|
|
||
|
قطرات من الضوء في رحلة قلم |
||
|
لفضيلة الشيخ عبد
الحميد ربيع |
||
|
|
||
|
عندما تزدحم الأفكار في ذهن
الكاتب، وتتكاثر التجارب أمام رؤيته الوحدانيّة, يحار, أيّها يأخذ, وأيّها يدع.
وكل فكرة تطل بعينيها، وتدعوه أن يبدأ بها. وكل تجربة تتحرك أمامه, وتعرض
أنواعها وألوانها, لعلها تأخذ مكانها إلى عالم النور, حيث تكون أول ما يعانق سن
القلم، وينساب على أسلاته. بيانا أخاذا رائعا. |
||
|
والكاتب ينظر ويتأمل, وبين هذه
النظرات والتأملات يتوقف القلم ويختفي إشراق العبارة بين أمواج الفكر وتيار
الوجدان.. ومن هنا يلجأ إلى طريق صريح مريح, هو أن يطلب إلى قلمه أن يحدِّثه،
وينقل إليه بعض رحلاته وجولاته في عالم الفكر والحياة. |
||
|
وهذا ما دار بيني وبين القلم, وما
قصّهُ عليّ من إشراقه وانطلاقه, أتحدث به إليك أيها القارئ الصديق. |
||
|
قلت لقلمي والأفكار تتصاعد إلى
خاطري، والأحاسيس تتوافد على وجداني, فأدفعها دفعاً, وأصدّ تيّارها العارم
المتدفق في رفق وأناة.. |
||
|
قلت: يا قلمي الحبيب, إني لا أريد
أن تنهل مني, ولا أن تأخذ عني. قال القلم: ماذا تريد إذن؟ |
||
|
قلت: أريد أن تتحدث إليّ, وأن تحمل
إلى سمعي كيف كنت؟ وكيف رحلة الضوء في حياتك, وأنت تتحرك مع الإيمان, وتنتقل مع
قصة الإنسان؟. |
||
|
قال القلم: إذن سأختار لك قطرات من
الضوء, أحملها إلى فكرك ووجدانك حتى أذكرك كيف كنت, وكيف كان لقائي المضيء الجريء
مع الأدباء والشعراء. |
||
|
اسمع يا صديقي لقد كان القلم
الأعلى أول شيء خلقه الله، وقد أمره الله أن يكتب, فكتبَ القدر, ودوَّن في تلك
الساعة ما كان وما هو كائن إلى الأبد, وقد تحدّر إليّ نوره وفكره, وهأنذا أحدثك
بلسانه, قلت: وكيف؟ قال: ألم تقرأ ما قاله الوليد بن عبادة ابن الصامت؟. |
||
|
قلت: بلى, ولكن ذكرّني وبصّرني بما
أعطاك الله, وأفاض عليك, قال: سأفعل, ولكن لا تقاطعني حتى أتمّ هذه القطرات
واللقطات, من أضواء الإيمان، ونبضات البيان. |
||
|
قلت: هذا وعد وعهد. |
||
|
قال: الآن أكمل ما بدأت فأعرني
سمعك, والتفت إليّ بوجدانك, وها هي ذي كلماتي تسعى إليك. |
||
|
أما كيف كنت أوّل شيء خلقه الله,
فسأتلو عليك ما قيل في ذلك: فقد قال الوليد بن عبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند
موته فقال: يا بُنَيَّ اتق الله, واعلم أنك لن تتّقي, ولن تبلغّ العلم, حتى تؤمن
بالله وحده, والقدر خيره وشره, سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أوّل ما خلق الله القلم, فقال له: أكتب, فقال: يا
رب وما أكتب؟ فقال: أكتب القدر, فجرى القلم في تلك الساعة، بما كان، وما هو كائن
إلى يوم الأبد"[1].
|
||
|
وهكذا أراد الله أن أسجل كلَّ شيء
كما أمرني الله. |
||
|
وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن
عباس أنه كان يحدث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أوّل شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كلّ شيء"[2]. |
||
|
وهكذا تحرّكت أول ما تحركت بقدر
الله, وجريت أول ما تلألأ النور في منيَّ بما أمر الله, فكانت قطرات الضوء
الأولى حين خلقني الله قدرا وأمرا, فكنت غامر السعادة بيِّنَ الجلال والكمال. |
||
|
ثم شاء الله أن أبدأ الرحلة مع خلق
الله, فسرت في الوجود, تشرق الحياة على قطرات سِنَّى: علماً وإدراكاً وإيماناً,
وتختفي معالمها حين تظلم الحياة في الضمائر, وتعمى بالناس المسالك والمدارك,
فينسَوْني, أو يريدون إليّ أن أحيا مع الظلم والظلام, وأن تتحوّل قطرات الحبر
بين شِقَّيّ دَماً مسفوحاً وشرعاً مذبوحاً, وأن أنشر الفزع والرعب, والخوف
والدمار, بما يذيعونه في الناس: من نذر ثم من مصادرة للأنفاس, ثم من إرهاق
للأرواح، ثم تجري قطرات الحبر دموعا، ويتحوّل صريري على الأوراق أنيناً ممزقاً،
وتوجعاً محموماً, ثم أنظر إلى الضحايا والحيارى فأراهم ملحمة مأسوية تفيض بنزيف
لا ينصب من الدم الشريف البريء. وأتمنى لو كانت هناك قلوب تترجم إحساسي وتدرك
لهاث أنفاسي, إذاً لتكاثرت وتآزرت, وأسرعت لتلأم الجراح, وتعيد الصفاء للأرواح,
وتطلع بين عناق القلوب فجر الأمان والإيمان, وظللت كذلك بين الأسى الدامع،
والألم الفاجع. أنتظر بلهفة المفزع, وأمل المروَّع شعاع رجاء وقبس هداية وإنقاذ. |
||
|
حتى كانت إطلالة الضوء للرسالة
المحمدية, فأيقنت أن يقظة كبرى دَبّتْ في حياتي, وأن أضوائي ستنسج خيوط فجر جديد
سعيد. |
||
|
وبدأت الرسالة الكاملة الشاملة
بالدعوة إلى القراءة, قراءة قصة الخلق, وقراءة العلم بالله الواحد, الذي فاض
كرمه على الخلق, وزاد فضله عن الخلق، فعلّم الإنسان ما لم يعلم من أسرار الوجود,
وآيات الكون.. ولكن كيف علّم الإنسان ما لم يعلم؟. |
||
|
إنه تعالت قدرته, وتقَدس كماله,
علَّمه بالقلم، ليعرف به ذاته، وليدرك أنواره وأسراره، وليبدِّد به الظلمة عن عَيْنَي
الوجود، وليفتح به القلوب على آيات الله ونعمه, وليزيل غشاوات الأفكار والبصائر،
حتّى يكون الإيمان الصادق المشرق هو لغة الحياة السويَّة النقيَّة. |
||
|
ومن هذا المنطلق السماويّ الصفيّ,
سعيت بقطرات الضَوء، وتحرّكت مع الإنسان فسّجلت حياته وتاريخه, ودوّنت انتفاضاته
ومعاملاته، كما حرّكْتُ في هالة الضوء إيمانه وبيانه، ونوّرت مع لغة قلبه حنانه
ووجدانه, ثم أخذت كل ذلك، ووضعته في ضمير الزمن، ليتحرّك به فمه مع الأجيال
وللأجيال, وليتحدث به في أذن التاريخ، وينتقل معه في رحلة الضوء، ومع قطراته
الحبيبة الرحيبة، وليتقدم به إلى الكون حياة إنسان، وعهد إيمان، وإشراق علم
وعمان، ومعالم حضارة إسلامية, بنت الوجود على العلم والكتاب، وجمعت شتاته على
خير لسان وبيان. |
||
|
ومن هنا كان قسم الله بالقلم
وبالكتاب, فقد أقسم الله تعالى بي وبما أتحرك به على الورق ليسطّر وينوَر: من
علم وفن وبيان في قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ
وَمَا يَسْطُرُونَ }. |
||
|
وهو أعظم تكريم لي، ولما أدوّنه في
كل زمان ومكان, فقد كان الوجود وما يزال مدينا لدعامتين: قلم وكتاب, يعني مدينا
لي ولما أسطره ولا فخر.. |
||
|
وعلى هذا سارت قطرات الضوء في ركب
الدعوة الإسلامية, لترى الدعامتين تقويان وترتفعان, حين تسير بهما على الألسنة,
وبين الضمائر والخواطر, مشاعل الهداية، ومنائر الإخلاص والخلاص، لتأخذ بيد
البشرية، وتمد لها طوق النجاة، لتجذبها من غمار الضلال والبهتان, إلى مراقي
الإيمان والصدق والأمان. |
||
|
ثم تقدمت في خشوع وإجلال لأتحرك
بقطرات الضوء في موكب النبوة، فتابعت الرحلة, حينما تنزل الوحي على سيد
المرسلين، وحينما تنقّل على أفواه الصحابة, وحينما صحبني الكاتبون، لأدوّن أحلى
ما تحرّك به لسان، وأجمل ما نطق به فم, وأعظم ما قرأه رسول. وأقدس ما نوّر به
لبان. لأدوّن القرآن الكريم. |
||
|
فقد كان القرآن ما يكاد يتنزل
وحْياً, وما يكاد يُتْلىَ نوراً, حتى تسعى له آذان الكون, وحتى تردده الخواطر
والضمائر, وحتى يتحرك على أفواه المؤمنين الموقنين نورا ودستورا. |
||
|
وظلت كذلك في رحلة النور, إلى أن
أكمل الله دينه, وثبت بين القلوب يقينه, وأصبح كل أصحاب رسول الله أضواء تسعى
بالقرآن، وتمشي بين الناس بالعلم والعمل. |
||
|
وفي موكب الجلال والكمال أخذت أتابع
مشرق الوحي، حين يمضي بركب النبوة إلى ميادين الجهاد والنصر، فتأخذني العزة
والفخر إلى منبع الإشراق والهدى. وحين تمت الرسالة بإتمام الدين, مضى الرسول
الكريم إلى الرفيق الأعلى حين أتاه اليقين. |
||
|
وهنا كادت تسيل قطرات الضوء دموعا,
وتذيب الضلوع فزعا وهلوعا, ولكن تحركت الآيات وأضاءت الأصوات: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ
الشَّاكِرِينَ}[3]. |
||
|
من هنا صحوت وآمنت بأمر الله،
وأيقنت بحكمة الله، وسرت بقطرات الضوء مع الرسالة حين أخذت طريقها بين الصحابة
والتابعين. وأصبح الحفاظ لكتاب الله، والواعين لسنة رسول الله، وأحاديثه الشريفة
الجامعة. أخذ هؤلاء وأولئك يسيرون وكأنهم مصاحف بشرية تتحرك بين الناس، وكتب
للسنة تنطلق كما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وظل الحال كذلك رغم
الخطوب والحروب. |
||
|
وقد فزعت, وأشتد جزعي وهلعي حينما
احتدم الأمر في حرب الرِّدة, وقتل كثير من حفاظ القرآن, ولكني اطمأننت حينما
دعاني الخلفاء الراشدون لكتابة القرآن, وأخْذِه من أفواه الحفاظ, وتدوينه على
اللخاف[4]
والجلود. وكان عملا أسعد حياتي حينما أتم الخلفاء الراشدون كتابة القرآن الكريم
كلّه قبل أن ترحل البقيّة الباقية من الحفّاظ. |
||
|
ثم خفتت قطرات الضواء من أفق حياتي
- لا تسلني يا صديقي كيف خفتت - إنها اختفت تحت غبار المعارك, وصليل السيوف,
حينما ازدحمت الأجواء بالنقع, واختلطت الأشعة في الآفاق بالقتام والسهام. فقد
احتدمت الفتن واصطدمت الجيوش, واحمرت المواقع, واصفرت الوجوه, وغاب عني البيان
والأمان, فلم أدوِّن بين هذه الملاحم إلا الدموع والدماء, ولم أسجِّل إلا السلاح
والجراح, في صراع دموي رهيب, تزهق فيه الأرواح الزكيّة التقيّة بيد أهلها
وذويها, فكانت تسيل دماء القتيل لتنهمر دموع القاتل. إنّ قطرات الضوء لتتحرك
معي, مندفعة من قلبي مع تصوير الشاعر الإسلامي لهذه المعارك, وما تسفر عنه من
الفظائع والفواجع التي تتعانق فيها الدموع بالدماء, فيقول: |
||
|
عليها بأيـد ما تكـاد تطيعُهـا |
تقتِّلُ من وتْر ٍ أعـزّ نفوسهـا |
|
|
تذكرّت القُربي ففاضت دموعها[5]
|
إذا احتربَتْ يوما ففاضت دماؤها |
|
|
ثم ماذا أدوِّن بعد هذا, والدماء
تسجّل على الرمال آلاف القتلى من عظماء المسلمين، إني أدوِّن لك - يا صديقي
والحياء يغلبني - بعض الرسائل والوصايا والمحاورات, في لقاء للمجتمع, هين هادئ
رزين. |
||
|
وظللت بعد ذلك مستريحا, أترك مهمتي
للأسماع, تعي ما يدور؛ من الشعر والطُّرَف, وأخبار المجالس, وأحاديث الأسمار. |
||
|
ثم التقت قطرات الضوء على أوراقي
مع إشراقة عهد جديد, طلع على الوجود مع أفواج حضارات غامرة باهرة, بدأت طلائعها
تحمل في يديها أولى شعاعات العصر العباسي الأول. |
||
|
وبدأت قطرات الضوء تشهد للكتابة
والشعر ما أصبح صناعة خاصة وبراعة مونقة متقنة. تخصص لها أناس، واحترفها آخرون،
وصعد على أشعة الضوء إلى أعلى المناصب كتّاب, وشعراء, وأدباء. عرفوا الكلمة
وجعلوها سُلّماً إلى مطالبهم ومآربهم. |
||
|
ومن هؤلاء محمد بن عبد الملك
الزيات, وكان أديبا بليغا، وشاعراً محسنا، متكامل الأداء والوفاء, قد استطاع
بذكائه وعلمه أن يصعد إلى الوزارة, وأن يعمل وزيرا لثلاثة خلفاء, هم: المعتصم,
والواثق, والمتوكل. |
||
|
وقصة صعوده إلى الوزارة طريفة
ظريفة, فقد صنع من علمه ولباقته سُلَّماً من القشِّ الهشِّ وصعد عليه إلى
الوزارة. |
||
|
فقد حدث أن الخليفة المعتصم سأل
وزيره أحمد بن عمار البصري عن الكلأ ما هو؟ فقال ابن عمار: لا أدري, فقال
المعتصم: أي حكم هذا؟ خليفة أميّ, ووزير عاميّ, ثم قال: انظروا من بالباب من
الكتّاب فوجدوا محمد بن عبد الملك الزيات, وأحضروه إليه فسأله عن الكلأ؟ فقال:
هو العشب على الإطلاق, فإن كان رطبا فهو الخلي, وإن كان يابسا فهو الحشيش, ثم
شرع في تقسيم النبات فاستوزره وارتفع شأنه [6]. |
||
|
وأصبح له دولة وسلطان, حتى أقبل إليه
الشاعر الملهم حبيب ابن أوس الطائي المعروف بأبي تمام, وأخذ يتودد إليه, وليس
أجمل في هذا المقام من الحديث عن القلم الذي فضله وأوصله. |
||
|
أرأيت - يا صديقي - كيف كانت
صحبتي؟ وكيف أضاءت هذه الصحبة ذهن ابن الزيات, حتى استطاع أن يقول الكلمة في
حينها, وأن يصعد عليها إلى ما يريد؟ |
||
|
ولنعد إلى شاعرنا الملهم أبي تمام
كيف حيّا صاحبه؟ وكيف تحدّث عني؟ إنه قال له: إنّ قلمه قد علا في منزلته حتى لا
يستطيع أن يصل إليه كاتب, وأنه لبراعته إذا تحرّك على الورق متحدثا عن أمر، أصاب
خفيّة وجليّة, وأنه لولا ما يكتبه في خلواته, وما يعطيه لقلمه من أسرار بلاغته,
لما كان للمُلك تلك العزة والعظمة, التي تقام لها تلك الاحتفالات والمهرجانات,
ثم يقول له: على أنَّ قلمك هذا إن شاءت عبارته بشدتها ونفاذها جعلت حبره سُمّاً
قاتلا, وإن أرادت أساليبه ببراعتها ورقتها أحالت حبره عسلا مصفى, وإنّ قطرات
الحبر التي تسيل على سنَّة يحسبها الغِرُّ الغافل طلا ورذاذا, ولكنها تفعل في
الشرق والغرب ما لا يفعله المطر الغزير من الخير الكثير. |
||
|
وإنّ هذا القلم إذا حملته أصابعك
لتكتب به كان أفصح من دبّجَ وأنتج, وإن تخلّت عنه أصابعك كان أخرس لا يهمس,
ولكنّه إذا احتضنته أناملك, واستوى بين أطرافها, وأخذ يدعو إلى فمه فرائد
المعاني, أقبلت إليه روافد الفكر, الملأى بالمعارف واللطائف, وتفجّرت ينابيع
البيان الحافلة بالروائع والعظائم. وعند ذلك تتجه الحرب كما يريد, وتنهزم الجيوش
الجرّارة أمام همسة منه آمرة قاهرة. |
||
|
وإذا أمدّه الفكر النابه, وسعت
إليه العبارات تترى, وهي تتبارى في حسنها ورونقها, فأمتلأت بها الأوراق من
أعلاها إلى أدناها, وقد بدأت الأفكار كالتيار, لا تنقطع ولا تمتنع, وهو يتحرك في
مد زاخر نمامر, هنا تبدو عظمة شأنه, وهو يبدو نحيلا ضئيلا, ولكن أثره يطيح
بالسمان العظام, إذا تحرك في حلبة الطعان والبيان.. أخذتني النشوة والعزة وأنا
أنثر لك حديث أبي تمام عن القلم. يعني حديثه عني. وأحب أن تقرأ أنت يا صديقي
شعره يقول: |
||
|
تُصابُ من الأمر الكلىَ والمفاصل[7]
|
لك القلمُ الأعلى الذي بشباتهِ |
|
|
لما احتفلت للملك تلك المحافل[8]
|
له الخلواتُ اللاء لولا نجيُّها |
|
|
وأرْيُ الجَنىَ اشْتَارَتْهُ أيد
عواسل[9] |
لُعَاب الأفاعي القاتلات لعابه |
|
|
بآثاره في الشرق والغرب وابل[10] |
له رِيقَةٌ طلُّ ولكِنَّ وقعِها |
|
|
وأعجم إن خاطبته وهو راجل[11] |
فصيح إذا استنطقته وهو راكب |
|
|
عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ [12] |
إذا ما امتطى الخمسَ اللطافَ
وأفرغت |
|
|
لنجواه تقويضَ الخيام الجحافل [13] |
أطاعته أطرافُ القَنَا,
وتَقَوَّضَتْ |
|
|
أعاليه في القرطاس وهي أسافل [14] |
إذا استَعْزَرَ الذّهنَ الذكيَّ
وأقبلتْ |
|
|
ثلاث نواحيه الثلاثُ الأنامل [15]
|
وقد رَفَدتَهْ الخنصران, وسدَّدَتْ |
|
|
ضَنىً وسَمِيناً خَطْبه وهو ناحل [16] |
رأيت جليلاً شأنُه وهو مُرْهَفٌ |
|
|
||||||
|
وبعد هذا اللقاء الممتع بين
الأديبين, وما سجّلاه في دولة الأدب من المهارة والجدارة. |
|||||
|
بعد هذا اللقاء ماذا تريد منّي -
يا صديقي - أظنك تريد مَزيداً من أخبار أصدقائي, في رحلتي مع قطرات الضوء.
حَسَناً, سأرحل بك إلى وزير آخر عمل وزيراً لثلاثة خلفاء أيضا, هم: المقتدر,
والقاهر, والراضي. |
|||||
|
ذلك الوزير هو محمد بن علي بن حسن
بن مقلة [17] الكاتب,
صاحب الخط المنسوب إليه, والذي نقل به الخط من الكتابة الكوفية إلى الكتابة
المعروفة الآن بجودتها وروعتها, ولهذا ضرب به المثل في براعة الخط والتفوق فيه. |
|||||
|
وقد استطاع هذا الشاعر الكاتب,
بلباقته وتأنقه, أن يجمع بين روعة البيان, وبراعة البنان, فكان كمن جمع بين
السَّعْدَيْن: جمال الخط, وابتسام الحظ, بل إنه كما قيل: "صعد بجمال الخط
إلى جمال الحظ", ولكنه في موكب السعد, هل سلم من الحسَّاد, وكيد الحاقدين؟ |
|||||
|
إنّ حسّاده، والنافيين عليه بيانه
ومكانه, قد دسُّوا له: أنّه زوّر كتابا على الخليفة, ووقِّعه عنه؛ فأقصاه
الخليفة عن الوزارة, وأقسم ليقطعنّ يده. |
|||||
|
وقد كان ابن مقلة مع عظم منزلته ومكانته,
وصولا ودودا, كثير الأصدقاء والأصحاب, وكانوا يملئون أبوابه ورحابه, ولكنهم ما
كادوا يعلمون بمحنته, حتى تفرقوا عنه, ولم يظفر بفرد واحد يواسيه, ويخفّف عنه
بعض مآسيه. ومع ذلك لم تمكث هذه المحنة غير بعض يوم, فقد انكشفت المكيدة, وظهر
الدسُّ, ووضحت براءة ابن مقلة, فأرسل إليه الخليفة, وخلع عليه، وأخذ يسيرضيه ثم
أرجعه إلى ما كان عليه من المناصب والتكريم. |
|||||
|
وهنا أقبلت وفود المنافقين, ومواكب
المرائين والمداهنين, وتكاثر عليه أصحاب المكائد والموائد, أقبلوا من جديد إلى
داره ومزاره, يدعوهم في سخرية إلى مزيد من النفاق والارتزاق فيقول: |
|||||
|
فحيث كان الزمانُ كانوا |
تحالف الناسُ والزمانُ |
||||
|
فانكشف الناسُ لي وبانوا |
عادانيَ الدهرُ نصفَ يومٍ |
||||
|
عودوا فقد عاد لي الزمان |
يا أيُّها المعرضون عنّا |
||||
|
أرأيت - يا صديقي - كيف يلقى النابهون
والمتفوقون؟ وكيف يتحمّلون كثيرا من المتاعب والمصاعب؟ ولكنها ضريبة المجد, وكم
للمجد من ضرائب. |
|||||
|
أظنك بعد هذا تريد إليّ أن أمضي بك
مع قطرات الضوء إلى موقف آخر لشخصية أخرى. نعم - يا صديقي - سنلتقي بشخصية أخرى من
أعز أصدقائي إنه وزير شاعر فارس عرف القلم فامتشقه وآخاه فأهدى إليه ألقه. أتريد
أن تعرف حديثه عني, واعتزازه بي إنه صورني بأجمل ما يصورني شاعر يعيش قصة القلم
بمعناها ومرماها, ويؤكد أن السيف ظل للقلم, وأن صليله صدى لصريره حينما يتحرك
على الورق, وتسعى إليه الدنيا لتسبق. وأنه إذا حمل القلم فحسبه ذلك عزة ومتعة.
أرأيت إلى أي حدّ بلغت منزلتي؟ إنه ليهزّني الطرب وأنا أنقل شعر ابن سناء الملك
حين يتحدث عن القلم, يعني يتحدث عني في ذلك الشعر الذي ما زال يهز أذن الزمن,
ويحرّك النخوة في حملة الأفلام؛ ذلك حيث يقول: |
|||||
|
فما ضرَّني ألا أهزَّ المهَّندا |
ولي قلمٌ في أنْمُلي إن هززته |
||||
|
فإنَّ صليل المشرَفيِّ له صَدَى |
إذا صال فوق الطرس وقعُ صريره |
||||
|
أقرأت – يا صديقي - كيف يكون
الوفاء والسناء؟ إنه مَجْدٌ وأيُّ مجد.. وإنّي لأحس الآن أنك تطالبني بمزيد من الحديث,
وأن أسير مع قطرات الضوء إلى موقف آخر, وشخصية أخرى. ولكني لا أريد أن أكدّر
خاطرك, أو أعكر وجدانك. فسأعبر بقطرات الضوء تلك العصور الخامدة الهامدة, التي
خفقت فيها أضواء المعرفة, وانزويت في غياهبها إلى حين. وأنا أتطلع إلى فكر يقظ،
وبيان رائد, وإيمان يمسح عن عينيه الظلام والإحجام, ويشق حجب الأوهام والآثام,
ليُطْلعَ فجر الحقيقة, الذي يزيل الأباطيل ويمحو الأضاليل, ويكشف عن جوهر المسلم
السليم المستقيم, الذي يلتقي مع خالقه بالضياء واليقين, ويخوض من أجل دينه ملاحم
الجهاد والاستشهاد، هكذا كنت أنْظرُ إلى عصور الاستعمار والاستعباد، ويدفعني
الشوق إلى أن أقوم برحلة داخل الأفكار والأبصار، لعلني أصل إلى ملاذ في طريق
الإنقاذ. |
|||||
|
وقد كان وبدأ ركب الإصلاح يظهر هنا
وهناك، حتى بدا فلق الصبح, وظهر الطريق واضحا صريحا, وبدا النبع المحمدي عذبا سائغا،
فقصده المسلمون، ينهلون منه، ما يُرْوي البصائر, ويَشْفي القلوب, ويضيء الضمائر,
ويدعو الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى مورد الصدق واليقين. |
|||||
|
وهنا ألتقي بأحد العلماء [18]
الشعراء يتحدث عني, ويذكر أثري في صحوة الحياة حين تمضي قطرات الضوء فتهز النفوس
والرؤوس. وحين تدُقُّ أبواب الظلام فتذوب وتزول. ثم حين أقصد إلى الفتن فأطفئها
أو أهدِّمُها، وحين أريد أن أشنها حربا أحيل مدادي دما, وحين أريد أن أجعل
الدنيا زهرا وعطرا تبتسم فيها أضوائي على فم الزمان, وتبصر السعادة ثمارا تملأ
الأعين أفراحا, والأرواح متعة ومِرَاحاً, وحين أبعد بأضوائي تجد الحيرة على
الوجوه وتبصر العقول تكاد تزِل وتَضِلّ, وأنا دائما أحمل نضارتي ورونقي بين
البستان أو فوق البنان. |
|||||
|
ولو نظرت إلى قطرات الحبر أبصرت
الحياة تتدفق وتتألق, ورأيت الضياء والبناء للحياة في مباراة حتى تبلغ الحياة
قمة اكتمالها إيمانا وأمانا. |
|||||
|
أظنك الآن تشتاق معي لتقرأ شعره,
وهاأنذا أنقله لك حيث يقول: |
|||||
|
وأمات اليراع خطبا مثارا؟ |
كم أثار اليراع [19]
خطبا كمينا |
|||||
|
فأسالت من الدِّما أنهارا |
قطرات من بين شِقّيْهِ سالت |
|||||
|
وغصون الخلاف [20]
تزهو ثمارا |
هو إن شعّ فالليالي ابتسام |
|||||
|
وعقول الأنام تكبو انهيارا |
وهو إن غضّ فالنفوس حيارى |
|||||
|
حين يُسقى الدُّجى فيغدو نهارا |
كان غصنا فصار أنضر عود |
|||||
|
وبناء في سنِّة تتبارى |
هكذا تبصر الحياة ضياءً |
|||||
|
وإلى هنا - يا صديقي - نكتفي بهذه
القطرات، لنلتقي بها مرة أخرى في رحلة مع قطرات ضوء جديدة سعيدة إن شاء الله. |
|||||
|
قلت : ولكن هناك قطرات ولقطات
تنتظر الأضواء. |
|||||
|
قال القلم: نعم, وموعدنا مع رحلات
آنية, تتعدَّد وتتجدَّد. |
|||||
|
قلت: هذا لك, وإني لمنتظر رحلتك
القادمة, فإلى اللقاء يا قلمي الحبيب. |
|||||
|
قال القلم: إلى اللقاء, وأنا عند
موعدي بمشيئة الله يا صديقي العزيز. |
|||||
|
|
|
[1] مسند الإمام أحمد بسنده, والترمذي بسنده، وقال: "حديث حسن صحيح", وأحكام القرآن للقرطبي الجزء 18 ص 225 . |
|
[2] ابن كثير المجلد الثالث ص532 رواه عن ابن جرير. |
|
[3] الآية 144 من سورة آل عمران . |
|
[4] اللخاف : جمع لخفة، وهي الحجارة البيض الرقاق . |
|
[5] ديوان البحتري . قصيدته في مدح المتوكل . |
|
[6] شذرات الذهب ج2 ص78 . |
|
[7] شباته: حده. |
|
[8] نجيها: سرها. |
|
[9] لعاب الأفاعي: سمها – الأرى: العسل – اشتارته: جنته – العواسل: جمع عاسلة وهي التي تجني العسل. |
|
[10] الطل: الندى و المطر الخفيف_ الوابل: المطر الغزير. |
|
[11] راكب : راكب على أنامل الكاتب – أعجم : ضد الفصيح _ الراجل : الذي يمشي على رجليه . |
|
[12] الخمس اللطاف : أنامل الوزير – شعاب : جمع شعب وهو مسيل الماء – حوافل : مملوءة . |
|
[13] تقوضت : تهدمت – نجواه : حديثه الخفي – الجحافل : الجيوش العظيمة . |
|
[14] استعزر : استعان . |
|
[15] رفدته : أعانته – ثلاث نواحيه : زواياه الثلاث . |
|
[16] مرهف : محدد – سمينا خطبه : عظيما شأنه – ناحل : ضئيل الجسم والحجم . |
|
[17] شذرات الذهب ج1 ص310 – 311 . |
|
[18] هو الكاتب العظيم والشاعر المبدع مصطفى لطفي المنفلوطي . |
|
[19] اليراع : القلم . |
|
[20] الخلاف : شجر لا ثمر له. |