|
|
|
من وحي السيرة |
|
صور من جهاد الرسول صلى
الله عليه وسلم وأصحابه في مكة |
|
لفضيلة الشيح: محمد عبد المقصود
جاب الله |
|
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين |
|
|
|
بعث سيدنا محمد بن عبد الله رسول
الله ومجتباه إلى الناس أجمعين عليه الصلاة والسلام, وقد كان مولده نوراً وضياء
للعالمين، وكان مبعثه رحمة مهداة إلى الخلق أجمعين، بعث الرسول صلى الله عليه
وسلم في مكة بين أقوام غلظت أكبادهم، وتبلّد إحساسهم حتى ليئدون البنات صغيرات،
ويمسكوهن على الهون كبيرات، أو يدفعوهن إلى البغاء مكرهات. |
|
وتصل بهم خسة العقيدة, وسخف الرأي,
ما يعتبر سبة للعقل, وسخرية في الفكر يصنعون آلهتهم بأيديهم من الحلوى ويعبدوها
فإذا جاعوا أكلوها. |
|
فكان من رحمة الله ومن عدله أن
يهيِّئ للإنسانية من يفك إسارها، ويطلقها من أغلالها, ويطهرها من عقائدها, ويعيد
عليها حريتها وإرادتها، ويبلغ بها ما أعد لها من رقي وعزة وكمال. |
|
جاء الرسول عليه الصلاة والسلام
بدعوته التي أساسها التوحيد في العبادة واقتلاع الشرك من جذوره, فلا يبقى على
شيء منه ولا من رسومه المتداعية، ولا يتسامح في هيكل من هياكله الواهية {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ},
ولكن القوم كانوا أعداء ما خفي عليهم وإن كان سعادة ونعيما, أحباء ما ألفوا وإن
كان شقاوة وجحيما، فأعدّوا العدة ليصدوا عن سبيل الله، وجندوا كل ما استطاعوا من
قوة وبطش، ودهاء وغدر, وقابل الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك بثبات جنانه،
وصحة عزمه، وصدق يقينه, وصبر على كيدهم وأذاهم, فكان ذلك آية كبرى على صدق
الرسول عليه الصلاة والسلام أمام تكتلهم وصلفهم, فليس هناك من يقوم بمثل ما قام
به, ثم يقابل بما قوبل به من العنت والأهوال الشدائد، ويبقى بعد ذلك أمينا على
عهده, وفيا لدينه, حتى يظهره الله على الدين كله؛ لأنه نبي مؤيد بشديد القوى,
وكتابه تنزيل من حكيم حميد, ممن خلق الأرض والسماوات العلى. |
|
ولم يكن المشركون على بصيرة من
إشراكهم, ولا على معرفة بعقائدهم, وإنما كانوا مقلدين لآبائهم, فأخذ الرسول عليه
الصلاة والسلام يسفِّه أحلامهم, ويحقر آراءهم, ويعيب تقليدهم, مخاطبا إياهم بقول
الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا
يَهْتَدُونَ}[1] |
|
وكانت الآيات تتنزل على النبي صلى
الله عليه وسلم تقريعا وتأنيبا لهم حتى هاج هائجهم.. فخرجت أضغانهم، وطاشت
ألبابهم، وراحوا يتفننون له في طرق الإيذاء ويعرضون عليه مغريات الدنيا ليكف عن
دعوته ويتنازل عن رسالته، وما قدروا أن دنياهم كلها ومتاعهم جميعه إنما هو تحت
قدمه صلى الله عليه وسلم, وأنّ قرة عينه وراحة نفسه أن يعلي كلمة الحق، وأن يغسل
أدران الإنسانية، وأن يبشّر بالحسنى, وأن يدعم الفضيلة, وأن يؤدي الرسالة كما
أمره الله. |
|
لهذا أخذ يستقبل المحن ويتلقى
الإيذاء عليا في نفسه عزيزا في قومه، ولما نزل عليه قول الله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}
[2]
امتثل لأمر الله وصعد على الصفا فجعل ينادي، يا بني فهر، يا بني عدي, فجعل الرجل
إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر, وكان فيهم أبو لهب بن عبد المطلب,
فقال عليه الصلاة والسلام: "أرأيتم لو أخبرتكم أن
خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقي؟ قالوا: نعم ما جرّبنا
عليك كذبا, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد,
فقال أبو لهب: تبّاً لك, ألهذا جمعتنا, فأنزل الله في شأنه {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}[3],
ثم التفت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عشيرته الأقربين فقال: "إن الرائد لا يكذّب أهله، وإني لو كذبت على الناس
جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني
رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما
تستيقظون, ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءاً، وإنها
لجنة أبداً أو لنار أبداً". |
|
ثم توالى الإيذاء على النبي عليه
الصلاة والسلام، فتلقاه هازئاً بخصمه، محتقراً لصنيعه، مستعذباً العذاب في سبيل
دعوته، إيماناً بوعد الله الذي يقول: {وَاللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}. |
|
فهذا عقبة بن أبي معيط شاهد النبي
عليه الصلاة والسلام في حجر الكعبة يصلي فاقبل عليه ووضع ثوبه في عنقه وخنقه
خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه وقال: "أتقتلون رجلا أن يقول
ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم". |
|
وكان أبو جهل عدواً لنفسه وعدواً
لمحمد عليه الصلاة والسلام, وكان فيه جبروت ولكنه ذليل لا يتماسك أمام رهبة
الحق, فكان كلما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبّد بجوار الكعبة نهاه عن
صلاته وعن عبادته, فشاهده مرة يصلي فقال له: ألم أنهك عن صلاتك ها هنا؟ وما كان
لمحمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهي لنهي أبي جهل ولا أن يعبأ بهذا الغرور
الطائش، فأغلظ لأبي جهل في الرد، وحذّره وتهدّده, فعزّ عليه أن سمع أسلوب
التهديد, وسرت في نفسه حمية الجاهلية, وخيِّل إليه أنّ ماله وعديده يغني عنه
شيئا فقال يا محمد: أتهددني وأنا أعز أهل الوادي نادبا؟ |
|
فنزل الوحي بقوله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْداً إِذَا صَلَّى،
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى}
إلى قوله تعالى: {كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ
وَاقْتَرِبْ}[4]
|
|
ولقد كان عليه الصلاة والسلام يسعى
إلى مجتمعات قريش - وهم أشد أعدائه - ويتحرّى لقاء رؤوسهم ليصارحهم بآرائه, لا
تأخذه منهم رهبة, ولا يقيم لجبروتهم وزنا، وإنما كان حريصا عليهم, معنيا
بهدايتهم. أَوْلَمَ عقبةُ بن أبي معيط وليمةً دعا إليها رؤوس الكفر وصناديد
الشرك، وكان الرجل على فجوره وطغيانه جاراً للرسول عليه الصلاة والسلام, فدعاه
فيمن دعاهم فلبَّى الدعوة, ولما صار في دار عقبة ودعي إلى الطعام خاطب عقبة
فقال: "لقد أجبت دعوتك ولكن لا آكل لك طعاماً حتى
تؤمن بالله"، فنطق عقبة بالشهادة, وانتهى أمر هذه الحادثة إلى أبي
بن خلف الجمحي - وكان صديقا لعقبة - فقال له: "وجهي من وجهك حرام إن لقيت
محمداً فلم تطأ عنقه وتلطم وجهه", فلما رأى عقبة رسول الله صلى الله عليه
وسلم اعتدى عليه كما أراد خليله, فأنزل الله سبحانه وتعالى في سورة الفرقان {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا
لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ
أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً}[5]. |
|
ولقد كان من شرِّ الأساليب التي
كان الباطل يعمد إليها ويحاول أن يلبس بها على الحق ما كان يفعله النضر بن
الحارث من بني عبد الدار؛ لقد كان يجلس قبالة الرسول عليه الصلاة والسلام فإذا
رآه يتلو القرآن وينشر أعلام الحق قال للملأ من قومه: "يا معشر قريش
هلمُّوا إليَّ فإني أحسن من محمد حديثا" ثم يشرع فيلفِّقُ حديثاً عن ملوك
فارس ويقص أقصوصة من أقاصيصهم، وكان النضر لبقاً في هذا الباب لباقة شيطانية,
فنزل القرآن الكريم يدمغه ويشهر به ليكون الصورة الواعظة لكل من يشتري الضلالة
بالهدى, قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، وَإِذَا تُتْلَى
عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي
أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[6]. |
|
وأخذ المشركون يطاردون الرسول عليه
الصلاة والسلام ويبتدعون الأساليب في محاربته ومع ذلك لم تهن قوته، ولم تلن
قناته، ولم تضعف عزيمته, وكلما تجمعت السفاهة وتلاقت النزوات كان عليه الصلاة والسلام
يناجي ربه: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة
حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إن لم تكن
ساخطاً عليّ فلا أبالي". |
|
لم يقف المشركون في عدائهم عند حد,
ولا أجملوا يوما في الرد بها, بل كانوا جامحين جموحا جاوز المدى, واتخذوا من
العداء العام سبيلا لإنكار حقوق المسلمين, واستباحة أموالهم في استخفاف وتهكم
وازدراء. |
|
وكان لرجل من المسلمين المستضعفين
اسمه خبّاب بن الأرَت دَيْنٌ على العاص بن وائل من كبراء قريش فطالبه به فقال
العاص: أليس يزعم محمَّد هذا الذي أنت على دينه أنَّ في الجنة ما يبتغي أهلها من
ذهب وفضة وثياب؟ فقال خبّاب: بلى, قال: فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى مالاً
وولداً وأقضِيَك حقك فأنزل الله من سورة مريم في حقه
{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً،
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً، كَلاَّ
سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً، وَنَرِثُهُ مَا
يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدا} [7]. |
|
وكان عمار بن ياسر وصهيب وبلال
وأمثالهم يعذّبون ليرجعوا عن دينهم، فمنهم من كان يكوى بالنار ليفتن عن دينه,
ولكن هذه الأجسام قد تعاظمت على النواميس الطبيعية, فيمر بهم سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهم أباة صابرون لا يشكون ولا يضرعون فيقول لهم: "صبراً صبراً فإنّ موعدكم الجنة". وقد بلغ
من فداحة التنكيل أن مات ياسر أبو عمار أثناء العذاب وسلّمت أمّهُ لأبي جهل كي
يعذبها فلم يألها عذاباً وإيذاء إلى أن ماتت مؤمنة تحت أثقال العذاب. |
|
وكان أمية بن خلف يعذِّبُ بلالا
عذاباً يُنضِجُ الجلد ويشوي اللحم ثم يضع على ظهره صخرة ثقيلة ويقول له:
"لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى" فلا يزيد
بلالا إلا أن يقول: "الله أحد.. الله أحد". وهكذا كانت تستعذب الآلام
على مرارتها لكي ينصر الحق ويطمئن الضمير، ويرضى الله, ولقد رضي الله وصدق وعده {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ، الَّذِينَ
يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}[8]
|
|
ولقد كانت عاقبة هؤلاء الطغاة
عاقبة أليمة, فلقد قتل أبو جهل والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط, وكلهم ذليل
مهين يخرّ لوجهه بين الأسنّة والروح الإسلامية. |
|
ومنهم من أصيب بشر ألوان المرض حتى
عذب في الدنيا وغادرها تشيعه همومه وآلامه وتملأ نفسه الحسرة والندامة كأبي لهب
والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة. |
|
ولقد صدق الله دعوة الحق, ووفّى
الله الصابرين أجرهم, فمكّن لهم في الأرض. فسلام عليك يا رسول الله يوم ولدت
ويوم بعثت بالرسالة وأدّيت الأمانة، ويوم تبعث حيا. |
|
ورضي الله عن أصحابك جزاء ما لاقوا
في سبيل الله وفي سبيل دينهم، وأخلصوا لنبيهم، ونصروا الله فنصرهم الله. |
|
فليكن لنا في رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسوة حسنة, وليكن لنا في أصحابه قدوة صالحة في نصرة الحق, والدفاع
عنه, والجهاد في سبيله, والاستمساك به, حتى نسعد كما سعدوا, ونتبوأ المكانة
اللائقة بين الأمم, ونستحق الخلافة في الأرض, والله ولي المؤمنين. |
|
محمد عبد المقصود جاب الله المدرس بكلية الدعوة وأصول
الدين. |