طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

 

 

تلميذي العزيز:

كتبت إليّ تقول: لقد أنهيت دراستي الثانوية، وأصبحت طالبا جامعيا، وإني لأرى المقررات واسعة ذات شعب، وأن عليّ أن أدرس ساعات طويلة خارج قاعات المحاضرات، فأرجو أن تقدم إليّ شيئا من النصح، وأن تزوّدني ببعض التجارب.

 

تلميذي العزيز:

لو كنت أعلم أنك قد دخلت الجامعة طمعا في شهادة تكسب بها الرزق، وتنال بها الوظيفة، ثم لا يهمك بعد ذلك علم ولا يشوقك بحث، ما كتبت إليك نصحا، ولا تحدثت إليك عن تجربة.

ولكني عرفتك على مقاعد الدراسة ذا حياة ونشاط وفطنة، وعرفتك في البيت ذا نفس طُلَعة، تجد خير متعة لها أن تقرأ، وخير محدث تصغي إليه الكتاب.

وذلك _ لا شك _ ينبئ برغبة صادقة في العلم، ونزعة فطرية إلى البحث وأول ما يقوم عليه نجاحك في الدراسة هذه الرغبة التي لها بين جنبيك حسيس وغليان، ثم هذا الإحساس الفطريّ غير المتأثر بعوامل خارجية.

أما أولئك الذين يدرسون بعوامل من الخارج، كأن يكون ذلك خوفا من رسوب وهربا من خزي، أو حرصا على مرضاة أهل وأقارب، أو منافسة للأنداد ومفاخرة في المجالس، أو تصيدا لمناصب الدولة، فقد تكون دراستهم ذات نفع، وقد تكون بحوثهم ذات قيمة، ولكن عطاءهم سرعان ما يؤول إلى انقطاع، كما تلمع البروق في السماء، وكما تسقط الشهب على الأرض.

 

تلميذي العزيز:

لا بد لك في مطلع عامك الدراسي من جدول تسير عليه، إذا ما كنت خارج قاعات المحاضرات، وأنهيت دوام الحصص اليومية.

وأنت نفسك الذي ينبغي أن تنظم هذا الجدول، وأن توزع ساعات قراءتك ودراستك على موادك العلمية المقررة، ولا يستطيع أحد غيرك أن ينظم هذا الجدول لك، لأن الساعات التي تجعل للدراسة تطول وتقصر حسب قدرة الطالب عليها، واستعداده لها، ورغبته فيها، فأنت أدرى بقدرتك واستعدادك وما عندك من رغبة وإقبال.

ومهما يكن من أمر فإني أنصح لك ألا تقلّ ساعاتك التي تتفرد بالدراسة عن أربع ساعات كل يوم، على أن يفصل بينها وليس منها أوقات عبادتك وطعامك وراحتك، ولا تنس أن توفر لنومك الهادئ المطمئن ساعات كافية وافية.

على أن الدراسة ليست بكثرة الساعات ولكن بمقدار ما تفيد وتنفع، فهناك طلاب يضطرون إلى أن ينفقوا بعض أوقاتهم في أعمال يكسبون بها الرزق ولا يخصّون الدراسة إلا بساعات قليلة، ومع ذلك تراهم يفوقون طلابا متفرغين للدارسة ليس لهم ما يشغلهم عنها.

وهناك طلاب أذكياء يقرءون بسرعة ويفهمون بسرعة، وهناك طلاب متوسطو الذكاء قراءتهم بطيئة وفهمهم بطيء، وهناك طلاب يدفعهم حب الامتياز والتفوق إلى أن يخصوا دراستهم بسبع ساعات أو ثمان كل يوم.

والذي أنصح به أن يكون جدولك الدراسي عمليا واقعيا يمكنك تنفيذه والسير عليه دون أن تنفق كل ما لديك من نشاط وطاقة، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهر أبقى.

ولا ريب أن الاستمرار في القراءة والدراسة دونما فترات راحة، يجلب التعب والإرهاق، ويبعث الملم والسأم، ويضعف القدرة على الفهم، وقد أثبتت التجارب أن الطالب الجامعي لا يستطيع أن يظل محتفظا بنشاطه الذهني وأن يحصر انتباهه في موضوع محدد، مع قدرة الفهم والهضم، لا يستطيع ذلك أكثر من خمسين دقيقة.

ولقد توصل علماء النفس والتربية بعد إجراء تجارب كثيرة في ميدان توقيت عملية التعليم إلى النتيجة التالية:

تتعلم كثيرا، وتتذكر ما تعلمته جيدا، إن كانت ساعات دراستك مختلفة متباعدة، وذلك يفوق ما تتعلمه وتتذكره إن كانت ساعات دراستك متواصلة متوالية.

فلا بد من الراحة بعد كل خمسين دقيقة، على ألا تقل هذه الراحة عن عشر دقائق، ولا تزيد عن خمس عشرة دقيقة، لا بد من هذه الراحة وإن كنت قادرا على الاستمرار في الدراسة، وكنت ذا نشاط وقوة.

وإني لأنصح لك أن تخص كل محاضرة من محاضراتك اليومية في الجامعة بساعة دراسة في البيت، على أن تزيد هذه الساعة وتنقص حسب صعوبة المادة وسهولتها بالنسبة لك، ومن سوء التدبير أن تهمل بعض المواد إهمالا تاما، وأن تقصر الساعات كلها على بعض المواد.

وإن أفضل وقت لدراسة أي موضوع الوقت الذي يكون قريبا من تدريس المدرس لذلك الموضوع، ولهذا ينبغي أن يكون جدول دراستك الخاصة مسايرا جدول التدريس في الجامعة.

ومن المجرّب أن قراءتك الموضوع قبل تدريسه أفضل خطة يمكن أن تسير عليها، وكلما ازداد ما تعرفه عن المحاضرة قبل إلقائها ازدادت الفائدة منها، وازدادت قدرتك على أن تميز فيما يلقيه المحاضر بين ما هو خير وله قيمة وبين ما هو حشو تافه لا خير فيه.

وتعطيك قراءة الموضوع قبل تدريسه قدرة على أن تختار بسهولة وعن علم الملاحظات الجديرة بالتسجيل في دفترك الخاص بالملاحظات، وتعطيك فرصة لأن تسأل المدرس وتباحثه في أمور عرضت حين قراءتك الموضوع.

أما إذا أجَّلت قراءة الموضوع إلى ما بعد تدريسه فسوف تحتاج إلى بذل جهد كبير كي تفهم ما يقوله المدرس، ومن المتوقع أن تشغل نفسك بتسجيل ملاحظات يكون بعضها تافها لا قيمة له، وبعضها جاء في الكتاب المقرر وأنت لا تدري.

ومن سيئات تأجيل قراءة الموضوع إلى ما بعد تدريسه أنك لن تجد فرصة للتعمق فيما يقوله المحاضر، ولا لنقده، ولا لترجيح رأي على رأي.

وربما كان في الكتاب المقرر بعض عبارات غامضة، وألفاظ اصطلاحية تحتاج إلى إيضاح، فلا تدري بها إلا بعد فوات الوقت المناسب.

 

تلميذي العزيز:

قد يكون بين زملائك في الجامعة من يبدد وقته ضياعا وهو لا يدري، يجلس إلى كتبه ليدرس، فيمسك بكتاب إحدى المواد، حتى إذا مضى في قراءته عشر دقائق أو قريبا منها ملّ وسئم، فيلقى به جانبا، ثم يمسك بكتاب مادة أخرى، فلا يلبث بين يديه أكثر من عشر دقائق ثم يعافه وينبذه، ثم ينتقل إلى مادة ثالثة فلا يكون حظها من العناية والصبر أوفر من أختيها، وهكذا دواليك.

فإذا كان بين زملائك مثل هذا ممن لا يستطيعون حصر الذهن في موضوع واحد مدة تقارب الساعة، فأفضل علاج له أن يقسم أوقات دراسته على مواده المقررة بالدقائق، فيخصّ كل مادة في بداية الأمر بعشرين دقيقة، تعقبها راحة لا تزيد على عشر، ثم بعشرين دقيقة مادة أخرى تعقبها راحة كتلك، وهكذا..

حتى إذا درب على ذلك وأصبح له عادة، زاد الوقت المحدّد لكل مادة زيادة صغيرة، لا تقل عن خمس ولا تزيد على عشر، وتستمر الزيادة مع مرور الزمن، ومع ازدياد القدرة على الدراسة وازدياد الرغبة في العلم، إلى أن تصل إلى خمسين دقيقة وهو الحد الأقصى، على أن تظل الراحة التي تعقب دراسة كل مادة عشرا أو تزيد قليلا.

لا أدري أمنفردا تدرس، أم تشرك بعض إخوانك وزملائك في دراستك ومهما يكن من أمر، فبعض المربين يرى الدراسة الجماعية المشتركة إنما تفيد الطالب الضعيف والمتوسط، ولا تفيد الطالب القوي.

وفريق أخر من المربين يرى أنها تفيدهم جميعا، أما الضعيف والمتوسط فالأمر فيهما ظاهر، وأما القوي فله منها فوائد ثلاث:

أما الأولى فإن مساءلة إخوانه له، ومباحثتهم إياه، ومحاولته التفهيم والشرح كل أولئك يحمله على أن يدقق النظر ويعمق الفهم، وينبهه لأمور لم تكن لتخطر له على بال، ومن الأقوال المشهورة بين رجال التعليم: إذا أردت أن تتعلم شيئا فحاول أن تعلمه غيرك من الناس".

وأما الفائدة الثانية فإن الدراسة الجماعية تدرب الطالب القوي على أن يعبر عما علم وفهم بطلاقة لسان وحسن بيان، وهذا ليس بالشيء القليل الهيّن، فكثير من الطلاب يقرءون ويفهمون، ولكنهم إذا طولبوا أن يفحصوا عما فهموا تلعثم اللسان واضطرب البيان.

والثالثة أنها تمكن لمعلومات الطالب القوي في ذهنه، وبذلك تخفف عنه عبء المراجعة في آخر العام.

ويشترط لنجاح الدراسة الجماعية أن يتفق أفرادها من قبل أن يبدءوا بها أن يتفقوا على ما يسمى بورقة عمل، فإن لم يكن ورقة عمل يسيرون عليها فلا خير يرجى من تلك الدراسة.

على أن الدراسة الجماعية لا تصلح إلا في أول العام الدراسي، حين يكون المقروء قليلا والوقت طويلا.

 

تلميذي العزيز:

لا أدري أين تدرس؟ ولا أين تطيب لك الدراسة؟ غير أني أنصح لك أن يكون مكان دراستك بعيدا عن كل ما يشرد بذهنك، ويطير بعواطفك وفكرك، أن يكون خاليا من "الراديو" ومن "التليفزيون" ومن المجلات المصورة وغير المصورة ومن الصحف اليومية وغير اليومية.

ولتعلم أن أشد الناس عداوة لوقتك واعتداء عليه أصدقاؤك وزملاؤك وأقاربك، هؤلاء الذين يزورونك بلا موعد ولا حساب، ويشغلونك عن دراستك بأحاديث فارغة وأمور تافهة.

فاختر لدراستك مكانا يأبى على هؤلاء وأمثالهم أن يغيروا عليه ليلا أو نهارا، وإقبالا وإدبارا.

وربما كانت مكتبة الجامعة خير مكان لدراستك إذا هيئت لك فيها الدراسة وصلحت، فللمكتبة نظام يوفر لها الهدوء والسكينة، ويدرأ عنها ما يشتت الخواطر ويكدّر الأذهان، وفي المكتبة تنجو من زيارات فارغة تافهة تسحت وقتك وتفسد دراستك.

وإذا وجدت المكتبة خير مكان تدرس فيه من بعد تجربة، فإياك أن تجلس على مقربة من الباب فتشغل نفسك بمن يدخل ويخرج ولكن وَلِّ وجهك شطر الجدار، فلا ترى أحدا ولا يراك أحد.

وعلى كل حال فالمكان عادة وإلْف، فمن الطلاب من اعتاد الدراسة في المساجد، ومنهم من اعتاد الدارسة في الحدائق العامة، ومنهم من اعتادها في ساح الجامعات وأفنيتها، ومنهم من اعتاد أن يدرس في غرفته الخاصة فخير مكان مكان يحفظ عليك وقتك، ويحول بينك وبين ما يلهيك عن دراستك.

فإذا لم تتيسر لك مكتبة الجامعة، ولم يك في الجامعة قاعة واسعة خاصة بالمطالعة، تخضع للإشراف المهيمن والنظام الصارم، فربما كان أفضل مكان لدراستك غرفتك الخاصة، فإن وجدت فيها راحتك وطمأنينة نفسك فالحذر الحذر أن تدرس وأنت مستلق على الفراش، فالفراش يبعث على التراخي، ويدعو إلى الكسل والنوم، والأفضل أن تجلس على كرسي يكون مستقيم الظهر، وأمامك منضدة خالية من كل شيء، إلا ما تحتاج إليه من كتب مقررة ودفاتر ملاحظات وبعض المعاجم اللغوية، وليكن وجهك إلى الجدار، وحذار أن يكون أمامك نافذة مفتوحة، إنها سترحل بعينيك إلى خارج الغرفة، وتنتزعك من بين كتبك إلى أماكن شتى وآفاق بعيدة.

وإياك والانحناء في أثناء الدراسة، فذلك يتعبك ويضر بصحتك ويجلب عليك الكسل.

 

تلميذي العزيز:

ليس توفير ساعات معدودة للدراسة كل يوم، وتوزيعها على المواد المقررة، واختيار المكان المناسب، ليس ذلك كل ما تطلبه الدراسة الناجحة، فهناك أمور أخر أرجو أن تهتم بها وترعاها، وإن رآها كثير من الطلاب ليست بذات بال.

فدخولك غرفة التدريس في أول الحصة وقبل أن يبدأ المدرس محاضرته أمر يجب أن تحرص عليه وترعاه، كي لا يفوتك شيء من التوجيهات، أو المعلومات أو الإشارة إلى مراجع ذات قيمة، ومن جهة أخرى فهذا الدخول المبكر يوثق الصلة بينك وبين المدرس، ويجعل بينكما مودة ورحمة، فتراه حريصا على فهمك، محتفيا بأسئلتك، لا يعرض عنك ولا يعتذر إليك إن سألته خارج غرفة التدريس أو داخلها.

وأرجو كذلك أن تحرص على حضور كل حصة، فحضور كل حصة يجعل معلوماتك في كل مادة متواصلة متماسكة ليس فيها فجوات ضعف ولا ثغرات جهالة.

أما الأمر الثالث الذي أود أن تحرص عليه فهو أن يجهز مكان دراستك بالنور الكافي، والنور الكافي ضروري لنشاطك ولسلامة عينيك، ولمستقبل حياتك العلمية والعملية، النور الضعيف يبعث الملل ويأتيك بالكسل، وأشد إضرارا من ذلك أنه يتلف عينيك اللتين هما من أعظم ما يعينك على دراستك، وأعظم ما يوفر لك الوقت للبحث المتعمق والإنتاج المثمر.

وما أكثر الطلاب الذين يهملون هذا الأمر، ويدرسون على أضواء شاحبة هزيلة، حتى إذا أصاب أعينهم الأذى ولحق بها الضعف، أخذوا يعضون على أيديهم، ولات ساعة مندم.

 

تلميذي العزيز:

ما حدثتك عنه من وضع جدول خاص لدراستك، واختيار مكان مناسب لتلك الدراسة، ومن أمور أخر كالتبكير في حضور الحصص، والحرص على حضور كل حصة، والنور الموفور في مكان الدراسة، كل أولئك خطوات تمهيدية للدراسة، أما الدراسة نفسها فلم أحدثك عنها بعد.

ماذا تعني كلمة الدراسة؟

أول ما يخطر بالبال أنها فتح كتاب مقرر، ومحاولة استظهار ما فيه استعدادا للامتحان، وهذا معنى ضيق محدود لما تعنيه كلمة الدراسة، أما الدراسة بمعناها الأعم الواسع فهي: كل مجهود يبذل في سبيل التعلم.

وأياًّ كان معناها، فالدراسة لا بد لها من القراءة، والقراءة أعظم الدعائم التي تقوم عليها الدراسة.

والحديث عن القراءة عامة حديث يطول، ولا تتسع له هذه الرسالة، وربما حدثتك عنه في رسالة قادمة، أما اليوم فيكفيني ويكفيك أن أحدثك عن قراءة الكتب المقررة.

الطريقة المثلى في قراءة الكتب المقررة في الكليات أن تقرأ الموضوع الذي تدرسه ثلاث مرات، ولكل قراءة هدف يختلف عن هدف القراءة الأخرى وعليك أن تعرف الهدف أولا ثم تمضي في القراءة من أجله.

فهدف القراءة الأولى أن تعرف الفكرة الأساسية للموضوع الذي تقرؤه وتسمى هذه القراءة قراءة التصفح ولذلك ينبغي أن تكون سريعة.

ثم تعود فتقرأ الموضوع قراءة ثانية ويكون الهدف معرفة المسائل الرئيسية والتفصيلات المهمة، وفي هذه القراءة تكون بطيئا متأنيا متعمقا دقيق النظر.

ثم تعود فتقرأ الموضوع قراءة ثالثة، ويكون الهدف من هذه القراءة أن تجيب عن أسئلة تضعها أنت.

والأسئلة لها حظ عظيم مهم في عملية التعليم والتعلم، الأسئلة تعطي هدفا للتعلم، تجعلنا نفكر ونحن نقرأ وندرس، تجعلنا نفكر فيما نريد أن نتعلمه من هذه الدراسة، وإذا حاولت وأنت تقرأ أن تجيب عن سؤال فإن ذلك يجعل ما تدرسه ذا معنى محدّد.

ومن الثابت بالتجارب أن الطلاب يتذكرون ما يتعلمونه جوابا عن سؤال أفضل من تذكرهم ما يتعلمونه بالقراءة المجردة، وأن الطلاب الذين يقرءون ويدرسون ولا يجعلون قراءتهم مبنية على أساس أن تكون أجوبة لأسئلة ينسون بسرعة، وتختلط في أذهانهم الفكر الرئيسية بالفكر الثانوية ويفقدون الدقة في الإجابة.

ولكن من الذي يضع الأسئلة؟ أنت نفسك أفضل من يضعها، قد يكون هذا في بداية الأمر شيئا صعبا، ولكنك بالممارسة والتكرار سوف تصبح ذا قدرة على وضع أسئلة لما تقرؤه دون عناء.

إن وضع الأسئلة يساعدك على الدراسة والفهم والتعمق، وبهذه الأسئلة تكسب معلومات محددة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، لأنك لا تستطيع أن تضع سؤالا إلا بعد أن تصير المعلومات واضحة في ذهنك.

ضع أسئلة لكل شيء تقرؤه وتدرسه منذ بدء الدراسة، ولا شك أن وضع الأسئلة لكل ما تقرأ عمل مرهق جدا ويأخذ منك وقتا طويلا، ولكنه يرتفع بمستواك إلى درجة الطلاب الممتازين.

وهناك هدف رابع للقراءة والدراسة هو تقويم ما تقرأ، فيجب أن تكون قارئا ناقدا، ناقدا ما تدرس ولا سيما الموضوعات التي تعرض فيها قضايا قد تباينت فيها الآراء، واشتد فيها الخلاف والجدل، وجاء صاحب كل رأي بدليله وحجته.

فعليك أن تنظر إلى الأدلة والحجج في هذه القضايا نظرة عادلة منصفة وأن تتبع الحق دون أن تتمسك بآرائك السابقة، ودون أن تتعصب تعصبا جاهليا لما تعودته وألفته.

وهناك هدف خامس للقراءة والدراسة هو التطبيق، وأعني بالتطبيق أن تخضع حياتك لما تقرؤه وتدرسه وتراه صوابا، فإذا استطعت أن تطابق بينهما كان حقا أن نقول إنك قد استفدت من قراءتك ودراستك وقطفت الجني وعدت بالغنم.

أما إذا كنت تعلم الصواب ولا تعمل به، وتعرف الحق ولا تتبعه، فقد فقدت دراستك روحها ومعناها، وأصبحت شجرا بلا ثمر وزرعا بلا حصاد.

والقراءة التي هي أعظم دعائم الدراسة بفقد كثيرا من قيمتها وجدواها إذا لم يصحبها استظهار.

ولكن ماذا تعني الكلمة كلمة الاستظهار؟:

الاستظهار أن تعيد على نفسك بدقة ما تتذكره من المعلومات التي درستها، ولا تعني أن تحفظ معلوماتك حرفا حرفا وكلمة كلمة حفظا "فوتوغرافيا" لا تعقل فيه ولا فهم.

والطريقة المجدية في الاستظهار أن يكون مجزَّأً على فترات، فحين تنتهي من دراسة موضوع أو دراسة معلومات بينها صلات وثيقة، فاستظهر ما درست ومن الأفضل ألا تستظهر قدرا كبيرا دفعة واحدة، جزئه أجزاء صغيرة واستظهرها جزءا جزءا، فذلك أيسر وأسهل، وحذار أن تؤجل الاستظهار إلى آخر عامك الدراسي متعللا أن ما يستظهر سوف ينسى، وضيع الجهد فيه سدى.

فقد أثبتت التجارب أن المعلومات التي تستظهر ثم تنسى يسهل استظهارها مرة ثانية آخر العام، ويسهل تذكرها ساعة الامتحان.

أما المعلومات التي تستظهر آخر العام ولم تك قد استظهرت من قبل، فمن العسير جدا بقاها حية ثابتة ساعة الامتحان.

يقول بعض العلماء: النسيان عملية تخريبية تسير مع القراءة جنبا إلى جنب فإذا انتهيت من قراءة موضوع أو فصل وحاولت بعد القراءة أن تتذكر المعلومات التي قرأتها فإنك لا تتذكر أكثر من خمسين في المائة، وبعد مضي يوم كامل على تلك القراءة لا تتذكر أكثر من ثلاثين في المائة، ثم يكون النسيان بطيئا بعد ذلك.

وخير وسيلة لمقاومة هذه الأعمال التخريبية التي يقوم بها النسيان أن تستظهر ما تقرؤه وتدرسه.

ولا شك أن نسبة ما تتذكره يعتمد على مقدار ما تقرؤه كثرة وقلة وعدد مرات، وعلى نوعية ما تقرأ، وعلى كيفية القراءة، وعلى الفروق الفردية الفطرية التي وهبها الله للناس.

ولقد تبين من التجارب التي أجريت على آلاف الطلاب أن الجماعات التي كانت تقرأ ولا تستظهر كانت تنسى في يوم واحد أكثر مما كانت تنساه في شهرين جماعات أخر كانت تستظهر ما تقرأ.

ولقد تبين من التجارب أيضا أن الطلاب الذين يستظهرون ما يقرءون يفوقون الطلاب الذين يقرءون ولا يستظهرون.

كثير من الطلاب يظنون أنهم قد حفظوا معلوماتهم، وأنهم يستطيعون أن يتذكروها وقت الحاجة حتى إذا جاء الامتحان وسئلوا عنها وجدوا ما كانوا يظنونه حقا قد أصبح ساعة الامتحان سرابا.

وخير طريقة لكي تتوثق من أنك قد فهمت ما درست، وأن استظهارك لمعلوماتك جيد، خير طريقة أن تتوقف من حين إلى حين وتفحص نفسك، بأن تختار بعض الأسئلة التي كنت قد وضعتها من قبل في أثناء دراستك، وأن تجيب عنها كتابة، ثم تصحح لنفسك بأن تقابل إجابتك بما جاء في الكتاب المقرر، وبذلك تستطيع أن تعرف مستوى إجابتك، وقدر استظهارك وتذكرك، وعلى ضوء هذه النتيجة إما أن ترجع القهقرى فتعيد دراسة ما درست من قبل، وإما أن تمضي قدما.

الاستظهار يثبت معلوماتك ويسهل عليك المراجعة آخر العام، ويعطيك نتائج ممتازة في الامتحان، وزيادة على ذلك يعودك حصر الانتباه فيما يقرأ. فكثيرا ما يكون انتباهك ضعيفا، تمر عيناك بالسطور ولكن خيالك يكون شاردا وعيناك لا تدركان ما تقرءان فالاستظهار يحول بينك وبين هذا الشرود، وبينك وبين أحلام اليقظة، ويجعل قراءتك ذات جدوى.

كثير من الطلاب يراجعون ما درسوه واستظهروه في الساعات الأخيرة التي تسبق الامتحان، وهذه مراجعة فيها كثير من الإرهاق والمشقة، ثم هي لا تؤدي إلى الغرض المنشود، وهو تثبيت المعلومات في الذهن إلى أن تحين ساعة الامتحان.

فالمراجعة الأخيرة التي تسبق الامتحان بيوم أو بساعات ينبغي أن تكون للعناية بالنقاط الرئيسية، والتفصيلات المهمة، والتفريعات القيمة، وهي لا تتسع للإحاطة بكل شيء، وإتقان كل جزئية.

ويجب أن تسبق هذه المراجعة الأخيرة مراجعتان على الأقل: مراجعة لكل باب وكل فصل بعد الانتهاء من دراسته واستظهاره، ومراجعة ثانية بعد فترة لا تسمح بنسيانه.

وفي كل فترة يجب أن تختبر نفسك بالإجابة التحريرية عن أسئلة تكون أنت قد وضعتها من قبل في أثناء الدراسة الأولى.

ويجب أن تصحح إجابتك بالرجوع إلى الكتاب المقرر لتعرف ما نسيته وما أخطأت فيه، وما تتذكره من معلومات.

ومن الأشياء القمينة باهتمامك تقييد ملاحظاتك، الملاحظات الجيدة الجديرة بالحفظ الجديرة بأن يستفاد منها في المستقبل.

ينبغي أن تقيد ملاحظاتك في إضبارة خاصة بها، يسهل نزع الورق منها، ويسهل إضافة أوراق جديدة إليها.

ويجب أن تقسم أوراق هذه الإضبارة فيكون لكل مادة أو موضوع صفحات محددة متوالية مرقمة مفهرسة، وفي رأس كل صفحة تضع عنوانا يبين الموضوع أو المسألة التي اشتملت عليها تلك الصفحة.

وينبغي أن تصحبك هذه الإضبارة ساعات المحاضرات في الجامعة، وساعات الدراسة في البيت، كي تتمكن من تقييد الملاحظات جميعا في أوقاتها وفي أمكنتها المختصة بها.

وحذار أن تهمل كتابة أي ملاحظة تراها، أو أن تؤجل ذلك اعتمادا على الذاكرة، أو اعتمادا على كتابتها في المستقبل، فما أسهل أن تنسى، وما أكثر ما ينتهي التأجيل إلى سراب، وبذلك تضيع من بين يديك ملاحظات قد تكلفك في المستقبل جهدا كبيرا ووقتا طويلا.

وإذا اضطررت لأمر ما أن تكتب بعض الملاحظات على أوراق مشردة، فيجب أن تنقلها إلى إضبارة الملاحظات وفي مكانها المناسب في أسرع وقت وأقرب فرصة.

ويجب أن تكتب ملاحظاتك وتلخيصاتك بأسلوبك أنت، وهذا يفيدك فوائد شتى:

فهو يدربك على الكتابة العلمية، ويجعلك ذا قدرة على تلخيص ما تقرؤه في الكتب الموسعة، ويثبت المعلومات في ذاكرتك.

ولقد أثبتت التجارب أن الذين يقيدون ملاحظاتهم في الورق أقدر على التذكر ممن لا يقيدون، وأقدر على التعبير عنها، وكثير من الذين لا يقيدون ملاحظتهم يظنون في أنفسهم أنهم قد فهموا موضوعا، أو أنهم قد استوعبوا مسألة، فإذا طولبوا بالتعبير عما فهموه أصابهم العجز وتعثر اللسان.

وينبغي أن تكون ملاحظاتك وتلخيصاتك متقنة دقيقة تغنيك عن الكتاب المقرر حين تراجع المادة في الساعات الأخيرة التي تسبق الامتحان حين لا يتسع الوقت لقراءة المادة في كتابها المقرر.

كثير من الطلاب يرون في الامتحانات وحشا مفترسا وسبعا ضاريا، تراهم في قاعات الامتحان قبيل تسلم الأسئلة في زلزلة واضطراب، ومن جراء ذلك ينسون كثيرا من المعلومات، ويخطئون في الإجابة عن أسئلة سهلة.

أما الطلاب الذين درسوا مقرراتهم دراسة، وافية، واستعدوا للإمتحان استعدادا كاملا، فلا يشعرون بخوف ولا يعتريهم قلق، تراهم جالسين في هدوء وسكينة، ويجيبون على أسئلتهم بثقة واطمئنان.

ومما ينصح به رجال التربية أن فترة استجمام وراحة يجب أن تفصل بين تسلم الأسئلة ومراجعة مادة الاختبار.

ويقولون إن المراجعة في هذه الدقائق الأخيرة التي تسبق تسلم الأسئلة لا تكسب علما ولا تجلب فهما، بل ربما خلطت المعلومات بعضها ببعض بعد أن كانت منظمة، وأوقعت فيها الاضطراب من بعد ترتيب.

ويقترح هؤلاء المربون أن يشغل الطالب نفسه قبيل دخول قاعة الاختبار بالتحدث إلى بعض إخوانه في أمور عامة لا علاقة لها بالامتحان أو بقراءة بعض الصحف اليومية.

ومهما يكن من أمر فأنا أنصح لك أن تدخل قاعة الاختبار قبل أن يقرع جرس تسليم الأسئلة بحوالي ربع ساعة، وأن تجلس هادئ البال مستريحا من المراجعة، وحين تتسلم أوراق الأسئلة اقرأها كلها بعناية وأناة ودقة نظر، ومن المتوقع أن تجد فيها ما هو سهل تستطيع الإجابة عنه دون عناء، وأن تجد فيها ما هو صعب تحتاج الإجابة عنه إلى رؤية وأناة ومعاناة.

ابدأ بالإجابة عن الأسئلة السهلة، وإذا ما انتهيت منها فأجب عن الأسئلة الصعبة، بادئا بما هو أقل صعوبة، مؤخرا ما هو أشد وأشق..

ومن الأخطاء التي يقع فيها الطلاب أن يؤخروا الإجابة عن الأسئلة السهلة ليوفروا الوقت الكافي للإجابة عن الأسئلة الصعبة، وتكون نتيجة هذا التصرف السيئ أن يجيبوا عن الأسئلة السهلة في آخر الوقت وقد أصابهم الإرهاق والتعب فيكتبوا تلك الإجابات بسرعة ودون عناية، وبذلك يرتكبون أخطاء كثيرة وهو لا يشعرون، ويفقدون درجات كان الحصول عليها متيقنا سهلا لو كتبت الإجابات في أول الوقت وفي أوج النشاط.

ويجب أن يجعل الجزء الأخير من وقت الإجابة لقراءة ما كتبته من أجوبة فتصحح الأخطاء التي وقعت فيها وأنت لا تدري، وتجيب عما عساك قد نسيت الإجابة عنه.

وإذا بدا لك أن تبدل بعض الإجابات فإذا كنت واثقا تمام الثقة بأن ما كتبته كان خطأ، وأن ما تريد أن تكتبه هو الصحيح، فخير لك أن تغير وتبدل.

أما إذا كنت مترددا بين الإجابة التي كتبتها والإجابة التي خطرت ببالك في آخر الوقت، فأبق الإجابة الأولى التي كتبتها على ما هي عليه، فقد دلت التجارب على أن الفكرة التي تسبق إلى ذهن الطالب وهو في أفضل أوقاته نشاطا وفطنة أصح من الفكرة التي تأتيه وقد تعب وأرهق وخبا نور علمه وذهنه.

ومما يخطئ فيه الطلاب أن يجيبوا إجابات تشتمل على زيادات ليست مما يطلبه السؤال، يفعلون ذلك كثيرا إذا عمي عليهم السؤال ولم يستطيعوا تحديد ما يطلبه، وفي أحيان قليلة يفعلون ذلك إظهارا لسعة ما عندهم من علم.

فينبغي أن تقرأ الأسئلة بتروّ ودقة نظر، وأن تجيب بما هو مطلوب، دون أن تزيد على ذلك شيئا، ففي هذه الزيادة دلالة عجز، ومضيعة وقت وجهد عليك وعلى المدرس المصحح معا. ثم إن المدرس سيهمل كل ما كان مزيدا، وإلى جانب ذلك سوف يسيء بك الظن فيتهمك بسوء الفهم في قراءة الأسئلة وبالتهرب من الإجابة الدقيقة.

ومما يخطئ فيه الطلاب أن ينظر أحدهم إلى إجابته فيراها قليلة الكلمات قليلة الأسطر، فيعمد إلى تضخيمها بكل وسيلة ظنا منه أن الإجابات في الامتحانات لا ينبغي أن تكون قليلة المقدار صغيرة الحجم، أو توهما أن المدرس ممن يقيس الإجابة بالأشبار.

لا ينبغي لمثلك أن يسلك سبيل الخداع والتمويه والعبث وسوء الظن بالمدرس، مثل هذا لا يحمل منك، ولن يلقى من المدرس إلا الزراية والسخرية.

من الطلاب من يكتب بخط واضح مقروء، ومع الوضوح أناقة وجمال ومن الطلاب من يكتب بخط واضح يقرأن بسهولة ويسر، وإن لم يكن جميلا ومن الطلاب من يكتب بخط بينه وبين الوضوح عداوة وخصام.

وأقل مستوى في الخط يكفل لك أن تأخذ ما تستحقه من دراجات أن يكون خطك واضحا مقروءا بسهولة.

ولقد قامت هيئات تعليمية تربوية بتجارب في هذا الميدان، كان منها أن كتبت إجابات بعض الطلاب بخط سيئ لا يقرأ إلا بجهد ومشقة، وكتبت الإجابات نفسها بخط واضح يقرأ بسهولة، وأعطيت الإجابات لجماعتين من الصحيحين، وطلب إليهم بحزم وشدة ألا يكون للخط أي تأثير على تقدير الدرجات، وكانت النتيجة أن الإجابات التي كتبت بخط واضح أخذت نصيبا من الدرجات أعلى من الإجابات التي كتبت بخط رديء.

قليل جدا أولئك المدرسون الذين يصبرون طويلا ويبذلون جهدا كبيرا في قراءة خطوط الطلاب السيئة المعقدة، ويعطونها الدرجة التي تستحقها، فعليك أن تكتب إجابتك في الامتحان بخط واضح، ومع الوضوح جمال إن اتسع الوقت وتهيأت لك الأسباب.

وإني لأنصح مرة أخرى أن تعني بسلامة كتابة من الأخطاء النحوية والإملائية، فإن سلامة الكتابة من هذه الأخطاء ذات تأثير حسن على المصحح، إنها تشجعه على أن يعطيك الدرجات التي تستحق، وتجعله يحسن الظن فيما تكتب.

أما إذا كانت كتابتك مصابة بالأخطاء النحوية والإملائية، ولا سيما الأخطاء القبيحة المنكرة التي لا تتوقع من طالب جامعي في مستواك، فإنها ستؤثر تأثيرا سيئا على المصحح وعلى الدرجات التي تستحقها، سواء أراد المصحح هذا أم لم يرد.

تلميذي العزيز:

أرى رسالتي إليك قد طالت وما كنت أظنها تطول، وأراها لا تتسع اليوم للتحدث عن البحث وما يتصل به، فأساله تعالى أن يعين على ذلك في رسالة قادمة.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

أفكار في المزاد

لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تماما ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية. فيجب أن نختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة والشخصية الممزقة. والسلوك المنحل من الشرق. ولا سيما من البلاد الإسلامية ونمنحهم المنح الدراسية، وحتى نبيع لهم الشهادات بأي ثمن ليكونوا المبشرين المجهولين لنا لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبو إليه في البلاد الإسلامية، لأن اعتقادي القوي بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالا تاما حصول الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا ومآربنا باسم تهذيب المسلمين والإسلام.

من كتاب "المشكلة الشرقية" طبع لندن عام 1957.