طباعة

 توثيق النص

 

 

 

القدس

للطالب سامي بن رضوان

 

 

قال الله عز وجل:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

إن للقدس موقعا جميلا، وسحرا خاصا، وجمالا خفيا لا يحس به الإحساس الكافي إلا من أقام بها مدة، وتذوق هذا الجمال تدريجيا، ولعل من عوامل سحرها، هدوءها، وعمق صداها، وجمال تلالها، ونظافة جوها، وتنمو على هاتيك التلال، أعشاب وزهور متعددة الألوان تغطي تربتها، وتؤلف معلما من معالمها، وأبنيتها شاهقة تخالط سطوحها قباب غير مرتفعة موروثة عن تاريخها الغابر المديد.

 

موقعها

وتقع القدس على خط العرض (34) شمالا، وعلى خط الطول (35) شرقا، وتبعد عن أريحا مسافة (30) كيلو مترا، وعن نهر الأردن (40) كم، وعن ساحل البحر الأبيض المتوسط (65) كم تقريبا.

وتقع المدينة كلها تاريخية، وقديمة وحديثة على سلسلة جبال القدس ضمن هضبة ذات مرتفعان تعلو نحو (800) متر عن سطح البحر.

وتحيط المدينة كلها جبال مشهورة أهمها جبل المشارف من الشمال، وجبال المكبر من الجنوب، وجبل الطور من الشرق، وجبل صهيون من الغرب.

وتقع القدس القديمة ضمن سور يحيط بها من جميع جهاتها ويبلغ طوله نحو (4) كم، وارتفاعه نحو (12) مترا، وللسور سبعة أبواب كبيرة، مفتوحة يدخل الناس منها إلى المدينة من نواحيها المختلفة، والذي بنى هذا السور هو السلطان سليمان القانوني العثماني، وقد دامت أعمال هذا البناء في السور (5)سنوات.

وقد بلغت مساحة الأراضي التي تحتلها القدس قديمة وحديثة سنة 1367ه‍  1948م ما يزيد على (31) كيلو مترا مربعا، أي ما يبلغ (31) ألف دونما، وتبلغ مساحة القدس القديمة نحو ألف دونم.

وأهم ما في القدس أماكنها المقدسة وفي مقدمتها الحرم الشريف الذي يحوي المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، حيث يقع في الجهة الشرقية الجنوبية من المدينة القديمة.

وفي هذا المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". وهو مسجد رائع البناء عظيم المساحة، ويحيط به سور عظيم، وقد أسرى الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه عرج به إلى السماء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل في صلاته المسجد الأقصى إلى أن أمر بتحويل القبلة إلى الكعبة بالمسجد الحرام، فهو أولى القبلتين، وثاني البيتين، وثالث الحرمين، ولهذا فهو محط أنظار المسلمين.

وفي المدينة مساجد أخرى كثيرة يبلغ عددها (35) مسجدا، وبها مقدسات مسيحية وأهمها كنيسة القيامة، ولا يملك اليهود بها آثارا ولا أماكن دينية ولا مقدسات على الرغم من الضجة العالية والعويل الطويل إلا عرفا تقليديا لهم في البكاء خارج القسم الجنوبي من الحائط الغربي للحرم الشريف يسمى حائط المبكى.

 

عدد السكان

كان عدد السكان سنة 1367ه‍ سنة 1948م نحو (160) ألف نسمة نصفهم من العرب والآخر من اليهود وجاء عددهم هذا وليد الهجرة الناتجة عن وعد بلفور الجائر، ففي النصف الثاني من القرن السابع عشر لم يكن عدد اليهود سوى (150) شخصا، وفي سنة (1170م) لم يكن في المدينة أكثر من يهودي واحد.

والقدس مدينة سياحية عالمية جذابة ولذا فإن بعض السكان يقومون ببعض الصناعات التي يغلب عليها الطابع السياحي مثل صناعات الخشب، الزيتون، والشموع، والقاشاني، والتطريز والزجاج والأدوات الفضية وغيرها، وبعض السكان يقومون بالزراعة حيث خصوبة التربة فيكثر فيها الفواكه والخضروات بأنواعها المختلفة، والتعليم فيها ناشط مزدهر إذ فيها نحو (50) مدرسة عربية و(30) مكتبة منها ما له قيمة تاريخية. كما يوجد بها جميع الدوائر الحكومية.

 

ما يفعله الصهاينة المحتلون

يعمل الصهيونيون اليهود على توسيع رقعة القدس وزيادة سكانها وتخطيط الحي اليهودي فيها، وقد تضمنت الخطة عمارات متراصة مرتفعة يشبه بعضها ناطحات السحاب، واشتملت على نواد وبارات ليلية كثيرة، وشقق صغيرة تحيل المدينة إلى ما يشبه محطة السكة السوداء داخل مظاهر الزيف والنشاز، وقد عرضت الخطة على ثلاثين من المهندسين والمعماريين والفنانين العالميين فنفروا منها جميعا ورفضوها لمغايرتها طبيعة المدينة المقدسة. وقد فعلوا فيها ما لا يستوعبه المجلدات.

وقد توغلت الحفريات التي يقومون بها في اختراق الحائط الجنوبي للحرم الشريف والأروقة السفلية للمسجد الأقصى في أربعة مواقع الأول، في أسفل محراب المسجد الأقصى والثاني أسفل مسجد عمر، والثالث: تحت الأبواب الثلاثة للأروقة الملاصقة للمسجد الأقصى وهنا توغلت (20) مترا في داخل الحرم، والرابع تحت الأروقة الجنوبية الشرقية للمسجد الأقصى، أصبحت هذه الحفريات تهدد المسجد الأقصى وسور الحرم الجنوبي بالتصدع والانهيار.

ورغم كل ذلك فقد واصلت السلطات الصهيونية إخلاء العقارات والأراضي بالقوة وتمكنت من إجلاء ما يقارب من خمسة آلاف عربي من مساكنهم وأماكن عملهم داخل الأسوار وحرست ما لا يقل عن ألف من العمل في الزراعة في الأراضي المصادرة خارج الأسوار يعيلون لا أقل من خمسة آلاف شخص، وإجلاء ما يقرب من ألف عربي من مساكنهم خارج الأسوار، وهي بالإضافة إلى ذلك جادة في ملاحقة الباقين منهم ويقدرون بحوالي الألف بالجلاء والتشرد.

 

الاستيطان الإسرائيلي

يهدف إلى جعل القدس مدينة يهودية، كشف عن ذلك وزير الإسكان اليهودي عن مؤامرة الاستيطان التي باشروها منذ 1968 خارج أسوار القدس وداخلها وما حولها، وتستهدف بناء (35) وحدة سكن وتتسع لإسكان (122) ألف صهيوني جديد.

وقد نفذت هذا البرنامج خلال السنوات الست الماضية وتم لها إنشاء ستة عشر حيا أو مستعمرة جديدة على أنقاض ما هدم من أحياء وقرى عربية وعلى ما صور أو اغتصب من الأراضي داخل أسوار المدينة وخارجها.

 

احراق المسجد الأقصى

في يوم الخميس 8 جمادى الثانية 1389ه‍ أحرقت إسرائيل المسجد الأقصى، وقد دمر الحريق القسم الجنوبي الشرقي منه، كما أتى على المنبر، وقد ادعت إسرائيل أن ماسا كهربائيا سبب الحادث، ثم تراجعت وزعمت أن شابا أضرم النار في المسجد.

هل يحتاج المسلمون بعد ألسنة النار التي التهمت المسجد الأقصى إلى من يوقد حميتهم ويشعل إرادتهم للوقوف صفا واحدا وجبهة واحدة في وجه العدو، ولكن من المؤسف حقا أن إشعال النار في أولى القبلتين وثاني البيتين وثالث الحرمين لم يكن مفاجأة وأن المسلمين والعرب لم يأخذوا على حين غرة عندما أقدمت إسرائيل على حرقه ولن يؤخذوا على غرة إذا فعلت إسرائيل لا قدر الله بمقدساتهم أكثر من ذلك.

إن القدس كانت ولا تزال محل أطماع اليهود والصليبيين، أما الصليبيين فقد يئسوا من تحقيق أطماعهم منذ أن هزمهم صلاح الدين الأيوبي واستردها منهم، وأما اليهود فما زالوا يتأمرون عليها وقد استطاعوا بغدرهم وتفكك المسلمين أن يسيطروا عليها ولكن ذلك لن يطول فسنستردها بعون الله منهم وتبقى تراثا إسلاميا مصونا تحوطها القلوب المؤمنة وتحميها صدور المسلمين، وسوف يرتد كل معتد على القدس والمسجد الأقصى خاسئا بإذن الله.