طباعة

 توثيق النص

 

 

 

قضية للبحث ..

الإسلام وعلم النفس الاجتماعي

بقلم فضيلة إبراهيم محمد سرسيق

المدرس في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية

 

 

{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة الحشر: 19 {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} سورة ق: 16 {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} سورة فصلت: 53 .

كثير من الجهلة يعتقدون اعتقادا أعمى، بأن ثقافات العصر وعلومه الحضارية إنما هي سماوات.. لا يستطيع أن يحلق في أجوائها المشتغلون بالدراسات الإسلامية بعقولهم المكدودة المحدودة، وقدراتهم وإمكاناتهم المعدودة، فكيف بالإضافة إلى حصاد الفكر العلمي في ميادينه الخصيبة؟

ونحن هنا، مستمدين من الله تعالى وحدة كل عون وهداية، نقدم للقارئ المتخصص نظرية قرآنية متكاملة، في علم من أهم علوم النفس، وهو (علم النفي الاجتماعي), وفي باب من أهم أبواب هذا العلم، وهو (سيكلوجية الجماهير)، وفي فصل من أهم فصول هذا الباب، وهو (فكرة العقل الجمعي).

ولسوف نستوثق في نهاية هذا البحث من خطل الرأي القائل: بأن العقل الإسلامي عقل (عقيم)، وبأن الفكر الشرقي فكر (سقيم)، وبأن الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا أبداً.

بالله ما ذنب الإسلام، يلصقون به التهم على الدوام ؟؟

 

ما المقصود بعلم النفس الاجتماعي ؟

هو العلم الذي يبحث التفاعل بين الفرد ومجتمعه، ويبحث سلوك الأفراد والجماعات في مختلف المواقف الاجتماعية، ونتائج هذا السلوك من حيث كونها الوسيلة إلى تكوين مختلف الآراء والاتجاهات والقيم والعادات الاجتماعية, كما يبحث أشكال التفاعل الاجتماعي، وهل هو قيادة أو خضوع أو منافسة أو تعاون أو نفاق أو تعصب.. إلخ. كما يقوم هذا العلم بمراقبة ورصد هذا التفاعل الاجتماعي في مجالات التفاعل المختلفة: كالأسرة، والمدرسة، وجماعة الرفاق، ووسائط التأثير الإعلامي، وصور الدعاية والإعلان وغير ذلك.

ومن الموضوعات الأساسية في هذا العلم:

1- دراسة السلوك الاجتماعي السوّي والشاذ.

2- دراسة الاتجاهات والقيم والميول من حيث تأثيرها على السلوك الاجتماعي.

3- قياس الآراء، واتجاهات الرأي العام، ومعرفة ما يؤثر فيه.

4- دراسة الطبيعة الإنسانية وكيف تتأثر بالوسط المحيط بها.

5- دراسة التفاعلات الاجتماعية وكيفية حدوثها ونتائجها.

6- دراسة التطبيع الاجتماعي للناشئة.

7- تحليل الظواهر الاجتماعية ومعرفة أسبابها، قديمة أو جديدة.

8- بحث مظاهر القيادة المختلفة ومعرفة أدوارها ووظائفها.

 

المصادر الأصيلة لعلم النفس الاجتماعي :

يرى الباحثون في نشأة هذا العلم: أنّ مصادره الأساسية تتمثل في القنوات الأربع الآتية، التي  عبرت من خلالها الروافد الأولى لهذا العلم:

كتابات الفلاسفة الاجتماعيين، سواء في الحضارات الماضية أو المعاصرة، ومنهم على وجه الخصوص: أفلاطون في جمهوريته، وأرسطو في كتاباته عن السياسة والأخلاق، ومن المحدَثين: مونتسكيو, و جان جاك روسو، وغيرهما.

وأولها:

الرواد الأوائل في عل الأنثروبولوجيا : حيث يعد ما كتبوه من الأجناس، وما بدءوا به عن العمليات العقلية للشعوب البدائية، نقطة البداية في هذا العلم، من حيث اتصالها بالتراث الثقافي للإنسان.

ثانيا:

علماء التطور : فقد كان لاهتمامهم بالتوافق الاجتماعي وميض أنتج الخفقات المضيئة لمباحث علم النفس الاجتماعي، من ناحية تناوله بالبحث خصائص الإنسان باعتباره فردا منتميا إلى الجماعة في (وحدة عضوية) ويؤثر فيها ويتأثر بها, أو ليست الحياة التي نحياها عملية توافق دائمة؟ أو ليست يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار؟

ثالثا:

علماء الاجتماع:

رابعاً:

ويجدر بنا أن نضع في دائرة الضوء، جهود العلماء المسلمين في إرساء حجر أساس لعلم الاجتماع الذي تفرّع عنه مباشرة: علم النفس الاجتماعي. فإن ما تقرءوه الآن من (آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي (870 – 950م) وحديثه عن حاجة الإنسان إلى الاجتماع والتعاون، وعن ضرورة القيادة في المجتمع, وعن الصفات الاثني عشرة للرئيس، كلها تنبئنا عن الجهد العلمي المبذول من هذا العالم في وضع اللبنات الأولى في صرح هذا العلم.

ويحدثنا الغزالي (1059-1112م) في إحياء علوم الدين حديثا موسعا عن (أثر الحكام في غرس الاتجاهات العلمية في المجتمع) وعن سبب الإقبال على دراسة أوجه الخلاف في الآراء، وعن المناظرة وما تجلبه من إحن وأحقاد بين المتناظرين، وعن صفات المعلم الواجب توافرها فيه وأولها عمله بما علم، إلى غير ذلك من آراء وخبرات هامة ومفيدة.

أما ابن خلدون (1332-1406م) فحدّث عنه ولا حرج! هذا هو واضع علم الاجتماع بلا مراء.. كيف لا، وهو الذي ساق نظريات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي لم يسبق إليها! وكان له من نظره الصائب، وفكره الثاقب، ما جعله يستقرئ الظواهر الاجتماعية ذات الأصل الاجتماعي أو النفسي فيصوغ منها نظريات سديدة، دلت على قوة، دلت على عارضته، وأصالة بحثه، ودقة رصده للأحداث والظواهر على مر التاريخ! من هنا كان الرجل حقيقاً بدراسة مستقلة توضح جهده في ركام الجهل أو التجاهل عن تراث العلماء المسلمين وجهودهم الجبارة في صنع الحضارة، ومع اعتراف الغربيين  بجهود ابن خلدون في وضع بذور هذا العلم، نراهم يعتبرون أوجست كونت (1798-1857م) هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع عندهم, يليه في ذلك جوستاف لوبون 1841-1931م), ثم جبريل تارد (1843-1904م).

 

علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي :

هناك فرق بين كل من علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، ولكل منهما علماء وباحثون, فالأول يدرس المجتمع والثاني يدرس التفاعل بين الفرد والمجتمع, علم الاجتماع يهتم بالمجتمعات من حيث تكرار ظواهرها، وتعدد مؤسساتها وتنظيماتها، وكثرة ما فيها من طبقات أو فئات أو نظم اجتماعية تحكمها قوانين علمية، فهو يبدأ بالمجتمع البشري وينتهي به, أما علم النفس الاجتماعي فهو يلقي الضوء على (الإنسان) من خلال معايشته بمجتمعه، وليس من ناحية انفراده بذاته لأن ذلك مجال علم آخر هو (علم النفس الكلينيكي) أو علم النفس الاجتماعي هي الفرد، مرورا بالمجتمع الذي يعيش فيه، وانتهاء بالنتائج التي يخرج بها منه والآثار التي يؤثر بها فيه. وبالإضافة إلى ذلك يهتم علم النفس الاجتماعي بدراسة الآثار الثقافية الموروثة والمكتسبة للإنسان من حيث هو حلقة في سلسلة حضارية بعيدة الأمد عبر هامات القرون المتباعدة.

جوستاف ليبون وفكرة العقل الجمعي : The group Mind

استطاع جوستاف ليبون (1841-1931م) وهو مفكر وكاتب فرنسي مشهور، أن يضع كتابا كاملا ضمّنه أهم آرائه المتميزة في علم النفس الاجتماعي، وهو كتاب (روح الاجتماع).

وفي هذا الكتاب عرض الكاتب فكرة تجذب انتباه الباحث في دراسته لـ(سيكولوجية الجماعات). وقد عرفت هذه الفكرة بين الباحثين في علم النفس الاجتماعي بفكرة (العقل الجمعي). وتتلخص فيما يلي:

- كل جماعة تتكوّن من أفراد، ولكن ليست الجماعة من الناحية النفسية هي المجموع الحسابي لأفرادها, فإنّ التشكيل الجديد الذي يتكوّن أساسا من الأفراد يتميز بخصائص جديدة لا توجد في الفرد الواحد.

- فالجماهير تختص بأن لها (عقلا جمعيا)، يعتبر أحط في نوعه، وطريقة استجابته للأحداث، من عقول الأفراد الذين تتألف منهم الحشود الكبيرة؛ ذلك لأنهم ينزلون إلى مستوى الصفات المشتركة التي تجمع بينهم جميعا، وهي في الغالب صفات غريزية، أو أقرب ما يكون إليها، فينتج عن ذلك أن يتعطل الذكاء في الجماهير، ويصبحوا محكومين بتصرفات تلقائية هي أكثر شبها بالاستجابات اللاشعورية. لكن لماذا يقلّ الشعور الفردي بالمسؤولية؟

الجواب على ذلك: أنّ الفرد عندما يرى نفسه في جماعة يشعر بمزيد من القوة لوجوده وسط هذه الجماعة, ويترتب على ذلك عجزه عن ضبط نزعاته، بل إنّ ذلك يتيح له الفرصة للتنفيس عن رغباته ومكبوتاته، فتراه يصيح بأعلى صوته، وأحيانا بكلام غير مفهوم، أو غير مقنع، وتراه يقفز في حركات هستيرية، وينفلت عياره –كما يقلون- بهتافات عدائية, وقد يصاحب ذلك كله عمل تخريبي يعتبر مكملا للثورة الانفعالية التي تفجرت في داخل النفس وخارجها.

 

هذا العقل الجمعي إذن :-

أ _ يتميز بالانطلاق وعدم المبالاة بالعواقب.

ب _ يتميز بعدم القدرة على ضبط الانفعالات.

ج _ يتميز بفقدان الشعور بالمسؤولية، بصورة مؤقتة، بدليل أن المرء يندم بعد ذلك على ما اجترحه من مخالفات.

د _ يتميز بالاحتماء بالجماعة والشعور بالأمن في ظلها, أو بالذوبان وتميع الجرم  وإمكان الهرب من خلالها. وهذا ما يطلق عليه (غريزة القطيع).

وتتخلص سمات هذه الجماعة في:

_ أنّ أفرادها يشعرون ويفكّرون ويعملون بطريقة تخالف الطريقة التي يشعر ويعمل ويفكر بها كل فرد على حدة.

- وأنها تندفع إلى العمل بدون رويّة.

- وأنها متقلبة، تنتقل في الحالات الشعورية من حاله إلى ضدها.

- وهي متعجلة، لا تقبل وجود عوائق تمنعها عن أهدافها وهي شديدة التقبل للمؤثرات الانفعالية: تصدقها سرعة وتعمل بوحيها.

- وهي شديدة الانفعال تتطرف في عواطفها وتستجيب للعواطف الملتهبة بسهولة، وتنتقد الاعتدال والتروي، ولا تستطيع أن تتوسط بين عاطفتين: فإما أن تندفع إلى السيطرة، أو إلى الانقياد في مغالاة، ولكنّها تميل إلى المحافظة، وتكره التجديد.

- وهي تفضل البسيط من الأفكار والأقوال ذات المستوى المنطقي السطحي، والتي تعتمد على الصور الذهبية الواضحة. ومن الصعب على الجماعة أن تغير رأيا ارتأته بسهولة، ولذلك فإنها تتعصب للرأي إذا تصطنعه وتعتقد بصحته اعتقادا أعمى..

ويرى جوستاف لوبون: أن الجماعة تؤثر في الفرد، فتغيّر من صفاته الذاتية حتى يسهل اندماجه في الجماعة، إذ تسلبه الشعور بالمسؤولية الجماعية, وتزيد من قابليته للتأثر والإيحاء، ولهذا فإنّ الفرد داخل الجماعة يغلب عليه الانقياد والاندفاع، وسهولة التأثر بالإيحاء، وضعف القدرة على التفكير المنطقي الموضوعي، والنقد النزيه". [1]

وهذه الصورة التي رسمناها للجماهير ذات العقل الجمعي, نراها واضحة في أي تجمع جماهيري لأي سبب من الأسباب، تجتمع بسرعة وتنقض بسرعة، تتآلف عندما يجمعها حب الاستطلاع، وتتفرق عندما يهددها أمر كريه, وهي في جميع حالاتها بالصورة التي رسمناها توجد في التجمعات التلقائية: كالتظاهرات والمسيرات وغيرها.

 

الاهتمام بدراسة (العقل الجمعي) :

تبدو  أهمية دراسة هذه الفكرة واضحة لدى :

- السياسيين، ورجال الحكم، وذلك لأنهم مهتمون دائما بمعرفة سيكولوجية الجماهير، وأسلوب تفرقها، ويبنون أحكامهم في العادة على هذه الأسس جميعا.

- كذلك يهتم المؤرخون بمعرفة طبيعة تصرف العقل الجمعي، لأن هذه الطبيعة تفسّر لهم الكثير من الأحداث التاريخية، وتشرح لهم الكثير من ردود الأفعال  الجماهيرية، فيستطيعون وضع الفروض الصحيحة بناء على هذه التفسيرات النفسية الاجتماعية.

- وأيضا يرى رجال الاجتماع مائدة كبرى في دراسة العقل الجمعي وأساليبه الحركية، لأنهم يدركون من خلال ذلك كُنه التفاعلات الاجتماعية، والدوافع المستكينة وراءها، والنتائج التي أسفرت عنها، كما يدركون أسباب اختفاء (الزعامة الفردية) وسط هذا التفاعل الاجتماعي.

 

ماذا يقول القرآن ؟

إنّنا حريصون هنا على إيراد حقيقة مهمّة، وهي أننا لسنا ممن يلوون أعناق الآيات ليخضعوها لما يريدون إثباته من النظريات. فنحن نعلم علم اليقين، أنّ القرآن كتاب هداية قبل كل شيء، وهو في أسلوب الإقناع يورد الحجج القولية، والبراهين الساطعة، مصورا وقائع الحال في أبلغ عبارة وأبدع مقال.

القرآن يكشف اللثام في آيات كثيرة عن طبيعة الأكثرية المطلقة من البشر في كل بيئة  ومجتمع. فما خصائص هذه الأغلبية، وكيف نتعامل معها؟

أ _ إنّ أكبر مساوي السواد الأعظم من البشر هو الجهل، ونقصان المعرفة، والقعود عن تحصيل العلم من طرقه المشروعة, ولأهدافه الموضوعة: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} النحل 28، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} النحل 101, {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} سبأ 36 .

ب _ ومن مساوئ هذه الجماهير الغوغائية أنها لا تحكّم العقل في تصرفاتها فهي مندفعة متهورة عشوائية : {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} العنكبوت 63, {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} النجم 28, {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} الأنبياء 24.

ج _ والجمهرة الكاثرة من الناس لا تسمو عواطفهم إلى درجة العرفان بالجميل، وشكران النعمة للمنعم، فقد أخلدوا إلى الأرض، واتبعوا هواهم، وغرّتهم أموالهم وأهلوهم فكفروا بنعمة ربهم: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} النحل83. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} الفرقان 5.

د _ والغالبية من الجماهير العريضة تمثل قاعدة الاستهلاك المبني على الحياة الحيوانية الصرفة الخالية من العبادة لله، والتسبيح بحمده، والتوجه بالشكر إليه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} محمد 12, {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} الفرقان 44.

ﻫ _ وترى قاعدة الجماهير المتسعة أبعد ما تكون عن النوازع الروحية فيها، لأنها أكثر انجذاباً إلى الباطل واللهو: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِما} الجمعة 11, {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}يوسف 103, {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} الأنعام 116.

و _ وتتصف الأغلبية المطلقة بأنها مستورة العقيدة، في حاجة إلى اليقين مما تدين به لترى أهي قريبة أم بعيدة من صواب الاعتقاد: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}يوسف 106.

من هنا كانت حاجة السواد الأعظم إلى مراجعة العلماء، واستفتائهم فيما يقعون فيه من خطايا وأخطاء، ليكونوا دائماً على ذكر من الحق فيما يأخذون وما يدعون: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} الأنبياء 7.

 

ولقد كرّمنا بني آدم:

ولقد يتساءل البعض، بعد كل ما قدّمناه من نصوص حول رأي القرآن في الأكثرية, ومعتقداتها, ومسالكها, ومدى صحة مسيرتها الحيوية في دنياها، ألا يتعارض هذا مع قول الله تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}, والحقيقة أنه تكريم إلهي طيِّبٌ لبني آدم على الإجمال، وتمييز لهم على من سواهم من العوالم الأخرى في هذا الكون، وإيثار للجنس البشري بميزات اختصّ بها دون غيره من سائر الأجناس.

لكن موضع استشهادنا هو ضرورة أنّ يتميز كل جنس بفئة آمرة ناهية، وهذه الفئة هي التي تصرّف شئون المجموع, وتقود زمام الحركة والنشاط فيه، وتتحمّل مسؤولياتها من أجل ذلك أمام الله تعالى.

الجود  يفقـر والإقدام قتـال

 

لولا المشقة ساد الناس كلُّهُمُ

وهذه الفئة هي التي نصبها الله للقيادة والريادة، بحكم ما منحه لها من مؤهلات الحكم وصلاحيات التوجيه والنظر، ولكن يقابل هذه الفئة من الجهة الأخرى أكثرية محكومة، بالعدل كما أمر الله, وليس لها أن تطمع فيما هو أكثر من ذلك؛ لأن لها من ميادين النشاط والتسابق والتنافس والإنتاج ما تحتل به مكانها الطبيعي فوق الكوكب الأرضي: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً} (سورة المزمل), {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (سورة الملك).

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

 

ولا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

فالصفوة الحاكمة هي التي تقيم العدل، وتحمي بيضة الدين، وتذود عن العرين كل من تسوّل له نفسه انتهاك حرمة المسلمين. وهذا الحق في يد الصفوة الحاكمة لم تنله عنوة ولكن نالته بإجماع الأمة، ورغبتها عن طواعية: "اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد"، "يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".

 

الماركسيون ودكتاتوريوية الطبقة:

بعد التحليل الذي أوردناه لطبيعة العقل الجمعي في الجماهير.. نجد مظاهرة صاخبة يرفع لواءها في هذه المرة (كارل ماركس) اليهودي الأحمر.. باكياً بدموع التماسيح على الآمال المفقودة لهذه الجماهير الكادحة الجماهير (المنسحقة).. الجماهير (المطحونة).. وكلها تعبيرات ماركسية !.

يريد الماركسيون أن يتاجروا بدموع الفقراء ويجعلوا منها (قميص عثمان) مرفوعاً على أسنّة الرّماح.. مدّعين أنّ من حق هذه الجماهير أن تثور, وأن تصارع الطبقات الغنية (البرجوازية) حتى تصرعها!, وبهذا الصراع الدموي تنحلّ التناقضات الموجودة في رحم المجتمع، وتتمكّن الطبقة العاملة من السيطرة على الحكم، وفرض الفردوس الشيوعي المزعوم.. بقوة الحديد والنار!.

والتساؤل هنا مرتبط بالعقل الجمعي لهذه الجماهير المطحونة الكادحة, هل استطاعت أو تستطيع هذه الجماهير، ذات العقل الجمعي المنخفض، الذي يوازي في قدراته درجة دقل من عقل الفرد المتوسط في الذكاء أن تمسك دقة الحكم؟، وتضع في يدها صولجان القيادة؟، وتصبح قادرة على تحقيق آمال ومصالح الناس؟.

متى حدث ذلك؟ وفي أي عصر من عصور التاريخ ثبت نجاحه وفلاحه؟ وكيف تستطيع عقول غوغائية حاقدة حاسدة، جاهلة متعصبة لما هي عليه من جهل أن تنتزع الحق من أصحابه الشرعيين في أي قطر، لتشبع نهمها إلى الانتقام والبطش وسفك الدماء والتحكم في الأبرياء، وتشريد العجزة والأطفال والنساء، حقاً: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة!.

إنه لا معنى لسيطرة الجهلاء والدهماء والرعاع والسفلة إلاّ سيادة الشهوات وتسلط الرغبات الهائجة في أحط الفئات، وقلب الأوضاع، وزيادة الأوجاع.. وحوَّل المجتمع إلى قطيع من الذئاب يذوق بعضه بأس بعض!

إنّ طبقة البروليتارية، كما سماها ماركس، أعجز من أن تقوم بنفسها، لتحقيق هذا الانقلاب الدموي. ومن هنا أضاف لينين إلى النظرية الماركسية "ضرورة أن تتصدر طليعة الحزب للقيام بهذا الجحيم الأحمر، فتعود المظاهرات وتخرّب المنشآت، وتثير القلاقل والمنازعات، وتقوم بتوزيع النّشرات على مختلف الفئات، بحكم ما تتمتع به من قدرة على تحقيق أهدافها، ومرونة في استخدام الوسائل المناسبة مشروعة أو غير مشروعة"! أي أنّ هذا العقل الجمعي الخامد، الخامل، العاجز عن أيّ تصرّف إيجابي منظّم، يجد في ظلّ النظرية الماركسية من يقوده، ويوسّع خطواته على طريق التخريب, حتى يقع في النهاية صريع المنتفعين من قادة الحزب!.

 

دعوة القرآن للإصلاح الاجتماعي..

يجب أن يعلم القاصي والداني، أنّ الإسلام لا يترك العقل الجمعي الخامل هذا دون تحريك وإيقاظ, لا من أجل الشر الذي تنسج الماركسية خيوطه بدأب شديد، ولكن من أجل الإصلاح الاجتماعي، لخير البشرية وقيادة خطاها من أجل عالَمٍ مِلؤُهُ الأمن والسلامة والرخاء, يقول الحق تبارك وتعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} سورة النساء.

ويقول سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} سورة الحجرات. ويقول تبارك أسماؤه: {فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} سورة النساء.

 

العقد الجمعي الإسلامي

يقول عزوجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} سورة الحجرات.

إنّ المتصفح لكتاب الله تعالى يجد الكثير من الآيات الداعية إلى الإصلاح الاجتماعي بجميع ألوانه وأشكاله القديمة والمعاصرة. إنّ الإسلام لا يترك الجماهير سادرة في غيِّها، متنكبة طريق هداها، بل إنه يقوِّمُ اعوجاجها، ويهديها سبيل رشادها، ويفتح أعينها على حقائق الكون المضيئة من حولها، ويبصّرها بالنور في كتاب الحياة الذي نطقت سطوره, وتوهج نوره, ولمعت أساريره {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ}، {إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

فلتكن للجماهير المؤمنة بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر طريقتها في نبذ الغفلة عن الله، والرجوع إلى تعاليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والانشغال بعيوب النفس عن عيوب الغير، والأخذ فيما هي ماضية فيه وساعية لأجله من نشر دين الله، وإصلاح العقيدة في الله، وربط النفوس بشريعة الله.

إنّ الجماهير المسلمة تتحرّك في سلمها وحربها على هدى من الله، وبتوفيق منه سبحانه، ومن ثَمّ فإنّ أكثريتها المطلقة تتمتع ببصيرة مستمدة من شريعة الإله الحق لجميع الخلق، ومصداق ذلك قول الرسول الكريم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

والعقل الجمعي في مجتمعات الإسلام ليس عقلا غوغائيا، ولا عشوائيا؛ لأنه عقل ملتزم بتوجيهات الكتاب والسنة "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أخرجه البخاري. وهو عقل جمعي إيجابي نشيط، وليس سلبيا خوّارا: "من ردّ عن عرض أخيه بالغيب ردّ الله عن وجهه النار يوم القيامة" أخرجه الترمذي وحسنه.

والعقل الجمعي الإسلامي عقل متعاون لا متصارع، متآلف لا متحاسد: يقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة المائدة "2". ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" أخرجه الترمذي وصححه.

والفرد المسلم إزاء هذا العقل الجمعي عقل يقظ حذر، لا يذوب فيه، ولا يفقد استقلاله معه، ولا يهمل تقويمه وتصحيح الخطأ الذي يقع فيه، ولا يكون عاملا من عوامل تفتته: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره،  التقوى ها هنا، ويشير إلى صدوره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم. والمسلم لا يفقد الشعور بالمسؤولية أبداً.

إنه أمام خالقه مسؤول دائما وباستمرار عن نفسه، وعمّن يعول، مسؤول عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, مسؤول عن إخوانه المسلمين أن يخالطهم ويعاشرهم ويعاملهم ويصبر على أذاهم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" أخرجه ابن ماجه.

والمسلم في خِضَمِّ هذا العقل الجمعي كذلك لا يفقد اتزانه، ولا تهزمه حدة انفعالاته، حيث يقول صلى الله عليه وسلم "العجلة من الشيطان" أخرجه الترمذي وقال: حسن. ويقول أيضا "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.

من هذه الأدلة والنصوص يتضح الدور الخطير الذي قام به الإسلام في ترقية الجماعة البشرية والسمو بها فوق نظائرها من أتباع الملل الأخرى. ألا وإنّ روح الإسلام تسري في حنايا المجتمع المسلم فتضيء قلبه، وترشد حواسه وجوارحه إلى أمثل الطرق وأهدى السبل، فيسير على الجادة في غير عوج، ويصبح قدوة لغيره من المجتمعات الأخرى في المعتقدات وألوان السلوك المتعددة {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، وسوف تتهذّب مسالك الشعوب والأقوام إذا تناولت هذا السراج الوهاج بروح الإنصاف، واستضاءت بما فيه من قِيَمٍ وأهداف, واستخرجت من أحكامه وحكمه الكنوز التي تفاخر بها أمة الإسلام غيرها من الأمم..

إبراهيم محمد سرسيق

 

المراجع

- القرآن الكري.م

- كتب السنة المعتمدة.

- د. مصطفى فهمي، د. محمد علي القطان: علم النفس الاجتماعي مكتبة الأنجلو المصرية "1395" ﻫ.

- د. علي أحمد علي: سلوك لإنسان. مكتبة عين شمس بالقاهرة "1392"ﻫ.

- عبد المجيد عبد الرحيم: علم النفس الاجتماعي. مكتبة النهضة المصرية "1390"ﻫ.

- د. عبد العزيز القوصي: علم النفس مكتبة النهضة المصرية "1375"ﻫ

- د. عبد السلام عبد الغفار: علم النفس "مذكرات مدونة لطلاب كلية التربية بجامعة عين شمس بالقاهرة".

 

الغزو الشيوعي

إنّ الدولة الشيوعية كانت سخية جدا في تقديم المنح والبعثات الدراسية لأبناء تلك المنطقة، وإنّ وعي الشيوعية الكبير جعلهم لا يفكرون في إنشاء دور تعليمية وجامعات في البلاد العربية, ولا حتى مساعدة الدول العربية في هذا المجال؛ لأن الشيوعية لا يؤمنون بجدوى ذلك، لأن المجتمع هناك إسلامي ولا يمكن لأي جامعة أو معهد أن يؤتي أكله وثماره التي يريدها الشيوعيون في مجتمع مثل هذا. والشيوعيون لا يريدون مساعدة العالم العربي حبا في  عيونه، ولكن لأهداف بعيدة ولخدمة الحركة الشيوعية التي تريد أن تطوق الإسلام وتقتله, ولا يمكن لهذه الأهداف أن تتحقق إلاّ بخلق كادر من شباب تلك المنطقة يستعبدون أرواحهم, ويحيلونهم إلى دمى تتحرك بأزرار مثبتة في موسكو, لذلك فإنّ أمثل مكان يمكن فيه صناعة مثل هذه الدمى بكل المواصفات اللازمة هو الدول الشيوعية نفسها؛ لأنّ هناك كل شيء معد ومرتّب ومدروس، وذلك لبلبلة أفكار الشباب, وضعضعة إيمانهم, وجرّهم في منعطفات ومزالق الشهوة، ثم بعد ذلك تلقينهم الأفكار الإلحادية، نعم إنّ خير مكان هو الدول الشيوعية نفسها، والتي تكتظ الآن بالآلاف المؤلّفة من أبناء الدول العربية والإفريقية.

مجلة المجتمع العدد 308  الثلاثاء 16 رجب 1396 هـ

 

 



[1] عبد المجيد عبد الحليم : علم النفس الاجتماعي ص62 مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة