طباعة

 توثيق النص

 

 

 

كيفية إعداد الداعية

للدكتور أحمد أحمد غلوش

عضو هيئة التدريس بكلية التربية بجامعة الرياض

 

 

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد …

فإن أحسن القول الدعوة إلى الله تعالى، وأفضل الأعمال ما يؤدي إلى فهم الدين، وتطبيقه، وتبليغه للناس وصدق الله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

ولهذا كان مؤتمر الدعوة الإسلامية من الأعمال الفاضلة التي تبعث الرضى في نفوس المسلمين الصادقين حيث يرون أمتهم وهي تخطط لنشر دينها وتدرس المشاكل التي تعترض طريقها، وتضع الحلول المناسبة لقضاياها، وتتصدى بواقعية لكيد الكائدين وانحراف المبطلين.

وقد سعدت باشتراكي في هذا المؤتمر، وبرغم قصر المدة فإني استعنت بالله تعالى، وأعددت هذا البحث في موضوع:

 

(كيفية إعداد الدعية)

لما للداعية من أهمية في تبليغ الإسلام، ولحاجة الدعوة إلى دعاة أكفاء قادرين على القيام بالواجب المنوط بهم.

وسوف يتناول البحث ـ بمشيئة الله تعالى ـ النقاط التالية:

1ـ وجوب تبليغ الدعوة وإعداد الداعية.

2ـ أهم الصفات الواجبة للداعية.

3ـ كيفية إعداد الداعية.

وذلك بإيجاز وتركيز، ولي أمل في الله أن أتمكن من بحثها مستفيضة وافية في مجال يسمح بذلك. والله ولي التوفيق

 

وجوب تبليغ الدعوة وإعداد الدعاة

كان من رحمة الله بالناس أن جاءتهم الدعوة الإلهية بما اشتملت عليه من أسس صالحة، ونظم كاملة لكافة جوانب الحياة.

وقد أوجب الله تعالى تبليغ دعوته للناس حيث أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[1] والأمر يفيد الوجوب ومن المعلوم الأصل في خطاب الله لرسوله دخول أمته فيه إلا ما استثنى وليس في هذا المستثنى أمر الله تبارك وتعالى بالدعوة لدينه، فبقى وجوب تبليغ الدعوة على المسلمين كما وجب على رسوله صلى الله عليه وسلم وقد وجه الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى هذا الواجب حيث أمرهم وقال:

"ليبلغ الشاهد منكم الغائب"[2]، كما أن طبيعة الإسلام تؤكد هذا الواجب لأنه دين عام خالد يستلزم استمرار الدعوة إليه وتبليغه للناس.

وواجب تبليغ الدعوة جدير في الحقيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواهبه وإيمانه، وإخلاصه، وبعده يجب أن يستمر على نمطه بواسطة دعاة يعدون لحمل الأمانة، وأداء الواجب المطلوب.

وإعداد هؤلاء الدعاة واجب حيث أمر الله بذلك في قوله تعالى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[3] فبان بذلك أن على المسلمين أن لا يخرجوا جميعا للجهاد في سبيل الله، وإنما عليهم أن يخصصوا من كل جماعة نفرا يخرجون للدعوة، يتحملون المشقة في فقهها، ومعرفة طرق الإنذار بها، قاصدين من هذا الإعداد إرشاد غيرهم والنصيحة لهم أملا في هدايتهم وإيمانهم.

وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[4] والأمة هي طائفة عالمة حيث أمر الله المسلمين من بينهم جماعة تتخصص في الدعوة إلى الخير إذ تعلم المعروف وتأمر به، وتدرك المنكر وتنهى عنه، وتصدير الآية بلام الأمر يفيد وجوب ايجاد هذه الفئة العالمة لتبليغ الدعوة.

وقد ربى الرسول أصحابه على الحق واختار منهم من يصلح للدعوة وبعثهم إلى عدد من الشعوب يدعونهم إلى الله تعالى.

ومن المعلوم أن واجب تبليغ الدعوة لا يتم إلا بواسطة الدعاة، وهذا دليل على وجوب إعدادهم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن سؤال الله للناس في الآخرة يقتضي تبليغ دين الله إليهم والدعوة لا تبلغ وحدها فلزم وجود دعاة يحملونها ويبلغونها للعالمين. وهكذا وجب تبليغ الدعوة، ووجب إعداد الدعاة. ولئن كانت الحاجة إلى الدعاة الأكفاء ملحة دائما فإن هذه الحاجة الآن أشد ليتعلم المسلمون ما جهلوا من دينهم، وحتى يمكن مواجهة خطر التيارات المادية التي إتسع نشاطها بواسطة دعاة المذاهب البشرية، والنحل المحرفة الذين دربوا على الترويج لباطلهم في ذكاء واضح، وخطة مدروسة وهدف محدد.

وليس بجائز أبدا أن يضعف صوت الحق أمام الهوى، وتذاع الشبهات الملحدة في الناس ولا تجد من يتصدى لها ويهدمها بالحجة والبيان، إن إعداد الدعاة واجب يلتزم به المسلمون، وعلى الأمة أن تقوم به أداء لواجب الدعوة، ووفاء للأمانة التي لزمتهم.

 

الصفات الواجبة للدعاة

تهدف عملية إعداد الدعاة إيجاد نفر من المسلمين متميز بصفات خاصة تمكنه من القيام بالواجب الذي أنيط وهو تبليغ الدعوة.

وهذا النفر ملتزم بتقويم الصلة بالله وبالدعوة والمدعوين، ولذا كانت أهم الصفات التي يجب أن يتمتع الدعاة بها هي:-

أ ـ الإيمان العميق

الإيمان هو الركيزة الأساسية للداعية وهو القاعدة التي يقوم عليها كيانه كله، والواجب أن تكون صلته بالله أوثق، ومعرفته به أوضح وشعوره بجلاله أقوى، وارتباطه بمنهجه أشد.

إن هذا الإيمان يعني التسليم التام لله لأنه النافع الضار، المعز المذل، وأنه لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى. كما ينبغي التيقن بأن دين الله حق كله لا يحتاج لجدل، ولا يقبل شكاً ومراجعة ومن ثم يثبت هذا الإيمان عنده ولا يتزعزع مهما كانت الشدائد. ومهما قوي الأعداء، وكثر الخصوم.

ويجب أن يكون إيمان الداعية إيماناً تفصيلياً على الأدلة والحجة، وأقرب طريق لتأكيد هذا الإيمان مداومة النظر في القرآن الكريم، والعكوف على تلاوته وحفظه وتدبر معانيه وتنفيذ تعاليمه. وتبيين أحكامه من خلال دراسته للسنة المطهرة.

ونتائج هذا الإيمان تفيد الداعية وتعينه على الدعوة، لأنه به يحب الله، ويصير محبوباُ من مولاه. قال تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}[5]  وقال {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[6]  وحب المؤمن لله عبارة عن استغراق مطلق في الطاعة، وتسليم تام بكل ما يجد ويحدث وحب الله للمؤمن يكسبه إعانته، وهدايته، والأخذ بيده نحو الحق والخير، وهذا الحب يستتبع الثقة بالضرورة، لأن الداعية ما دام اعتقد الحق وآمن به، والتزم في كل حياته أوامر الله ونواهيه فإنه يثق حينئذ أن كل ما يحدث له ومعه جزء من الحكمة الإلهية الشاملة.

والإيمان يعين على الدعوة أيضاً حيث يندفع الداعية نحو الإخلاص والعمل ودعوة الناس بلا انتظار أجر مالي، أو الحصول على كسب دنيوي، وكل القصد هو طاعة الله وكسب رضاه بالدعوة لأنه يؤمن بأن أحسن الأقوال وأفضل الأعمال ما كان للدعوة وفي سبيلها.

وإن حدث وجوبه الداعية بمعوقات تقف بينه وبين النجاح في الدعوة فإن الإيمان يمده بطاقة من التحمل والصبر تجعله يستصغر كثرة الخبيث، ويستهين بقوة الأعداء، ولا يخشى في الله لومة لائم، أو جور ظالم، ويرفع في الناس شعاره وهو قوله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} هكذا الإيمان الصادق يوجد الحب والثقة. ويحقق الإخلاص والتحمل، وعلى الداعية أن يتصف به.

ب ـ العلم الدقيق

دور الداعية يحتاج إلى العلم الوافر والأفق الواسع، لأنه يوضح الدين ويبين للناس سمو مبادئه ونظمه، ويرد الشبهات التي تثار أمامه، ومن هنا كانت حاجته إلى التحصيل الدائم. والمعرفة الشاملة.

وطبيعة الإسلام تتطلب من الدعاة أن يكونوا علماء فاقهين لأنه دين يؤخذ من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكلاهما يحتاج إلى القراءة المستمرة، والتدبر الواعي، والفهم السليم، كما أن تبليغ الإسلام يحتاج إلى معرفة الناس ومعرفة أمثل الطرق لتوجه إليهم وإقناعهم وأهم جوانب علم الداعية ما يلي:-

1ـ العلم بالدعوة: عمل الداعية نشر الدعوة، ولذا كان العلم بها من أساسيات علم الداعية لأن فاقد الشيء لا يعطيه. والدعوة بكافة جوانبها تعرف بمعرفة القرآن الكريم والسنة النبوية وعلى الدعاة أن يتخذوها زادا لهما فيعيشون مع القرآن تلاوة وحفظاً، وفهما، ومع السنة قراءة وتدبراً، وحفظاً، ومع سائر العلوم الإسلامية التي قدم فيها سلفنا الصالح الدراسات العديدة كعلوم القرآن والسنة والفقه والعقيدة .. وبذلك يفهمون الدعوة ويتمكنون من تبليغها للناس.

2ـ العلم بالمدعوين: يتنوع المدعوون تنوعاً واضحاً بسبب ما بينهم من اختلاف، ومخاطبة كل نوع يحتاج لطريقة معينةـ لأن ما يؤثر في جماعة لا يؤثر في غيرها. ولذا وجب على الداعية أن يعلم خصائص من سيدعوهم من ناحية العادات والتقاليد والمذاهب والاتجاهات السائدة فيهم.

ويعتبر العلم بالمدعوين من أهم جوانب علم الداعية في العصر الحديث لكثرة المذاهب الوضعية وانتشارها ونشاط دعاتها، وتطاولهم على الواقع وادعاءاتهم الكاذبة في أنهم يمثلون الحق والمستقبل السعيد للناس، ولأن الداعية بهذا العلم يمكنه من مجابهته الباطل ودحضه ورد مفترياته بما في دعوته من حق. ووضوح ويساعد الداعية في هذا الجانب بعض العلوم الحديثة كعلم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية وعلم مقارنة الأديان وعلم الجغرافية البشرية وتاريخ العمران والحضارة. إلخ.

3ـ العلم بوسائل الخطاب: وسائل تبليغ الدعوة عديدة. ولكل منها منهج، ولا بد للداعية من معرفة هذه الوسائل، وعليه أن يتقن الطريقة المثلى لتطبيق كل وسيلة مع المخاطبين بعد إعدادها وتنظيمها.

إن وسائل الدعوة عديدة وقد أضاف العلم الحديث إليها العديد من الوسائل حتى عدت المسرحية الهادفة، والتمثيلية المعبرة والراديو والصحف وسائل يمكن بواسطتها تبليغ الدعوة إلى الناس.

وبهذا العلم المحتوي على معرفة الدعوة ومعرفة المدعوين ومعرفة وسائل الخطاب يكتمل للداعية الجانب المعرفي الذي يحتاج إليه لأداء الواجب.

جـ ـ الخلق المتين

الداعية أخ للمدعوين استظهر عليهم بالنصح والتوجيه، وحاجته إلى تقديرهم له، وثقتهم فيه واضحة. ولا يمكنه ذلك إلا بالخلق الكريم البادي من احترامه للناس، وتقديرهم والصدق معهم، والكرم في معاملتهم، والأمانة الشاملة في سائر ما يكون معهم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".

إن الأخلاق فوق أنها كمال ذاتي للداعية فهي مدعاة لتبوئه قيادة الناس وتوجيههم وللدعاة في ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لقد تمتع بالخلق واشتهر في الناس بالصدق والأمانة، والحلم والعفو والكرم وحب الخير للناس، وصدق الله تعالى وهو يقول: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وهكذا يجب أن يكون الدعاة.

 

كيفية إعداد الدعاة

يحتاج الدعاة الحاليون إلى الإعداد والمساندة سواء في ذلك من يعملون داخل الوطن الإسلامي، ومن يعملون خارجه، لأن مستوى الأداء في عملهم ليس على الصورة المطلوبة، والكثير منهم يعتبر عبئاً على الدعوة لا عوناً لها، مما يؤدي إلى عكس المطلوب، وهذا الواقع يحتم إعداد الدعاة تلافيا لهذا القصور الواضح، على أن يكون شاملاً للعاملين حالياً ولمن يعد للدعوة مستقبلاً.

وعملية الإعداد دقيقة وهامة لا بد لها من جهد كبير، وتخطيط سليم، وإمكانيات واسعة حتى تصل إلى هدفها.

ومؤتمرنا هذا )) مؤتمر توجيه الدعوة وإعداد الدعاة (( خطوة صحيحة على الطريق نرجو له التوفيق والسداد.

ومساهمة في رسم الخطة المثلى لكيفية إعداد الدعاة أقترح ما يلي:-

 

1) الإشراف المنظم:

أدى التطور الحديث إلى كثرة المؤثرات وتداخل عمليات التغيير الاجتماعي، والداعية في مجمل عمله يقوم بعملية اجتماعية هدفه منها هداية الإنسان وإخراجه من عالم الضلال إلى عالم النور والهدى، وتثبيت عقيدته وسلوكه على الحق وفق تعاليم الإسلام الحنيف. والداعية بذلك يقوم بمهمة عظيمة ودقيقة يحتاج خلالها العون والمساعدة والتخطيط، ولذا كان لا بد من الإشراف على الداعية وإمداده بما يعينه على النجاح. وهذا الإشراف يجب أن يكون موحداً تقوم به هيئة واحدة في كل بلد إسلامي لأن تعدد جهات الإشراف يؤدي إلى التضارب واختلاف الأهداف ويجب أن يكون هذا الإشراف كاملاً بأن يشمل الجوانب التالية:-

أ ـ دراسة التيارات المختلفة التي توجد بين المدعوين، للوقوف على حقيقتها ومعرفة أسبابها، وقياس مدى قوتها، وتحليلها تحليلاً يبين موقعها من الدعوة وبهذه الدراسة يسهل وضع المنهج الأمثل لتبليغ الدعوة.

ب ـ وضع الخطة المناسبة لنجاح الدعوة على ضوء ما يسود المدعوين من تيارات، وما يكتنفهم من اتجاهات ولكل بيئة، لأن الاختلاف بين الأفراد تقتضي الاختلاف في أسلوب الدعوة، وذلك الاختلاف ضروري في فن الدعوة، وإيراده ليس بدعاً أمام الدعاة، لأن تعدد أساليب الخطاب في القرآن الكريم راعت اختلاف المخاطبين، فمن يناسبه الترغيب قد لا يناسبه الترهيب ومن يتأثر بالسور والآيات القصيرة قد لا يتأثر بالآيات الطوال، والمنكر المعاند يحتاج لتأكيد الخبر بعكس العاقل المصدق. وهكذا.

يقول صاحب كتاب القرآن وعلم النفس، والأسلوب المكي يغاير الأسلوب المدني لأن المكي قصير الجمل كثير التكرار، ملئ بالقصص والأقسام فيه مناسبة الفواصل، ورنين السجع، أما المدني فقل أن تجد فيه شيئاً من هذا، والعامل النفسي في ذلك أن القوم في مكة كانوا غير مستقرين، بل كانوا مطاردين قلقة نفوسهم، غير مستعدين لتشريع أو تفصيل، والمشركون أيضاً كانوا منصرفين عن سماع القرآن متأثرة نفوسهم بأدبهم وخطبهم ومنافراتهم، كما أن التشريع يحتاج إلى هدوء ورزانة في العقل، وترو في المنطق، وتقبل للإرشاد، ورغبة في التطور والإصلاح وطاعة للأمر واستجابة للداعي، وكل هذه الحالات غير متوفرة في الحياة المكية مما جعل الأسلوب المكي ينزل مناسباً لأهل مكة، فلما غايرت الحياة المدنية الحياة في مكة جاء الأسلوب المدني مناسباً للحياة المدنية، وبذلك تغاير الأسلوبان في القرآن الكريم [7]  وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قبيلة بلسانها [8] ، لأن ذلك التناسب من أهم أسباب بيان الدعوة واتضاحها أمام المخاطبين.

جـ توجيه الداعية بين الحين والآخر نحو ما يجب عليه عمله للدعوة وخاصة كيفية استخدامه للوسائل الحديثة في تبليغ الدعوة كعقد الندوات المفتوحة، وتقديم التمثيليات الهادفة وهكذا.

د ـ مراجعة أعمال الدعاة. وملاحظة مستوى أدائهم ومتابعة قدراتهم العلمية والأخلاقية للإبقاء على من يرجى صلاحه ووضع غيرهم في أعمال تناسب استعداداتهم.

هـ ـ تنظيم الدراسات التي تقدم للدعاة، ووضع الخطة التفصيلية لها، سواء كانت هذه الدراسات في دورات للعاملين أو في مدارس الدعوة وكلياتها والهدف من هذا التنظيم هو تنسيق المقررات واختيارها لتتجه جميعاً إلى الإعداد المطلوب في انسجام وتكامل.

إن الإشراف بهذا العموم من أسباب نجاح الدعاة في علاجهم أمراض المجتمع بمنهج الإسلام، وفي تصديهم لما يجابههم من شبه وتحديات، ومن أجل أدائه على صورة مثلى فإني أقترح أن تقوم به المؤسسات الرسمية بالاشتراك مع الجامعات الإسلامية المتخصصة، لأن المؤسسات يغلب عليها الطابع التنظيمي، والجامعات يغلب عليها طابع البحث العلمي، وبإيجاد التفاعل بين المؤسسة والجامعة في أي إقليم يمكن الوصول إلى إشراف دقيق يثري كافة الجوانب المطلوبة ويتابع ما يجد بالبحث والتخطيط.

ولعل في هذا المؤتمر مؤشراً على جدوى هذا الاقتراح الذي نرجو له الاستمرار والعموم.

2ـ إقامة دورات للتعليم والتدريب:

يجب إقامة دورات تعليمية للدعاة، تأكيداً لما علموا، وتأسيساً لما لم يعلموا لأن العلم يحتاج إلى المحافظة، وحياته مدارسته، كما أن التربية تعتمد في كثير على الخبرة والممارسة وللمسلمين في ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان شديد الحرص على حفظ ما يوحى إليه حتى طمأنه الله على أن حفظ القرآن الكريم وبيانه متحققان بأمر الله تعالى وذلك في قوله {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}[9] ، وتأكيداً لاستمرار الحفظ والفهم والبيان كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدارسه ما نزل من القرآن مرة، وفي العام الأخير من حياته صلى الله عليه وسلم دارسه القرآن مرتين (( [10]، وكان عليه الصلاة والسلام يتعهد أصحابه بالتربية والتدريب ولا يكتفي بأنهم علموا فلقد جاء مرة إلى ابن مسعود وقال له: "اقرأ علي شيئاً من القرآن، فقال له ابن مسعود: أأقرأه عليك وعليك أنزل؟! فقال له: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري" [11].

ومرّ صلى الله عليه وسلم على بلال وهو يقرأ من هذه السورة وهذه السورة. فقال:" يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة وهذه السورة. فقال: أخلط الطيب بالطيب. فقال له: أقرأ السورة على وجهها" [12].

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه، ويؤكد لهم ما علموا ويوجههم نحو الخير فيما علموا، ويدرهم على القراءة والحفظ أمامه مرة ومرة حتى يتأكد من إتقانهم وقرائتهم وفهمهم للقرآن الكريم.

إن تدريب الدعاة مدارسة لفقههم الدعوة وعلومها، وممارسة عملية على الوسائل الحديثة في فن الدعوة. ومن المستحسن أن ينظم هذا التدريب من خلال دورات تعليمية ينقطع الداعية لها فترة زمنية كافية، ونقترح لهذه الدورات ما يلي:-

أ ـ تنظيم هذه الدورات من قبل كليات الدعوة وأصول الدين في الجامعات الإسلامية بعد أن يوضع للدراسة بها خطة متكاملة تهدف إعداد الدارس كداعية لله تعالى في المجالين النظري والعملي.

إن كليات التربية تقوم بالإشراف على التربية العملية وتقوم بعقد دورات منتظمة للمعلمين تستمر فترات طويلة، وليس هناك ما يمنع تنظيم مثل هذه الدورات للدعاة مع استمرار الدراسة فيها فترة مناسبة على أن يعقد في نهايتها امتحانات نظرية وعملية يحصل الناجح فيها على شهادة معينة تحدد لها المزايا الملائمة تشجيعاً على الدراسة والتحصيل والعناية.

ب ـ يلاحظ تنوع الدراسة كماً وكيفاً تبعاً لمستوى الدعاة وقدراتهم ومستوى الأشخاص الموجهة إليهم الدعوة، واختلاف المهام الموكولة للدعاة. ومن السهل تحديد مستوى الدراسة وذلك بواسطة المشرفين على الدعاة.

جـ ـ تقوم الدراسة النظرية في هذه الدورات على الأساسيات التي يحتاجها الداعية كعلوم القرآن، وعلوم السنة وعلوم العقيدة وأساليب الخطاب وأنواعه، ومما يعمق الاستفادة بدراسة هذه المواد تكليف الدارسين يعمل أبحاث مختصرة في الدراسات الموضوعية من الكتاب والسنة، كما أن هذا النوع من الأبحاث يعلم الداعية كيفية الإعداد والتنسيق وجمع المعلومات وهذا ينفعه في مجال الدعوة.

د ـ لا تكتفي هذه الدورات بالدراسة النظرية، بل إنها تعتمد على الدراسة العملية كعقد الندوات وإقامة حلقات المناقشة وإلقاء الخطب والمحاضرات والتدريب على الإخراج المسرحي والإلقاء التمثيلي. على أن تتم هذه الدراسة تحت إشراف الأساتذة المتخصصين لإصلاح الأخطاء وإتمام القصور، والتعليق المفيد على مستوى آداء الدارس لما كلف به وبذلك يلتقي الجانب النظري مع الجانب العملي. ومن الممكن إقامة الدراسة العملية في تجمع حقيقي للناس كأن تقام في المسجد وفي النادي وفي المصنع .. وهكذا.

هـ يهتم برنامج هذه الدورات بدراسة العادات والتقاليد السائدة بين المدعوين، والأديان والمذاهب المنتشرة فيهم، والطبائع والأفكار المسيطرة عليهم.

إن دراسة هذه النواحي تساعد الداعية على فهم المدعوين، وتحدد له طرق مخاطبتهم، ووسائل إقناعهم، كما أنها تجعله يواجههم ويدعوهم بالحكمة المطلوبة، والمجادلة الحسنة ،فيأتيهم من حيث حاجتهم وقناعتهم متخيراً المناسب لحالهم، وبذلك ينال ثقتهم ويفوز بهديهم، ويكون ممتثلاً قول الله تعالى {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}[13]  ونفعها يتم بملاحظة هذه النواحي وأمثالها.

وـ يجب الإهتمام في هذه الدورات بالتركيز على الجانب الإيماني لتعميقه عند الدعاة فهو الركيزة الأساسية لنجاح الدعوة لأن الداعية يظهر للناس ويؤثر فيهم بقوله وعمله وبكل أنشطته وهذا التركيز يتم بما يلي:ـ

ـ إختيار الأساتذة الذين يدرسون في هذه الدورات إختيارا معينا فهم أسوة للدارسين، وقدوة لهم في كافة المجالات، ومن المعلوم أن الطالب يتأثر كثيرا بأستاذه، وهناك العديد من الأعلام تربوا على يد أشياخهم وأخذوا منهم العلم والعمل معا ويجب أن يكون الأساتذة مؤهلين لهذه القدوة حتى يفيدوا ويستفيدوا.

ـ توجيه الدارسين إلى الخلق المتين. والسلوك الحميد مع إبراز الأمثلة الموحية من خلال سيرة النبي الكريم وسيرة الصحابة والتابعين.

ـ العناية بتقديم الدراسات الإسلامية في ثوب قشيب يوجه إلى النظر والتعمق والإخلاص مع ضرورة الدراسة المقارنة وخاصة في مجال الأديان والمذاهب المعاصرة وغيرها

ـ التركيز على بيان صورة المجتمع بنظمه وتقاليده في الإسلام مع بيان موقف الإسلام من مشاكل الحضارة.

ـ مراقبة الجانب العملي للدعاة، والإشراف على حياتهم اليومية للتأكد من محافظتهم على الفرائض والتمسك بالحلال، والبعد عن الحرام في كافة القضايا وجميع الأنشطة.

القيام برحلات للدراسة والإعتبار كزيارة مناطق الوحي وأماكن الغزوات ومواطن الأحداث التاريخية، للدراسة والإتعاظ بالنتائج.

إن إيمان الدعاة شرط أساسي لنجاح الدعوة، ويجب أن ينتهي من حياة الناس وإلى الأبد صورة الداعية الذي يعيش حياته العملية بعيدا عن تعاليم الإسلام بصورة كلية أو جزئية، لأن إختلاف عمل الداعية عن قوله يضر ولا يفيد، فهو يدعو الناس بقوله، وينفرهم عن الطاعة بعمله وكأنه يقول لهم لا تصدقوني فيما أدعوكم.

إن الناس عامة جبلوا على إحترام الشخصية القائدة التي تتحد قولا وعملا، ويتاثرون بها، يقول الإمام الشاطبي: " إن المفتي أمر مثلا بالصمت عما لا يعني فإن كان صامتا عما لا يعني ففتواه صادقة وإن كان من الخاطئين فيما لا يعني فهي غير صادقة، وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافضا عليها صدقت فتياه، وإن لا فلا وعلى هذا سائر أحكام الشريعة. لأن علامة صدق القول مطابقة العمل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، ولذلك قال الله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}[14] وقال في ضده {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}[15] فاعتبر في الصدق مطابقة القول العمل وفي الكذب مخالفته.[16] وحسب الناظر أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم  كانت مع أقواله على الوفاء والتمام فحينما نهى النبي عن الربا ووضع الدماء لم يكتفي بالقول بل قرن نهيه بالفعل والتطبيق على نفسه وأهل بيته حيث قال صلى الله عليه وسلم " إن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب " [17]، وقال صلى الله عليه وسلم حين جاءه أسامة بن زيد يستشفعه في حد " أتشفع في حد من حدود الله تعالى والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" [18].

إن الداعية إذا كان على مستوى الدعوة وتطابق قوله وعمله، فهو أدى إلى النجاح وأقرب إلى التوفيق.

3ـ مكتبة الداعية:

لا يستغني الداعية عن القراءة المستمرة والإطلاع الدائم ولذلك فإني أقترح إمداد الداعية بمكتبة إسلامية مناسبة تحوي أهم المراجع في العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والسيرة والفقه والعقيدة، وبذلك يجد الداعية بين يده ما يسهل له إعداد مقولاته وتوجيهاته بصورة حسنة لائقة.

4ـ المؤلفات الموضوعية:

يجد في محيط الدعوة بين الحين والحين قضايا معينة تحتاج إلى بيان موقف الإسلام منها، ولذلك يستحسن تكليف المتخصصين من العلماء بوضع مؤلفات في هذه القضايا على هيئة أبحاث موجزة نافعة للدعاة ليتمكنوا بواسطتها من التصدي للقضايا الجديدة، وبذلك يتضح سمو الإسلام وشموله لكافة جوانب الحياة، ويسهل للدعاة معايشة الواقع بإيجابية وموضوعية، وقدرة.

وتبدو أهمية هذه المؤلفات إذا علمنا كثرة هذه القضايا الجديدة كموضوع تحديد النسل، وشهادات الإستثمار، والسندات، وعمل المرآة… وهكذا. وكلها قضايا تحتاج إلى نظر وتفحص كما أن أعداء الإسلام يتخذونها مدخلا لأنشطتهم ويقدمون فيها حلولا مادية مبتورة. فلو عجز الداعية عن تقديم الحل الإسلامي في صورته المتكاملة المشرقة لأضر وما أفاد، ولذلك كانت ضرورة هذه المؤلفات للدعوة والدعاة.

5ـ المجلة المتخصصة:

يستحسن إصدار مجلات للدعاة شهرية أو موسمية تضم المقالات الإسلامية وأخبار الدعوة والمقترحات المفيدة المتصلة بالدعوة والدعاة، ويمكن لهذه المجلات أن تتصدى لحركات الغزو الفكري الهدام الذي تتراءى صوره وأنشطته داخل المجتمع المسلم وخارجه.

إن الصحف والمجلات من الوسائل الإعلامية الحديثة، وليس هناك ما يمنع من إستفادة الدعوة بهذا الأسلوب من زاويته الخيرة وفق خطة مدروسة، وتنسيق معين. وتبدو أهمية هذا المقترح من الإقبال الشديد الذي توليه الجماهير الإسلامية للمجلات الإسلامية الجادة مما يجعلنا إلى أن المجلات الصادقة تعتبر من أنجح وسائل الدعوة في الوقت الذي تفيد فيه الداعية وتعده لعمله الكبير.

إن الهيئات العلمية والمؤسسات الجماهيرية تصدر المجالات الخاصة بها لأهميتها، ومن الأولى للدعاة أن يكونوا من أول المستفدين بهذه الوسيلة شريطة أن يقصدوا بها وجه الله تعالى، ويبتعدوا عن تناول القضايا الجانبية التي تشغلهم عن هدفهم الأصيل، ويجعلوها نبيلة سامية كسمو الإسلام ونبله وعظمته وحكمته.

6ـ تحسين المستوى الإجتماعي للدعاة:

يقوم الدعاة بأسمى عمل يؤديه بشر، ويقصدون أنبل غاية وهدف، فهم يحملون دين الله للناس، ويرجون الهدى والخير للعالمين، إنهم رسل سعادة، وحماة أمن، ورجال حقوق، يحاربون الفوضى، ويعادون الفساد، ويقفون في الخط الأول أمام أعداء الله يتصدون لكيدهم، ويهزمون مكرهم، ويردونهم على أعقابهم خائبين.

إنهم بذلك روّاد عظماء، ورجال أفذاذ، يفتون في كل فعل، ويوجهون كل حال، يسمع رأيهم، ويقتدى بهم، وينالون ما يستحقون من إحترام وتقدير.

ذلك هو الواجب.

لكن أعدائهم من البشر تكالبوا عليهم وعملوا على إبعادهم عن منزلتهم الإجتماعية السامية آملين من ذلك الإساءة إلى أشخاصهم وإلى دعوتهم. وكان لهم بعض ما أرادوا. إن نظرة واقعية لحال الدعاة اليوم في المجتمع المسلم تؤكد أنهم أصبحوا في مؤخرة الصف الإجتماعي. فدخلهم المادي ضئيل، ومركزهم بين الناس هين، وليس لهم من الجاه والسلطان ما يذكر، وحري بمن هذا وضعه أن لا يسمع قوله، ولا تؤثر توجيهاته ومواعظه.. إن الناس قد جبلوا على إحترام ذي المظهر الغني وصاحب الجاه والسلطان.

من ذلك أن رجلا حسن المظهر حسن الثياب مر على الصحابة وهم جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم:ـ

ـ "ما تقولون في هذا ؟

قالوا: " هذا حري إن خطب ينكح وإن قال يسمع. وإن شفع يشفع له " ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه خطأ حكمهم في نهاية الحديث إلا أنهم رضوان الله عنهم حكموا بما جبلوا عليه البشر من إحترام ذي المظهر الحسن، وتقدير الرجل الغني، وطاعة ذوي الوجاهة والسلطان، وما دام الأمر كذلك فإن وضع الدعاة في صورة حسنة أمام الناس يعتبر جزءاً من الدعوة الواجبة، وعلى المسلمين جميعاً وهو ينفذون واجب تبليغ الدعوة أن يعملوا على تحسين مستوى الدعاة، وأن يبذلوا لهم كل ما يعينهم في عملية الدعوة، أداء لجزء من المسؤولية، ووفاء لأمانة لازمة، ومن أجل تحسين مستوى الدعاة فإني أقترح ما يلي:-

ـ منح الدعاة الرواتب المجزية التي لا تقل عن رواتب نظائرهم من أصحاب المهن الأخرى كالمهندس والطبيب والمدرس وغيرهم، لأن الدعاة درسوا كهؤلاء. ويمكنهم أن يوجهوهم وأهمية عمل الدعاة يفرق أي عمل آخر في قيمته ووسائله ونتائجه.

ـ تمتع الدعاة بكافة الامتيازات التي يتمتع بها كافة موظفي الدولة من علاج مجاني، وإجازات، وفرص للترقية، وضمان للمعاش عند وصولهم لسن معينة أو عند وفاتهم.

ـ استحداث وظائف عليا للدعاة يصلون إليها بالترقي وفق قواعد معينة ثابتة، وليس هناك ما يمنع من إنشاء وظائف المستشار الديني في كل مؤسسة ومصلحة لإبراز رأي الدين وتوجيهاته بجانب غيره من المستشارين.

ـ منح الدعاة السكن المناسب الذي يسمح لهم بالاستقرار العائلي، والهدوء النفسي، ويسمح لهم باستقبال أصحاب الحاجات، وطلاب المعرفة، وذي المقاصد المختلفة لأن عمل الداعية لا يتعين بوقت أو مكان، ويجب أن يكون مستعداً لملاقاة المدعوين كلما جاز ذلك.

ـ تيسير وسائل الانتقال للدعاة على أن تكون على وجه لائق مناسب للبيئة التي يعيشون ويتحركون فيها.

ـ تكليف الدعاة ببعض المسئوليات الاجتماعية في المنطقة التي يدعون فيها، وذلك كالفصل في المنازعات، وتوزيع الإعانات المالية على الفقراء والمحتاجين، والإشراف على بعض المؤسسات الشعبية كتعليم الكبار، وهذا من أجل إبرازهم أمام الناس في دور المسؤول الهام.

ـ منع الدعاة من القيام بعمل آخر غير الدعوة، وما دام قد يسرت لهم الحياة الكريمة، والكسب الحلال فلا حاجة بعد ذلك لأي عمل.

وبهذا وأمثاله يأخذ الدعاة منزلتهم اللائقة، ويؤدون دورهم بصورة حسنة ناجحة، وهكذا يمكن إعداد الدعاة القائمين بالعمل فعلاً بتدريبهم، وإعانتهم وإمدادهم بالكتب والمؤلفات، ورفع مكانتهم وكل ذلك وفق خطة منظمة وتحت إشراف دقيق.

وبالنسبة لتهيئة دعاة جدد من أجل القيام بتبليغ الدعوة بعد إعدادهم فإني أقترح لإعدادهم بالإضافة إلى ما سبق من اقتراح للدعاة العاملين ما يلي:-

1) الاختيار المبكر:

يولد الطفل بمجموعة من الصفات الموروثة من والديه، ويكتسب مجموعة أخرى من بيئته الأسرية، فإذا ما بدأ دراسته الأولى في المدرسة أو الكتاب أخذ في اكتساب المزيد من الصفات عن طريق أقرانه وأساتذته.

وكم كنت أتمنى اختيار طلبة الدعوة مع بدء تعليمهم، لكن صعوبة ذلك يدفعنا إلى اقتراح اختيار هؤلاء الطلاب بعد المرحلة الأولى على أن يستفاد من هذه المرحلة بما يدرس فيها كمعرفة أصول اللغة وحفظ بعض القرآن الكريم وتربية بعض الملكات الفطرية عند الولد. وينبغي في هذه المرحلة أن توضع بطاقة لكل طالب تدون فيها ميوله، ورغباته، ومستوى ذكائه، وقدرته على التحصيل الدراسي ومدى استجابته لتوجيه أساتذته أمراً ونهياً، ومدى تأثره بأقرانه وتأثيره فيهم، لأن هذه المعلومات تعتبر مؤشراً على شخصية الطالب واتجاهاته فيما بعد.

ومن الممكن اختبار بعض الطلاب لدراسة علوم الدعوة بعد المرحلة الأولى على أساس استعداداتهم وميولهم. يقول ابن سينا: " إذا فرغ الصبي من تعلم القرآن الكريم وحفظ أصول اللغة أنظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجهه لطريقه بعد أن يعلم مدير الصبي أن ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية لكن ما شاكل طبعه وناسبه" [19]. وتلك ملاحظة هامة لأن وضع الإنسان في موضع يتفق مع ميوله واستعداداته أول شروط النجاح ولنقتد في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي اختار أبا بكر وعمر رضي الله عنهما للشورى واختار أبا عبيدة وخالداً وأسامة للحرب والقتال، واختار علياً ومعاذاً للحكم والقضاء، وهكذا سائر الصحابة الذين وكل إليهم بأعمال متعددة. وما تم ذلك إلا وفق استعداد كل منهم ليقوم بما يعهد إليه من مهام، ومن الممكن أيضاً عقد لقاءات شخصية للطلاب لاختبار قدرتهم واستعدادهم لهذا النوع من الدراسة لأن الاستعداد الشخصي أساس للتفوق العلمي، ولقد كان السلف رضوان الله عليهم يختبرون من يعلمون حتى لا يضعوا البذرة في أرض سبخة، ومن ذلك ما حدث من الخليل بن أحمد عالم العربية حينما أتاه النظام بولده إبراهيم وقال له: علم لي ولدي هذا، فإنه اختبره أولاً، وقال له صف هذا الكأس وأشار إلى كأس في يده فقال الغلام: بمدح أم بذم؟

قال: بمدح.

فقال الغلام: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء.

قال: فذمها.

فقال الغلام: يسرع إليها الكسر، ولا تقبل الجبر.

ومن ذلك أيضاً أن الحافظ العراقي لما ذهب إلى شيخ ابن البابا ليتلقى عنه الحديث اختبره أولا حيث قال له: من ابن البيع؟

قال الحافظ: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري.

فقال له: من أبو محمد الهلالي؟

قال: سفيان بن عيينة.

قال له: هلم يا بني. وعرف مكانته من الوعي والإدراك، واستعداده للتعلم وعلمه.

إن مثل هذا الاختبار يتم اليوم في عدد من الدراسات المتخصصة التي تبدأ من وقت مبكر كدور المعلمين والمعلمات، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، والمدارس العسكرية المشروعة، وذلك كله لينجح الطالب بعد تخرجه فيما يوكل إليه من أعمال.

وقد أدرك قدر هذا الاختبار المبكر مع الاختيار أصحاب المذاهب الوضعية ورجال الكنائس العالمية فعملوا به وأخذوا يعدون لباطلهم دعاة فيهم الذكاء والنشاط والإخلاص، وغير ذلك من الصفات التي تنتشر بها الأفكار والعقائد.

وإعداد الدعاة إلى الإسلام يجب أن يندرج في هذا الخط الطبيعي، حيث يختارون في سن مبكرة، وتختبر مستوياتهم الذهنية وقدراتهم الشخصية ليسهل إعدادهم، ويكونوا بعد تخرجهم على مستوى أهمية الدعوة، وأهميه العمل لها.

 

مدارس الدعاة:

بعد انتهاء المرحلة الأولى يلتحق الطلاب بالمرحلة المتوسطة، وأقترح هنا إنشاء مدارس متوسطة  وثانوية للدعوة بجانب الكليات الجامعية. يتلقى بها الطلاب الذين وقع عليهم الاختيار كدعاة دراساتهم المتوسطة والثانوية.

ومن المتصور أن الطالب في المرحلة الأولى أجاد القراءة والكتابة وحفظ قدراً كبيراً من القرآن الكريم. وعرف مبادئ عدد من العلوم كالحساب والهندسة، وبعد ذلك يلتحق طالب الدعوة بمدارس الدعوة المتوسطة لتعده مع المراحل بعدها للدعوة وفق خطة تتطور بتطور عمره وعمله، ومناهج هذه المدارس بالضرورة تشتمل على دراسات للإعداد العام، وأخرى للإعداد التخصصي. ويقوم المشرفون بوضع المناهج والمقررات المطلوبة.

وينبغي أن يكون نظام هذه المدارس على أساس الرعاية الكاملة طوال اليوم بحيث يعيش الدارسون بين أساتذتهم وقت الدراسة ويقضون أوقات راحتهم وترويحهم مع الموجهين والمشرفين وبذلك يعيش الطلبة بين الأستاذ والموجه مما يجعلهم يسيرون تلقائياً نحو التربية المقصودة والهدف المنشود.

إن النظام الداخلي خلال الدراسة في هذه المدارس هو أحسن ما يحتاجه الدارسون وبخاصة في المجتمعات الحديثة التي كثرت فيها المؤثرات، وتعددت معها الأهداف والغايات، مما جعل الأفراد بسببها في تناقض ذاتي. واضطراب فكري.

ولو كانت المجتمعات الإسلامية تسلك المنهج الأمثل في كافة أنشطتها لقلنا أن أنشطة المجتمع تكمل دور مدارس الدعوة وتساهم بجزء هام في تكوين الشخصية الإسلامية، تماماً كما كان المجتمع الإسلامي في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يسمع الأفراد ويرون تطبيقات الإسلام في مختلف الأنظمة والأنشطة مما جعلهم خير أفراد كونوا خير أمة أخرجت للناس بإيمانها، وأعمالها، وتمسكها بالمعروف، وبعدها عن المنكر.

إنا نتمنى للمسلمين أن يعاودوا سيرتهم الأولى، وحتى يتحقق ذلك نقترح لمدارس الدعاة أن تقوم على الأساس الذي أشرنا إليه من أجل تحقيق تكامل الداعية ، وإعداده إعداداً سوياً خالياً من التضارب والسلبية.

إن التفرغ الكامل للدراسين يسهل أمام المسؤولين تكوين الدعاة بالصورة المرجوة في الدين والعلم والخلق، وليس التفرغ للدراسة بالأمر الصعب على من يختار للدراسة لأن نوعيات عديدة من المدارس والمعاهد في جميع أنحاء العالم أخذت بنظام التفرغ خلال الدراسة في مقابل تحقيق بعض المزايا المادية والمعنوية للدراسين وكان الإقبال عليها شديداً، ودلت نتائجها على تحقيقها لأغلب الأهداف التي وضعت البرامج من أجل الوصول إليها.

 ويجب أن تشمل مدارس الدعاة على مزايا عديدة، يجدها الدارسون خلال الدراسة وبعدها، وذلك لاختيار أفضل العناصر للقيام بالدعوة، وإعدادهم الإعداد المطلوب، ومن المعلوم أن صناعة الدعاة تعني صناعة الأمة فإذا ما أحسن المسلمون إعدادهم وتربيتهم فقد أدوا بعض ما وجب عليهم، ونفعوا في نفس الوقت أنفسهم وأمتهم بنشر العدل. وتحقيق الأمن. ومحاربة البغي والفساد بواسطة من أعدوا من الدعاة.

إن مناهج ومقررات مدارس الدعاة يجب أن تتجه جميعاً إلى بناء شخصية الدعاة بصورة متكاملة، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه نموذجاً لهذه الشخصية لتكون ماثلة أمام المسلمين في مختلف العصور ينشئون أجيالهم على نمطها ويتخذونها المثال لحياتهم ومعاشهم، ولا غرو في ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ليتم مكارم الأخلاق بالهدى ودين الحق، وليوجه الإنسانية إلى ما يصلح شأنها ويعلي قدرها.

إن الدعوة إلى الإسلام تحتاج في كل وقت إلى التكامل في شخصية الدعاة ومن هنا ندرك حرص الرسول على تربية الشخصية والإعتداد بالنفس عند أصحابه رضوان الله عليهم حتى أصبح كل منهم أمة في نفسه، لا يعرف غير الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، وتكامل شخصية الداعية يتم بتمكنه من الصفات الواجبة التي أشرنا إليها وهي إيمان متين وخلق قويم وعلم دقيق. وأفق واسع.

ويجب أن تقدم مدارس الدعوة لطلبتها الدراسات التي تساعد على هذا التكامل وفق خطة مقررة يضعها الإشراف المتخصص على إعداد الدعاة.

وأرى أن تشمل الخطة الدراسية على الدراسات التالية:-

أولاً: الدراسات القرآنية: وتشمل حفظ القرآن الكريم وتفسيره ودراسة علومه وبخاصة ما يحتاجه الدعاة منها.

ثانياً: الدراسات المتصلة بالسنة: وتشمل دراسة الحديث النبوي وعلومه ودراسة السيرة النبوية دراسة تحليلية من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية.

ثالثاً الدراسات الفقهية: وتشمل دراسة الفقه الإسلامي وتاريخه والأسس العامة لأصوله كما يشمل دراسة النظم الإسلامية في مختلف المجالات.

رابعاً الدراسات المتصلة بالعقيدة: وتشمل دراسة التوحيد، واتجاهات الفرق الضالة في الإسلام. والملل السابقة، والمذاهب الإلحادية المعاصرة. مع تناول الشبه التي تثار حول العقيدة بالتحليل والتفنيد.

خامساً الدراسات التاريخية: وتشمل دراسة تاريخ الدعوة والدعاة في مختلف العصور الإسلامية مع بيان دور المؤسسات معهما. كما تشمل دراسة المجتمعات الإسلامية والأقليات المسلمة كما يشمل دراسة المشاكل والقضايا التي جائت بها الحضارة مع بيان موقف الإسلام منها.

سادساً الدراسات الفنية والمسلكية: وتشمل دراسة علم النفس التربوي وفن الدعوة والخطابة والخدمة الاجتماعية وكافة الطرق الفنية التي تساعد في تبليغ الإسلام.

سابعاً دراسة الإعداد العام: ويشمل دراسة قواعد اللغة العربية ومبادئ علم البلاغة والأدب والجغرافيا. وهكذا.

ثامناً دراسة اللغات الأجنبية: تعتبر دراسة اللغات الأجنبية من أهم الدراسات اللازمة للدعاة في العصر الحديث لأن أغلب من توجه إليهم الدعوة من غير العرب كما أن العديد من المؤلفات التي تتعلق بالإسلام إيجاباً أو سلباً كتبت بغير اللغة العربية، وحتى يمكن قراءة كل ما يقال عن الإسلام. ومن أجل تبليغ الإسلام لجميع الناس يجب إحاطة الدعاة بصورة تامة بلغات من سيدعونهم، وهذا واجب بديهي لأن مصادر الإسلام نزلت بلغة عربية وحفظها الله للناس كما أنزلها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وألزم المؤمنين تبليغ الإسلام على وجه بين واضح ولا يتم ذلك باتحاد اللغة بين الداعية والمدعوين أيا كانت هذه اللغة ولهذا المعنى أرسل الله رسله السابقين إلى أقوامهم بلسانهم حيث يقول تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}[20]  وبسبب كون القرآن نزل في العرب أولاً كان بلغتهم لأنه لو كان بغير لغة العرب ولطلبوا نزوله بلسانهم ليفقهوه لكن الله تعالى بحكمته أنزله عربياً وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}[21]  ولعل في قوله تعالى {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ}[22] إنكاراً للاختلاف اللغوي بين الداعية والمدعوين إذ لا يصح أن يكون الكلام أعجمياً والمخاطب به عربياً لأن ذلك لو حدث لاحتاج المخاطبون إلى التفصيل والبيان.

وتحقيقاً لعالمية الإسلام مكن الله للعرب من إتقان لغات العالم كله. ويجب على الدعاة أن يتمكنوا من ذلك دائما، وقد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين والدعاة إلى هذا الواجب بما فعله مع الصحابي زيد بن ثابت حيث قال له: "يا زيد أتحسن السريانية؟ إنها تأتيني كتب بها. قال زيد: قلت: لا. قال: تعلمها. فتعلمتها في سبعة عشر يوما"ً [23].

وهكذا وضح الرسول للمسلمين طريق مخاطبة الناس وتوجيههم إلى الله تعالى. ونظراً لكثرة اللغات العالمية فإنه يمكن تقسيم الطلاب إلى مجموعات تختص كل مجموعة بدراسة لغة أو لغتين وبذلك يمكن تخصيص كل مجموعة بدعوة إقليم ما من أقاليم العالم.

وينبغي تعريف كل جماعة بالإقليم الذي ينطق لغة دراستهم من ناحية عاداته وتقاليده والأديان والمذاهب المنتشرة فيه ليكون الدعاة على بينة تامة ممن سيدعونهم وقد أطلت في الحديث عن دراسة اللغات لأهميتها وضرورتها للدعاة أملا في أن تحققها مدارس الدعاة. والله الموفق.

 

3ـ كليات الدعوة:

تعتبر الدراسة في كليات الدعوة امتداداً للدراسة في المدارس المتوسطة والثانوية من حيث الهدف والغاية مع تميزها بالعمق والتحليل والمقارنة وإجراء البحوث الميدانية والعلمية.

وعلى المسؤولين المشرفين أن يحددوا المقرارات والمناهج المطلوبة لمدارس وكليات الدعوة. من أجل تحقيق التكامل بين الدراسات المقررة، وفي نفس الوقت على المشرفين ملاحظة أن المرحلة الثانوية تكون نهاية الدراسة لعدد من الطلاب مما يحتم اعتبار الدارس المتخرج من هذه المرحلة معداً على مستوى معين، ويمكن الاستعانة بهؤلاء كدعاة في القرى الصغيرة والمجتمعات البسيطة، كما يمكن جعلهم مساعدين للدعاة في المجتمعات الواسعة.

ويجب عدم تكليف من يقل مستواه عن الدراسة الثانوية في علوم الدعوة بأي عمل في مجال الدعوة، وكما جاز اقتصار بعض الطلاب على الدراسة الثانوية فإنه يجوز أن يستمر بعض الطلاب في الدراسات العليا للحصول على الماجستير والدكتوراه في علوم الدعوة. وعلى كليات الدعوة أن تهتم وتخطط لذلك.

وبعدما يتخرج الدعاة يكلفون بما أعدوا له وينضمون إلى من سبقهم من الدعاة وبذا لا تنقطع الصلة بهم بعد عملهم حيث يستمر معهم الإشراف والعون والمساعدة والله الموفق ..

وبالنسبة للدعاة المبعوثين إلى خارج المجتمع الإسلامي فإنه يجب أن يكونوا متخرجين من كليات الدعوة مع تفوقهم في دراسة البيئات التي سيوجهون إليها ومعرفتهم التامة بلغات من سيدعونهم، وإحاطتهم بمختلف التيارات والمذاهب السائدة بين من سيعيشون معهم. لأنهم بذلك يكونون أقدر على تبليغ الدعوة على وجه بين سديد.

ولهؤلاء الدعاة إضافة إلى ما سبق أقترح ما يلي:-

 

1ـ العون الواسع:

يحتاج الدعاة الذين يدعون في الخارج إلى الإنفاق المتعدد الجوانب كوسيلة للدعوة. والواجب إعانتهم بالإمكانيات المادية الواسعة ليؤدوا ما وكل إليهم.

ويمكن في هذا المجال الاستفادة بمسلك المبشرين الغربيين الذين يدعون إلى المسيحية في غير بلادهم، إنهم يؤسسون المدارس والجامعات، وينشؤون المستشفيات ويصدرون الصحف والمجلات ويقيمون المؤتمرات والندوات، ويعطون الإعانات، ويمدون الناس بالخدمات المجانية في كل مجال متصور، إنهم يفعلون ذلك وغيره لاستثماره نحو هدفهم بطرق عديدة.

والواجب على الدعاة أن يعددوا أنشطتهم وينطلقوا بدعوتهم إلى كافة الأماكن الممكنة. وبكل السبل. وإمدادهم بالمال اللازم لذلك ضرورة واجبة على الدول الإسلامية جميعاً.

2ـ تعيين مساعدين للدعاة:

مجالات الدعوة في الخارج عديدة كما ذكرنا والداعية وحده لا يقدر على القيام بها، ولذلك كان إمداده بعدد من الدعاة الأكفاء يعملون كمساعدين له وفق خطة معينة وهدف مرسوم. وإذا تيسر ذلك انطلق الداعية ومساعدون كفريق متكامل للدعوة بمختلف الوسائل والأساليب، ومن الجائز أن يكون المساعدين الطبيب والمدرس وهكذا. حتى يمكنهم انتشار بين المدعوين، والتوجه إليهم بصورة مقبولة مقنعة.

ويوجد حالياً مراكز للدعوة في الخارج ومن الأفضل الاستفادة بخبرات العاملين فيها مع توسيع نشاطها، وتدعيمها بالمال وإمدادها بالدعاة اللازمين. وليس بمستحسن أبداً وقد من الله على المسلمين بنعمه الوفيرة أن يبقى نشاط المراكز الإسلامية قليلاً، ومنحصراً في بعض العواصم الرئيسية في العالم، إن الواجب يجعلني ألح على ضرورة وجود الدعاة في مجاهل إفريقيا وقراها المتناثرة بين الأدغال والصحراء وفي أنحاء كثيرة من آسيا. وفي العالم كله حتى يخلص المسلمون من الواجب الذي كلفوا به جميعاً وهو تبليغ الدعوة إلى العالمين.

3ـ حماية الدعاة:

دعاة الخارج يعملون في ببيئة غريبة عنهم، وحمايتهم لذلك واجبة تقوية لثقتهم وتمكيناً لهم من العمل السديد.

ويمكن في هذا المجال أن يعطوا الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها ممثلو الدول وذلك أمر سهل لو حاوله المسلمون، إن المبشرين الغربيين يتمتعون بما هو أقوى من هذه الحصانة فجميع ممثلي دولهم في خدمتهم وسياسة دولهم في عونهم وعلى أمثالهم سائرة دعاة الباطل.

إن الواجب حماية الدعاة في الخارج بواسطة الحكومات الإسلامية، وسفرائها بكل وسيلة ممكنة، حتى يشعر المسلمون أنهم يبلغون دين الله للناس على وجه بين سديد.

 

الخاتمة

وبعد ..

فكل ما أرجوه من الله تعالى أن يوفق العاملين المخلصين لإنجاح الدعوة وتبليغها للناس، كما أسأله أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه فإليه سبحانه يرجع الأمر كله.

وهو نعم المولى ونعم النصير.

 

 



[1] ـ سورة النحل من آية 125

[2] ـ صحيح البخاري. كتاب العلم باب ليبلغ الشاهد الغائب.

[3] ـ سورة التوبة آية 122

[4] ـ سورة آل عمران آية 104

[5] سورة البقرة من آية165.

[6] سورة المائدة  من آية 54.

[7] القرآن وعلم النفس للشيخ خلاف ص 21.

[8] الشفا للقاضي عياض جـ 1 ص 278 وقد أورد القاضي عياض أمثلة عدبدة على هذا في كتابه المذكور.

[9] سورة القيامة آية 17، 18، 19.

[10] صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن جـ 6 ص 229.

[11] الاتقان جـ 1 ص 109.

[12] المصدر السابق جـ 1 ص 109.

[13]ـ سورة الأعلى آية 9

[14] سورة الأحزاب من آية 23

[15] سورة التوبة آيات 75ـ77

[16] الموافقات ج4ص252بتصرف

[17] العقد الفريد ج2ص130

[18] صحيح مسلم كتاب الحدود باب قطع يد الشريف

[19] التربية عند علماء المسلمين ص 17 المقدمة.

[20] سورة إبراهيم من آية 4.

[21] سورة فصلت من آية 44.

[22] سورة فصلت من آية 44.

[23]