|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
أثر الإسلام في النقد
الأدبي عند العرب |
|||||||||
|
بقلم
الدكتور عبد الحميد محمد العبيسي |
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
|
|||||||||
|
أحمد الله إليكم، وأصلّي معكم على
رسول الله، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير وبعد: |
|||||||||
|
فإنه لمن دواعي اغتباطي وسروري
البالغَيْن أن تتاح لي فرصة الإسهام بهذه المحاضرة ضمن إطار برنامج محاضرات
الموسم الثقافي للجامعة الإسلامية المباركة المزدهرة, وقد اقترحت أن يكون
موضوعها هو : |
|||||||||
|
|
|||||||||
|
أثر
الإسلام في توجيه وتهذيب النقد الأدبي عند العرب |
|||||||||
|
وحين أوثر هذا الموضوع بالحديث فإن
ذلك مرجعه إلى أسباب قوية أهمها:
1- هذه المزاعم التي رددها نفر من
المستشرقين الذين يكيدون للإسلام والتي تقوم على أن هذا الدين الإسلامي قد انتشر
بين العرب انتشارا جغرافيا سياسيا منذ انتصار الإسلام الحربي في شبه الجزيرة،
ولكن الإسلام الثقافي لم يجد طريقه إلى قلوب المسلمين إلا في العصر العباسي.
محتجين بأن الشعر العربي في صدر الإسلام جاء خاليا من الصور الإسلامية المختلفة،
وحجتهم تلك واهية لا تستند إلى أساس، ذلك أنّ أيّ متأمل لشعر الإسلام الأول يجد
أن الألفاظ والمعاني الإسلامية قد وجدت طريقها، وأخذت سبيلها إلى هذا الشعر
العربي منذ قيام دولة الإسلام الأولى هنا في المدينة المنورة بعد الهجرة. |
|||||||||
|
2- سوء فهم بعض الباحثين العرب لموقف الإسلام من الشعر، ذلك أنهم
زعموا أنّ القرآن يعادي الشعر، ويكره الشعراء، وأن الإسلام لا يرضى عن الفن
الشعري، ويذم المشتغلين به، مستندين إلى ظاهر آية الشعراء {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}[1]
متناسين سياق هذه الآية الكريمة، وأنّ الإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته، بل
يحارب المنهج الباطل الذي سلكه الشعراء الذين عارضوا هذا الدين، ولم يؤمنوا به
حين دعاهم داعي الإيمان، بدليل هذا الاستثناء {إلأَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[2]
فهؤلاء لا يشملهم هذا الوصف العام من الذم، وإلا فهل يستوي عبد الله ابن
الزِّبعري، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب اللذان كانا يهجوان رسول الله صلى
الله عليه وسلم في جاهليتهما قبل إسلامهما، وحسّان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد
الله بن رواحة رضي الله عنهم من شعراء الأنصار الذين مدحوا الرسول صلى الله عليه
وسلم، ونافحوا عن دعوته؟ |
|||||||||
|
3- أنّ بعض الدارسين من النقاد العرب لم يدركوا نظرة الأصمعي
الفاحصة إلى شعر حسان بن ثابت في الإسلام التي تقول: "إن هذا الشعر قد
لاَنَ؛ لأن الشعر نِكدٌ لا يقوى إلا في الشر، فإذا دخل في باب الخير ضعُف.."،
إذ رتَّبُوا على ذلك حكماً خاطئاً مفاده: أنّ الإسلام كان وراء ضعف الشعر في
الصدر الأول عصر النبوة، فإذا ما قست هذا الشعر بشعر الفحول الجاهليين، أو قسته
بشعر الفحول الأمويين تجده دونهما: قوة ومتانة، فقد ضعف كمّاً وكيفاً!! هكذا
قالوا، وما زالوا يقولون!!. |
|||||||||
|
وفات هؤلاء أن جذوة الشعر لم
تنطفئ، ولكن في إطار منهج هذه الدعوة الإسلامية الجديدة، فتلاشت أغراض كالهجاء
المقذع، والغزل الرخيص الفاحش, ومجالس الشراب والهوى، وغيرها أغراض وجدت واتسعت
كشعر الفتوحات، والتعريف بهذا الدين، والدعوة إلى التمسك بمبادئه في توحيد الله
تعالى، وعبادته الخالصة، والالتزام بالأخلاق الإسلامية الرفيعة، والمثل
الإنسانية الكريمة، مما جعل شعر عصر النبوة يباين شعر الجاهلية، في كثير من
اتجاهاته وتصويراته فلا محل للقياس، فضلا عن أن النثر الفني الذي كان قليلا في
الجاهلية قد ازدهر كثيرا في الإسلام, ممثلا في البلاغة النبوية، والخطابة
الإسلامية, وبهذا اتسعت دائرة العمل الأدبي، شعرا ونثراً في عصر النبوة. |
|||||||||
|
وكلام الأصمعي هذا إنما يمثل
الأساس الراسخ المتين لما تعورف عليه اليوم بين النقاد المعاصرين بـ(قضية
الالتزام), هذه القضية التي أصبحت مثاراً للخلاف الشديد بين النقاد في زماننا،
حتى ليمكن القول: إنها صارت قضية النقد المعاصر، ولا يستطيع باحث كائن مَنْ كان
أن يسوي بين شعر لا يصدر عن نزوة طارئة، أو جمحة عارمة، وبين شعر لا يصدر عن هوى
ولا ينصرف عن خير، ومن ثَمَّ فإنّ المنهج الإسلامي الذي استقرت عليه أرواح الشعراء
في الصدر الأول، فاتجهوا إلى الواقع يصورونه ويتأملونه رغبة في تعميق الإيمان
بالله، والثقة فيه عدلا وفضلا، قد اتسع هذا المنهج لمقتضيات هذه الحياة التي
ترامت أطرافها، وتباعدت أرجاؤها، حتى كان ما رأيناه من نكسة الشعر على يد أصحاب
النقائص: جرير، والفرزدق، والأخطل من شعراء بني أمية، فإن هذا الثلاثي هو الذي
يتحمل وحده مسؤولية هذه الانتكاسة بعودة الهجاء على نحو جاهلي بل أشد، وغير ذلك
من فنون القول وأغراضه التي لم تلتزم منهجا أخلاقيا، أو مبدأ إنسانيا، بالفحول
الأمويين والفحول الجاهليين- في زعم بعض الدارسين اليوم. |
|||||||||
|
4- أن التبعية التي فرضتها ظروف على بعض الدارسين تجعلهم بمنأى
عن الواقع الإسلامي الذي كان مسرحا للفن الأدبي حين يتصدون لتقويم هذه الفترة
التي لم تكن طبيعة أو مستقرة، فها هو كتاب الله يتنزَّلُ على عبده ورسوله محمد
صلى الله عليه وسلم منجَّماً حسب الحوادث، ووفق الأحوال، ينظم شؤون المعاش
والمعاد، ويرسم الطريق لفتح القلوب والبلاد، والمؤمنون من حول رسول الله يزدادون
إيماناً ووثوقا في نصر الله للمؤمنين، فيدافعون عن قرآنهم بسَنَانهم ولسانهم،
ويدفعون الباطل بسلاحهم ونتاج عقولهم، وقد استولى عليهم جو القرآن فأثر في
نفوسهم وأفئدتهم، وحَرَّك مشاعرهم وأحاسيسهم، فكان طبيعيا أن يشتغل الناس به
يحفظون آياته، ويتدبّرون معانيها، ويدركون مراميها، حتى سيطر جوه الفني على
عقولهم وقلوبهم، فكان بمثابة البديل الفني لهذه الأمة عن ذلكم الشعر الذي استولى
عليها ردَحا من الزمَن، واستبد بكل جانب من جوانب حياتها طيلة الجاهلية الأولى،
وإبان ظهور الإسلام، حتى قيل: إن هذا القرآن - بتأثيره الساحر في نفوس العرب -
كان واحداً من أسباب انصراف المسلمين الأوائل عن التعبير الفني فترة من الوقت
لأنه أغناهم-مؤقتا- عن جمال الأداء بجمال التلقي والانفعال!!. |
|||||||||
|
وقد اتخذت الدعوة الإسلامية من
الإعجاز الفني للقرآن مظهرا بارزا من مظاهرها، ومنطلقاً أساسيا من منطلقاتها في
الدعوة إلى هذا الدين بالحجة والإقناع، والحكمة والإبداع، مما هيّأ للنقد العربي
سبيلا أكثر تقدما نحو الموضوعية، فكان مولد قضية الإعجاز الفني للقرآن، وهي قضية
نقية في الصميم، ولقد استتبع البحث فيها ظهور قوانين البلاغة وقضاياها وأحكامها،
تصحيحاً للأساليب العربية التي تعرّضت لموجة اللَّحنْ، مع ضعف الملكات وفسادها
بفعل الاختلاط بين العرب وغيرهم من شعوب الأرض، وإبرازاً لنواحي الإعجاز
التفصيلية في نظم القرآن الكريم, وكشفا عن القيم الجمالية التي تكمن في أساليب
هذا الكتاب وآياته، وصولا إلى إثبات إعجاز القرآن بنظمه ونسقه، وروعة نسجه،
وتخير لفظه، وتناسق موسيقاه، وعمق معناه، وشرف مغزاه.. في مواجهة الملحدين الذين
قالوا بالصَّرفَةِ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}[3]
|
|||||||||
|
5- وكذلك فرضت التبعية على هؤلاء أن يطعنوا في أصالة النقد
الأدبي عند العرب زاعمين، أن نُقَّاد العرب أفادوا - تبعا لا أصالة - من بعض ما
ترجم فلاسفتنا القدامى، دون أن يدركوا النظريات الكلية للنقد اليوناني القديم،
وأنّ ما لدى الأجانب (الفرنجة) من أصول النقد، ومناهج الأدب هو المقياس الأقوم،
والمثل الأعظم، ومن ثمَّ فلا مفرَّ من إخضاع الأدب العربي لتلك المقاييس
الأجنبية، غير عابئين بالمقاييس الأصلية للنقد العربي، متجاهلين حقيقة الاختلاف
في طبيعة الفن الأدبي من أمة إلى أمة، وجوهر التفاوت بين المقاييس النقدية لفحص
هذا الفن المختلف باختلاف واقعه !!. |
|||||||||
|
وقد أذكى هذا الاتجاه حدَّة الصراع
بين القديم والجديد التي بلغت ذروتها في عالمنا المعاصر، حتى رأينا بعض أنصار
الجديد من العرب المسلمين يقولون بإلغاء ذاتية الفن الأدبي ونقده عند العرب، وهم
بهذا يشوِّهون شخصية هذه الأمة المسلمة التي يمثّل فيها الفن الأدبي ونقده أحد
معالم شخصيتها البارزة. |
|||||||||
|
هذه الأسباب وغيرها بلا شك كانت
وراء اختياري لهذا الموضوع الذي سأتناوله الليلة في وقفة متأنية من أجل المراجعة
والتقويم، وقفة تبدو فيها الحقائق عارية عن الأهواء، وتظهر الأمور مجردة عن
النزعات والشكوك في إطار من الموضوعية الجادة، والشمولية الهادفة. |
|||||||||
|
ولا أدعي - بهذه الوقفة - الإحاطة
المستوعبة لجوانب هذا الموضوع المتعددة بل والمتشابكة، ومن ثمّ فإن حديثي إليكم
ومعكم سيكون بمثابة أضواء كاشفة على الطريق، هذا وبالله التوفيق. |
|||||||||
|
أيها الإخوة .. أيها الأبناء: |
|||||||||
|
قد يكون من المفيد حقا أن نعرض
بشيء من الإيجاز الوافي لحركة النقد الأدبي في الجاهلية، لكي ندرك مدى البعد
الذي حققه الإسلام في توجيه الأفراد الذين شكلوا مجتمع الإسلام هم بذواتهم الذين
كانوا يصنعون مجتمع الجاهلية، وهنا يبدو أثر الإسلام في إعادة صياغة حياتهم
الفكرية والأدبية والنقدية على نحو جديد لم يألفوه ولم يعرفوه. |
|||||||||
|
ذلك أنه على الرغم من تردِّي
الحياة الجاهلية الوثنية في بعض جوانبها الاجتماعية، وعلاقات الأفراد والقبائل
بعضها مع بعض بما تحفل به كتب التاريخ من قصص المعارك، حتى لتبدو هذه العلاقات
في جملتها سيئة؛ لأنها تقوم على العصبية الدموية، والقرابة النسبية، وناهيكم
بـ(أيام العرب) التي راح ضحيتها الكثيرون من أبنائهم وشجعانهم، ومن العجيب أن
هذه الأيام كانت من بين الأسباب القوية في إنهاض الشعر العربي الجاهلي، تعبيرا
عن الحماسة والفخر والتباهي بالأنساب والأحساب، وفق تقاليد الجاهليين، وظل الحال
يتصاعد في نمو أدبي مطّرد حتى ظهر نور الإسلام، والعرب أغنى ما يكونون براعة
وفصاحة في كلامهم: شعرا ونثرا. |
|||||||||
|
ومن الواضح المتعالَم أن هذا الأدب
العربي وُجد أولاً منذ بدأت فترة الجاهلين، تعبيرا عن مفاتن الحياة، وتصويراً
لمظاهر الطبيعة آنذاك، ففاضت ملكات الشعراء، وجادت مواهب الخطباء بالجيِّد من
القول، والرائع من الكلام. |
|||||||||
|
وقد كان لكل قبيلة في الجاهلية
شاعراً أو أكثر وخطيب تعز بظهورهم، وتشرف بنبوغهم، وكان حرصهم على الشعر أكثر من
النثر، لسهولة حفظه، ودوامه وبقائه، وهم قوم تغلب عليهم الأمية لا يكتبون، ولا
يقرؤون من كتاب، ومن ثم كان اتجاههم إلى الشعر الغنائي أو الوجداني فهاموا به،
وأغرموا بحبه، يعزفون على قيثارته أشجى الألحان, ويشدون أجمل الأنغام، وينشدون
أعذب الأشعار، ثم يعقدون أسواقهم الأدبية التي من أكبرها وأشهرها (عكاظ) الواقع
شرقي مكة بين نخلة والطائف، وكانت هذه الأسواق تمثل منتديات النقد ومحافلة في
هذه الفترة، فيعرضون فيها نتاجهم الشعري والأدبي على أرباب هذه الصناعة الشعرية
والأدبية، طلباً لتقويم ما يعرضون، وتحصيلاً للسبق فيما يتنافسون, وعندئذ تبدو
مواطن الجودة منه، وتظهر مواضع الرداءة فيه، وهذا التقويم لتلكم الأساليب
الشعرية والأدبية هو ما عُرِف بـ(النقد الأدبي) أو (نقد الأدب)[4]،
وقد مارسه الإنسان العربي بفطرته وذوقه، وطبيعته وإحساسه، وميله ومزاجه، فاستحسن
أو استهجن ما يراه دون تحليل أو تعليل يواكب تذوقه الجمالي، مما جعل هذا النقد
الجاهلي ينشأ ذاتيا محدوداً في نطاق كل نص على حده إلى الحد الذي يستطيع، على
نحو هذه اللمحات النقدية التي ذكرتها أمهات الكتب المعنية. |
|||||||||
|
ولعل أقدم ما حكاه الرواة في إطار
ما عُرف من نقد لدى الجاهليين هذه الرواية - على القول بوقوعها - التي كان
مسرحها (حِمَى بني طيء) حين كان يقيم فيهم أمير الشعراء الجاهليين امرؤ القيس
الذي تزوج هناك من (أم جُنْدب) فدخل عليه يوما علقمة بن عَبَدة التميمي المعروف
بـ(علقمة الفحل)، وهو قابع في خيمته، ووراءه أم جُنْدب وهي بنت عم علقمة الشعر،
فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك! وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فقال: قُلْ!،
وأقول! ثم تحاكما إلى أمّ جندب، فقال امرؤ القيس قصيدته: |
|||||||||
|
َقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ |
|
خَلِيلي مُرَّابِي عَلَى أُمِّ جُنْدبِ |
|||||||
|
وأتبعه علقمة بقصيدة التزم فيها
الموضوع والقافية، والروي لقصيدة امرئ القيس، فقال في مطلعها: |
|||||||||
|
وَلَم يَكُ حَقَّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ |
|
ذَهَبْت مِنَ الهِجْرَانِ في غيْرِ مذْهَبِ |
|||||||
|
فلما فرغا من إنشادهما قالت
لزوجها: علقمة أشعر منك. |
|||||||||
|
فقال لها: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك
قلت : |
|||||||||
|
وللزَّجْر فيه وَقْعُ أَخَرَج مُهْذِبِ[5] |
|
فلِلسَّوْطِ أُلهُوبٌ وللِسَّاقِ دِرَّةٌ |
|||||||
|
فجهدْت فرسَك بسوطك في زجرك،
وَمَريْتَه فأتعبْتَه بساقك !! أما علقمة فقد قال: |
|||||||||
|
يَمُرُّ كَمَرِّ الرائح المتَحلِّبِ |
|
فأدْركهُنَّ ثانيا من عِنَانِهِ |
|||||||
|
فأدرك فرسه ثانيا من عِنانه، لم
يضربه بسوط، ولا مراه بساق ولا زجره, ولم يتعبه، فقال امرؤ القيس: ما هو بأشعر
مني، ولكنك له وامقٌ أي: محبة. |
|||||||||
|
ويبدو أنها كانت كارهة لزوجها،
فضلا عن تعصبها لابن عمها علقمة، فجاء حكمها ممثلا لهواها في بيت واحد من قصيدة
طويلة، ولا أعتقد أن فرساً مَّا - بغضِّ النظر عن فرس امرئ القيس - لا يستطيع
فارسها أن يمتطي صهوتها إلا إذا حرّك ساقيه، واستخدم سوطه، فأين مزية علقمة على
امرئ القيس ؟!!. |
|||||||||
|
لكنها المرأة هي المرأة يغلب عليها
الهوى، وكثيرا ما تجنح بها العاطفة!! |
|||||||||
|
وفي تقديري أن قيمة هذه الرواية -
إن صحت - في أنها تعبر عن أول كلام نقدي ذاتي تأثري يُنبِئُ عن الهوى عُرِف لدى
الجاهليين. |
|||||||||
|
فإذا ما انتهينا من هذه المعارضة
النقدية التي بدت في شكل مباراة حاسمة تراءات أمامنا صورة القبة الحمراء
المصنوعة من الجلد القائمة في سوق عكاظ تظلل النابغة الذبياني، حيث كان يتوافد
إليه الشعراء, يقرضون شعرهم، ويعرضون نتاجهم، وكان أوّلهم: الأعشى (أبو بصير)
الذي أنشد قصيدة طويلة أوّلها: |
|||||||||
|
وَسُؤالي وما تَرُدُّ سُؤالي |
|
مَا بُكاءُ الكَبيرِ بالأَطْلالِ |
|||||||
|
وبعد أن فرغ الأعشى من إنشاده، قام
حسان بن ثابت الأنصاري فأنشد قصيدته التي قال فيها مفتخراً: |
|||||||||
|
وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَة دَمَا |
|
لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحا |
|||||||
|
فَأكرِمْ بنا خَالاً، وأَكْرِمْ بنا ابْنَما[6] |
|
وَلَدْنَا بَني العَنَقَاءِ وابنيْ مُحَرِّقٍ |
|||||||
|
فقال النابغة : "أنت شاعر،
ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن أنجبك !!" |
|||||||||
|
هذا وذكر أنّ الخنساء السُّلمية
جاءت إلى هذا المجلس، فأنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر : |
|||||||||
|
أَمْ أَقْفَرَتْ مُذْ خَلَتْ مِنْ أهلها الدار |
|
قذى بِعَيْنك أمْ بالعَيْنِ عُوّارُ |
|||||||
|
فقال لها النابغة: والله لولا أن
سبقك أبو بصير فأنشدني آنفاً لقلت: إنّك أشعر الجنِّ والإنس!!, فقال حسان: والله
لأنا اشعر منك، ومن أبيك ومن جدِّكَ ! |
|||||||||
|
فقبض النابغة على يده، ثم قال: يا
ابن أخي، إنك لا تُحْسن أن تقول مثل قولي: |
|||||||||
|
وإنْ خِلْتُ أن المنَتَا عَنْكَ واسعُ |
|
فإنّكَ كاللَّيلِ الذّي هُوَ مُدْرِكي |
|||||||
|
ثم قال للخنساء: أنشديه فأنشدته،
فقال: والله ما رأيت أنثى أشعر منكِ !! فقالت له الخنساء: والله ولا رجلا !! |
|||||||||
|
ومما تقدم تلمحون صورة النابغة
الشاعر الناقد العملاق يجلس للحكم بين الشعراء ثم يقضي قضاءه الفصل بتفضليه شعر
الأعشى والخنساء على سائر الشعراء، وخطابه لحسان قائلا له: أنت شاعر، بيد أنك استعملت
في البيت الأول لفظتي: الجفنات، والأسياف، وهما ينبئان عن القلة، وكان لزاما
عليه في مقام فخره واعتزازه بقومه أن يستخدم مكانهما: الجفانَ والسيوف (صيغتي
جمع الكثرة)، إذ الفخر يناسبه التكثير لا التقليل !!. |
|||||||||
|
ولا يغيب عن مثل النابغة إدراك
التفاوت بين صيغ الألفاظ، ودلالتها على معانيها، وهذا هو نقده آية حذقه ومعرفته
بدلالات الألفاظ على المعاني, ومدى ملاءمة ذلك لمقامات الكلام، فإنّ اللفظ يجب
أن ينهض بحق المعنى كله, وحين يقصر اللفظ عن استيعاب المعنى يبدو النقص في
التعبير الذي يزري بالأسلوب !! |
|||||||||
|
أما نقد البيت الثاني فقائم على
ملحظ لطيف للنابغة، فإنّ عادة الجاهليين في فخرهم أن يذكروا مناقب ومآثر آبائهم
وأجدادهم، ولا أن يتباهوا بأبنائهم وأحفادهم، وقد استمرت هذه العادة مسيطرة فترة
طويلة حتى لمسنا آثارها لدى شعراء بني أمية، فها هو الفرذدق يقول لجرير
متفاخراً: |
|||||||||
|
إذا جمَعَتْنا –يا جريرُ- المجَامِعُ |
|
أُولئك آباَئي فَجئْني بِمِثْلهمْ |
|||||||
|
ولو كان النابغة يعيش الآن ما عاب
حسانا، فإنّ عادة الآباء تجري في هذه الأيام على التباهي بأبنائهم، لا سيما
الذين يبرزون، ويتفوّقون، فيحقّقون بهذا سبقا وشرفا يضاف إلى كل آبائهم، فالولد
سِرُّ أبيه، كما يقولون. |
|||||||||
|
وأيًّا ما كان الأمر فإنّ نقد
النابغة لحسّان ينمُ عن خبرة غير محدودة بتقاليد الجاهليين، وهذا يجعلنا لا نقبل
التشكيك من أحد نقادنا المعاصرين لهذه الرواية، حيث قال: |
|||||||||
|
"وبعيد كل البعد عن روح الجاهليين وعن طبيعة العصر الجاهلي
ما يضيفه بعض الرواة إلى قصة النابغة مع حسان في (عكاظ). |
|||||||||
|
فإن الجاهلي لم يكن يعرف جمع
التصحيح، وجمع التكسير وجموع القلة، وجموع الكثرة، ولم يكن له ذهن علمي يفرِّق
بين هذه الأشياء، كما فرَّق بينهما ذهن الخليل وسيبويه، ولأن مثل هذا النقد لا
يصدر إلاّ عن رجل عرف الفروق البعيدة بين دلالة الألفاظ، وألـمّ بشيء من المنطق
والفلسفة". |
|||||||||
|
وبالنظر إلى هذا الكلام يبدو
متداعيا، إذ أنّ النابغة - وهو العربي الخالص المحيط بأسرار لغته وأساليبها -
ليس بحاجة إلى أن يعرف مصطلحات وضعت في عصور لاحقة له في مواجهة نشو اللحن،
وشيوع الخطأ، وفساد الملكات، ولذلك رأينا غلام النابغة لم ينتظم ذكر هذه
المصطلحات، وكذلك ليس النابغة بحاجة إلى أن يعرف منطق وفلسفة أرسطو حتى يفكّر
وإلا فلنا التفكير الفطري لدى الإنسان، وهذا مما لا يقول به أحد !!. |
|||||||||
|
على أنّ النابغة كان أقرب
الجاهليين إلى فترة ظهور الإسلام، وقد حكى عنه الشعراء المخضرمون الذين أدركوا
ظهور الإسلام، كالأعشى، وحسّان والخنساء، مما يجعلنا مطمئنين إلى صدق الرواية
عنهم. |
|||||||||
|
ومن الطريف أنّ النابغة الناقد لم
يسلم هو الآخر من نقد الآخرين، فقد عابوا عليه: (الإقـواء)[7]
في شعره، فقد ذكر ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء): "وكان يُقْوِي في
شعره، فعيب ذلك عليه، واسمعوه في غِنَاء قوله: |
|||||||||
|
عَجْلانَ ذا زادٍ وغَيْرَ مُزَوِّدِ |
|
أَمِنْ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغْتَدى |
|||||||
|
وبذاكَ خبَّرَنا الغُدافُ الأسودُ |
|
زَعَمَ البَوارِحُ أنَّ رِحْلتَنَا غَداً |
|||||||
|
ولما سمع النابغة بشعره فَطن لهذا
العيب الذي يُذْهِبُ التناسق في النَّغم، وتنبّه إلى أنّ الإقواء معيب، وقد
تحرّز عنه فيما بعد، ولم يعد إليه، وقال: "قَدِمْتُ الحجاز وفي شعري ضعف,
ورحلت عنها وأنا أشعر الناس"[8].
|
|||||||||
|
فإذا ما تركنا النابغة الشيخ
شاهدنا طرفة بن العبد البكري الصبي الفتى ينكر على الشاعر المتلمس المسيَّب ابن
عَلسَ إطلاقه سمة: الصَّيْعَرِيَّةُ على الجمل في قوله: |
|||||||||
|
بنَاج عَلَيْه الصَّيْعَرِيَّةُ مِكْدَم |
|
وقَدْ أتَنَاسى الهَمَّ عِنْد ادَّكَارِه |
|||||||
|
فقال طرفة: استنوق الجمل، ذلك أن
الصَّيْعَرِيَّةُ سمة في عُنق الناقة، فجعلها الشاعر صفة للبعير، واعتبرها طرفة
سقطة لغوية من الشاعر، فكانت كلمته الموجزة الوافية معبرة عن إحساسه في سَنٍّ
مبكرة بفقه المعاني ووعيها. |
|||||||||
|
على أنه قد وجد نوع من النقد نتيجة
ظهور (المعلقات) أو القصائد الطوال، وهو ما عُرِف الآن بـ(النقد الانتخابي),
وطبيعي أن خط النثر الجاهلي الذي عثر عليه قليل، وكذلك نقده، يبدو في بعض
توجيهات أكثم بن صيفي خطيب الجاهليين المصقع يقول فيها لكتابه إذا كاتب ملوك
الجاهلية: "افصلوا بين كل معنى منْقَضٍ, وصلوا إذا كان الكلامُ معجونا بعضه
ببعض " [9]. |
|||||||||
|
|
|||||||||
|
أيها الاخوة الأبناء: |
|||||||||
|
ومن خلال هذا العرض نستطيع أن
نحدّد ملامح النقد الجاهلي ومعالمه فيما يأتي: |
|||||||||
|
1- أنّ هذا النقد أصيل في نشأته، وقد اعتمد هذا النقد على الذوق
والإحساس، فبدا ذاتيا لا تذكر فيه علة، ولا يوضح معه سبب، وإن كنا قد رأينا بعض
النظرات الموضوعية المجملة الواضحة، كما في حكومة النابغة على حسان. |
|||||||||
|
2- أنّ هذا النقد الجاهلي كان محصّلة جهد بذله الشعراء النقدة،
بل إنّ هذا النقد كان مقصورا على الشعراء المقتدرين، ذلك أنّ درايتهم وخبرتهم
بقول الشعر- الذي تعاطوا فنونه وتراكيبه وعرفوا أسراره وأساليبه- قد جعلتهم
ينفردون بهذا الجهد النقدي دون غيرهم، وقُدِّر لجماعة الشعراء آنذاك أن تختص به،
يستوي في ذلك الفتى والشاب، والشيخ الكبير, ولا نستثني إلا (أم جندب) التي لا
أخا لها شاعرة، وعلى ذلك فإنّ تلك الأحكام الذاتية التي جاءت على لسان هؤلاء
النقاد على إجمالها هي صادرة عن ذوي بصر ودرية في صناعة الشعر وقوله، مما جعل
هذا النقد صادقا لا يخلو من موضوعية. |
|||||||||
|
3- أنه مع القول بذاتية هذا النقد قيمكن أن نلمح في بعض الروايات
التي مرت بنا آثار الموضوعية، فنجده نقدا معنويا في رواية أم جندب، ورواية
النابغة مع حسّان، ونقدا لغويا في رواية طرفة، ونقدا عروضيا في الإقواء الذي عيب
به النابغة في الحجاز, ومهما قيل عن آثار تلك الموضوعية وأبعادها فإنها لا تعدو
إلا أن تكون نظرات جزئية محدودة ينقصها الشمول والاستيعاب، ويعوزها قواعد المنهج
العلمي في التفكير، ومن ثمّ وُجد النقد الجاهلي: "غير مبني على قواعد فنية،
ولا على ذوق منظم ناضج، إنما هو لمحة الخاطر، والبديهة الحاضرة"[10]
وذوقه بدائي يتبع الشعر، وينساق وراء عاطفته. |
|||||||||
|
4- أنّ قلة هذا النقد راجعة إلى أنه لم يرد عن العرب إلا القليل
أو أقله كما يقول محمد بن سلام الجمحي الناقد المتوفى سنة 232ﻫ في كتابه المعروف
(طبقات فحول الشعراء): "فقد حكى عن يونس بن حبيب: قال عمرو بن العلاء: ما
انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُّه، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعرٌ
كثير" [11]. |
|||||||||
|
ومما يؤكد هذه الحقيقة ما رواه ابن
رشيق في العمدة مرفوعا إلى الخطيئة أنه سئل عن أشعر الناس، فقال: أبو دُؤَاد،
حيث يقول: |
|||||||||
|
فَقْدَ مَنْ رزُئْتُهُ الإعْدامُ!! |
|
لاَ أَعُدُّ الإقْتَارَ عُدُماً ولَكِنْ |
|||||||
|
ثم يعقب ابن رشيق قائلا: وهواي أبو
دؤاد، وإن كان فحلا قديما، وكان امرؤ القيس يتوكأ عليه، ويروي شعره، لم يقل فيه
أحد من النقاد مقالة الحطيئه.."[12]
|
|||||||||
|
ومهما دار الأمر فإنّ شعر
الجاهليين في حساب الزمن لا يجاوز قرنين من الزمان, فهل تناسب هذه المدة مع
تراثها مع التاريخ الطويل للعرب قبل الإسلام؟ الأمر الذي يجعلنا بأن نقطع يده
بسبب ضياع كثير من أشعارهم، ونقدهم.. |
|||||||||
|
5- أن هذا النقد مع ذاتيته وقلته فإنه أصدق صورة للبيئة العربية
في جاهليتها، حيث ظلت الصراعات الدموية تمزِّقها، والبداوة تحكمها، والأميّة
تستبّد بها, والنظرة الجزئية سبيلها إلى فهم الأمور، والارتجال في الأحكام
مسلكها، فلم تتوفَّرُ لها عوامل الرّقي الحضاري والفكري، ولم تتهيأ لها وسائل
تحقيق المنهجية العلمية التي تعتمد على الدراسة المتأنية داخل إطار الشمولية
المحيطة, وبدهي أنّ الدرس والتحليل في العمل النقدي يتطلب درجة من درجات الرقي
الفكري تأتي بعد مجرد الاستجابة الذوقية. |
|||||||||
|
وإن كانت الأذواق العربية قد نعمت
بجو الحرية والطلاقة، وتمتّعت بروح البساطة التي تميزت بها هذه البيئة، بيد أن
الظروف الأخرى التي عاشتها من وثنية متخلفة رانت على قلوبهم، واستولت على
عقولهم، ومن عصبية قبلية كانت تحكم مجتمعهم، وتوجه حركتهم قد سَدَّتْ هذه الظروف
عليهم منافذ التفكير، فكان جهدهم الذي رأيت في مجال النقد الأدبي.. |
|||||||||
|
أيها الاخوة – أيها الأبناء: |
|||||||||
|
إنّ تلك البيئة العربية الغارقة في
جاهليتها, السابحة في وثنيتها، المفتونة بشعرائها وشاعريتها, يراد لهذه البيئة
أن تكون طليعة التحرُّك بدعوة الإسلام دعوة خالصة كتوحيد الله تعالى، والإيمان
به، والطاعة له, والقيام بعبادته, وأن يكون الداعي لها عربيا من أبناء هذه
البيئة، إعمالا لسنة الله في إرسال الرسل {وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} فكان بزوغ فجر
الإسلام، وسطوع شمس هدايته، ونزول القرآن الكريم على قلب الرسول الأمين، ليكون
من المنذرين بلسان عربي مبين، وهو حجة الله المعجزة في الأولين والآخرين حقاً
أنها لمهمة شاقة، ومطلب عسير، فمن أين تكون البداية؟ ومع مَنْ تكون؟. |
|||||||||
|
العشيرة الأقربون يتأبَّوْن
ويمتنعون، بل عِزازهم من أمثال أبي لهب وغيره يكابرون ويعارضون، أما الآخرون فهم
أشد تأبِّيا، وأعنف معارضة, فياله من صراع رهيب تشهده أرجاء مكة !!. |
|||||||||
|
ما السبيل والحال هذه؟ |
|||||||||
|
هو أن يظل على دعوته في قومه مؤيدا
بالقرآن يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن،
واتجه الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويقرأ
عليهم آيات القرآن الكريم، فتأثر بسحره الفني كثير ممن حَسُن إسلامهم، وصحت
عقيدتهم، وقيل مِمنْ تولوا عن الدعوة وأعرضوا عنها كالوليد بن المغيرة، وخبره
معروف تفصيلا في كتب السيرة النبوية الشريفة، وفي ذلك يقول ربنا تعالى من سورة
المدثر: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ
كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}..
تمرّ الأيام سراعا والمسلمون
يكثرون، ويأخذون أنفسهم بمنهاج دينهم القرآني، ويصوغون حياتهم بالأسلوب الرباني,
فيجدون متعتهم الفنية في قرآن يتلى، وصلاة تقام لتؤدى، وذكر خاشع للذي خلق فسوى,
والذي قدر فهدى, حتى أذن الله بعد ثلاثة عشر عاما مع أهل مكة وجيرانهم أن تنتقل
الدعوة إلى طيبة هنا في مدينة الرسول الأعظم حيث التربة الصالحة، فقامت على
ربوعها دولة الإسلام الأولى تنشد الخير والعدل والسلام، وتعمل من أجل سعادة
البشرية في الحال والمآل، ولكن أعداء الإنسانية من المشركين الجاحدين واليهود
الحاقدين جاهروها بالعداء، ونازلوها القتال، فأذن للرسول وصحبة من المهاجرين
والأنصار بالقتال ردعا لعدوان، وتأمينا لدعوة, وانتصاراً لحق، ودفعا لظلم!!، فلا
تكاد تمضي فترة إلاّ وتقع غزوة أو توجه سرية على مدار عشر سنوات في المدة التي
عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، كل هذا والنظام الإسلامي الشامل
يستقر في هذه الدولة، وعملية البناء تسير سيراها العجيب، بناء النفوس والضمائر
قبل تشييد البيوت والعمائر، فأتيح للجو الشعري والفني ما يحقق صفاءه ونقاءه,
ووفْرته ونماءه، وانبرى هؤلاء الشعراء المسلمون: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك،
وعبد الله بن رواحة، يخوضون معركة الشعر بالإسلام في مواجهة أعدائه، وقُدِّر
لدولة الشعر الإسلامي أن تقوم هي الأخرى، دعامة لدولة الإسلام الأولى من بين
الدعائم التي ارتكزت عليها، وظهر الشعر الإسلامي خالصا، لتمجيد المعاني
الإنسانية النبيلة، ودعم الأخلاق الإسلامية القويمة[13]،
لكن سحر القرآن وتأثيره في النفوس ما زال يسري حتى مع هؤلاء الشعراء، فلم تخلص
الحياة للشعر كما كان الحال في الجاهلية، بل شُغِل الناس برواية حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم وخطبه، ولذلك اتجهت الحركة النقدية في ظلال الإسلام إلى
مرحلة أخرى من النمو والتطور أقرب إلى العقل منها إلى العاطفة، فكيف تمت هذه
المرحلة؟. |
|||||||||
|
يمكن القول: إنه لم توجد هذه
المرحلة النقدية من فراغ، وإنما وجَدتْ في تراث الجاهليين ما جعلها تتجه نحو
النهج العقلي في تقويمها للأمور، وحكمها على الأشياء، بعد أن كان الاتجاه
العاطفي هو السائد في النقد الجاهلي، وذلك راجع إلى طبيعة الإسلام الذي يقوم على
الحجية والاقتناع، وينظّم المعايير الدينية والخلقية في السلوك الإنساني: العام
والخاص، ولعل أبرز الأمثلة لهذا الاتجاه الديني في النقد ما ذكره الرواة من استحسان
الرسول صلى الله عليه وسلم لقول كعب بن مالك : |
|||||||||
|
فَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ
الغَلاَّبِ |
|
جَاءَتْ سَخِينَةُ[14]
كَيْ تُغالِبَ ربَّها |
|||||||
|
فقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا[15]"
|
|||||||||
|
وكذلك ما وقع من النابغة الجعْدي
عبد الله بن قيس، وكان يُكْنىَ أبا ليلى حيث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأنشده : |
|||||||||
|
ويَتْلو كِتاباً كالمَجَرَّةِ
نيرّاً |
|
أتيتُ رسول الله إذْ جاءَ بالهُدَى |
|||||||
|
وإنا لنرجو فوْق ذلكِ مظْهَراً |
|
بَلَغْنَا السَّماء مَجْدَنا
وجُدودُنا |
|||||||
|
فاعترضه الرسول صلى الله عليه
وسلم، لشعوره بأنه سينهج في فخره على عادة الجاهليين، قائلا: "إلى أين أبا ليلى؟"، فقال إلى الجنة، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، "إن شاء
الله" وأنشده: |
|||||||||
|
بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَة أن
يُكَدَّراَ |
|
وَلاَ خَيْرَ في حِلْم إذاَ لم
تَكُنْ لَهُ |
|||||||
|
حَليمٌ إذا ما أوْردَ الأمْرَ أصْدَراَ |
|
وَلاَ خَيْر فيِ جهْلٍ إذا لم
يَكُنْ له |
|||||||
|
فأعجب الرسول صلى الله عليه وسلم
بهذا القول؛ لأنه يوافق قوله تعالى: {خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}،
ولذلك دعا المصطفى له بقوله، "لا يَفْضُضِ اللهُ
فاكَ"، قالَ: فَبقيَ عُمْرَه لم تنقض له سِنٌّ[16].
|
|||||||||
|
وفي حديث البراء الذي ذكره البخاري
دليل على طلب الرسول صلى الله عليه وسلم قول الشعر من حسان، فقد روى أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال لحسان:" أهُجُهم، أو قال
هاجِهم وجبريل معك"[17]
، وفي حديث أبيّ بن كعب قوله صلى الله عليه وسلم "إنَّ
من الشِّعْر حِكْمةً"[18]1 ، حكمٌ نقدي كان له أثره في النهوض بالشعر.
وقد روى التِّزمذي وابن أبي شيبة من حديث جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه
قال: "كان أصحاب رسول الله عليه وسلم يتذاكرون الشعر، وحديث لجاهلية فلا
ينهاهم، وربما تبسَّم" [19]
ممّا كان لهذا أعظم الأثر في إذكاء جذوة الشعر من جديد، ولقد أثنى الرسول صلى
الله عليه وسلم على ابن رواحة من حديث أبي هريرة في البخاري "إن أخاً لكم
لا يقول الرفث يعني بذاك ابن رواحة قال: |
|||||||||
|
إذاَ انْشَقّ مَعروفٌ مِن الفَجْرِ
ساطعُ |
|
وَفِينا رسولُ اللهِ يتْلو
كِتابَهُ |
|||||||
|
به مُوقِنَرتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ |
|
أَرَاناَ الهُدَى بعدَ العَمى
فقلُوبُنا |
|||||||
|
اسْتَثْقَلَتْ
بِالكَافِرينَ
المَضاجِعُ[20] |
|
يبيتُ يُجاَفي جَنْبَهُ عنْ
فِراشهِ إذاَ |
|||||||
|
فهذا الثناء توجيه نقدي للسمو
بالشعر، ونبذ الفاحش منه، ولذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفر منه
إذا كان مقذعا، فقد أورد الطحاوي رواية ذكرها العيني: قيل لعائشة: إن أبا هريرة
يقول: "لأنَ يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا" فقالت
عائشة: يرحم الله أبا هريرة حفظ أول الحديث، ولم يحفظ آخره: "إنّ المشركين
كانوا يهاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً
خير له من أن يمتلئ شعرا من مهاجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، هذا
ورواية أبي هريرة تلك ذكرها بطريقين البخاري في باب (ما يكره أن يكون الغالب على
الإنسان الشعْرُ حتى يصدَّه عن ذكر الله والعلم والقرآن)، وفي ذلك تنظيم لحياة
الإنسان في ظل الدين الجديد, كي يظل ذاكراً لموالاه حامدا شاكراً.. |
|||||||||
|
ومهما دار الأمر فإن هذه الروايات
تنمُّ عن إعجابه صلى الله عليه وسلم بالشّعْر الذي يلتزم مبادئ الإسلام, ويعبرُ
عن روحه, ومن ثمَّ يقدم هديَّة إلى كعب بن زهير وهي عبارة عن (بُرْدة) ثمينة،
بعد إنشاده قصيدته المشهورة التي مطلعها : |
|||||||||
|
مُتَيَّمٌ إِثْرَها لم يُجْزَ
مَكْبُولُ[21] |
|
بانَتْ سُعادُ فقَلْبِي اليَوم
مَتْبُولُ |
|||||||
|
وتشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم
لكعب بن زهير دليل عملي على تشجيعه ومكافأته صلى الله عليه وسلم للشعراء
المسلمين. أما تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن كونه شاعرا في قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ
هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} فلأن طبيعة الرسالة تأبى
الشعر، إذْ لو كان الرسول شاعراً لنسب العرب فضيلته، وحجته البالغة إلى تأثير
الشعر، لا إلى فضل الرسالة، ولا يكون إذ ذاك الكلام الذي يلقى إليه وحيا من عند
الله، بل إلهاما من شيطان الشعر، ولأمر ما كانت الحكمة في أن الرسول صلى الله
عليه وسلم ما روى بيت شعر كاملا[22]
صحيح الوزن، وإذا وردت بعض الأبيات – إذا صحت روايتها - صحيحة فهي إلى النثر
أقرب منها إلى الشعر[23]. |
|||||||||
|
وقد ذكر السيوطي تعليلا له وجهته
في سبب تنزيه الرسول عن قول الشعر فقال: "إنّ علماء العروض مجمعون على أنه
لا فرق بين صناعة العروض، وصناعة الإيقاع إلا أنّ صناعة الإيقاع تقسيم الزمان
بالنغم، وصناعة العروض تقسيم الزمان بالحروف المسموعة، فلمّا كان الشعر ذا ميزان
يناسب الإيقاع، والإيقاع ضرب من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم[24]. |
|||||||||
|
ومما تقدم يتضح لنا موقف الإسلام
من الشعر، الأمر الذي انعكس على النقد فبدا المقياس الديني معياراً جديداً في
هذه المرحلة.. |
|||||||||
|
وقد أسهم الخلفاء الراشدون في
إرساء هذا المقياس الديني في النقد الأدبي وترسيخه فها هو أبو بكر الصديق يثني
على لبيد حين قال: |
|||||||||
|
ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا الله باطِل |
|||||||||
|
فقال الصديق له:
"صدقت!" ولّما قال لبيد: |
|||||||||
|
وكُلُّ نعيم لا محالةَ زَائِلُ. |
|||||||||
|
قال الصديق: "كَذَبْتَ! عند
الله نعيمٌ لا يـزولُ"[25]
|
|||||||||
|
وكذلك صنع عمر بن الخطاب، فقد نعت
زهير بن أبي سُلْمى الشاعر الجاهلي بقوله: "كان لا يُماطل بَيْن القولِ،
ولا يَتّبع حُوش الكلام, ولا يَمدَحُ الرَّجلَ إلا بما هُوَ فيه". |
|||||||||
|
وهذا الوصف من عمر يعني أنه قرأ
شعر زهير كله, قراءة تدبر وتأمل, حتى جاء حكمه هذا الموضوعي عليه. |
|||||||||
|
وإذا كان ابن الخطاب قد أعجب
بزهير، لتجنّبه المبالغة في المدح، وهو خلق إسلامي محمود, فإنه لا يعطي الجائزة
لسُحيم عَبْد بني الحماس, وكان عبدا حبشيا، حين أنشده: |
|||||||||
|
كَفىَ الشَّيْبُ والإسلامُ للمْرء
ناهِيا |
|
عُمَيْرَة وَدِّعْ إنْ تَجَهَّزْتَ
غَاديا |
|||||||
|
فقال عمر له "لو كنت قدمت
الإسلام على الشيب لأجزتك" فقال سحيم: "ما سَعَرْتُ: أي ما
شَعَرْت"[26]. |
|||||||||
|
وهكذا أظهر المعيار الديني في
النقد، وبدا معه مقياس آخر ينبذ التكلف، ويرفض التعسف، ويؤثر الطبع فها هو رسول
الله صلى الله عليه وسلم ينعى على الثرثارين المتفقهين المتشدقين، قائلا:
"إنّ أحبكم إليّ، وأقربكم منى في الآخرة محاسنكم أخلاقا، وإنّ أبغضكم إليّ
وأبعدكم منى في الآخرة مساويكم أخلاقا: الثرثارون المتفقهون المتشدقون"
رواه أحمد[27]. |
|||||||||
|
وكذلك فعل الإمام على حين قال:
"الإيمان أن تؤثر الصِّدْق حيث يضرُّك على الكذب حيث ينفعك، وألا تكون في
حديثك فضل عن عملك، وأن تتقي الله في حديث غيرك"[28]
|
|||||||||
|
ولقد التزم الشعراء الإسلاميون
بهذه التوجيهات الرشيدة، وتلك التعاليم السديدة، فسهلت عبارتهم، ووضحت فكرتهم،
حتى رموا باللين والضعف !!. أيها الاخوة.. أيها الأبناء: |
|||||||||
|
إن هذه الجهود الممتازة من الرسول
والخلفاء الراشدين كانت لها آثارها البعيدة في توجيه الفن الأدبي ونقده،
والاتجاه به في مساره الإسلامي، بعيدا عن المنعطفات والدروب التي عرفتها
الجاهلية، ولذلك رأينا الفاروق عمر يتصدى للمنحرفين الهجَّائين، مستعينا بحسان
بن ثابت في تقويم أشعرهم، مع حذقه الشعر وبصره بفنونه، لكنه أراد أن تتاح للعدالة
ساحتها, وأن يتولّى القضاء فيها مَنْ هو أهل في هذا الفنِّ، فمن ذلك هاتان
الواقعتان اللتان ذكرتا في أمهات الكتب النقدية والأدبية.. |
|||||||||
|
أما الواقعة الأولى فمع الحطيئة
(جرْول بن أوس)، وكان رقيق الإسلام، لئيم الطبع، سيّئ الخلق؛ قد آواه
الزِّبرْقان بن بدر، فلم يحمد جواره، وانقلب عليه، ثم تحوَّل عنه إلى بَغيض بن
عامر من رؤساء بني تميم الذين أدركوا الإسلام، فأكرم جواره, فقال الحطيئة يهجو
الزبرقان، ويمدح بغيضا: |
|||||||||
|
ذاَ حَاجَة عَاش في مُسْتَوْعر
شَاسِ[29]
|
|
مَا كَان ذَنْبُ بَغيض أنْ أَرى
رجُلاً |
|||||||
|
وغادرُوه مُقيماً بين أَرْمَاسِ |
|
جَاراً لِقَوْمٍ أَطَالُوا هُونَ
مَنْزله |
|||||||
|
وَجَرَّحُوهُ بأنياب وأضراسِ |
|
مَلُّوا قراه، وهَرَّتْهُ
كِلاَبُهُمُ |
|||||||
|
واقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتٌ
الطَّاعِمُ الكَاسِي |
|
دَع المكَارِمَ لاتَرْحلْ
لبغْيتَها |
|||||||
|
وأنشده آخر الأبيات : |
|||||||||
|
لا يَذْهَبُ العُرْفُ بَين الله والنَّاس |
|
مَنْ يَغْفَلِ الخَيرةَ لاَ
يَعْدِمْ جَوَارِيه |
|||||||
|
فقال له عمر: ما أعلمه هَجَاكَ،
أما تَرضى أن تكون طاعما كاسيا ؟! قال: إنه لا يكون في الهجاء أشد من هذا، ثم
أرسل عمر إلى حسان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجُه، ولكن سَلَحَ عليه!!
فحبسه عمر، وقال: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين فقال: - وهو محبوس يستعطف
عمر- : |
|||||||||
|
حُمر الحواصل لا مَاءُ ولا شجرُ؟ |
|
ماذا
أقول لأفراخ بذي مَرَخ |
|||||||
|
فاغْفِرْ عَليْكَ سَلامُ الله يا
عُمَرُ |
|
أَلقَيْتَ كَاسِبَهُم في قَعْرِ
مُظْلمة |
|||||||
|
فَرَقَّ له قلب عمر وخلّى سبيله،
وأخَذ عليه ألاَّ يهجو أحدا من المسلمين[30].
|
|||||||||
|
وأما الواقعة الثانية فقد كانت مع
النجاشي الحارثي (قيس بن عمرو بن مالك)، وكان فاسقاً فاحشا رقيق الإسلام أيضا،
فهجا بني العَجْلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ما قال
فيكم؟ فأنشدوه: |
|||||||||
|
فَعَادَى بني العجْلانِ رَهط ابْنَ
مقبل |
|
إذا اللهُ عادى أهل لُوْمٍ وَرِقَّةٍ |
|||||||
|
فقال عمر!
إنما دعا، فإن كان مظلوما استجيب له، وإن كان ظالما لم يستَجب له، قالوا: وقد
قال أيضاً: |
|||||||||
|
ولا يَظْلِمُون النَّاس حبَّةَ
خَرْدلِ |
|
قُبيِّلةٌ لا يَغْدِرُون بِذِمَّةٍ |
|||||||
|
فقال عمر: ليت آل الخطَّاب هكذا
قالوا: وقد قال أيضاً: |
|||||||||
|
إذا صدر الورّاد عن كل منهل |
|
وَلا يردون الماء إلا عشيّة |
|||||||
|
فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك أي
(الزّحام) قالوا: وقد قال أيضاً: |
|||||||||