَّروا لهم ينابيع القول فاستقوا، ومثلوا لهم مثلا في البلاغة، فاحتذوا، إذن لم يبلغوا شأو ما بلغوا، ولم يدُرّ لهم من ضروع القول ما درّ، ولو أن طباعا لم تشرب من مائهم، ولم تُغَذ بجناهم، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي فاح من روائحهم. حال النحل التي تغتذي بأريج الأنوار، وطيب الأزهار، وتملأ أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أريا وتقذفها مذيا[26] - إذن لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يرووا، ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا كلام الأولين من لدن ظَهَر الشعر، وكانت الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا إلا بمقدار معلوم".

"فمن أعظم الجهل وأشد الغباوة أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقض العادة وأن يُعدّ معدّ المعجز".

وهنا تتضح الفكرة التي تبناها الجرجاني وقدّم لها، وسعى إليها من كل هذا العرض والسَّرْدِ والتحليل، لقد فرق بين النبي ومعجزته، وبين العبقري وما تجود به قريحته من آثار أدبية يتميز بها عن عصره، ويفوق بها أنداده ومعاصريه، فيبدو وكأنه في القمة .. هذه القمة التي حَبَتْ بها القدرة الإلهية الأنبياء والرسل وأيدتهم بها دون سائر الخلق.

وعلى الرغم مما توصل إليه الجرجاني حتى الآن من نتائج .. وما وضح من أفكار إلا أنه يبدو غير مقتنع .. فنراه يفرد فصلا جديدا يلحقه بما فات، يذكر فيه ما دار على ألسنة الناس، وكأنه يعير هذا الموضوع اهتماما كبيرا، ويجعل منه منطلقا لتفنيد مَزَاعِمِهم، وردّ ادعاءاتهم.. فيقول:

"إنا قد علمنا من عادات الناس وطبائعهم أن الواحد منهم تواتيه العبارة، ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني، يمتنع عليه مثل تلك العبارة وذا اللفظ في صنف آخر فقد يكون الرجل - كما لا يخفى - في المديح أشعر منه في المراثي .. وأنفذ منه في الحِكَم والآداب، ونراه يستطيع في الأوصاف والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني.. وإذا كان كذلك، فلعل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضته القرآن لم يظهر لأنهم لا يستطيعون مثل ذلك النظم، ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن".

ويورد الجرجاني شواهد كثيرة من الشعر والنثر تؤيد وجهة نظره، وتوضح هدفه. بعد ذلك يرد ردا حاسما يبطل كل ادعاء، ويضحد كل زعم، فيقول: "وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن، ونظمه هذا السبيل، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله عن طريق العجز".

"واعلم أنهم في هذا كَراَمٍ قد أضل الهدف، وبانٍ قد زال عن القاعدة، وذاك أنه سؤال لا يتجه حتى يقدّر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه، وهذا تقرير باطل.

فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه، يدل على ذلك قوله تعالى:

{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[27] أي مثله في النظم، وإذا كان كذلك كان بيّنا أنه بناء على غير أساس، ورمي من غير مرمى، لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارض من جهة، وفي شيء مخصوص على ما امتنعت معارضته من الجهات كلها، وفي الأشياء جميعها[28] .

وهكذا وضحت فكرة الجرجاني.. العالم الأديب، وهكذا أيضا وضح مفهومه للإعجاز.. لقد جعل الجرجاني نظم القرآن وجها يعلو على كل الوجوه، وبنى عليه كل آرائه، بل لقد جعله محور تآليفه وتصانيفه التي خصصها لدراسة البلاغة العربية عامة، والبلاغة القرآنية خاصة.

ومن الحق أن نقول إن الجرجاني وقد توفي في القرن الخامس (471ه‍) قد أفاد إفادة كبيرة من كل الآراء التي طرحت على مائدة البحث، خاصة آراء الجاحظ والرماني والباقلاني، درسها واستوعبها، ولكنه تأثر أكثر ما تأثر بالرماني (المتوفى سنة 388ه‍) في آرائه البلاغية، وإرجاعه أسرار الإعجاز القرآني إلى الوجوه البلاغية.

ومن الحق أيضا أن نقول - إن الجرجاني قد التقى مع الرماني فهما وتحليلا، كما التقيا في المنهج إذ أن منهج كل منهما كان يعتمد على الذوق الفني، والتذوق الأدبي، وكلاهما نظر إلى أسلوب القرآن ووقفا على مواطن الحسن والجمال فيه، ويتضح هذا الأمر من تساؤل الجرجاني.. ماذا أعجز العرب؟ وعن ماذا عجزوا؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ ثم يجيب على هذا التساؤل بقوله: "أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظه ومواقعها، وفي مضرب كل مثل ومساق كل خبر وصورة، كل عظة وتنبيه وإعلام وترغيب في كل حجة وبرهان وصفة وبيان[29]".

ولكن الجرجاني أخذ هذا المنهج الذي وضع أسسه الرماني، فتوسع فيه، وربط بين المعاني والألفاظ، مؤكدا على وجوب تلاؤم الألفاظ مع بعضها من حيث جرسها وموسيقاها[30] .

كما أننا لا نستطيع أن ننكر جهد الباقلاني (المتوفى سنة 431ه‍) ومدى تأثر الجرجاني به، فالباقلاني أول من أشار إلى النظم بوصفه أحد وجوه ثلاثة حددها الرجل للإعجاز القرآني، بيد أن هذا الوجه عند الباقلاني لم يكن محدد المعالم، واضح القسمات، إنما الذي وضّحه وأبرز قسماته ومعالمه، وألقى عليها مزيدا من الضوء: الجرجاني.

فلنستمع إلى قوله وهو يوضح مفهومه - بعد أن ردّ على القائلين والزاعمين وفنّد مزاعمهم -: "وإذا امتنع ذلك فيها فلم يبق إلا أن يكون (يقصد الإعجاز) في النظم والتأليف. وكنا قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأناّ إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وإحكامه فيه، طلبنا ما كل محال دونه[31]".

"فإن قيل: قولك (إلا النظم) يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له..

قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني _ التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها _ من مقتضيات النظم، وعنها يحدث وبها يكون".

وهكذا عمّق الجرجاني مفهومه للنظم، ولم يقف عند حد ما وقف عنده الباقلاني لذلك وضح بين أفكاره هذا الوجه الإعجازي وضوحا جليا، واستحق أن ينسب إليه دون غيره.

د. أحمد جمال العمري.

 

 

 



[1] هو أبو بكر عبد القادر بن عبد الرحمن الجرجاني، أحد علماء السنة الموهوبين، كان عالما واسع الثقافة، كما كان متكلما على مذهب الأشعري، وفقيها على مذهب الشافعي، أخذ النحو عن أبي الحسن محمد بن الحسن ابن أخت أبي علي الفارسي المشهور كما أخذ الأدب والنقد عن القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.

من مؤلفاته: العوامل المائة في النحو، ودلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، والرسالة الشافية.

أنظر في ترجمته: دمية القصر للباخرزي 108، طبقات الشافعية للسبكي 3/262 النجوم الزاهرة لابن تغري بردي 5/108، بغية الوعاة للسيوطي 310، شذرات الذهب لابن العماد 3/340، وبروكلمان 1/286.

[2] طبع كتاب دلائل الإعجاز في القاهرة عدة طبعات وبتحقيقات متعددة.

[3] طبعت هذه الرسالة ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القران بتحقيق الأستاذين محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام _ في دار المعارف بمصر.

[4] دلائل الإعجاز - المقدمة الصفحة ز.

[5] الشقاشق: جمع شقشقة بكسر الشين: لهاة البعير وما يخرج من فمه إذا هاج.

[6] دلائل الإعجاز الصفحة ف. والراء: الرأي.

[7] رازوا أنفسهم: أي اختبروا قوتهم.

[8] دلائل الإعجاز ص29.

[9] دلائل الإعجاز ص29 والبيت منسوب لأنس بن أنيس انظر الكامل للمبرد 1/316 طبع مصر.

[10] دلائل الإعجاز ص38.

[11] الرسالة الشافية ص107.

[12] دلائل الإعجاز ص55 انظر أيضا ص284 من المصدر نفسه.

[13] الرسالة الشافية 108.

[14] الرسالة الشافية 108.

[15]المصدر السابق نفسه.

[16] يبأى: أي يفخر.

[17] الرسالة الشافية ص109 _ 110.

[18] انظر الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص111.

[19] سورة فصلت الآيتان 1_2.

[20] انظر نص الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص113 وما بعدها.

[21] انظر نص الحديث كاملا في الرسالة الشافية ص114 وما عبدها.

[22] عبد الكريم الخطيب، إعجاز القرآن ص67.

[23] الرسالة الشافية ص117.

[24] الرسالة الشافية 117.

[25] الرسالة الشافية ص118.

[26] الأري والمذي من أسماء عسل النحل.

[27] سورة هود الآية 13.

[28] الرسالة الشافية ص129.

[29] دلائل الإعجاز ص28.

[30] انظر دلائل الإعجاز ص31_32.

[31] دلائل الإعجاز 296.