|
|
|
|
رسالة
الإعلام في بلاد الإسلام |
|
|
لفضيلة الشيخ عبد الله
بن إبراهيم الأنصاري |
|
|
مدير الشؤون الدينية
بدولة قطر |
|
|
|
|
|
|
|
|
{رَبِّ
اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}. |
|
|
أيها الإخوة: |
|
|
أحييكم بتحية الإسلام،
مباركة طيبة من عند الله فسلام ورحمة من الله وبركات. لقد كانت عملية اختيار
الموضوع من أشق الأمور على نفسي، فإن الموضوعات كلها إنما هي مشاكل الساعة ـ كما
يقولون ـ بالنسبة للمجتمعات الإسلامية ومن الصعب على من ينفعل لدينه ويخدم أمته
وعقيدته أن يتخير في هذه الأمور، فجميع الموضوعات هامة وكلها ينبغي أن تكون
موضوعات بحث للإخوة المشاركين في هذا المؤتمر. |
|
|
أمام هذه الحيرة استخرت
الله في هذا الموضوع (عن الإعلام) رغم أنني لست من فرسان هذا الميدان، إلا أنني
قد وجدت صدري منشرحاً له ونفسي مقبلة وراضية عنه فتوكلت على الله واعتمدت على
توفيقه .. |
|
|
الإعلام هو نشر الكلمة
أو الخير أو الرأي أو الفكر أو الصورة على عامة الناس بإحدى الوسائل الآتية:- |
|
|
أ ـ الكتابة سواء كانت
في كتاب أو في صحيفة يومية أو مجلة أسبوعية أو نشرة عامة. |
|
|
ب ـ الإذاعة المرئية
(التلفزة). |
|
|
جـ ـ الإذاعة المسموعة
(الراديو). |
|
|
ومن هنا تبدو أهمية
الإعلام في السيطرة على جمهور الناس وتوجيه مشاعرهم الوجهة التي يراها الموجه إن
كانت خيراً فخير، وإن كانت غير ذلك فهي لما وجهت إليه. |
|
|
وقد كان الشعراء
والخطباء في الزمن السالف هم جهاز الإعلام القوي على ألسنتهم تدور رحى المعارك
قبل أن تدور السيوف على الرقاب وبهم يرتفع شأن القبيلة ويعلو ذكرها إلى السماكين
وبهم أيضاً تنحط أسهم قبائل، هاتها في السماء. |
|
|
وقصة بني أنف الناقة
معروفة، عندما احتقرتهم قبائل العرب وسبب تسميتهم بهذا الاسم، فإن أباهم كان
لديه عدد من النسوة، لكل منهن أولاد منه، فعقر مرة ناقة وقسمها على كل أولاده
ولم يبق سوى واحد حضر متأخراً ولم يكن لدى الأب سوى الرأس فأعطاها له فربطها
الولد بحبل من أنفها، وجرها إلى بيت أمه، فسماه من رآه من الناس أنف الناقة
فصارت هذه التسمية كنية له ثم لأولاده من بعده، إذ دعوا ببني أنف الناقة.
وكثيراً ما تجر الأسماء على أصحابها العار بين قبائل العرب كما تعلمون، إلى أن
جاءت وسيلة من وسائل الإعلام هي لسان شاعرنا، به قال بيتين في بني أنف الناقة
فمحا عنهم العار والشنار وعلا ذكرهم بين الناس إذ قال: |
|
|
سيري أمامي فإن الأكثرين حصى |
والأكرمون إذا ما أنسبوه أبا |
|
قوم هم الأنف والأذناب
غيرهم |
ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟ |
|
وكان أهم ما يدور على
ألسنة الشعراء والخطباء التغني بأمجاد القبائل وذكر مآثرها في الحروب، وفي صفات
الشرف الرفيع، كالكرم والنجدة والشهامة والمروءة والإيثار. |
|
|
وحينما تذم قبيلة فبما
هو ضد لهذه الصفات النبيلة الخيرة، من جبن وخداع وخسة إلى غير ذلك من الصفات
الرذيلة. |
|
|
واستمر الأمر كذلك حتى
شيوع الكتابة فأضيفت إلى ألسنة الشعراء والخطباء أقلام الكتاب وبدأ الناس
يستعينون بالكتابة في نقل أفكارهم إلى جمهور الناس للتأثير فيهم وتوجيههم الوجهة
التي يرونها .. |
|
|
ثم تأتي بعد ذلك
الصحافة لتلعب دورها الفعال وتعمل عملها في عقول الناس خصوصاً وقد أخذت السياسة
نصيبها في معركة الإعلام. والصحافة هي لسان حال السياسة ـ كما يقولون ـ تروج
لمبادئها وتدعو لها. |
|
|
وتمر الأيام وتأتي في
بداية هذا القرن الأعاجيب باختراع التصوير أولاً، ثم الراديو ثانياً ثم في منتصف
هذا القرن تقريباً يتم اختراع التلفزيون (التلفرة) كما يسمونه، فتتم بذلك فصول
قصة الإعلام حتى عصرنا هذا، والله أعلم بما سيأتي بعد ذلك من أعاجيب. |
|
|
والإعلام في جميع بلاد
الدنيا ـ ما عدى غالبية البلاد الإسلامية ـ يسير وفق خط مرسوم ومنهج واضح بين،
يخدم عقيدة من يسيره. |
|
|
فنجده في روسيا مثلاً
يحبو على المبادئ الشيوعية ويدعو لها ويذب عنها ويبين محاسنها، ويذكر عورات
أعدائها ويجعلها ـ من وجهة نظر الشيوعية ـ أسمى ما تصبوا إليه قلوب الكادحين. |
|
|
وفي الغرب أيضاً نجد
الديمقراطية أو الرأسمالية ـ في معركة الإعلام ـ هي الظل الوارف الذي ينبغي أن
يتفيأ تحته كل من يصبو إلى الحياة السعيدة في دنياه. |
|
|
أجل نجد الإعلام في جميع
بلاد الأرض ـ عدا معظم البلاد الإسلامية ـ يخدم .. المجتمع بحماية فكره وتراثه
وعقيدته فيكون موجها الناس إلى حياة أفضل، أما في معظم بلاد الإسلام فنجد النقيض
على طول الخط. |
|
|
نجد الإعلام تائهاً أو
مضللاً يضرب الأمة في الأعماق، ويخرب أغلى مقوماتها ويعمل على تفككها ويسير بها
إلى الهاوية. وإليكم الأمثلة على ذلك وهي للتدليل وليست للحصر: |
|
|
أولاً في ميدان الفكر: |
|
|
نجد رواجا للكتب
الشيوعية والإلحادية منقطع النظير، فهذا الكتاب يطبع بسهولة ويسر، ولا يقف
الرقيب أمامه أبدا بدعوى حرية الفكر، فيتم طبعه في أحسن المطابع على أفخم الورق
ويقدم إلى القارئ في ثوب أنيق من دقة الإخراج، وبسعر زهيد جدا لا يمكن أن يكون
ثمنا للورق فقط.. |
|
|
ثانيا: |
|
|
في مثل ما نجده في
الكتاب نراه أيضا في الصحافة، وهي من الخطورة بمكان، ففي الصحف والمجلات نجد
الصور العارية والآراء المتعارضة مع قيمنا وديننا وتقاليدنا وأعرافنا وكل ما يمد
إلى مقوماتنا بصلة. |
|
|
نجد كل ذلك في صحافة
اليوم ببلادنا ويقرأه ويراه شبابنا وبناتنا، فماذا تكون النتيجة؟ |
|
|
نرى انفصاما تاما بين
جيل اليوم وجيل الأمس نرى انحرافا خطرا في شبابنا.. |
|
|
فماذا بالله عليكم
العمل؟ وهو يقرأ ويرى عما هو شاذ؟ ـ والممنوع مرغوب ( وأحب شيء إلى الإنسان ما
منعا ) كما يقولون. |
|
|
هناك مسابقات لملكات
الجمال، وأخرى للأزياء.. وثالثة للسباحة إلى غير ذلك من شذوذ عقلي والعياذ
بالله.. كل ذلك يقرأه شبابنا، ويراه في الصورة اليوم، وغدا في العيان، فماذا
تريدون منه بعد ذلك، ليس هناك سوى الانحراف والعياذ بالله، وهنا تكون الطامة
الكبرى. |
|
|
ثالثا: |
|
|
ويأتي بعد ذلك دور
الإذاعة والتليفزيون وفيهما ما فيهما فأهم ما تتميز به الإذاعة أو التليفزيون
إنما هو نشر الأغنية العربية. وماذا في أغنية اليوم من معان نبيلة كريمة؟ لقد
خلت من كل ما هو نبيل وكريم ولا نسمع إلا نعيقا ونهيقا في الحب وللحب وكأنما
اختيرت أمتنا فقط لهذا الذي يسمونه الحب، فهذا يدعو محبوبته، وتلك تنادي حبيبها
وكأن أمتنا خلقت لهذه التفاهة فأصبحت لا ترى للحياة طعما إلا بالتغني بهذا
الهراء السخيف الذي أودى بها إلى الحضيض وجعل منها إذاعات للمراهقين. |
|
|
رابعا: |
|
|
ويأتي التليفزيون هو
الآخر ليلعب دوره في هذا المضمار بالصورة المتحركة المرئية وهو من أهم وأخطر
أجهزة الإعلام، إنه سلاح ذو حدين مفيد جدا وضار جدا، مفيد بأنك تشعر أنك ترى
جميع الدنيا أمام عينيك فينقل إليك الخبر طازجا تشاهده كأنك تعيش فيه وتلمسه،
ترى على شاشته الصغيرة أشياء كثيرة مفيدة كالفروسية والسباق والعلوم والمعارف
وغير ذلك هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ترى النقيض أيضا، تشاهد أفلام الحب والغرام،
ونرى المسلسلات الأجنبية الخبيثة التي تغذي في أبنائنا غرائز الشر وتنمي فيهم
روح التمرد على القيم والأخلاق.. فينفلتوا إلى الهاوية والعياذ بالله. |
|
|
أيها الإخوة: |
|
|
بعد هذا العرض السريع ـ
الذي لابد منه ـ عن وضع المجتمع الإسلامي والتوجيه الإعلامي الخاطئ الذي يسيطر
عليه، ما هو العلاج؟ |
|
|
وماذا نفعل إن أردنا
التوجيه السليم لمجتمعنا. |
|
|
هنا مقدمة لابد منها
وسؤال يرد في الحال. |
|
|
ـ من نحن؟ |
|
|
والجواب هو أننا أمة
الإسلام.. |
|
|
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} |
|
|
ما هي خطة هذه الأمة..
وما هو هدفها الأمر بين في الآيتين.. والمنهج واضح سليم.. الأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، إقامة حدود الله، السعي في هذه الدنيا إلى إقامة مجتمع فاضل
من جميع الوجوه، كما أمر الله ورسوله، يحل فيه الحلال، وتحرم فيه الخبائث، وتدور
فيه عجلة الحياة دورانا هينا سليما. لتحقق عبادة الله في الأرض، فله وحده تعنو
الجباه وتذل الرقاب. وله وحده الحياة، وإليه الممات وعنده المنتهى.. |
|
|
أمام هذا الوضع لابد من
رسم طريق واضح يمشي فيه على هدى ونور. |
|
|
هذا الطريق رسمه لنا
القرآن الكريم، وهدى محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أستطيع أن أدخل في هذا
الموضوع فالخروج منه صعب بعد ذلك، وسيكون استطراد لا محل له هنا وإنما سأتعرض
للأمر من ناحية الإعلام فقط. ولندخل في الموضوع بنظام الآن.. |
|
|
نحو خطة إعلامية سليمة: |
|
|
هل لدينا في بلاد
الإسلام متخصصون إعلاميون مسلمون مؤمنون برسالتهم؟ |
|
|
أظن أن الإجابة على هذا
السؤال واضحة بينة. فإن أهم ما يجب أن يتميز به رجل الإعلام في العالم الإسلامي
عامة والعربي خاصة هو واحد من ثلاثة:ـ |
|
|
أـ بالنسبة للكتابة:
سواء في ميدان التأليف، أو في الصحافة فالكفاءة التي تظهره فقط هي: عذوبة اللفظ
وسهولة العبارة. |
|
|
ب ـ بالنسبة للإذاعة:
فإن ما يبرزه هو حسن الصوت والإلقاء فقط. |
|
|
ج ـ بالنسبة للتلفزة:
فإن ما يظهره أمران لا ثالث لهما هما: حسن الصوت والصورة معا. ودعنا بعد ذلك من
أهم العناصر التي ينبغي أن تكون الرجل الحق في هذا الميدان مثل: الثقافة وسعة
الإطلاع، وحسن السمعة والسيرة والإيمان الحق ـ علما وعملا ـ قولا وفعلا ـ بدينه
والتفاني في عقيدته.. |
|
|
كل ذلك لا يهم.. طالما
كان شكله وصوته رائق.. ودعنا بعد ذلك من الأمور الباقيات… |
|
|
إن الإعلام كله وبجميع
مظاهره يجب أن يكون في خدمة العقيدة الإسلامية، قولا وفعلا، وحتى نصل إلى هذه
الدرجة من السمو النفسي والشجاعة أدعو إلى وجوب رقابة على جميع أجهزة الإعلام. |
|
|
رقابة جادة وحازمة، لا
تأخذها في الله لومة لائم، ولا خشية ظالم، رقابة فعالة ذكية تعرف طعم الحلو من
المر، والحلال ن الحرام.. |
|
|
رقابة على الصحافة: |
|
|
حتى لا تدعو إلى
الإلحاد علنا ولا سرا ولا تنشر الصور الفاجرة على أبنائنا وبناتنا فتغويهم، وحتى
لا تحبذ الحرية الفوضوية ولا تدعو إلى السفور والاختلاط، وحتى لا تدعو بصفة عامة
إلى الرذيلة بجميع وجوهها وصورها المرئية أو المسموعة. |
|
|
إنني أدعو إلى رقابة
دينية على كل ما يقدم للعقل في المجتمع الإسلامي. |
|
|
رقابة على الكتب: |
|
|
ولا أريد بذلك ـ أيها
الإخوة ـ فرض حصار على الفكر أو على العقل، كلا ما أريده أن أمنع تسمم الأفكار
في المجتمع الإسلامي.. |
|
|
الكتب غذاء العقل، ولا
أريد أن يكون هذا الغذاء إلا صالحا مزودا بكل أنواع مقومات الغذاء الصحيح. |
|
|
أما أن يكون هذا الغذاء
هو السم في الدسم فهذا ما لا يرضاه أي مصلح لمجتمعه الذي يسعى إلى نموه ومجده
وتقدمه.. |
|
|
بالله عليكم دلوني على
فائدة واحدة لما حوته مكتبات العالم الإسلامي وبيوته ومحلاته وشوارعه من كتب عن
الجنس. |
|
|
هل الجنس … هل الجنس
غذاء للبدن ؟ هل الجنس… غذاء للعقل؟ هل الجنس … غذاء للروح؟ |
|
|
أظن أن الإجابة واضحة
عن هذه الأسئلة، وهي أن الجنس بحالته التي يقدم بها إلى أولادنا وبناتنا إنما هو
سم زعاف لا يبني أخلاقا، ولا عقولا ولا فكرا ولا أرواحا إنما يهدم كل شيء يأتي
في طريقه ويحطمه.. |
|
|
لهذا أرى أن تكون هناك
رقابة صارمة على كل ما يقدم للمجتمع في الكتب من مبادئ ومذاهب ونحل وملل.. وأن
لا يقدم لهم إلا كل ما هو صالح ومفيد. |
|
|
وأظنكم أيها الإخوة
لستم بحاجة إلى تدليل عما قلت، فكلها قضايا طرحتها صحافتنا العربية خاصة وخاضت
فيها وقتلتها بحثا وسارت في درب المعصية ولا تزال تسير لا أقول جميعها وإنما
أقول معظمها أي إلا من رحم ربك. |
|
|
رقابة على الإذاعات
المرئية والمسموعة: |
|
|
كما أدعو إلى رقابة على
الإذاعة والتليفزيون.. رقابة حقة وصارمة فهناك من الأفلام والمسلسلات ما يدعو
علنا إلى الرذيلة ويحض عليها ويبررها، وهذه الأجهزة لا يسمعها أو يراها إلا
العاقلون فقط، كلا وإنما يسمعها ويراها العامة والخاصة الصغير والكبير الذكر
والأنثى.. وماذا فيها؟؟!. |
|
|
هذه أغنية خليعة تدعو
إلى الحب!!! والأغنية العربية اليوم ـ أيها الإخوة ـ أصبحت مدعاة للتساؤل، لقد
انفصمت عن أخلاقنا وأعرافنا وتقاليدنا وأضحت في طور من الشذوذ يستدعي للعلاج.. |
|
|
فهذا رجل ( أو شبه رجل
) يتلفظ بألفاظ سخيفة وينادي حبيبته ببكاء وعويل. وذاك آخر يستجدي صاحبته
ويسترضيها لتمن عليه باللقاء.. |
|
|
وغير ذاك من التفاهة
المضحكة المبكية.. |
|
|
وشبابنا وبناتنا يرددون
هذه التفاهات ترديدا أعمى، فماذا تكون النتيجة بعد.. ذلك؟. |
|
|
وماذا ننتظر لهذا الجيل
وعلى يديه؟؟!!. |
|
|
إن النتيجة معروفة
وظاهرة جداً، وهي خطيرة إن لم نتدارك
الأمر من الآن.. إنها انعكاس ذلك على السلوك وظهور جيل مخنث تافه لا هدف له، ولا
عقيدة تعصمه ولا إيمان يحميه. |
|
|
وماذا تفعل المدرسة بعد
ذلك؟ |
|
|
أو ماذا يفعل التوجيه
التربوي ؟ |
|
|
إن ما يبنيه المعلم في
سنين بعد جهد جهيد وعرق تستطيع أغنية تافهة في الإذاعة أو التليفزيون أن تهدمه
في لحظات، والغناء مزمار الشيطان والشيطان لا يدعو إلا إلى الباطل والفساد. |
|
|
ولله در القائل: |
|
|
متى يبلغ البنيان يوما
تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم |
|
|
لابد أيها الإخوة من
وضع حد لهذا العبث وهذا التخريب.. في من؟ في فلذات أكبادنا، رجال الغد، وعتاد
الأمة فما هي الخطة إذن..؟ |
|
|
نحو خطة إعلامية هادفة |
|
|
وتصوري للوضع الإعلامي
الصحيح هو أن يكون جهاز الإعلام في كل دولة إسلامية مكونا من شطرين رئيسيين |
|
|
أـ الموظفون. |
|
|
ب ـ وجود هدف إعلامي محدد.
ألا وهو بناء صرح أخلاقي متين للأمة. ولنبدأ في تصورنا للعنصر الأول. |
|
|
أـ الموظفون: |
|
|
والموظف في قطاع
الإعلام عصب هام جدا لعملية التوجيه في الدولة، لذلك ينبغي أن يعد إعدادا خاصا
لهذه المهمة، وأن يكون كفؤا للقيام بأعبائها. |
|
|
إن عملية الإعداد ينبغي
أن تبدأ منذ البداية في الحياة التعليمية وأن يعد النابغون بعد ذلك إعدادا عاليا
في مستواه لكي يصلح لتولي هذه المهمة الخطيرة في أي من أجهزة الإعلام المختلفة. |
|
|
وإن أول صفة ينبغي أن
يتحلى بها موظف الإعلام هي الالتزام الخلقي في كل ما يعطيه للمجتمع من غذاء عقلي
أو توجيه، وقضية الالتزام الخلقي هذه أو الديني بمعنى أصح لهي الشيء الوحيد الذي
ينقص رجال الأمة الإسلامية اليوم في هذا الميدان والشواهد كثيرة جدا على ما
أقول: |
|
|
صحيفة تنشر إعلانا
واضحا جدا في أبرز مكان في صفحاتها عن نوع من السجائر وتجعل من مدخنيه أنهم في
قمة الرجولة وغاية الاستمتاع. |
|
|
فهل هذا منطق؟ |
|
|
وهل هذا صحيح؟ |
|
|
إننا لو بحثنا هذا
الأمر من الناحية الصحية على الفرد في استفتاء عام لوجدنا إجابة لا يختلف عليها
اثنان أبدا هي أن ( التدخين ضار وخبيث )، ولربما صاحب الجريدة أو كاتب الإعلان
ومدبجه لا يدخن، ولربما يعرفون أن مثل هذه الإعلانات أصبحت محرمة في صحف الغرب
وفي أمريكا بالذات، بل تكتب على علب السجائر عبارة بشعة تجعل العاقل يفر منها
كما يفر من الوحش الكاسر.. هذه العبارة هي:ـ |
|
|
هذا الذي تدخنه يسبب السرطان |
|
|
من هنا يتضح لنا قضية
الالتزام الخلقي أو الديني بمفهومنا نحن ومفهومهم هم. |
|
|
تغلبت المادة علينا
وأصبحنا ندعو إلى السجائر في صحفنا ومجلاتنا بل وإذاعاتنا أيضا، لماذا؟ لنحصل
على فائدة مادية، ونسينا أمرا أهم من ذلك نسينا الحفاظ على صحة أبناء وطننا،
فقدم لهم الخبثاء السم في الدسم، وأغووهم تماما كما يغوي الشيطان جنوده بالإثم والمعصية،
لقد قدمت السجائر وإعلاناتها كمثال وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمر كالخمر
مثلا لا تجد في بلاد الإسلام دعاية
مضادة لها كما يوجد في بلاد الغرب فهم يهاجمونها من جميع الجوانب الأخلاقية
والصحية والمادية والاجتماعية وغير ذلك
بينما نحن نعلن عنها في بعض صحافتنا وأفلامنا وأجهزة إعلامنا الأخرى وشتان بيننا
وبينهم. |
|
|
ديننا يأمرنا باجتنابها
والبعد عن مجالسها فيقبل عليها المنحلون من أبناء أمتنا. أما هم ـ أعني أبناء
الغرب ـ فلا شيء ينهاهم عنها إلا ما رأوه فيها من مضار اكتشفوها بالعقل
والتجربة، فأعلنوا عليها حربا لا هوادة فيها وهكذا يبدو التناقض فينا واضحا. |
|
|
أيها الإخوة: |
|
|
إن قضية الالتزام
الديني كما أسميه أو الالتزام الأخلاقي كما يدعوه البعض، إنما هي قضية هامة وفي
غاية من الخطورة، وينبغي أن تكون هي الجوهر الذي علينا اكتشافه أولا وقبل كل شيء
في رجل الإعلام منا. |
|
|
فلابد وأن تتوفر فيه
صفات شتى:ـ |
|
|
منها التفقه في دينه
ومعرفة أحكامه |
|
|
ومنها الإخلاص لعقيدته |
|
|
ومنها الإلمام الكامل
بثقافة الإسلام من لغة وتاريخ وغير ذلك. |
|
|
ومنها الإطلاع على
ثقافة الغرب للاستفادة من الصالح منها. |
|
|
ومنها الإيمان المطلق
بأننا نحن المسلمون أصحاب رسالة سامية وحملة أمانة السماء إلى الأرض. |
|
|
وأننا نحن المسلمون
ملزمون أيضا دينيا بتبليغها إلى الناس كافة على مختلف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم
فإن فعلنا ذلك فقد كنا أوفياء لعقيدتنا وديننا وإلا فنحن مفرطون مضيعون
لأمانتنا. |
|
|
إن رجل الإعلام ينبغي
أن يمر تحت منظار دقيق جدا لتعرف سجاياه وأهواؤه وطويته فإنه أخطر على الأمة من
أي عدو آخر، أخطر عليها من الجهل والمرض والفقر، لأنه يستطيع وبسهولة جدا أن
يوجهها إلى الهاوية التي تؤدي بماضيها وحاضرها ومستقبلها والعياذ بالله. |
|
|
لهذا فإنني أكرر مؤكدا
ضرورة التدقيق جدا في اختيار رجال الإعلام على أن يكونوا متصفين بكل ما يحض عليه
ديننا الحنيف من حسن الخلق والتزام كامل، وفضيلة مستقاة من تعاليم السماء. |
|
|
أما الهدف الذي نرمي
إليه من هذه الخطة الإعلامية فهو لب موضوعنا هذا وهو الأساس الذي بنينا عليه هذا
البحث. |
|
|
إن الهدف في غاية من
الوضوح ويتلخص في النقاط التالية:ـ |
|
|
أولا: |
|
|
نريد من الإعلام
الإسلامي أن يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتق العاملين به فهم الذين يوجهون
الأمة وينيرون لها السبيل بل إن أحدهم وهي الصحافة تسمى بلغة العصر، السلطة
الرابعة من سلطات الأمة.. |
|
|
على ذلك فإن المسؤولية
عظيمة ولابد أن يتولاها قوم عظام أيضا من ذوي الجباه العالية على مستوى من
المسؤولية والخلق وحسن الإدراك والتوجيه والثقافة والإخلاص لعقيدتهم. |
|
|
ومن هذا المنطق لابد
وأن تكون الأمة على بينة من أمرها، وينبغي للإعلام حينئذ أن يتحلى بالصدق
والأمانة. الصدق في القول والأمانة في التوجيه بحيث لا يؤخد عليه التهويل أو
التصغير في الأمور، حتى لا تضطر الأمة لاستقاء أنبائها وأخبارها من مصادر العدو
الذي يظللها ويقودها إلى الشك والتفكك كما هو حادث اليوم لشديد الأسف. |
|
|
ثانيا: |
|
|
ينبغي أن يكون الإعلام
مرآة لماضينا كما يكون وجها لحاضرنا. ولكن نرى أن الأمر غير ذلك في واقعنا
المؤلم اليوم، ونظرة عابرة إلى حافتنا العربية، إلا ما نذر منها، توضح لنا هذا
القول. ومثال آخر للإعلام في إذاعتنا المرئية ( التليفزيون ). |
|
|
لقد سلط التليفزيون في
العالم الإسلامي على واقع الغرب والشرق معا بما فيهما من مرارة مؤلمة، وواقع لا
أخلاقي فنقلته لنا كما هو، بل وزينته لشبابنا ليقتدي به.. |
|
|
نرى ذلك في القصص
والأفلام والمسلسلات. |
|
|
نرى ذلك حتى في التاريخ
القومي للغرب. |
|
|
فقد نقل
لنا التليفزيون ـ جزاه الله بما يستحق ـ كل شيء نقل لنا الخبيث قبل الطيب
والطالح قبل الصالح والمر قبل الحلو، وأصبح ناقلا مقلدا في غاية من التفاهة
والسوء، لا يعبر عن أصول حضارتنا ولا عراقة ديننا وتقاليدنا، ولكنه مسخ سيء،
تاما كالغراب الذي تخلص من ريشه ليقلد الطاووس في شكله فأضحى مسخا لا يعبر عن
هذا ولا ذلك. |
|
|
لا.. وألف مرة لا..
أقولها وأنا حزين وآسف على ذلك. |
|
|
إن جماهيرنا تعرف عن
رجال الغرب أكثر مما تعرف عن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن
الجراح، وغيرهم من رجالات الإسلام الأولين.. |
|
|
إن شبابنا يعرف عن
الخنفسة بفضل إعلامنا ـ جزاه الله بما يستحق ـ أكثر مما يعرف عن سجايا أسلافنا
وأخلاقهم. |
|
|
عن نساءنا يعرفن عن
نساء الغرب أكثر مما يعرفن عن أمهات المؤمنين والبطلات الخالدات في تاريخ
الإسلام. |
|
|
لقد قام الإعلام في
بلاد الإسلام بدوره الذي رسمه له العدو الغادر فقلب المعايير الخلقية لدى جيلنا
المعاصر فأصبحت الرذيلة أوفى بالأداء من الفضيلة. |
|
|
أصبح السفور هو التقدم،
والتستر هو الرجعية وصارت الميوعة والتخنث هما علامة على السمو والرجولة هي
الجلافة والتوحش.. |
|
|
أجل انقلبت المعايير
لأن أعداء الإسلام أرادوا لنا ذلك، فكنا
كما أرادوا.. وأضحينا لا نهتم إلا بالسفاسف من الأمور. |
|
|
إن الإعلام الأعمى في
بلاد الإسلام صار متخصصا في دراسات وفلسفات الفكر الغربي والشرقي كالديموقراطية
والشيوعية. فمثلا نجد المقالات المدبجة هنا وهناك في معظم صحافتنا الإسلامية،
هذا يحبذ وذاك يعارض وآخر يواسي بين الفريقين.. وهكذا.. نجد كل ذلك في صحافتنا
منشورا لشبابنا، فيقتنع به فريق، ويعارضه فريق آخر.. ثم تدور الرحى حربا بعد ذلك
بين الفريقين.. المتخاصمين فينشغل بال القوم بما بينهم وينسوا دنياهم وآخرتهم
على حد سواء وتطحنهم الرحى جميعا، وتفنيهم وهم لا يعلمون من أين توالت عليهم
المصارع.. |
|
|
ثالثا: |
|
|
والإعلام أيضا ينبغي أن
يكون أداة من أدوات توحيد الأمة ودعامة قوية من دعامات بنائها الفكري والروحي
فاللغة المكتوبة أو المسموعة ينبغي أن تكون سليمة في مبناها ومعناها على حد
سواء، صريحة في مغزاها معبرة بصدق عن رأي قائلها، حتى تولد الثقة في عقل سامعها
فتستقر في ذهنه وقلبه ويكون لها فعل السحر فتؤتي الغاية المرجوة منها.. |
|
|
والصراحة حرة ومؤلمة في
بعض الأحيان.. |
|
|
لقد عرف شبابنا من
الإذاعات المسموعة والمرئية على حد سواء كل شيء عن أوربا وأمريكا والصين وروسيا،
وقليلا بل ونادرا ما نسمع عن أرضنا الإسلامية وما كان هذا الموقف الحزين المؤسف
إلا لأن المسؤولين في الإعلام لا يدرون بذلك، إما لأنهم لا يشاهدوه أو لا
يسمعوه، وإما لا يعرفون مقدار التبعة الملقاة على عاتقهم.. |
|
|
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة |
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. |
|
رابعا: |
|
|
كل مجتمع من المجتمعات
به مظاهر حياته كما فيه عوامل موته أيضا، وذلك كما يقول علماء الاجتماع. |
|
|
ونظرة واقعية على
مجتمعنا الإسلامي اليوم نرى ذلك بوضوح، نرى العلل تصرعه من كل جانب. |
|
|
وواجب الإعلام الإسلامي
أن يقوم بدراسة ميدانية لما بالمجتمع من أمراض ويوجه المسؤولين إليها، ويشخص لها
الداء ويصف الدواء.. إن هذه النقطة من أهم النقاط التي ينبغي أن يوجه الإعلام
نظره إليها، فإن علاج المجتمع جزء من واجب الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة. |
|
|
خامسا: |
|
|
تقديم الإسلام للمجتمع
العالمي في ثوبه الحقيقي وهذا واجب آخر من واجبات الإعلام الإسلامي.. الدعوة إلى
الله على بصيرة، وتقديم هذه الدعوة إلى مجتمعات أخرى في ثوب قشيب ناضر بلغات تلك
المجتمعات تقديما مناسبا لجلال دين الإسلام وروعته وموضحا لوظيفة الإسلام
والمسلمين في المجتمع الإنساني كافة.. |
|
|
ـ هل يستطيع الإعلام
الإسلامي القيام بهذا الدور؟ |
|
|
ـ وهل ينجح في أن ينبه
أنظار المسلمين إلى واقع دينهم؟ |
|
|
ـ وهل يستطيع أن يلفت
أنظار غير المسلمين إلى روعة دين الإسلام؟ |
|
|
ـ وهل يستطيع أن يتحمل
الأمانة ويبلغها للناس كافة بجميع الوسائل المسموعة والمرئية؟ |
|
|
ـ هل يستطيع أن يلم شعث
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على كلمة لا إله إلا الله، ويعرفهم أنهم أعضاء
في جسد واحد إذا ألم بجزء منه مكروه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟ |
|
|
ـ هل ينجح في أن يقيم
واقع المسلمين ويبين ما به من آلام وأمراض خبيثة من شيوعية وبهائية وقديانية
وغير ذلك من ملل ونحل تفتك بجسد الأمة الإسلامية؟ |
|
|
ـ وهل يستطيع أن يحارب
هذه النحل والملل ويخرجها من دار الإسلام إلى الديار الأخرى التي أنبتتها ثم
تخلصت منها بأن صدرتها إلى المسلمين ففككت عرى وحدتهم وسممت أبدانهم، وفرقت
كلمتهم وأودت بهم إلى التفرقة ثم إلى العداء والحرب بعد ذلك؟ |
|
|
ـ إننا لو نجحنا في ذلك
لاستطعنا أن نخدم عقيدتنا بتسخير وسائل الإعلام كلها لها وهذا واجب ديني يحتم
علينا أن ننهج في العمل لديننا وعقيدتنا.. فهل نحن سائرون؟ |
|
|
ـ وهل نحن إلى طريق
الخير متوجهون؟ |
|
|
ـ وهل يا ترى سننجح في
هذه المهمة العظمى؟ |
|
|
تأكدوا أيها الإخوة أن
الأمر من بخطورة بمكان. وأن الإعلام بجميع وسائله المكتوبة والمرئية والمسموعة
يتحمل العبء الأكبر. |
|
|
وذلك واجبكم أنتم أيها
الدعاة أن تتجهوا إلى هذا الميدان بالإعداد له، وتوجيه شباب الإسلام لساحته
وتعريفهم بمدى أهميته، ويوم أن تنجحوا في تقديم داعية مسلم واع.. لهذا الميدان،
بقدر ذلك يكون الانحسار في بحار الباطل وستجدوا أنفسكم في النهاية على شاطئ
النصر والأمان. |
|
|
فهل أنتم واصلون إليه؟ |
|
|
أرجو ذلك. |
|
|
{وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَرِيباً}. بإذن الله |
|