طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي

لفضيلة الدكتور عبد المنعم حسنين

 

 

 كثر الحديث في السنوات الأخيرة حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته من الشوائب التي علقت به بفعل المستشرقين وأعداء الإسلام من غير المسلمين ومن المنتسبين إلى الإسلام.

وقد انعقدت مؤتمرات في دول مختلفة إسلامية وغير إسلامية لبحث كيفية إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بعامة وكتابة تاريخ جزء من أجزاء العالم الإسلامي بخاصة، ويسر الله لي الاشتراك في أكثر المؤتمرات التي عقدت لبحث هذا الموضوع البالغ الأهمية وأن أسهم في المناقشات التي دارت وفي إعداد البحوث التي قدمت متضمنة اقتراحات معينة رأى مقدموها  أنها تفيد في إلقاء أضواء على جوانب الموضوع المختلفة حتى تكون التجربة الجديدة محققة للهدف المنشود، وبعيدة ما أمكن عن أخطاء التجارب السابقة.

ولا أريد التحدث عن المؤتمرات التي حضرتها واشتركت في مناقشتها وبحوثها لأن هذا يحتاج إلى حديث طويل غير أني أرى واجبا عليَّ أن أسجل ملاحظاتي على مثل هذه المؤتمرات وبخاصة ما عقد منها في بعض الدول العربية.

وأول ما لاحظته في هذه المؤتمرات أن المدعوين إليها خليط من المسلمين ومن غير المسلمين، بل إن بعض المدعوين لهم كتابات معادية للإسلام ومنهم أشخاص من ورثة الصليبيين الذين يدرِّسون التاريخ الإسلامي بِنِيَّة منعقدة على جمع المطاعن وتلفيق الأباطيل ضد الإسلام وحقائقه الناصعة وهم بذلك يتنكرون للمنهج العلمي الصحيح الذي يحرص على بيان الحقائق وعرضها دون أن تمزج بمرارة الحقد والتعصب، فكيف يدرس هؤلاء إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته مما علق به من الشوائب، وهم الذين أسهموا في تشويه الحقائق أو طمسها؟!.كيف يبحث غير مسلم التاريخ الإسلامي ويكون منصفا في دراسته ؟!..كيف يقول شخص من ورثة الصليبيين كلمة الحق في التاريخ الإسلامي وهو الذي يحرص على رمي الإسلام بتهم باطلة ظالمة؟!. إن إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته من أباطيل هؤلاء الأعداء المغرضين أمر لازم ينبغي أن يتم في أقرب وقت ممكن ولكنه أمر يجب أن يضطلع به باحثون مسلمون مخلصون يؤمنون بالله ورسوله، وينبغي أن يبعد عنه أعداء الإسلام سواء من كان منهم من غير المسلمين أو من كان ممن ينتسبون إلى الإسلام، حتى يراقب هؤلاء الباحثون الله في أثناء كتابتهم للتاريخ الإسلامي.

نحن لا نطالب إلا بإثبات الحقائق خالصة من كل زيف، غير متأثرة بأي هوى، وهذا ما يتفق مع المنهج العلمي الصحيح، لأن إثبات الحقيقة العلمية هو غاية الدارسين المخلصين الصادقين. أما تشويه الحقائق، والتشكيك فيها، فأمر لا يتفق مع المنهج العلمي السليم، وليس من العلم في شيء.

والعجيب أن كثيرا من الدارسين في البلاد الإسلامية يتشدقون بضرورة فصل العلم عن الدين، ويطالبون بإعطاء المستشرقين وأشباههم حق الاشتراك في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وأن يصدروا من الأحكام ما تنتهي إليه دراستهم دون خوف مما يكتبون، وما يصدرون من أحكام، ونقول لهؤلاء إن ما يقولونه غير صحيح لأن غير المسلمين لا يمكن أن يكونوا منصفين في بحثهم، ولن يستطيعوا أن يتخلوا عن أهوائهم، وأن يتخلصوا من كرههم للإسلام وهم يحاولون إعادة كتابة التاريخ الإسلامي مهما أعلنوا حيادهم، أو تظاهروا بحبهم لإثبات الحقائق العلمية، دون تأثر بأي عامل من عوامل التأثير.

إن هؤلاء كاذبون مضللون يريدون أن يخدعُوا المسلمين بزخرف القول ومعسول الكلام ليضعوا السُّم في العسل ويمزجوا تاريخ المسلمين بما تكنُّه صدورهم من حقد وعداوة، وقد سألت أحد هؤلاء الكاذبين المضللين هل يقبل أن يكتب مؤرخ مسلم تاريخ النصرانية أو تاريخ الكنيسة؟ فبهت الذي كفر. وأمسك عن الجواب، فقلت له أرأيت كيف أنكم تبيحون لأنفسكم ما لا تبيحونه لغيركم؟ وإذا كتب مسلم تاريخ الحروب الصليبية، أو تحدث عن الكنيسة أوسعتموه نقدا بألسنة حداد مع ما عرف به المسلمون من التسامح وعدم التعصب.

ولكن العيب ليس عيب هؤلاء المؤرخين غير المسلمين من المستشرقين وورثة الصليبيين الذين يشاركون في المؤتمرات التي تعقد لبحث إعادة كتابة التاريخ الإسلامي وإنما هو عيب من يمكنون لهم من حضور مثل هذه المؤتمرات، والأشدّ عيبا أن يدافع بعض من ينتسبون إلى الإسلام عن حضورهم، وضرورة الاستماع إلى آرائهم وإشراكهم في المؤتمرات التي تعقد في البلاد الإسلامية، بل وفي المطالبة بإشراكهم في كتابة التاريخ الإسلامي من جديد، بحجة أنهم علماء ذوو خبرة، وأن الكثيرين من أساتذة التاريخ في البلاد الإسلامية قد تتلمذوا على أيديهم. أما التشدق بأنهم علماء فمن المسلَّم به في منهج البحث العلمي أن العلم لا يفسده شيء كما يفسده التعصب فلا فائدة من علمهم بعد أن أفسده تعصبهم ضد الإسلام والمسلمين.

وأما أن كثيرا من المؤرخين المسلمين في العصر الحديث قد تتلمذوا على أيدي غير المسلمين من المستشرقين والمستعمرين وورثة الصليبين فإن هذا الأمر قد أفسد العديد من هؤلاء المؤرخين الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويرددون آراء أعداء الإسلام، فجعلهم يسيئون إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما يسيء إليه غير المسلمين.

والواقع أن البلاد الإسلامية يجب أن تغير النظر في سياسة الإبتعاث إلى الخارج فلا ترسل إلى أوربا وأمريكا مثلا أشخاصا لدراسة العلوم الإسلامية المختلفة لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإذا كان هذا الأمر قد حدث في وقت سيطرة الاستعمار على كثير من الدول الإسلامية فينبغي على هذه الدول بعد التخلص من سيطرة الاستعمار سياسيا وعسكريا، أن تتخلص من سيطرة الاستعمار ثقافيا، وأن تعمل على محو كل أثر من آثار هذه السيطرة الثقافية لأنها أشد خطورة وأعمق أثرا، فلا ترسل إلى أوربا إلا من يريدون دراسة علوم بلغت في هذه البلاد شأواً لم تبلغه بعد في بلادنا الإسلامية، على أن تكون هذه مرحلة مؤقتة تنتهي بانتهاء الأسباب التي دفعت إليها، أما أن ترسل الدول الإسلامية أشخاصا لدراسة التاريخ الإسلامي أو أي علم من العلوم الإسلامية المختلفة في أوربا أو أمريكا فهذا أمر يجب إيقافه ووضع حد له.

وصفوة القول أن تاريخنا الإسلامي في حاجة إلى أن تعاد كتابته وصياغته بحيث يخلو من الشوائب التي علقت به، وبحيث يوضح تاريخ المسلمين في عصورهم المختلفة بكل جوانبه، وبكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، لأننا محتاجون إلى معرفة تاريخنا الإسلامي والاستفادة من أحداثه، وأخذ العبرة من هذه الأحداث، والأخذ بالأسباب التي أدَّت إلى الرقي والازدهار، وتجنب العوامل التي أدت إلى الضعف والاندحار والسير على هدى وبصيرة.

لقد أقام المسلمون حضارة لم يشهد لها التاريخ مثيلا في سمو الأخلاق ونبل الأهداف حين كانوا متمسكين بكتاب الله، مطبقين لأحكام الله، ومهتدين بهدى خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه، فلما تركوا كتاب الله وهدي نبيه وراءهم ظهريا، تبدلت أحوالهم وأصاب الضعف بلادهم وتلك سنة الله في خلقه {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

إن المؤرخين المسلمين المخلصين قادرون بعون الله على إعادة كتابة تاريخهم وتنقيته من الزيف والأباطيل التي ألقى بها أعداؤهم من المستشرقين والمستعمرين وورثة الصليبين وأذنابهم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهم يستطيعون الرد على هؤلاء الأعداء وإخراس ألسنتهم الحاقدة، وتوضيح الحقائق وبيانها لشباب المسلمين، ليستشعروا العزة والكرامة، ويعملوا على إعادة بناء حضارتهم على هدى وبصيرة.

إن الجامعة الإسلامية وهي تحتضن دارسين من أكثر من ثمانين دولة تستطيع أن تربي جيلا من المؤرخين المسلمين المسلحين بالعلم بأمور دينهم وبالخلق القويم، وبالوعي الكامل بحقائق التاريخ الإسلامي، وبالمنهج العلمي الصحيح، ويستطيع هؤلاء المؤرخون المسلمون الصالحون المؤهلون تأهيلا صحيحا أن يعيدوا كتابة التاريخ الإسلامي كتابة صحيحة وينقوه من الشوائب والأباطيل لينتفع بحقائقه المسلمون في سائر أنحاء العالم.

إن الشيء الذي يهم المسلمون جميعا أن يكتب التاريخ الإسلامي كتابة صحيحة ولسنا متعجلين في كتابته، المهم أن نبدأ وأن نسير بخطى ثابتة على هدى وبصيرة، معتمدين على الله، واثقين في نصره وتأييده.

إن علينا أن نعمل بجد وإخلاص حتى نصل إلى الهدف المنشود، والغاية المرجوة {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وبالله التوفيق.