طباعة

 توثيق النص

 

 

 

نظرات في كتاب الله الكريم

لفضيلة الشيخ حسين محمد المصري

 

 

كانت مهمة القرآن الكريم والتشريع السماوي الحكيم إبان توالي نزول الآيات البيِّنات_ تركيز العقيدة السليمة في نفوس الناس ثم بناء الأحكام والتشريعات على العقيدة الحقة.

وهذا الأسلوب الحكيم نجده واضحا في سياق سورة الحج التي اختتمها سبحانه بقوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.

وقد تضمنت سورة الحج أمرين هامين أحدهما يتعلق بالله جل جلاله وثانيهما يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذان الأمران هما أساس العقيدة السليمة الصحيحة، وجاءت الآيتان الكريمتان اللتان اختتمت بهما هذه السورة بمثابة النتيجة الصحيحة لهذه المقدمات التي أثبتت العقائد بأسلوب حكيم يخاطب القلب والعقل.

والأمر الأول الذي ركزت عليه السورة الكريمة هو إثبات وجود الله سبحانه وقدرته المطلقة التي لا تحدها حدود، فهو القادر على أن يعيد الناس يوم البعث ليحاسبهم على ما قدموا في هذه الدنيا من خير أو شر، ويسير في التدليل على ذلك بتوضيح وإطناب يتناسب مع حال المنكرين للألوهية والبعث.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ..} الآيات ثم تخلص الآيات الكريمة من ذلك إلى نتائج حتمية، وعقائد لا بد أن تستقر في القلب نتيجة الإقناع المنطقي السليم.

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ..}.

{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.

ويسوق سبحانه أدلة أخرى لتركيز العقيدة ثم يتبعها بالنتائج الثابتة.

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.

ثم يعدد تعالت أسماؤه آيات قدرته ومظاهر رحمته في ثنايا أدلة وحدانيته

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً..}.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.

ثم ينكر عليهم عبادة غيره مع وضوح هذه الأدلة وكثرتها فيقول سبحانه:

{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}.

ثم يبين أن هذا الغير الذي يتجه إليه الضالون بالعبادة والتقديس ضعيف غاية الضعف لا يقوى على خلق ذبابة بل وأكثر من ذلك ضعفا أنه إذا سلبه الذباب شيئا لا يستطيع استرداده فهو إذن أضعف من الذباب فكيف يعبد هذا الضعيف من دون الله القوي القادر.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}.

أما الأمر الثاني، وهو مترتب على الأول، فهو إثبات نبوة ، ورسالة الرسل عامة لتدخل فيها رسالة نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام دخولا أوليّا فيقول سبحانه.

{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.

فقد أخذ سبحانه العهد على نفسه تفضلا ورحمة، أن يبين للناس طرق الخير من الشر، وأن يهديهم النجدين، وأن يبعث لهم الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما أخذ العهد على نفسه ألا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل.

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.

فاصطفاء الرسل من الملائكة ومن الناس داخل في حدود قدرته، وهو تفضل ورحمة منه سبحانه حتى تسقط حجة الغاوين حين تصدمهم الحقيقة.

والآن وقد ثبت بالحجة وحدانية الله سبحانه، وقدرته المطلقة على الإيجاد والإعدام والبعث والنشور والحساب والجزاء.

وثبت أن الناس سيقسمون في الآخرة إلى قسمين يختصمان في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ..

{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}.

وثبت بجوار ذلك أن الله سبحانه اصطفى من الملائكة ومن الناس رسلا يبشرون وينذرون.

وجب نتيجة لهاتين العقيدتين المستقرتين في النفس المؤمنة أن تظهر آثارهما، وأن تترتب عليهما نتائجهما بأن تكون العبادة المطلقة والخضوع المطلق لهذا الإله القوي القادر الواحد الأحد، بالطريقة التي يرسمها عن طريق هؤلاء الرسل المصطفين فقال سبحانه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه}.

وقد تضمنت الآية الكريمة بعد ذلك أوامر أربعة، كل منها يعتبر أساسا ودعامة لهذا الدين المتين.

وقد أحاطت الأوامر الأربعة بأنواع التكليف.

منها أمران ينظمان العلاقة بين العبد وربه، وهي أساس الإيمان الصادق، والأمران الآخران يتعدى أثرهما ذلك إلى الناس، فينظمان العلاقة بين أفراد المجتمع لتتكون أمة فاضلة، تعمل لغاية، وتقصد لهدف، وهو تحقيق السعادة في هذه الحياة، وجعلها طريقا موصلا إلى الحياة، وجعلها طريقا موصلا إلى حياة أسعد، فيها الخلود الدائم، والنعيم المقيم.

أما الأمران اللذان ينظمان العلاقة بين العبد وربه فأولهما قوله سبحانه {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } والمقصود بذلك صلوا وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما أشرف أركانها، وليس هناك ركوع ولا سجود في غير الصلاة، والصلاة مناجاة بين العبد وربه، ترك للترابية المادية وتحليق بالنفس إلى عالم الروحانية المطلقة. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

ولقد تكرر الأمر بإقامة الصلاة والمحافظة عليها في غير ما آية من كتاب الله تنويها بشأنها، وتعريفا بفضلها.

{ أَقِيمُوا الصَّلاةَ}.

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى}.

{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}.

حتى جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فارقا بين المسلم والكافر، حيث يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". أخرجه مسلم.

وفي قوله عليه الصلاة والسلام:

"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر". أخرجه الترمذي.

وهذا التشديد من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في أمر الصلاة ليس غريبا فهي عماد الدين، وهي أساس الصلة بين العبد وربه، فمن تركها جاحدا لها فقد كذّب الله ورسوله وخرج بذلك من نطاق المسلمين.

أما من تركها كسلا وتهاونا فيخشى عليه من سوء الخاتمة، فقد جعل سبحانه الصلاة سببا في الاستقامة والبعد عن مواطن الزلل حيث يقول سبحانه:{إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} والصلاة وإن كانت أهم مظاهر العبادة والخضوع المطلق للمعبود إلا أن هناك أنواعا أخرى من العبادة لا يجوز أن تهمل. فهناك الصدقة والحج والدعاء إلى غير ذلك من أنواع التقرب إلى الله سبحانه. ولذلك جعل هذا العموم في الأمر الثاني بقوله: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُم}.

وأصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد التذليل، ومنه طريق معبد أي مذلل، والخضوع المطلق والذلة الكاملة لا تكون لغير المنعم بأصل الحياة، وبجليل النعم ودقيقها فلتخضعوا له، ولتتقربوا إليه بكل ما يشرعه لكم من أوجه القرب، وأنواع العبادة، فهذا تعميم بعد تخصيص، فالصلاة المذكورة أولا داخلة في عموم الأمر بالعبادة، فكأن الأمر بها جاء مرتين.

أما الأمران اللذان يتعدى أثرهما ذلك إلى الناس فأولهما قوله سبحانه: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

وفعل الخير دعامة من دعائم الحياة الراقية السعيدة، فالناس في هذه الحياة متفاوتون في قدراتهم، متفاوتون في مواهبهم، منهم القوي ومنهم الضعيف، منهم الغني ومنهم الفقير، منهم ذو الجاه والسلطان ومنهم الخِلْوُ منهما، الكل محتاج بعضهم إلى بعض، فكل فرد في الأمة يستطيع أن يضع لبنات في صرح مجدها سواء منهم القوي والضعيف والغني والفقير، ولذلك يدعو الإسلام الجميع إلى التسابق في الخيرات فيقول: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} ويقول:

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ثم يبين صفة هؤلاء المتقين الذين يستحقون هذه الجنة بأنهم خيِّرون بطبعهم ينفقون في السراء والضراء ويكظمون الغيظ ويعفون عن الناس.

ويزيد عليه الصلاة والسلام طرق الخير بيانا وتوضيحا ويضرب لذلك الأمثال فيقول: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

ويقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".

فيدفع الناس إلى عمل الخير مهما كان ضئيلا، فالقليل إلى القليل كثير.

بل ويجعل عليه الصلاة والسلام واجبا على كل فرد في هذه الأمة المسلمة أن يبذل لغيره معروفا إن استطاع ليكون ذلك له بمثابة الجهاد.

هذا أبو ذر جُندب بن جُنادة رضي الله عنه يقول: "قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل، قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله"، قلت: "أي الرقاب أفضل"، قال: "أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا"، قلت: "فإن لم أفعل"، قال: "تعين صناعا أو تصنع لأخرق". قلت: "يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل". قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك". ويعد الله العاملين، ووعده الحق، أن ثوابهم لن يضيع عنده.

{إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}

وأن العمل مهما قلّ سيحفظ لصاحبه.

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}.

وأنه سبحانه مطلع على جميع الأعمال ظاهرها وخفيها وسيجزي عليها

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}.

{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.

والأمر الذي معنا يشمل كل خير يخطر على البال، ثم يبين سبحانه أن الحكمة في هذه الأوامر هي إرادة الخير والفلاح لمن يحافظ عليها فيقول:

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

و{لعّل} في أصل وضعها تفيد الشك والرجاء والتوقع، وهذا يليق بحال المخاطبين وكأنه سبحانه يقول افعلوا الخير وأنتم ترجون وتتوقعون الفلاح.

أو تكون {لعل} للتعليل فحسب مجردة عن الشك والرجاء، وهذا يليق بجانبه سبحانه وكأنه يقول: "افعلوا الخير لتنالوا الفلاح".

والمقصود بالفلاح الفوز والبقاء والنجاة، النجاة من عذاب الله، والفوز برضاه والبقاء في رحمته وجنته، ومنه قوله سبحانه {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. أي فازوا ونجوا، ومنه الدعوة في الأذان حيّ على الفلاح أي أقبلوا على ما فيه فلاحكم وفوزكم ونجاتكم.

الأمر الثاني قوله سبحانه {جَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}. أي جاهدوا في ذات الله من أجل مرضاته جهادا حقا. والجهاد مأخوذ من الجُهْد (ضم الجيم وفتحها) وهو الطاقة والوسع، أي ابذلوا جهدكم أي طاقتكم ووسعكم في الله من أجل مرضاته بذلا حقا وصدقا.

والضمير في قوله: {حَقَّ جِهَادِه} راجع إليه سبحانه أي حق جهاد الله، وإضافة الجهاد إليه سبحانه لاختصاصه به، فالجهاد مختص بالله لأنه مفعول من أجله ولوجهه، ولذلك صحت الإضافة إليه.

وقد اختلف في المقصود بالجهاد هل هو جهاد الكفار وقتالهم ونشر الدعوة بينهم؟ أو هو جهاد الظلمة والفساق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أو هو جهاد النفس والهوى وحملها على الخير والسداد؟ أو هو جهاد الشيطان برد وسوسته، والظلمة برد ظلمهم، والكافرين برد كفرهم؟. إلى غير ذلك من أنواع المجاهدة في الله.

والجهاد بهذا المعنى العام أساس استقرار الحكم الصالح، يقول سبحانه: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً}.

ولذلك ورد الحث على الجهاد وفروعه المختلفة في كثير من آي الكتاب العزيز وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومن ذلك قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. وهذا يفيد الجهاد العام كالآية التي معنا.

وجاء في قتال المشركين قوله سبحانه: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}. قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً..}.

وقد سئل عليه الصلاة والسلام:" أي العمل أفضل؟". قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: "ثم ماذا؟" قال: "الجهاد في سبيل الله". قيل: "ثم ماذا؟". قال: "حج مبرور".

وروى البخاري أن رجلا قال: "يا رسول الله دلني عن عمل يعدل الجهاد". قال: "لا أجد". ثم قال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر،وتصوم ولا تفطر؟". قال: "ومن يستطيع ذلك؟".

وجهاد الظلمة من أعظم أنواع الجهاد. سئل عليه الصلاة والسلام: "أي الجهاد أفضل؟". فقال: "كلمة عدل عند سلطان جائر".

هذه هي الأوامر الأربعة التي فصلَّها سبحانه هذا التفصيل البين، ولو نظرنا فيها نظرة تمعن لوجدنا أن هذه الأوامر تتدرج نحو العموم المطلق.

فالصلاة التي أمر بها أولا تدخل في الأمر الثاني وهو الأمر بالعبادة، فالعبادة تشمل الصلاة وغيرها من أوجه العبادة، ثم تندرج العبادة في الأمر الثالث وهو الأمر بفعل الخير، فالعبادة بجميع مظاهرها نوع من أنواع الخير الذي أمرنا بفعله، وحمل النفس على فعل الخير نوع من أنواع الجهاد العام، ففعل الخير مندرج كذلك في الأمر الرابع وهو الأمر بالجهاد في الله حق جهاده.

ثم بين سبحانه السبب الذي من أجله وجب على الأمة المحمدية أن تتقبل هذه الأوامر التكليفية بقلوب راضية مطمئنة، فهناك أمور ثلاثة كل منها كاف وحده ليكون سببا في وجوب هذا التقبل ففيه رضا للنفس واطمئنان للقلب.

أولها قوله سبحانه: {هُوَ اجْتَبَاكُم} أي اختاركم واصطفاكم وجعلكم خير أمة أخرجت للناس، وأنت إذا اصطفيت لك صديقا تفاني في حبك وتنفيذ أمرك وتحمل المشقة في سبيل مرضاتك، فما بالك بمن اختارهم ربُّ العزة واجتباهم وفضلهم على العالمين وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس. أفلا يجدر بهم أن يكونوا عند هذا التقدير فيتقبلوا التكاليف راضين؟ ثم أنه مع ذلك لم يكلفكم شططا. ولو يحملكم ما لا تطيقون {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} والحرج الضيق والمشقة، وقد نفاهما سبحانه، وجعل لكل عسرٍ يسرا، ولكل فريضة رخصة وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ولم يخيَّر عليه الصلاة السلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه.

وهناك موجب آخر لقبول هذه الأوامر والتكاليف، وهي كونها في عمومها ملّة أبيكم إبراهيم الذي تحبونه وتنتسبون إليه فكيف يدعي عبدة الأوثان أنهم على دين إبراهيم وهو الذي حطم الأصنام. وأقام صرح التوحيد، ثم إنكم بعد ذلك سميتم بالمسلمين، والإسلام من السلامة فإنكم حملة مشاعل السلام في الأرض تنشرونه في ربوعها، وتركزونه في دولها، وتدافعون المعتدين عليه، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا. والذي سماكم المسلمين من قبل هو أبوكم إبراهيم فأنتم إجابة دعوة الخليل عليه السلام حينما قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}.

والأولى أن يكون الذي سماكم المسلمين من قبل هو الذي اجتباكم واختاركم، وهو الذي سماكم بهذا الاسم ليكون الرسول شهيدا عليكم ولتكونوا شهداء على الناس فأي تشريف يبلغ مبلغ هذا التشريف، وأي تكريم يصل إلى هذا الحد من التكريم؟.

هذه أمور ثلاثة كل منها يوجب _ منفردا _ الطاعة المطلقة للأوامر وهي أنه سبحانه اجتباكم واختاركم، وأن هذه الشريعة امتداد لملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه، وأنه سبحانه سماكم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن الكريم ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس.

وشهادة الرسول علينا أنه بلغنا الرسالة ولم يكتمنا أمرا ولا نهيا.

وشهادة الأمة على الناس تحتمل معنيين: أولهما أن المقصود بالناس الأمم السابقة على أمة محمد عليه الصلاة والسلام فأنتم تشهدون للأنبياء على أممهم يوم القيامة بأنهم بلَّغوا الرسالة، وأدَّوا الأمانة، يشهد لهذا المعنى ما أخرجه البخاري رضي الله عنه عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلَّغت؟ فيقول نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟. فيقول محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلَّغ". وقد ذكر هذا الحديث مطولا في غير البخاري وفيه ردود على الاعتراضات التي تخطر بالذهن عند سماعه ففيه. فتقول تلك الأمم: "كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟. فيقول لهم الرب سبحانه: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟. فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا. وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدقوا".

والمعنى الثاني أن المقصود بالناس أفراد الأمة المحمدية، أي أن بعضهم يشهد على بعض بعد الموت.

يؤيد هذا المعنى ما أخرجه مسلم عن أنس رضي الله عنه أنه مرت جنازة فأثني عليها خير، فقال عليه الصلاة والسلام: "وجبت وجبت وجبت". ثم مُرّ عليه بأخرى فأُثني عليها شر. فقال: "وجبت وجبت وجبت". فسأله عمر رضي الله عنه في ذلك. فقال: "أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض".

ثم يؤكد سبحانه وتعالى تلك الأوامر التي شملت أنواع التكاليف فيقول: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} فقوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} تأكيد لقوله في صدر الآية {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}. وقوله: {وَآتُوا الزَّكَاة} تأكيد لقوله: {وَافْعَلُوا الْخَيْر} لأن الزكاة أظهر معاني الخير، والعصمة معناها المنعة.

فقوله سبحانه: {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} أي امتنعوا بالله وبحبله وهو قرآنه: امتنعوا من أن تقعوا فيما يغضبه.

أو اعتصموا بدلائله العقلية والسمعية التي ساقها لكم في تلك السورة حتى لا يجد الزيغ والشك والضلال إلى قلوبكم سبيلا.

يقول القفال: "اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون".

ويقول ابن عباس: "سلوا الله العصمة من كل المحرمات".

وإنما تلجئون إليه ليعصمكم لأنه مولاكم وسيدكم والمتصرف فيكم. والذي يتولاه ربه وينصره فلن يذل ولن يشقى.

وفي الدعاء المأثور: "إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت".

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين.