طباعة

 توثيق النص

 

 

 

مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها؟

للدكتور محد حسين الذهبي الأستاذ بجامعة الأزهر

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ـ

فالدعوة إلى الله وإلى دينه الحق هي وظيفة الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم هي واجب العلماء من أتباعهم، ومسئولية المؤمنين جميعاً من أممهم.

يقول الحق تعالى مخاطباً رسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يوسف (108).

وهكذا حددت الآية السبيل لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكل من اتبعه، وجعلت غايتها الدعوة إلى الله على بصيرة ومعرفة، وأصبحت الدعوة بنص هذه الآية فريضة مستمرة، ينهض بها العلماء، ويضطلع بأعبائها المسلمون في تكافل وتعاون يجعل من عملهم المشترك استمراراً لجهاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإعلاء كلمة الله.

الدعوة إلى الله واجب عام، مسئولية الوفاء به في أعناق المسلمين جميعاً، وهي مسؤولية يجب للوفاء بها توفير أمرين لا بد منهما ـ

وأول الأمرين ـ ما يلزم للدعوة ومتطلباتها الشاملة من مال ينفق منه على ما تقتضيه مجالاتها المتعددة ـ من إعداد للدعاة، وتهيئة للوسائل الضرورية من كل ما هو لازم لتوصيل دعوة الحق إلى الناس داخل بلاد المسلمين وخارجها على السواء، فالدعوة إلى الإسلام لا يجوز الوقوف بها عند حدود عالمنا الإسلامي، بل يجب أن تصل هذه الدعوة وتبلغ إلى كل ما طلعت عليه الشمس، وكل ما دخل عليه الليل.

إن كتاب الله تعالى أنزل ليكون نذيراً للناس كافة، وما بدأه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على طريق هذا الإنذار العام من دعوة لملوك الأرض وشعوبها الذين أتيح له أن يدعوهم.

ما بدأه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علينا أن نكمله، فنصل بالدعوة إلى كل مكان نستطيع الوصول بها إليه، تحقيقاً لقول الحق تبارك وتعالى لنبيه وعلى لسانه ـ {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} الأنعام 19 {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} الأعراف 158 وهو معنى التعميم في آية البلاغ ـ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} المائدة 67 ـ بحذف المفعول، فمعناه ـ والله أعلم ـ بلغ كل من يمكن تبليغه.

وإذا كان مجال الدعوة بهذه السعة، وبخاصة في عصرنا الذي يسرت وسائل الاتصال فيه الوصول إلى كل شبر في أرض الله ـ تبين لنا حجم المال الذي لا بد منه للوفاء بمطالب دعوة جادة، تخرج الأمة من دائرة التقصير والتفريط في جنب الله في عالم ضاقت فيه المسافات وألغت الحواجز بين الدول والشعوب.

وثاني الأمرين ـ ما يلزم للدعوة من جهاز متكامل ينهض بها في داخل بلاد المسلمين وخارجها. جهاز تتوافر فيه المقومات والخصائص التي تناسب طبيعة الإسلام من ناحية. وتلائم طابع العصر من ناحية أخرى.

إن الله ـ عز وجل ـ يقول ـ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } إبراهيم 4.

لا بد للدعوة من لسان مشترك بين الداعي والمدعو، واللسان المشترك أوسع دلالة من مجرد معرفة لغة مشتركة بل لا بد من معرفة بما تحويه هذه اللغة من ثقافة المدعو وخصائص بيئته، وما يشكل موقفه من أفكار ومعتقدات وما يحكم تفكيره من عادات وتقاليد، لا بد للداعية من إلمام بها حتى يستطيع إحكام خطته في غزو الحصن من حيث يتمكن من فتحه بإذن الله.

ولا بد في خطاب البشر خطاباً ناجحاً من مراعاة طبيعة البشر العامة فيهم أولا، ومراعاة الخصائص الجنسية والعرقية ثانياً، ثم مراعاة الفروق الفردية في النهاية.

إن عقلية الإنسان هي نتاج تشكله عوامل كثيرة تختلف من شعب لآخر، ومن بيئة لأخرى ومن فرد لفرد.

هذه الفروق الجنسية والفردية على مستوى الشعوب والأفراد أصبحت أساسا مقررا وحقيقة مسلمة لدى علماء النفس والاجتماع وخبراء التربية، وقد اعتمدت عليها نظم التعليم في كل الدنيا، وآن لنا أن نستفيد منها في مجال الدعوة الذي رأينا كيف أسسه القرآن الكريم على أساس الفهم المشترك العميق بين الداعي والمدعو، ليتم الاتصال الذي يحقق الغاية كاملة.

لابد للدعوة من توافر هذين الأمرين ـ

التمويل الكافي

والجهاز المقتدر

ويبقى بعد توافر هذين العاملين شرط إذا لم يتوافر هو الآخر ضاعت الآمال المعلقة بالدعوة، وتبخرت الأهداف المنوط بها تحقيقها.

وهذا الشرط يتمثل في توفير مناخ صالح تنطلق فيه الدعوة إلى الله خالصة من كل قيد، متجردة من كل غاية إلا غاية وحيدة هي ـ هداية الخلق إلى صراط الله مستقيم، ومعناه ـ أن ترفع عن أجهزة الدعوة في كل بلاد المسلمين أثقال أجهزة السلطة التي تمنعها حرية الكلمة، وتوجهها في كثير من الأحيان لتتحول من دعوة إلى الله، إلى بوق من أبواق الدعاية أو وسيلة من وسائل الإعلام، أو تجمد حركتها بحيث تصبح مجرد وظيفة اجتماعية تتيح لصاحبها موردا للرزق يصبح الحصول عليه هو الغاية الأخيرة .

تمويل الدعوة، جهازها، مناخها - هذه الثلاثة هي الميادين التي يجب البحث فيها عن مشكلاتها، والتي يمكن معالجة هذه المشكلات في نطاقها أيضاً.

ولنتناول بإيجاز مشكلات كل ميدان من الثلاثة مقترحين ما نراه من علاج ملائم..

 

أولا: تمويل الدعوة ـ وقد آثرنا البدء به، لأنه يمثل عنق الزجاجة، ويعتبر الصخرة التي تؤسس للبناء أو تصطدم بها وتتحطم عليها الجهود.

نحن في عصر تحول فيه صراع الأمم والشعوب من صراع عسكري إلى صراع اقتصادي في جوهره، يتخفى وراء صراع فكري عقدي أو مذهبي، وأصبح من المصطلحات الشائعة في عالم اليوم ما يتردد عن -الغزو الفكري- الذي اشتدت ضراوته، واصطنعت له الأساليب والمناهج التي خدمها العلم بجانبيها النظري والعملي على السواء. هذا الغزو الفكري المتبادل بين الشرق والغرب, وبين مختلف النظم والمذاهب المعاصرة بعضها وبعض، يركز ويكثف جهوده على بلاد العالم الإسلامي بخاصة، وعلى البلاد النامي بوجه عام، فهي- من جهة- مطمح نظره، يرى فيها طلبته التي تحقق مطامعه الاقتصادية، ومن جهة ثانية، يراها مختلفة، وتخلفها يجعلها أكثر طواعية وتقبلا لما يقذف به إليها من فكر، يراد منه أن يكون رباطا وثيقا يشد إليه عقول أبنائها على نحو يجعل منهم تابعين مخلصين، ينفذون له مخططاته في بلادهم دون أن يضطر إلى الكشف عن وجهه القبيح، كما يوفر عليهم الكثير من الجهود والمال لو أنهم اصطنعوا للسيطرة وجه آخر.

هذا الغزو الفكري ترصد له ميزانيات ضخمة، وتقام له مؤسسات وأجهزة تخطط له، وترسم له المناهج والأساليب وتعد له من الوسائل والأدوات ما يجعله قادرا على تحقيق غاياته.

إن المراكز الثقافية وما إليها، والإذاعات الموجهة، مسموعة ومرئية، والسينما، ودور النشر، وفروع الجامعات الأجنبية والمكتبات العامة الأجنبية التي لها إمكانات تجعلها مقصد طلاب البحث العلمي في جامعات كثيرة من بلادنا الإسلامية والعربية وبلاد العالم النامي ـ فضلا عن الصحافة التي تتخذ منبرا يصل صوته إلى كل مكان ـ هذه كلها من أدوات -الغزو الفكري- المباشرة، ولعل غير المباشر من هذه الأدوات أشد خطورة وأخفى آثارا.

لعل هذا يصور لنا حجم التمويل والمال المرصود لهذا النشاط الزاحف الشرس المصر الدءوب.

هذا النشاط الضخم بإمكاناته الهائلة يلقي بنتائجه في طريق الدعوة إلى الإسلام داخل بلاده وخارجه على السواء، نتائج هي عقبات وحواجز وسدود تعترض طريقها من ناحية، وهي معاول تخلخل وتهدم من ناحية أخرى.

فإذا رجعنا إلى -الدعوة الإسلامية- وقارنا ما هو مخصص لتمويلها  في ميزانيات الدول الإسلامية بما تملكه أجهزة -الغزو الفكري- وما يرصد لها في ميزانيات الدول التي تمارسه، بدا لنا العجز الكبير في امكانات - الدعوة- على المستويين الداخلي والخارجي من حيث القدرة المادية الازمة، والتي بدون توافرها تصبح هذه الدعوة بين موجات الغزو الفكري المضاد قزما بين عمالقة شداد؟؟؟.

إن قصور التمويل عن الوفاء بمتطلبات -الدعوة- وأجهزتها، وفاء يمكنها من أن تصمد في معركة الصراع، وتطور من أسلحتها ووسائلها، وتكيف نفسها بالأساليب الملائمة في حرب المواجهة الفكرية والمذهبية، جعلها كالحمائم بين النسور..

وإذا كان - الغزو الفكري- ينطلق من مرتكز سياسي في الأساس، فهناك حركة أخرى تنطلق من مرتكز مختلف، ونعني بها حركة التبشير الجديد، والتي تلبس في عصرنا ثيابا وأزياء تمعن في التخفي وتعمية ما وراءها وتجد من مصادر التمويل الرسمية من ميزانيات الدول، والشعبية من تبرعات الأفراد، المؤسسات، والجمعيات، ما يجعلها وافرة القدرة بالغة النشاط، تصل بنشاطها إلى كل ركن معلوم أو مجهول في عالمنا..

إنه لولا المناعة الذاتة التي يتمتع بها الإسلام كدين، ولولا جوانب ضعف موضوعية في تلك الدعوات المضادة لا تفلح كل وسائل التمويه في سترها.. لكانت نتائج عدم التكافؤ الخطير بين ممكنات الدعوة الإسلامية وامكانات أعدائها أضعاف أضعاف ما هو واقع فعلا ـ وصدق الله العضيم ـ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}ـ الأنفال 32

إن مقارنة بين - الفاتيكان- وحده، بإمكاناته وطاقاته وسلطانه على الشعوب والحكومات المسيحية في العالم الغربي.. وبين أجهزة الدعوة مجتمعة في عالمنا الإسلامي تكشف لنا وتجسد ما تعانيه الأخيرة، وتهيب بنا جميعا أن نبحث عن مخرج لانتشالها من مأزقها..

وهنا نقترح أن تخصص نسبة مئوية من ميزانية كل دولة إسلامية لتمويل الدعوة في الداخل والخارج، نسبة مئوية يتحقق بها لعدل والتضامن في تحمل أعباء هذا الواجب الخطير، وتفي بمتطلبات المهمة الخطيرة التي تنتظر المسلمين اليوم، وفاء بحق دينهم، وبحق الإنسانية التي ضلت طريقها، ولا سبيل لهدايتها إلا عن طريق تعريفها بالدين الذي جاء لهداية البشر جميعا.

إن (1%) واحد في المائة، بل نصفا من المائة من ميزانيات كل الدول الإسلامية الغنية والفقيرة، يحقق حصيلة ضخمة تمول منها حركة الدعوة الإسلامية داخل بلاد المسلمين وخارجها تمويلا جماعيا، يتحدد نصيب كل منها بحسب ما تحتاجه لا بحسب ما أسهمت به.

إن بلدا إسلاميا كبيرا هو - أندونسيا- التي تعتبر أكبر دولة مسلمة في عصرنا عددا يتعرض الآن لحركة تبشير ضخمة وشرسة، استطاعت أن تقتطع من أبنائه المسلمين نسبة مئوية عالية، حددها بعض المشغولين فيهم بهذه المشكلة بنحو 40% من جملة السكان، وهو رقم مهما كان فيه من مبالغة فإن ما يتبقى بعد حذف كل ما فيه من مبالغة أو تهويل، يكفي لأن يوقظنا من غفلتنا، ويقتضينا أن نسارع بتنفيد هذا الاقتراح على الفور، وتعبئة جيش من الدعاة القادرين لمواجهة هذه المأساة المروعة..

وما يتعرض له المسلمون في الفلبين ألا يدخل في نطاق ما تطالبنا به الآية الكريمة اتجاه المستضعفين من المسلمين حيث كانوا ـ {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ }؟ـ الأنفال72.

إن الواجب نصرهم كيفما كانت تبعاته أو أهواله، فكيف بنا إذا لم نتقدم لهم حتى مجرد الدعم الروحي والمعنوي؟

تمويل الدعوة تمويلا يمكنها من الانطلاق دون معوقات هو أول ما يجب التركيز عليه واتخاذ قرار بشأنه، حتى لا يتحول الحديث إلى مجرد أفكار ونظريات لا تجد لها طريقا لأن توضع موضع التطبيق.

 

ثانيا ـ جهاز الدعوة

وبناء هذا الجهاز بوجهيه البشري، والمادي، رهن بما يتوافر للدعوة من مال تسهم فيه الحكومات بنسبة مئوية كما اقترحنا، ويضم إليه ما يمكن تقديمه من قبل الأفراد والمؤسسات والجمعيات الإسلامية في كل بلاد المسلمين، ومن خلال دعوة جادة ومؤثرة، ندعو للإسهام والتبرع لهذا العمل الجليل..

وجهاز الدعوة يقوم على دعامتين دعامة بشرية هي الأساس وهي القوة الضاربة في الميدان، ودعامة مادية تتمثل في مؤسسات الدعوة مقارها، وأدوات توصيلها ونشرها وكل ما يعتبر وسيلة معينة على تحقيق الاتصال الناجح المؤثر بين الدعاة والمدعوين.

ومشكلة جهاز الدعوة الإسلامية اليوم بوجهيه البشري والمادي، تتمثل في عجزه عن الوفاء بمتطلبات الدعوة تحت ظروف العصر عجزا مزدوجا يشمل  الكم والكيف معا.. فمن حيث الكم نجد قصورا واضحا في أعداد الدعاة والمشتغلين في مجال الدعوة على وجه العموم، فالمساجد ـ مثلا ـ لا تجد من الأئمة والخطباء من يقومون بهذه الوظائف بأعداد تكفي لتغطية حاجتها جميعا, والواقع حتى في أحسن المجتمعات الإسلامية ظروفا من هذه الناحية ينطق بهذا النقص..ومثل ذلك يقال عن عدد الوعاظ فالمأهلون منهم قلة محدودة جدا، وبجانبهم أعداد هائلة ممن يمارسون الوعظ هواية أو من خلال جمعيات تعد لهم مستويات من الدراسة تتيح لهم حد أدنى من المعرفة الدينية الضرورية التي قد تكفي لمواجهة حاجات البيئات المحدودة الفكرة والثقافة، ولكنها لا تفي بحاجة الإنسان الذي نال قسطا كبيرا من ثقافة العصر، وتعرض لمؤثراته الفكرية والحضارية..إن ساحة الدعوة الإسلامية داخل البلاد الإسلامية نفسها خالية ـ إلا نسبة محدودة منها ـ من دعاة حقيقين، قادرين على حمل أمانتها والوفاء بتبعاتها…

فإذا ألقينا ببصرنا على ساحة الدعوة خارج بلاد المسلمين، وحيث يوجد ملايين البشر مازالوا على فطرتهم، أو شابتهم وثنية انتقلت إليهم بالعدوى، وحيث يوجد ملايين من أصحاب الديانات الأخرى يعانون القلق، ويبحثون عن معتقد تطمئن إليه نفوسهم التي يرهقها الآن أن تتقبل عقائد ومذاهب يصعب على عقل أضاءه العلم وصقلته الحضارة أن يتقبلها.

هؤلاء حيارى يتلمسون الضوء في ظلمات بعضها فوق بعض، ولو أن دعوة الإسلام بلغتهم في خطاب يفهمونه وأسلوب حكيم يفتح لها الطريق الصحيح إلى عقولهم وضمائرهم لكان لهم من الإٍسلام موقف آخر، ولغدوا جنودا مخلصين، يستطيعون  ويملكون من وسائل نشر الإسلام بين أقوامهم ما لا نملكه نحن في بلاد المسلمين.

إن الإسلام ليس ملكا لنا، وإنما هو أمانة الله في أعناقنا، ومن الوفاء بالأمانة أن تودى إلى من هو أقدر على القيام بها والحفاظ عليها، وهو مغزى قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع ـ " ليبلغ الشاهد الغائب " ـ رواه البخاري ـ وقوله ـ " رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ـ رواه الترمذي وحسنه ـ

لقد انتشر الإسلام في إفريقيا وآسيا على أيدي التجار المسلمين بأكثر مما انتشر على أيدي الدعاة الرسميين، ذلك أن - الاحتساب - غير - الاحتراف - وليس من قبيل المصادفة أن يكون هذا القول الكريم {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} شعارا مشتركا بين رسل الله أجمعين.

نحن بحاجة إلى تأمل المغزى العميق وراء هذا الشعار لنصل إلى معادلة صحيحة نحل بها مشكلة الدعوة العويصة في عالمنا وهي كيف نوفق بين كون الدعاة غاية يجب التجرد لها والتضحية في سبيلها، وبين كونها مصدرا ضروريا لرزق من تناط بهم وظائفها في عالم أصبح توزيع العمل والتخصص في المعرفة سمة من سماته؟..

كم من - الدعاة - يبشرون اليوم بالإسلام على سطح هذا الكوكب الذي نعيش فيه؟ لو تصورنا أن مليون من البشر يكفيهم داعية واحد ـ وهو فرض أقرب إلى الخيال ـ لكان العدد المطلوب من - الدعاة - بضعة آلاف داعية فهل نستطيع أن نحصي على مستوى العالم غير الإسلامي كله أكثر من بضع عشرات؟ تلك حقيقة يجب أن نذكرها وأن نذكر بها..

هذه مشكلة - الدعوة - وجهازها من حيث عدد - الدعاة - وهم العنصر الأساسي فيها. فإذا انتقلنا إلى مشكلة الدعوة من حيث نوعية الدعاة صدمنا الواقع صدمة قاسية ـ إن مستوى الداعية في أحسن حالاته اليوم لا يفي على الإطلاق بحاجة من يدعوهم.

إن إنسان العصر يريد أن يجد في - الدين - حلولا لكل مشكلات الحياة التي تعترضه سواء في سلوكه الشخصي، أو في علاقاته الأسرية، أو في معاملاته الاقتصادية، ويريد أن يجد في الدين كلمة تضيء له طريقه في قضايا الحكم،  ومسائل السياسة، ومشكلات الاقتصاد.

والشباب ـ بخاصة ـ في حاجة إلى أن يقدم لهم من خلال الدين نظرة متكاملة للحياة، تستطيع إشباع حاجتهم للمعرفة، وتتيح لهم ما يبحثون عنه من سكينة نفس. واطمئنان الضمير.

هذه المطالب المعقدة المتشابكة، يقدم - الدين - حلولا جذرية عميقة لها، ولكن السؤال هو ما مدى إدراك - الداعية - لهذه المشكلات؟ ثم ما مدى قدرته على استنباط حلولها والإجابات الصحيحة عنها من المصدر الأصيل للدين ممثلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يعتمد عليهما أساسا ويستعين بعد ذلك بما يراه ملائما من الأدوات؟..

هل يملك - داعية -  العصر القدرة على الاقتراب المباشر من هذا المصدر، وأخد الأحكام والحلول لقضايا الحياة المعاصرة ومشكلاتها من خلال نصوصه مباشرة؟

هنا يبرز لنا قصور الإعداد ونقصه حتى على مستوى حملة الشهادات العلمية التي تجيزهم بأهلية العمل في مجال الدعوة، وتقرر صلاحيتهم لها…

هذا القصور إذا أردنا تحديد أسبابه وجب أن نتجه على الفور إلى الجهات التي تتولى إعداد هؤلاء الدعاة، ونتفحص مناهج إعدادهم ووسائل تكوينهم …

وأول ما يلاحظ على هذه المناهج والأساليب –

(1) أنها بدلا من وصل الطالب وصلا مباشراً بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت بديلاً منهما يتمثل في كتب ومذكرات مهما كانت قيمتها فلن تصلح بديلاً في يد داعية لا بد أن يكون على بصيرة في دين الله، يستمدها من مصادره الموثوقة، وليس من آراء البشر، واجتهاداتهم، وشروحهم وتفسيراتهم، مهما بدت قيمتها في نظر من يضعون المناهج ..

(2) وهذا يقودنا إلى أصل الداء في الدراسات الدينية المعاصرة، ويتمثل في قصور الأدوات التي لا بد من توافرها للتمكن في هذه الدراسات، وفي مقدمة هذه الأدوات - العربية -، وفقه لغة القرآن الكريم والسنة الشريفة.

إن مجتهدي الفقهاء لم يتمكنوا من الاجتهاد الفقهي إلا بعد امتلاك ناصية اللغة امتلاكاً تاماً، وعلم - أصول الفقه - ـ في جملته وتفصيله ـ هو علم لغوي في أساسه ..

وهل استطاع أو يستطيع مفسر جاد أن يجلس إلى كتاب الله هو آية بيانية معجزة وأداته اللغوية لم تكتمل، وذوقه اللغوي لم يصل إلى القمة؟ ..

إن فهم مراد الله من كتابه مرهون بالقدرة على النفاذ إليه من خلال أسلوب عربي شاء الله له أن يكون معجزة بلاغية في صياغيته ..

وقصارى أمر من يحاول التفسير دون استكمال عدته اللغوية أساساً، أن يكون راوياً لأقوال الآخرين، أو جامعاً منظماً لها، أما أن يكون مفسراً بنفسه، فهذا ما لا سبيل له إليه .. وقل مثل ذلك بالنسبة لمن يفسر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

إن كل خلاف في آراء المفسرين مرده إلى أساس لغوي بالدرجة الأولى، وكل ترجيح بين رأيين فمستنده أساس لغوي كذلك، فكيف يسوغ الترخص في هذا التكوين اللغوي للدعاة وهو أداة الأدوات في يد كل باحث، ومفكر، ودارس، ومعلم يبلغ عن الله ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن إعداد الدعاة ـ مهما تضخمت المناهج وتشعبت ـ يضل عاجزاً عن ربطهم ربطاً وثيقاً بمصدر الدين الأساسي طالما بقيت هذه الثغرة .. أعني هبوط المستوى اللغوي في هذا الإعداد.

(3) إذا كانت ثقافة العصر تفرض نفسها على عقول الناس وتخلق فيها من المشكلات ما لم يكن في عقول السابقين فالضرورة قاضية بأن يلم الداعية بتيارات هذه الثقافة، ووزنها، وتمييز ما هو حق فيها وما هو باطل، ثم يسلح بأسلحة ملائمة للهجوم وللدفاع في معارك الفكر التي لا بد له أن يخوضها إذا كان يريد أو يراد له ـ حقاً ـ أن يؤدي رسالته على وجهها.

أصالة الثقافة بربطها بالمصدر الأول للإسلام، ومعاصرتها بالتفتح على ثقافات العصر وميادين المعرفة اليوم، كلاهما ضروري لداعية العصر، وإلا كان سطحياً غير عميق الجذور إذا فقد شرط الأصالة، أو منغلقاً ضيق الأفق إذا فقد شرط المعاصرة.

لقد حفل تاريخ الدعوة الإسلامية وتطورها بنماذج فريدة من - الدعاة - المدافعين عن الإسلام، تمكنوا من قديمهم، وتسلحوا بأسلحة عصرهم. فلم يتهيبوا ميدان النزال، بل اقتحموا وصالوا وجالوا، وغلبوا ورفعوا راية الحق عالية يقذفون الباطل من تحتها بقذائف لم تكن لتخطئ مقاتله ..

إن هذا التاريخ ليذكر بالفخر والاعتزاز أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل رضوان الله عليهم. ويذر أمثال الحسن البصري وابن سيرين وأبي الحسن الأشعري. ويذكر الباقلاني، والغزالي، وابن رشد، ومن إليهم ممن كانوا حصونا ومعاقل تقف لترد عن الإسلام هجمات الطاعنين والمفترين. ويذكر ابن تيمية، وابن القيم، والشاطبي .. وابن كثير ..

ويذكر في عصرنا الحديث محمد بن عبد الوهاب والأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي، ممن كانوا شهبا راصدة تنقض على كل من يحاول النيل من الإسلام بالطعن والتشكيك.

إن العودة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستمداد مناهج إعداد الدعاة منهما مباشرة، وتمكين الأساس اللغوي للدعاة، هو نقطة بدأ لا بد من التفكير فيها تفكيراً عميقاً، ومخلصاً، ووثقاً من أن ذلك هو الطريق لنهضة الدعوةا والدعاة والذي لا طريق سواه، ثم يكون بعد ذلك الانفتاح على ثقافات العصر.

(4) كل ما مضى يتصل بالتكوين العلمي أو المعرفي والثقافي للدعاة، ويحدد جوانب النقص فيه.

وبقي جانب وهو أخطر الجوانب كلها في تظرنا، لأن نقصه يذهب بكل النتائج التي نرجيها من وراء تصحيح المسار في التكوين العلمي النظري لمن يوكل إليهم أمر الدعوة ومهامها.

إن فلسفة إعداد الدعاة تبدو لنا ناقصة نقصاً خطيراً، ذلك أنها تعنى بالجانب التعليمي التلقيني، أو بالجانب النظري من الإعداد، بينما هي تهمل إهمالاً شبه كامل الجانب التربوي الذي هو الوجه المكمل للوجه النظري.

إن العلم وحده لا يكفي لتكوين داعية، والمعرفة وحدها لا تصنع داعية كذلك لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخوف ما أخاف على أمة كل منافق عليم اللسان " رواه ابن عدي عن عمر.

إن العلم إذا لم يستند إلى خلق يحميه من نزوات النفس وطغيان الشهوات ويصونه عن الدنايا وسفاسف الأمور، يصبح كارثة حين يوجه لغايات آثمة، أو يستغل في مآرب خبيثة.

إن تنمية الإحساس بأن - الداعية - صاحب رسالة: هي امتداد لوظيفة النبوة، ومسؤليتها ـ لذلك ـ مسؤلية ضخمة، والتبعة فيها على قدر سموها وجلالها.

تنمية الإحساس بهذه المعاني شرط أولي يجب أن تحرص على التمكين له فلسفة إعداد - الدعاة - ولا تغفل عنه في خطوة من خطوات هذا الإعداد.

يجب أن يختار - الدعاة - اختياراً مدققاً، بحيث تتوافر فيهم مقومات إذا تخلفت كانت البداية خاطئة وغير موصلة إلى الغاية المرجوة.

إن المستوى العقلي الجيد، والذكاء بدرجة واضحة ضروري هنا، ومن المقرر: أن الفطانة من صفات الأنبياء عليهم السلام. فلنتعلم جيداً من قول الله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ـ الأنعام 124.

والمستوى الخلقي الممتاز ضرورة فوق كل الضرورات، فالدعوة أمانة لا رقيب على صاحبها سوى ربه وضميره، ومن المقرر كذلك: أن الأمانة من صفات الأنبياء صلوات الله عليهم.

والالتزام الديني بالإسلام فكراً وسلوكاً في كل صغيرة وكبيرة مما يجب تمكينه تمكيناً متأصلا في أنفس الدعاة ومن الخطورة أن نقدم للناس دعاة يقولون ما لا يفعلون أو يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أو ينهون عن المنكر ولا يتناهون هم عن فعله.

إن الداعية قدوة وشرط القدوة تطابق القول والعمل بعد استقامتها على نهج صحيح.

تربية الداعية دينياً، وتدريبه على تطبيق الإسلام في حياته عملياً، وتزكية نفسه بما يجعلها متأبية على الدنايا، وأخذه أخذاً بما يحصنه ضد فتنة المال وإغراءات الحياة ثم الترقي به ليعيش في المستوى - التجرد - لرسالته مطمئنا ومستعداً للتضحية في سبيلها بكل ما يستطيع .. هذه التربية ضرورية، ولازمة، وبدونها لا يكون هناك معنى للحديث عن دعوة ودعاة: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ـ الأنعام 162. هذا ما ينبغي أن يكون شعار الدعاة.

هذا الجانب التربوي من الإعداد غائب تماماً الآن في بيئات إعداد الدعاة وكيف ننتظر داعية حقيقياً ألف أن تمر عليه مواقيت الصلاة وهو في قاعات الدرس مثلاً مع أساتذته العلماء دون أن يكون من حوله ما يوحي أن هناك التزاماً بقول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} ـ النساء 103 ـ ويكفينا هذا المثال.

هذه التربية العملية للدعاة على قيم الإسلام ومثله وعلى شرائعه وشعائره، وعلى مفاهيمه وعقائده، لا يغني فيها التلقين ولا المعرفة النظرية، بل لا بد لاستكمال هذا الجانب الخطير من تغير جذري يمس فلسفة الإعداد. ويعدل من المناهج والأساليب، ولن يتم ذلك إلا بأن يتم الإعداد والدراسة والتربية من خلال حياة متكاملة، يتخلق كل العاملين في إطارها بخلق القرآن، ويلتزمون التزاماً كاملا بتطبيق الإسلام شعائر وآداباً وقيما وضوابط للسلوك بحيث يترجم ما يدرسه الطالب نظرياً إلى حياة وممارسة.

هل تصلح معاهد إعداد الدعاة الحالية لهذا اللون من التربية؟

بالقطع هي لا تفي بهذا، ولم تصمم مبانيها ومناهجها ولا فلسفاتها على هذا الأساس.

وهنا نقترح:

إنشاء كلية - للدعوة الإسلامية - بتمويل إسلامي عام، ويختار لها الدارسون اختيار دقيقا من كل أنحاء العالم الإسلامي، من خلال نظام محكم للقبول لا يمر منه إلا من تتوافر فيه مقومات خاصة، تؤهله لأن يكون - داعية - بمفهوم الداعية الصحيح.

هذه الكلية يجب أن تختلف كلية عن المألوف في النظم الجامعية أو المدرسية العادية. فالدراسة والتربية فيها متكاملتان، وتبدآن من سن باكرة - 12 سنة مثلا - .

والمراحل فيها مترابطة تسلم كل منها إلى ما يليها. والحياة فيها تصمم بحيث تتيح لأصحابها معايشة الإسلام معايشة حية تحوله إلى نسيج نفسي وعقلي داخل الدارسين، وإلى ظواهر صادقة في سلوكهم.

ونظم التقويم فيها يجب أن تشمل الجانبين العلمي والتربوي أو المعرفي والسلوكي.
وهيئة التدريس وجهاز التربية فيها يجب أن يكون كله من رجال لهم ـ إلى جانب علمهم وخبرتهم ـ اهتمام بالدعوة إلى لله، بدرجة تجعل منهم مجاهدين محتسبين، وليس مجرد موظفين يتقاضون أجورا يتنافسون عليها..

أما المناهج: فيجب أن يتوافر فيها ما يغطي جوانب النقص التي فصلناها هنا وفي مقدمتها:ـ

1ـ ثغرة الضعف في التكون اللغوي.

2ـ ثغرة الانفصام عن المصدر الأصلي للإسلام ممثلا في الكتاب والسنة.

3ـ ثغرة الانغلاق وعدم الاقتحام لثقافات العصر وتحديد مواقف منها.

وليس ثمة ما يمنع أن يكون في خطة الدراسة مجال واسع لتدريب عملي على البحث العلمي من ناحية، وعلى ممارسة فنون الدعوة العملية: من خطابة ومحاضرة، ودرس، وحوار، ومناظرة وإذاعة.. إلخ.

إن تركيز جهود الإعداد في - كلية إسلامية - كبرى يمكن تطويرها لتصبح جامعة للدعوة خير بكثير من تفتيت الجهود في وحدات صغيرة الإمكانات، عاجزة عن تطبيق مثل هذه الفلسفة.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ضرورة العناية بتدريس اللغات الأساسية المنتشرة في بلاد العالم الإسلامي غير الناطقة بالعربية، وبلغات العالم المعاصر الحية والواسعة الانتشار.

5ـ بقي جانب مهم لاينال ـ في واقعنا ـ ما يستحق من عناية في مناهج اعداد الدعاة ونعني به الجانب الفني العملي للدعوة في مجال الممارسة والتطبيق.

إن - الدعوة - حين يمارسها الداعية خطابة، ووعظا، وفتيا، ودرسا، ومحاضرة، وحديثا إذاعيا، وحوارا، ومناضرة، وهجوما، ودفاعا..هي في كل ذلك ذات وجه فني يتمثل في أساليبها وطرقها.

وإذا كان الفن في ذاته استعداد بالدرجة الأولى، فإن ذلك لا يغني عن دراسة الأصول العامة التي تكشف عن حقائقه، وتصقل مواهبه، وتعين عل الإبداع والتطوير الناجح خلال الممارسة.

وإذا كانت مناهج الدراسة تزود الداعية بالمضمون الفكري الذي يستمد منه، وإذا كانت التربية المتكاملة التي اقترحناها تكوّن شخصية تكويناً متوازناً يؤهله لرسالته، فإن استكمال هذا الجانب الفني المتصل بالأساليب والأدوات لا بد منه.

الخطابة ـ مثلا ـ فنّ، أساسه استعداد فطري لا شك، لكن فهم الخطيب لطبيعة موقف الخطابة، وتكيفه بظروف الحاضرين، وأنها لون من السياسة النفسية للجماهير، وتصلح لتناول موضوعات دون غيرها، وتحتاج لاصطناع أسلوب غير ما يحتاج إليه في محاضرة مثلا، إلى ما يكون للآداء الصوتي من تأثير، بتلوين نبرات الصوت ودرجته، والوقفات والسكتات التي تتخللها، والسرعة والبطء، وطول الجمل وقصرها، وكونها مرسلة أو مسجوعة أو متوازنة .. وكيف يكون تفجير طاقات الناس واستفسارهم، أو استهواؤهم. وتهيئة قابليتهم لما يلقى إليهم، كل أولئك مما يفيد - الداعية - معرفته، ويزيد من بصيرته بفنه الذي يمارسه.

إن القرآن الكريم، حافل بالمناهج، والأساليب، والطرائق التي يتمكن الاستنباط منها والاستهداء بها في كل موقف نوعي يقفه الداعية أو يتعرض له: خطابة، وحواراً، وقصصاً، وموعظة، وتقريراً في تنوع يقدم لكل مقام ما يلائمه، ولكل موضوع ما يناسبه.

وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه العملية ذخيرة ثمينة وثرية لو تناولها باحث بالدرس والاستقراء، واستنبط منها الأصول النفسية والاجتماعية والدينية التي تفسر نفاذ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قلوب الناس وعقولهم. في سنة النبي هذه ما لو تناوله باحث حصيف لقدم لنا ما يمكن أن نسميه: علم نفس الدعوة، على غرار ما يعرف من علم النفس التعليمي أو التربوي. ويعمق أكثر فيما يتصل بطبيعة النفس، إذا كان منهج النبوة في دعوة الناس منهجاً ربانياً ألهمه إياه ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ..

وفي وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لمبعوثيه الذين أرسلهم معلمين هنا وهناك من أمثال معاذ بن جبل، وفي إجاباته عن أسئلة محددة من أشخاص ذوي سمات خاصة مجال واسع لتأمل رشيد، يعود على صاحبه بما يفتح بصيرته على رؤى ومدارك لم يكن يراها من قبل.

إن العصر الذي نعيشه ابتكر من وسائل الاتصال والتوصيل ما لم تعرفه الدنيا ولا سمعت به قبل قرن واحد. وكلها مما يتوسل به لتوصيل الكلمة نافذة مؤثرة بأقصى ما تحتمل من هذا التأثير.

والدعوة الإسلامية ـ وأداتها الكلمة ـ لا بد لها من تفكير جاد في دراسة وسائلها التقليدية لتطورها من جهة، ولتكملها بما استحدثه العصر من وسائل تلائمها وتجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى القلوب والعقول.

إن نقاء أجهزة الدعوة الإسلامية في عالمنا مقيدة بهذه الحدود والوسائل الضيقة التي دفعت إلى مضايقها دفعاً خلال فترات مختلفة من تاريخ المسلمين، يجعلها متخلفة عن الوفاء بحاجة العصر. والمسلمون طوروا كل أساليب حياتهم تقريباً. واستحدثوا كل جديد رأوه نافعاً في مجالات الحياة، ومن واجبهم أن يعطوا - الدعوة - إلى الله جانباً من هذه العناية.

 

ثالثا: مناخ الدعوة

وهو الميدان الثالث الذي تنبثق منه مشكلات كثيرة تتصل بالدعوة والدعاة بل لعله أخطر الميادين كلها على الدعوة سلباً وإيجاباً.

إن مناخ - الدعوة - حينما يكون ملائماً يتيح لها من الحرية والانطلاق ما هو شرط ضروري لازدهارها وإيجابيتها، وحين يكون هذا المناخ غير موات بما يسوده من كبت وتقييد تفقد الدعوة أول شرط لحياتها، وتصبح مختنقة محبوسة الأنفاس.

حينما قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} ـ الجن 18 فقد قرر حق الدعوة في حرية مطلقة لا قيود عليها، وأوجب على الدعاة ألا يذعنوا لأي نوع من أنواع الضغط أو التوجيه الذي ينال من تجردهم للغاية التي جندوا أنفسهم لها.

وإذا كان من واجب حكام المسلمين أن يوفروا للدعوة هذه الحرية الكاملة فمن واجب الدعاة كذلك ألا يسيئوا استخدام هذه الحرية بما يسئ إلى أممهم ودولهم دون غاية من دين أو دنيا تبرر هذه الإساءة.

وإذا كان لا بد هنا من ضابط لهذه الحرية فهذا الضابط يتمثل في أمرين:

1ـ تجريد الغاية كلية لله، فلا هوى ولا غرض، ولا مرض ولا عرض من أعراض الدنيا.

2ـ سمو الأسلوب، واستقامة المنهاج بالالتزام بما أرسته الآية المباركة. {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل الآية 125.

إن حرية الدعوة يقابلها الالتزام بهذا الأدب الإلهي الذي سنه الله تعالى لإمام الدعوة صلوات الله وسلامه عليه.

حرية الدعوة والتزامها على هذا النحو هي الصيغة الوحيدة التي يمكن على أساسها حل المشكلة الأساسية التي تعاني منها - الدعوة الإسلامية - في كثير من البلدان، وهي مشكلة كونها تابعة للحكومات والسلطات.

والمشكلة هنا ذات أبعاد يجب تأملها ليمكن تصورها على نحو صحيح.

ماذا تعني تبعية أجهزة الدعوة في بلد ما للحكومة المسؤولة فيه؟

تعني أولاً: أن ينسحب منطق الوظيفة على هذا الجهاز .. فالعاملون فيه موظفون تحدد عليهم واجبات، وتقرر لهم حقوق، ويخضعون لنظام من التوجيه والرقابة تشبه إلى حد كبير ما يسود مجالات الحياة الأخرى، كما يتعرضون لنظام العقاب والثواب أسوة بغيرهم من موظفي الدولة هنا وهناك.

هذا الإطار الوظيفي إن صلح لأي مجال آخر في الحياة فهو في مجال الدعوة غير صالح على الإطلاق، فالدعوة إنما تقوم أٍساساً على الالتزام أمام الله وليس على الالتزام من جانب السلطات كائنة ما كانت.

ونظام الرقابة في هذا المجال لا يمكن أن يأتي من خارج الإنسان، وإنما يجب أن يتولد من داخله خلال عملية الإعداد والتربية والتكوين.

إن ضمير الداعية يجب أن يكون الفيصل في مسألة الرقابة وما يتصل بها وحاجة الدعاة إلى رقابة خارجية معناه: فشل إعدادهم وتربيتهم من ناحية، وعدم صلاحيتهم لمهمتهم من ناحية أخرى، وخير للدعوة ـ ألف مرة ـ أن ينحى عن مجالها كل من يحتاج لرقابة خارجية من بقائه في ساحتها.

وتعني ثانياً: إحساس جهاز الدعوة التابع بأن مصيره وقدره مرتبط بطاعته لأولي الأمر، وأن مخالفته إياهم ـ ولو كان فيها إرضاء الله ـ يعرض حياته وحياة من يعولهم لخطر يتصل بمصدر رزقهم.

هذا الإحساس يهدهد من شجاعة الدعاة في الجهر بكلمة الحق، وينمي، بالتدريج روح الهوينى ويبرر الخمول والكسل، حتى ينتهي الأمر إلى أداء شكلي هزيل …

وتعني ثالثاً: أن يدخل - الدعاة -  في معركة المطالبة بتحسين الأوضاع، فهم جزء من جهاز الدولة يتأثر بما حوله، ودخول الدعاة في هذا الجو مشغلة من جهة تصرفهم عن وجهتهم، وتبدد الكثير من طاقاتهم، ومن جهة أخرى ينال من صورتهم ـ كمثل وقدوة ـ في أنظار الناس، وعلى هذه الصورة يتوقف الكثير من استجابة الناس لهم ورفضهم إياهم.

وتعني رابعاً: أن على جهاز الدعوة أن يختار أحد طريقين: إما أن يساير ما يجري في مجتمعه ما دامت القائمة تقره، وإما أن يقول كلمة الحق معلناً أن السلطات تخالف حكم الله في هذا الذي أقرته، هذا الصراع النفسي داخل الداعية موجود مستمر طالما ظل هناك انفصال بين مواقف الحكام في التشريع والتطبيق وتنظيم الحياة، وبين توجيه الإسلام.

والحق أن هذه المشكلة من أعقد مشكلات الدعوة.

فتبعية الدعوة للحكومات تضمن لها وللقائمين عليها مواد يصعب تدبيره عن طريق آخر ومعناه: أن قطع هذه التبعية يقتلها قتلاً!

واستمرار هذه التبعية يعرض الدعوة في كثير من الأحيان لضغوط تشل فاعليتها وتفرغها من مضمونها!

والحل في نظرنا يمكن تحقيقه على النحو التالي:

1) توفير ضمانات كافية تؤمن - الدعاة - تأمينا كاملا فيما يتصل بأرزاقهم، بمعنى أنهم لا يصادرون في أرزاقهم مهما كانت المآخذ أو حتى التهم التي توجه إليهم!

2) أن تتولى محاسبة من يرى أنه ارتكب ما يوجب المحاسبة هيئة علمية تحاكمه على أساس واضح من مقررات الإسلام التي لا يجوز للداعية أن يذعن لغيرها، ولا يجوز لغيره أن يحاكمه إلا على أساسها.

3) التفكير في نظام يكفل تمويل الدعوة على مستوى العالم الإسلامي ـ كما اقترحنا في صدر البحث ـ وبحيث لا يكون هناك سلطان مباشر للحكومات على الدعاة.

هذه هي المجالات الثلاثة الكبرى التي تتركز فيها مشكلات الدعوة والدعاة.

وبقيت أمور تمثل عقبات وتحديات تعترض طريقها وسوف نشير إلى أهمها فيما يلي:

 

أولاً: عقبات داخل مجال الدعوة نفسها:

1) ومن ذلك تعدد أجهزة الدعوة، كيانا، وتوجيها، وإشرافا، وهو أمر له خطره المتمثل في تضارب الاتجاهات، وما يترتب على ذلك من شقاق، وبلبلة تهز ثقة الناس، وتجعلهم يتساءلون: ترى من المحق من كل هذه الطوائف؟ ولماذا يكون بعضها أولى بالحق من الآخرين.

2) ومن ذلك ترك ساحة الدعوة فوضى يتجول فيها هواة، ومشعوذون، ودجالون، ومرتزقة كاذبون، ولعل ما يجري تحت اسم الطرق الصوفية في أنحاء العالم الإسلامي أسوأ ما يعترض طريق الدعوة الحقة!!

3) ومن ذلك مناهضة أجهزة الإعلام والثقافة العامة بوعي وبدونه لأجهزة الدعوة مناهضة تملك من الوسائل والطاقات ما يكاد يذهب بأثر الأخيرة ذهاباً كلياً، ومن أخطر ما يجري في هذا القطاع التعريض بالدعوة ورجالها، والنيل من مكانتهم، ومحاولة التأثير على صدورتهم عند الجماهير بما يضعف استجابتهم لهم.

4) ومن ذلك ميل كثير من العاملين في مجال الدعوة إلى الهروب من الميدان، والاتجاه إلى مجالات أخرى يرونها أكثر سخاء في العطاء الدنيوي وهذا أكبر دليل على أن فكرة - الرسالة - والإحساس بها لم تنشأ في نفوسهم، ولم يعن بتنميتها فيهم من خلال مراحل الإعداد!!..

 

ثانياً تحديات من خارج المجال:

وفي مقدمة هذه التحديات ما يتستر ويتخفى تحت شعار العلم متخذا منه قناعاً من جهة ومعبراً يعبر منه إلى عقول الشباب المعاصر من جهة أخرى! من هذه التحديات:

1) تلك النزعات والمذاهب والفلسفات المادية التي تفد من الشرق ومن الغرب على السواء، والتي تلتقي على غاية واحدة، قلع بذور الدين والتدين من العقول والقلوب وأصحاب هذه الاتجاهات يحاولون إضفاء صفة العلم عليها، لما للعم اليوم من سلطان على العقلية المعاصرة وخاصة في بلاد العالم الصناعي، حيث قدم العلم إنجازات جعلت تلك المجتمعات تقيم منه إلها تعبده، وتتعبد في محرابه.

إن فتنة العلم في عصرنا هي أخطر ما يجب مواجهته، وكشف ما ينطوي عليه من مغالطات وتجن على الحقيقة، وافتعال الادعاء بأن الدين عدو للعلم.

2) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة ذلك الاتجاه - العلماني - الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهو اتجاه قد يكون له ما يبرره في بلاد نبذت الدين كلية، أو فشلت في محاولة التوفيق بين نظرة العلم ونظرة الدين الذي تدين به للحياة، لكن هذا إذا ساغ في أي مجتمع يستظل بأي دين فإنه في مجتمع يستظل بالإسلام لا يزيد عن تقليد جاهل أو محاولة مغرضة تريد حرمان المجتمع الإسلامي من أعظم مقوماته، ومن أعمق دوافعه، ومن أقوى حصونه في الصمود والدفاع عن نفسه في مواجهة أعدائه.

في مجتمع الإسلام لا مكان لهذه المشكلة، بالمرة، فالدين الحق والعلم الصحيح أخوان، وفي تعاونهما معاً ازدهار الحياة وتقدمها، والداعون للعلمانية في مجتمعات الإسلام هم ـ بحق ـ الرجعيون الذين ينطلقون من منطلقات جاهلة أو حاقدة ..

3) ومن فروع هذه الشجرة الآثمة أيضاً ما نراه من انفصام بين الجامعات والمراكز التي تتولى شئون البحث العلمي في بلاد إسلامية متعددة، وبين روح الإسلام ونظرته للعلم والعلماء، وهي ثمرة مرة جاءت نتاجاً غير صالح لما كان من فصل متعمد بين التعليم الديني والتعليم المدني أرسى الاستعمار قواعده، ورسخ أصوله، وأحدث ثغرة هائلة في بنية المجتمع الإسلامي المعاصر، يجسدها هذا الانفصام بين مراكز التوجيه والقيادة الفكرية فيه، وبين الإسلام على درجات متفاوتة.

4) ومن التحديات التي تواجه الأديان بوجه عام ما يبدو من ميل علم كذلك إلى التحلل من الدين، والتخفف من تبعات التدين، وهي ظاهرة عامة في كل المجتمعات تعكس روح العصر، ومن الغريب أنها بدأت تنحسر في المجتمعات المتقدمة وظهرت فيها نزعات تطالب بالعودة إلى الدين، هذا بينما هي في المجتمعات النامية ما زالت تأخذ صورة المد، ولم تنحسر بعد.

5) وهناك تحد خطير، لأنه يمثل خميرة الشيطان في مجتمعات المسلمين لقد تمكن الملاحدة من الماركسيين وغيرهم في كثير من بلاد العالم الإسلامي من أن يكون لهم وجود منظم أو معترف به، في شكل أحزاب، أو تجمعات تمارس نشاطها علانية أو تحت الأرض.

هذه التجمعات الإلحادية تركز نشاطها على الشباب، وتستثمر الظروف الصعبة التي تعانيها بعض تلك المجتمعات، لحساب مبادئها الهدامة، وأغراضها المشبوهة وقد مكنها ما أضفى عليها من شرعية في بعض تلك البلدان من أن تستعلن، وتفصح عن مبادئها، وتدعو إليها جهاراً نهاراً.

وبعد فلعلنا نكون ـ بهذا التفاؤل الموجز ـ قد ألقينا ضوءا كافياً على ما يعترض الدعوة الإسلامية من مشكلات وما يعترض - الدعاة - من عقبات حرصنا على أن نضعها في أطرها العامة ليسهل التعرف عليها، والنفاذ إلى جذورها وأسبابها، بما يهيئ السبل الصحيحة لعلاجها والخلاص منها.

إننا لو استطعنا تحقيق وتطبيق معطيات هذه الآيات الكريمة في محيط الدعوة الإسلامية ومجالاتها لكان لها من هذا التطبيق ما يخلصها من مشكلاتها، ويمنحها قوة دافعة تسرع بها نحو غايتها.

لنرفع قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} شعاراً لتجرد الدعوة والدعاة.

ولنرفع قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} عهداً بالتضحية والفداء.

ولنرفع قوله تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} تذكرة بالاحتساب.

ولنتخذ من قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } معياراً لما يجب أن يكون عليه الداعية تفقهاً في دين الله، ومعرفة بالطريق إليه.

ثم لنتخذ من قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، منهاجاً ودستوراً وأدباً يتخلق به الدعاة.

وأخيراً لنتخذ من قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} مناراً نطل منه على آفاق الدعوة التي يجب أن نبلغ بها إليها.

والله من وراء القصد موفق ومعين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.