|
|
|
الإسلام وتحديات العصر |
|
لفضيلة
الشيخ محمد أحمد أبو النصر |
|
المدرس
بمعهد الجامعة الثانوي |
|
|
|
انتصر الإسلام بمبادئه الروحية,
وقوة عطائه, وتحدّيه لأصحاب ديانات حرفوها بأفكارهم وفلسفاتهم, وانتصارهم
لماديات طاغية, ولم يتمكّنوا من التعادلية بين المادة والروح, واستمر ركب
التاريخ في مسيرته، تنهض دول وتنتصر بفضل قلوب عامرة بالإيمان، وتموت دويلات
بالإغراق في الترف والفجور، تلك سنة الله في خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وجاء على لسان ابن حزم: "إنّ الله عز وجل رتب الطبيعة على أنها لا تستحيل
أبداً، ولا يمكن تبدلها عند كل ذي عقل، كطبيعة الإنسان بأن يكون ممكناً له التصرف في العلوم والصناعات إن
لم تعترضه آفة، وطبيعة الحمير والبغال بأنه غير ممكن منها ذلك، وكطبيعة البُرِّ
أن لا ينيب شعيراً ولا جوزاً، وهكذا كل ما في العالم والقوم مقرون بالصفات وهي
الطبيعة نفسها.. وهكذا كل شيء له صفة ذاتية فهذه هي الطبيعة. |
|
ومع استقراء أحداث التاريخ نجد أنّ سنن الكون
وطبائع الأشياء لا تتناقض مطلقا. |
|
فهذا هو سيد البشرية وإمام الهداة
والمصلحين استطاع في فترة وجيزة لا تربو على ربع قرن من الزمان أن يسحق
إمبراطوريتين من أعظم إمبراطوريات العالم بقادة عظام صنعوا هذا التاريخ العظيم،
ويقلب التاريخ رأسا على عقب, وأن يكبح جماح أمة اتخذت الصحراء المحترقة سكنا
لها، واشتهرت بالشجاعة ورباطة الجأش والأخذ بالثأر، ولم تستطع الدولة الرومانية
أو الدولة الفارسية أن تنتصر على الأمة المسلمة. وليس أدنى شك عندي أو عند أي مؤرخ
منصف أنّ القوة الخارقة للعادة التي استطاع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن
يقهر بها أعداءهُ هي من عند الله. كان محمد صلى الله عليه وسلم هو أول قائد في
الإسلام.. حقيقة لا مرية فيها.. النبوة كانت أولا.. ثم القيادة.. إنّ الرسول
العظيم لم ينشأ قائدا, ولم يدخل كلية حربية, ولكنه اضطر إلى القتال حتى يدفع
الأذى عنه وعن أهله وصحبه, فالقيادة عند رسولنا لم تكن هواية أو احترافاً, وإنما
كانت مسؤولية تاريخية حتمية فرضتها مصلحة الدعوة, واحتياجات الدفاع, وحماية
المؤمنين, الذين صبّ عليهم المشركون العذاب صبّاً. |
|
وهو - في مركز القيادة - لم يبدأ
أحدا بالعدوان, ولم يحارب إلا للدفع، ولا جرم أن كان من الخير أن يشرع استعمال
القوة لحماية السلام من أعدائه في الداخل والخارج {أُذِنَ
لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ
لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ
يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ
فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} [1].. |
|
والإسلام فأول ما يلاحظ فيه اشتقاق
اسمه من مادة السلام, فالإسلام والسلام من مادة واحدة. |
|
ومن أسماء الله في القرآن
"السلام" {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا
إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ}
[2]. |
|
وتحية أبناء الإسلام حين يلتقون
"السلام عليكم ورحمة الله", وهي تحية لنبيه في الصلاة "السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". |
|
وباب من أوسع أبواب المسجد الحرام
في مكة, وأحد أبواب المسجد النبوي في المدينة المنورة يسمى "باب
السلام", وجنة الخلد وهي مثوى المؤمنين الصالحين في الحياة الآخرة تسمى
"دار السلام": {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ
عِنْدَ رَبِّهِمْ} [3]
بل إنّ من يتبع آيات ربنا الباهرات في القرآن المجيد يجد أنّ لفظ
"السلم" وما اشتق منه ورد فيما يزيد على 133 آية. بينما لم يرِد لفظ
الحرب في القرآن كله إلا في ست آيات فقط. |
|
ويصرّح كتاب ربنا بأنّ الأمل
المرجو والهدى المطلوبة من اتباع الإسلام هو الاهتداء إلى طرق السلام والنور {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[4].
|
|
فالإسلام دين سلام.. وقد أمر الله
رسوله أن يدعوا الناس كافة إلى عبادة الله, وأن يكون سبيله إلى ذلك الحكمة
والموعظة الحسنة, وليس العنف والإكراه والقتال" {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ
ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [5]. |
|
وهذه الحضارة الإنسانية التي بزغت
بمولد الرسول الكريم هي التي وقف في طريقها (شارل مارتل), وكان الغربيون الذين
لا يعرفون شيئا عن الإسلام يمجّدون هذا القائد بل يقدسونه، فلما ظهر فيهم من
أدرك أهداف الرسالة الإسلامية السامية, وعرف حقيقة دعواها, وعظيم فحواها, تغيّر
حكمهم على تلك الحادثة التاريخية واعتبرها كثير من المستشرقين انتكاسة
للإنسانية, والحضارة يوم أن انتصر شارل مارتل على القائد الإسلامي عبد الرحمن
الغافقي في معركة (تور) وتقوقعت الحضارة الزاهية في الأندلس بعد أن نشرت العلم
والحضارة والنور, وقال مسيو هنري دي شامبون: |
|
"لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على تقدم العرب في
فرنسا، لما وقعت فرنسا في ظلمات القرون الوسطى، ولما أصيبت بفظائعها، ولا كابدت
المذابح الأهلية الناشئة عن التعصب الديني والمذهب، ولولا ذلك الانتصار البربري
على العرب لنجت إسبانيا من وصمة محاكم التفتيش. ولولا ذلك لما تأخر سير المدينة
ثمانية قرون. نحن مدينون للشعوب العربية بكل محامد حضارتنا: في العلم، والفن،
والصناعة, مع أننا نزعم السيطرة على تلك الشعوب العريضة في الفضائل, وحسبها أنها
كانت مقال الكمال البشري مدة ثمانية قرون, بينما كنا يومئذ مثال الهمجية. وإنه
لكذب وافتراء وما ندعيه من أنّ الزمان قد اختلف، وأنهم صاروا يمثلون اليوم ما
كنا نمثله نحن فيما مضى". |
|
وتوالت علينا الحروب من مغولية
وتترية وصليبية بهدف القضاء على الإسلام، ونحن لا ننكر الحقيقة التاريخية
المؤلمة, إنّ المسلمين استكانوا للدعة والترف وحب الحياة وكراهية الموت، وبهرتهم
الحضارة المادية الأوربية، فأصابهم الوهن والضعف والخور. وواجه أبناء الأمة
الإسلامية التحديات التي وجهت إليهم ابتداء من الحروب الصليبية، حتى زرع إسرائيل
في قلب العالم الإسلامي، وتوالت الهزائم والنكسات على العرب والمسلمين, ومزّقوا
شرّ ممزّق نتيجة ابتعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله.. وفي صبر ومعاناة وعودة
إلى ربهم كانت لهم ضربة في شهر رمضان المعظم أثارت إعجاب العالم وأعادت للمسلمين
بعض هيبتهم, وحقق الإنسان المسلم بعض أمل كان يراود شباب هذا الجيل.. وغدا يحقّق
حضارته وأمجاده القديمة, وتقول زيجربد هونسكه: |
|
"إنّ هذه الطفرة العلمية الجبّارة التي نهض بها أبناء
الصحراء ومن العدم من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري,
فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة في
نوعها، وإن الإنسان ليقف حائراً أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة
العربية التي لا نظير لها والتي يحار الإنسان في تعليلها وتكييفها. |
|
إذ كيف كان من المستطاع أنّ شعباً
لم يسبق له أن يلعب دوراً سياسيا أو ثقافيا من قبل يظهر بغية إلى الوجود, ويسمع
العالم صوته, ويملي عليه إرادته, ويفرض عليه تعاليمه، وفي زمن قصير أصبح نداً
لليونان. إنّ هذه المنزلة التي بلغها العرب أبناء الصحراء لم تبلغها شعوب أخرى
كانت أحسن حالا وأرفع مكانة". |
|
إنّ أصواتا كثيرة ترتفع في العالم
الإسلامي مطالبة بالعمل الجاد المستمر على بعث تراثنا الخالد, وحضارتنا العريقة,
حتى يقف العالم على المساهمة الفعالة لعلمائنا خلال أزمان سحيقة وعصور وسيطة,
مما دفع (روجر بيكون) في محاضرة له في جامعة اكسفورد يعلن على العالم "إنّ
وجود الفكر الأوربي والعلم الأوربي كان مستحيلا لولا وجود المعارف الإسلامية.
لقد هبت أوربا تواجه الحياة وهي مدينة بكل مقوماتها إلى العالم الإسلامي". |
|
وفي أول مؤتمر عن الحضارة العربية
والإسلامية والأمريكية الذي عقد في (واشنطن) خلال شهر شوال 1396ﻫ, واشترك فيه علماء
من الدول الإسلامية والعربية, قدم البروفيسور (وليام لوكتنزج أستاذ التاريخ في
جامعة كولومبيا): |
|
".. أنه بالنسبة للأمريكيين فإنّ العرب أناس يعيشون خارج
التاريخ، ورغم الحضارة الإسلامية التي تمتد بذورها إلى آلاف السنين، فإنّ جميع المؤرخين
الأمريكيين وبلا استثناء ومهما كان موضوع الدراسة أو البحث كانوا لا يذكرون
للعرب والمسلمين تاريخا أو حضارة أو تأثيرا على الحضارات الأخرى, وأرجع هذا
الجهل للعلماء الأمريكيين العميق بتاريخ العرب والمسلمين، ولكنه حمل العالم
الإسلامي جزءا من هذه المسؤولية", واختتم محاضرته قائلا: |
|
"لأول مرة وبصورة فعّالة بدأ الأمريكي المثقف يدرك العالم
العربي, ويعرف أشياء عن العالم العربي والديانة الإسلامية، وبينما كان العربي
يصوّر في الماضي على أنه معدم فقير، تغيّرت الصورة إلى العربي الذي يشتري قصراً
في لندن إذا لم يجد حجرة خالية في فندق, وتمنى أن يتمكن علماء من العالم
الإسلامي والأمريكاني من إمكانية التفاهم وتبادل الحضارتين, ومنذ أيام نشرت
الصحف أنّ إسرائيل قامت بإصدار سفر ضخم تمتهن فيه عقليات العلماء, وتحاول طمس
التاريخ وتزييف الحقائق حول التراث الحضاري للبشرية. وقد أصدرت دور النشر
اليهودية كتابا جديدا حول التراث الحضاري للبشرية ثم ترجمته إلى لغات العالم,
ويدور هذا البحث حول إيهام العالم أن اليهود هم أصحاب الدور التاريخي في بعث
الحضارة, أمّا العرب فهم أعداء الإنسانية بل أعداء الحضارة البشرية ! |
|
وقد أذاعت وكالات الأنباء أنّ
علماء المملكة العربية السعودية قد هبوا مشكورين للدفاع عن قصة الوهم الملفقة
لليهود, وطالبوا علماء الإسلام في كل مكان للرد على هذا الكتاب, وإعداد أبحاث
تاريخية علمية تتضمن الحقائق الثابتة عن حضارة العالم.. وأنّ المؤرخين المعاصرين
قد أسعدهم تقديم الإمكانيات العلمية والمادية من المملكة العربية السعودية حتى
يتمكنوا من كشف الزيف التاريخي واختلاق وقائع مدسوسة لإقناع الجيل الجديد من شاب
العالم بأن اليهود هم صناع الحضارة في العالم. مع العلم بأنّ العالم ودارس
التاريخ يعلمان تماما أن اليهود ليست لهم حضارة على الإطلاق كما يؤكد ذلك المؤرخ
الأوربي جوستاف لوبون. |
|
وأنا أقول أنّ اليهود لهم تاريخ
عريق في الحضارة, ولكن في الوحشية وبقر بطون الحوامل, وسفك دماء الأنبياء قديما,
وقتل الشيوخ والأطفال في دير ياسين وفلسطين حديثا, وما زالت أصابع الصهيونية
تؤدي دورها في هدم حضارة العالم, وتمييع أخلاق الشباب, وإفساد أخلاقيات كبار
المسؤولين حتى تتمكن من السيطرة وفرض نظريات التلمود.. أنّهم شعب الله المختار
!. |