|
|
|
صفات ربنا حقيقة
على الوجه اللائق بكماله |
|
لفضيلة الشيخ محمد المجذوب |
|
المحاضر بكلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
يقال
إن أفلاطون قد سئل ذات يوم كيف آراء أستاذك سقراط، وهو الذي لا تكاد ترفع عليه
أحدا من الناس؟ فأجاب: نحب سقراط ونحب الحق، ولكن الحق أحب إلينا من سقراط. وقد
رأينا تلميذي أبي حنيفة الأفضلين لا يترددان عن خلافه
في كثير من الأمور للغاية نفسها، وهو من أكرم الناس عليهما،
رحمة الله على الثلاثة أجمعين. |
|
ذكرت
هذا وأنا أستمع إلى فضيلة الأخ الأثير، شيخ الأدباء ومحدث الشعب الأستاذ علي الطنطاوي، في برنامجه المرغوب "مسائل ومشاكل"
وذلك في الساعة الثامنة إلا ربعا من مساء الأربعاء الواقع في التاسع والعشرين من
ربيع الآخر _ عام _ 1396ه وكان السؤال الذي أجاب عليه يتعلق بمفهوم "القَدَم"
في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن
النار لا تفتأ تتطلب المزيد من الأشقياء حتى يضع فيها الجبار قدمه _ وفي رواية
أخرى رجله _. |
|
لقد
رأيت الأستاذ كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى وهو يحاول البحث عن الجواب الجامع
المانع.. حتى اتكأ على إحداهما أخيرا وقطع بأن القدم
في الحديث ليست على ظاهر اللفظ، وإنما هي لون من الكناية _ التي يراد بها لازم
معناها _ وراح يؤكد ذلك بكلام نقله من (لسان العرب) وخلاصته أن المراد بالقدم
هنا هم أهل النار، ويروي عن اللسان كذلك ما يثبت هذا التخريج بعبارات تثبت أن
العرب يستعملون القدم بمعنى الطليعة، ومقدمة الجيش وما إلى ذلك. ثم مضى فضيلته
يفرّع على هذا الأصل بعرض طائفة من مشتقات القدم.. |
|
ولو
أن تقدير الإنسان لآخر يوجب السكوت عن كل ما يقول لكان علي - بالأقل - أن أسكت
على ما سمعت فلا أتعقبه بشيء، ولكن الواجب يقتضي غير ذلك، لأن الموضوع أخطر من
أن يهمل، ولأن مكانة الأخ العزيز تجعل لقوله وزنا وأثرا يتعذر إقلاعه من النفوس،
سواء كان ذلك الأثر سلبا أو إيجابا، وهذا ما حفزني على أن أتناول الموضوع بشيء
من التفصيل رجاء أن نتلاقى على القرار الذي يطمئن إليه قلب المؤمن، وملئى اليقين بأن فضيلة الأخ سيكون على غاية من السرور إذا
وجد في عرضي هذا الحق الذي لا يعدل به شيئا آخر. |
|
فأول
ما أَسترعي إليه انتباه الأخر هو وقوفه في نقوله من لسان العرب على القول
المنسوب إلى الحسن وأصحابه وقبوله دون مناقشة، ودون تتبع للمصادر التي استقى
منها ابن منظور هذا القول، على خلاف ما عودناه فضيلته من إيثار للتحقيق والتدقيق
في مثل هذه الأخبار الهامة، يضاف إلى ذلك إغفاله الرواية الأُخرى المقابلة لتلك
عن اللسان نفسه، وهي القول بأن الخبر "متروك على ظاهره ويُؤمَنُ به، ولا
يفسر ولا يُكَيَّف" ولو هو قد فعل ذلك لأبرأ ذمته، ولترك
للسامعين أن يعرضوا الأمر على مطالعاتهم وفطرهم، فيختاروا أيهما
أليق بكماله تعالى، وبما وصف به نفسه في الكتاب الحكيم وعلى لسان رسوله الكريم
صلى الله عليه وسلم. |
|
وقد لوحظ من خلال محاولاته الوصولَ بالأمر إلى القرار
النهائي، شدةُ تعويله على جانب الاشتقاق اللغوي في تفسير "القَدَم"
وذلك بحشده الأشتات من الكلمات المحتوية على حروفها. |
|
ومع
أن اتصال اللفظ بصفات الله يقتضي الرجوع باستيضاحه إلى أئمة الحديث والتفسير
والفقه بالدرجة الأولى، فقد أغفل هذا الجانب تماما مكتفيا بالدلالات اللغوية،
وهو الأديب البليغ الذي لا يفوته أن اللغة واحدة من وسائل المعرفة الكثيرة في
هذا الميدان، وأن كل ما يتعلق بأسماء الله وصفاته يعتمد في تحديده على المأثور
من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومفهوم السلف.. ولو
تُرِكَ أمره إلى اللغويين وحدهم لاضطرب الحبل، وضاعت الحقيقة في ركاب المجازات
والكنايات وما إليها من معمَّيات.. |
|
ثم
شيء آخر لا مندوحة عن التوكيد عليه في نقول اللسان. |
|
إن
هذا المعجم الموسوعي قد أُلِّفَت أصوله في ظروف متأخرة، ثم جاء ابن منظور رحمه
الله ليضم بعضها إلى بعض في عهد تراكمت أثناءه مقررات الفرق وأهل الكلام
والمتفلسفة، فابتعدت السبيل بالفكر الإسلامي عن ينبوع الوحي المصفّى، إذ أصبحت
آراء الرجال هي الحكَمَ الفصلَ في كل خلاف بين الكثرة من أهل العلم. |
|
وما كان لابن منظور ولا سواه أن يتخلص من آثار ذلك الجو
إلا من رحم الله، ومن هنا تسللت إلى أعمالهم اللغوية والثقافية تلك الشواذ التي
لم ينقل مثلها عن أحد من أئمة الهدى في خير القرون. |
|
وعلى
هذا فإن مجرد إلحاق مثل تلك الرواية بالحسن وأصحابه لا يكفي للقطع بصحتها، لأن
الإقدام على تحكيم اللغة والهوى في تأويل صفات الله لم يكن مما يسوغه التابعون
أو يسكتون عليه، فضلا عن أن يقبلوه ويقولوا به، وإنما نجم ذلك على لسان بعض
المتتلمذين اليهود والصابئة بعد عصر الحسن بزمن، ثم تفاقم الأمر بعد محنة الإمام
أحمد، وشرع المتأثرون بمترجمات الفلسفة يطلقون سهامهم لتحريف المفهومات
الإسلامية عن صفات الحق سبحانه.. |
|
ولم يتورعوا عن الكذب على الأئمة بأن ينسبوا إليهم ما
لم يقولوه، أو يذهبوا بأقوالهم إلى غير ما أرادوه. وقد نقل شيخ الإسلام بن تيمية
عن الطبري عن الإسفرائيني عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة "أن الفقهاء كلهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن
والأحاديث في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه.." وروى البيهقي بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام أن "هذه
الأحاديث التي فيها : ضحك ربنا من قنوط عباده، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك
فيها قدمه.. هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا لا نفسرها، وما
أدركنا أحدا يفسرها[1]
. فليت شعري.. ألا
يسعنا اليوم ما وسع أمس أولئك السادة من أهل الحق، فنقف حيث وقفوا من أوصاف الله
نفسه، وأخبار رسوله عنه، فلا نتجاوز سبيلهم إلى التأويل والتعطيل وما يقاربهما!.. |
|
وما
الذي يحول بيننا وبين الإيمان بأن لربنا قدما وعينا وسمعا وبصرا وساقا وما إلى
ذل مما ثبت من صفاته العُلى في كتابه وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم؟.. وفيم
نفتح على أنفسنا أبواب التكلف فنصرفها عن وجوهها إلى المجازات والكنايات وما في سبيلهما؟ |
|
إذا
كان الباعث على ذلك خوف الوقوع في التشبيه والتجسيم فقد كفنا الله ذلك الخطر
بنفي مشابهته لخلقه في أي شيء، فنحن نؤمن بكل ما صح عنه وعن رسوله في صفاته مع
كمال تنزيهه عن المشابهة.. فيده وقدمه وعينه مثلا كعلمه وقدرته وحكمته، نثبتها
كلها على الوجه اللائق بكماله سبحانه. |
|
فكما
أن علمه لا يشبه علم الإنسان، وقدرتهُ وحكمتهُ لا مجال للمشابهة بينهما وبين هاتين الصفتين في مخلوقاته كذلك الأمر في القدم
واليد والعين، لا تشبهها قدم، ولا تناظرها عين ولا تقاس بها يد.. |
|
ونحن
نقرأ في كتاب الله وصفه لألوان النعيم في الجنة فلا نتصور أنها من النوع نفسه
الذي نتمتع به في الدنيا، وإنما لكل من النعيمين
مزيته المناسبة لبيئته.. |
|
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما
أن ليس في الجنة من أشياء الدنيا إلا الأسماء. فالاشتراك إذن بين النوعين إنما
يقع في اللغة دون الماهية.. وكذلك صفاته تعالى أطلق
عليها أسماء أشياء نعرفها، والفرق بين هذه وتلك هو فرق ما بين الفاني والباقي،
والناقص والكامل، تعالى ربنا عما يقول المشبهون والمعطلون علوا كبيرا. |
|
وأخيرا.. لنقف قليلا أمام بعض هذه الأحاديث التي هي مدار الحديث. |
|
في
الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات
بيمينه، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟!" وفي مسلم
عن ابن عمر رضي الله عنه "أين الجبارون .. أين المتكبرون؟!". |
|
وقد
ورد هذا الحديث بألفاظ أكثر تفصيلا وأشد تهويلا، كالذي رواه ابن منده وابن خزيمة وغيرهما من الأئمة عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه رأى رسول
الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول: "يأخذ
الجبار سمواته وأرضه.. وقبض بيده وجعل يقبضها
ويبسطها ويقول: أنا الرحمن، أنا القدوس، أنا السلام،
أنا المؤمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك
شيئا. أنا الذي أعيدها. أين الجبارون. أين المكبرون؟. ويصف
ابن عمر رضي الله عنه رسول الله أثناء ذلك قائلا :
|
|
"ويتميل
رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى
إني أقول: أساقط هو برسول الله؟ !..". |
|
ومعلوم
أن أصل الحديث في قوله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ} ( 39/67). |
|
فها
هنا يمين الله يمسك بها السموات والأرض.. قابضا باسطا مهددا منذرا، وقد أُخِذَ رسول الله بهول الموقف
فهو يهتز يمنة ويسرة حتى ليخشى ابن عمر عليه السقوط.. |
|
وفي
الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "أتى النبي صلى الله عليه وسلم
رجل من اليهود فقال: يا محمد إن الله يجعل السموات
على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على
إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك
أنا الملك..".
يقول عبد الله رضي الله عنه: "فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت
نواجذه تصديقا لقول الخبر، وقال: "
{وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ }"[2]. |
|
فها
هنا أيضا أصابع مضافة إلى الرحمن يسمع رسول الله ذكرها فلا ينكره،
بل يقره ويؤيده بتلاوة الآية.. |
|
فأي
هذه الآثار الثابتة يجرؤ على التردد في قبوله عاقل؟.. وأي معنى غير الحقيقة يستخلصه
من خلالها لغوي ؟! وهل ثمة من مجال للكناية أو المجازة
في هذا العرض الذي يزلزلنا برهبته؟! |
|
إن
ربنا في هذه الأخبار القاطعة يمجد نفسه، وله المثل الأعلى، وهو الحقيق بكل
تمجيد، فيذكر بعض صفاته المعنوية التي يتفق على الإيمان بها المسلمون قاطبة، فأي
فرق بينها وبين قبضه السموات والأرض بيمينه، وهو من
صفاته الذاتية؟! إن بعض صفاته الأولى مما يطلق أيضا
على بعض خلقه، فيقال: فلان ملك وعزيز وجبار ومتكبر.. |
|
ولكننا
جميعا متفقون على أنها في المخلوق غيرها للخالق سبحانه. فعلام نختلف في شأن
اليمين _ والأصابع _ فنقول إنها على الحقيقة اللائقة بكماله تعالى دون تكييف ولا
تحريف، ويقول الآخرون إنها وإنها وإنها، حتى ليكادون ينتهون بها إلى غير شيء!..
ثم يكون حصيلة ذلك الرفض لحقيقة الصفات أن ينجرَّ أصحابه إلى تأويل كل صفة ذاتية
لربهم ثبتت له في القرآن أو السنة الصحيحة، كما فعل المعتزلة بتأويل معظم صفات
الله، حتى أوشكوا أن يشركوا النصارى في وصف ربهم بأنه "محبة"
.. أي أنه معنى لا ذات له!.. |
|
أليس
خيرا وأسلم للمسلم أن يقف مع الأولين الأفضلين من سلف
هذه الأمة يإزاء هذه الأمور فلا يلقى بنفسه في
المتاهات التي سلكها المتأخرون من المتفلسفة والمتكلمين!!. |
|
ألسنا
قد أثبتنا لربنا ذاتا لا كالذوات فما المانع من إثبات
صفات لا كصفات المحدثات؟!. |
|
يقول
سفيان بن عيينة رحمه الله : "كل ما وصف الله به
نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوتُ عنه. ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله[3]. |
|
وهذا
ما ندين الله به فنثبت له سبحانه ما أثبت لنفسه، ونقول ما قاله أهل الحق، من أن
المراد باليدين إثبات صفتين ذاتيتين تسميان
يدين[4]. |
|
ومثل ذلك
نقوله في القدم والساق والأصابع والكف والعين والسمع والبصر، ولا نتجاوزه إلى ما
ليس لنا به من علم، ورحم الله مالكا الذي أدرك خطر هذا المنزلق فجاء بالفصل
الحاسم في قوله لسائله: "الاستواء معلوم، والكيف
مجهول.." ومثل ذلك روي عن أم سلمة رضي الله عنها
وفيه: "والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". |
|
وأخيرا
إن القيمة التي توزن بها كلمات الأخ الطنطاوي هي التي
حفزت إلى كتابة هذا التعقيب. وهو قد أعلن رأيه لعشرات الآلاف من مستمعيه، فلا
أقل من أن يقرأ هذه الكلمات بعض هؤلاء المستمعين، ليستيقنوا أن هناك أفهاما أخرى تنظر إلى الموضوع من غير الزاوية التي أطل
منها. |
|
ولا
حاجة للاعتذار إلى فضيلته، فأنا وإياه على سواء في إيثار الحق على أي اعتبار آخر
إن شاء الله. |
|
والحمد
الله ملهم الصواب. |