طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

تعقيب لا تثريب

لفضيلة الشيخ محمد المجذوب

ملاحظات إسلامية حول كتاب (أبو ذر والشيوعية)

 

 

كثيرا ما حاول الشيوعيون استغلال شخصية الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري لإيهام العامة وأشباه العامة من المسلمين، بسداد نحلتهم، وأنها تلتقي مع الإسلام في أهم أهدافه الإنسانية، من حيث تأمين العدالة وتحقيق المساواة ..وكثيرا ما سكت المفكرون من المسلمين عن هذه الفرية الكبيرة، التي تضع ماركس اليهودي الحاقد الهدام في مستوى الصحابي المجاهد لإعلاء كلمة الله، العامل بحقها في بناء المجتمع الأفضل، الذي يحمل إلى البشرية الضائعة رسالة بها الهداية إلى التي هي أقوم.

ومن هنا كان للكتيب الذي أصدره العلامة الدكتور عبد الحليم محمود بعنوان (أبو ذر والشيوعية) أثره الطيب في نفوس القراء من العارفين بأكاذيب الشيوعيين، الشاعرين بالحاجة إلى مواجهة أولئك الضلال بالحقيقة التي تدمغ باطلهم.

وعلى الرغم من أن الكتيب لم يخرج عن كونه لمحات عجلى عن حياة الصحابي الكريم تنتظر القلم الذي يتم ما بدأ في استقصاء للأحداث، وتحليل للمواقف يسدان على المستغلين طريق العودة إلى مثل هذا التضليل، فقد جاء بالإجمال كصفحة مشرقة في سفر قيم يسهم في تأليفه العديد من حملة القلم المسلم، الذين كتبوا ولا يزالون يكتبون في رد مفتريات الأفاكين على دين الله، وحملة مشاعله من تلاميذ النبوة الأولين رضوان الله عليهم أجمعين.

على أن تقديرنا لمجهود الدكتور حفظه الله، في هذا الكتيب وغيره من المواقف الرائعة في خدمة الإسلام، والدفاع عن دعاته وفضح مؤامرات أعداءه، والدعوة إلى تنفيذ أحكامه، لا ينبغي أن يصرفنا عن بعض الهفوات التي يتعثر بها فضيلته بين الحين والآخر فتشوه النقى من أعماله بنقاط ما كان لها من سبيل إلى قلمه لو نهنه من غربه قليلا فوقف به عند الحدود التي لا يبيح الشرع ولا العقل السليم تجاوزها .. ولو هو قد فعل ذلك لما وقف القارئون من المسلمين اليوم على ذلك التناقض المؤسف بين الشيخ الذي يرفض المنهج العلمي في دراسة حياة   (الأولياء) -  من حماة السويس والإسكندرية والزقازيق وقنا – ويأبى إلا الاعتماد على الأحلام والرؤى وما إليهما، مما يرسخ تقاليد العامة في الشطط عن طريقة السلف، وبين وزير الأوقاف الذي يضطر إلى الرد عليه في نشرة رسمية تحت عنوان (تقاليد يجب أن تزول) ! .

ولكن . .ما الحيلة . . وقد شاء الله أن ينفرد بالكمال، ويحصن أنبياءه وحدهم بالعصمة، فلا أحد إلا يؤخذ منه ويرد عليه غيرهم.

لقد أبى الدكتور أصلحنا الله وإياه أن يقصر جهوده على أعداء الإسلام في ذلك الكتيب، فخص دعاة الالتزام لكتاب الله وسنة رسوله ببعض الغمزات التي أقحمها في مقدمته دون حاجة أو مسوغ .

يقول الدكتور: "هل آن لنا أن نكف عن الحديث عن زيارة القبور وعن قراءة سورة الكهف، وعن الكتابة في الجبر والاختيار وعن حمل المسبحة وعن شد الرحال: وهل يتضمن زيارة الأولياء أو لا ؟ . ." [1]

إنها لعبارة تحمل من الحرارة والعنف ما يصور ضيق صدر الشيخ بهؤلاء الذين يرون الإسلام الصحيح وقوفا عند حدود ما أمر الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولا جرم أن من حق كل مسلم يؤمن بهذه الحقيقة أن يعتبر كلام الشيخ موجها إليه، فمن حقه إذن أن يدلي برأيه فيه.

لقد اعتاد المخالفون لهذه الطائفة الملتزمة أن يرددوا مثل هذا الكلام كلنا ارتفع لأحد أفرادها صوت بالدعوة إلى الصراط السوي، ونبذ كل ما غشيه من انحرافات واختراعات، وحجتهم في ردهم ذاك أن أعداء الإسلام يتكالبون عليه من كل صوب، فواجب المسلمين والحالة هذه أن يقفوا كل إمكاناتهم على مناجزة هؤلاء الأعداء دون أن يتحدثوا بكلمة واحدة خارج هذا النطاق ويقولون إن بلاد المسلمين غارقة في آلاف المعاصي، من الربا والخمر والفجور، وما إلى ذلك من ألوان البلاء، ففي هؤلاء فلنجاهد، ولندع كل شذوذ عن جادة الوحي يجرف إخواننا الذين لا يرون رأينا من التزام جانب الوحي دون سواه.

ويا لها من حجة عجيبة فات أصحابنا أن الشرط الأساسي في الجيش المحارب ارتباطه بوحدة الهدف، والتزامه تعاليم القيادة، وتعاون أجزائه في انسجام تام لا يشوبه الاختلاف، وإلا فما أيسر أن تتفرق كلمة هذا الجيش فيخذل بعضه بعضا وهو في صميم المعركة، ثم النهاية كارثة على الجميع.

ونعود الآن إلى تحليل عبارة الشيخ، أنه يحصر مآخذه على الجماعة بأشياء ليست على مستوى واحد من الأهمية أو قابلية الاختلاف. فزيارة القبور أمر مسلم عند السلفيين ومخالفيهم على سواء، وهي كغيرها من القربات إما أن تقف عند حدود الشرع فتكون دعاء للميت، وعبرة للحي، وإما أن يشتط الزائر فيخرج بها إلى الاستغاثة بأصحابها وسؤالهم النفع والضر، وفي ذلك من الزيغ ما لا يصح أن يختلف في إنكاره عاقلان. وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث تسوغ للمطلع عليها الحكم بفضلها، والعمل بها، وعلى هذا فلا داعي لاعتبار هذا الأمر من مظان الخلاف ذوات الشأن. وكذلك القول في المسبحة، فمع أنها لم تعرف في الصدر الأول، لا تستدعي الكثير من الأخذ والرد، إذا كان الغرض منها هو ضبط العدد المسنون للتسبيحات. . وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى أزواجه تستعين على ذلك بالنوى فلم ينكره عليها، بل أرشدها إلى خير منه، أما موضوع زيارة الأولياء - ولعله أهم المهمات بالنسبة إلى القوم - فما ينبغي أن يترك أمره للأهواء والأذواق لما يترتب من نواتج تمس عقيدة التوحيد في الصميم.

فقبور الأولياء وغيرها من أضرحة المسلمين مجال صالح للدعاء لأهلها والاعتبار بمصايرهم، فلا اعتراض على زائريها على هذا الوجه المشروع ولكن الإنكار إنما ينصب على تخصيصها بالقصد والسفر، وتوجيه النذور، وذبح (العجول) التي تعد لها وتنحر على اسمها، وما يتعرى قصادها بإزائها من الخشوع الذي لا يعهد منهم بعضه بين يدي الله، وهم يقومون بأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين فكيف إذا أضيف إلى ذلك الطواف والتمسح ونشدان الحاجات. مما لا يجد فاعله مستمسكا يحتج به من وحى أو عقل .

وبقي من النقاط التي شملتها إشارات الشيخ الأكبر تلك الطامة الهامة التي لا أحسبه قد تنبه إلى أبعادها الخطيرة حين حشرها بين ما يعتبره من المآخذ.

إنها قضية الجبر والاختيار، وفي عبارة الشيخ ما يوحي أنها لا تستحق بنظره أي اهتمام، ناسيا حفظه الله أنها مدار كل الفلسفات التي حاولت تحديد مسؤولية الإنسان.

إن القول بأن الإنسان مجبر على سلوكه إنما هو تقرير قاطع بتجريده من كل أثر للحربة، ومن ثم إعفائه من أي مسؤولية عن أي فعل يأتيه. . وحصيلة ذلك تعطيل الشرائع، وإبطال القوانين واعتبار كل محاولة لتصحيح مسيرة الإنسان عبثا لا مردود له. . وهذا ما انتهى إليه السواد الأكبر من عامة المسلمين في العصور المتأخرة إذ سيطر عليهم الوهم، فأقنعوا أنفسهم بأنهم في كل ما يقترفون إنما ينفذون إرادة الله، الذي ألزمهم ذلك عن طريق الإكراه وليست الوجودية والسوفسطائية واللاإرادية إلا صورا لهذا الاتجاه المظلم. بل لعله اليوم أبرز ما يكون في الماركسية التي تعتبر أخلاق الإنسان كسائر تصرفاته نتيجة لازمة لنظام الإنتاج.

ثم إن وضع ( الاختيار) في مقابل الجبر يوحي كذلك بأن المراد منه ما ذهب إليه منكرو القدر القائلون بأن الإنسان خالق لأفعاله في معزل عن قدرة الله وإرادته.

ومعلوم لدى أولي العلم والفطر السليمة أن كلا المذهبين من الضلالات الكبرى المنافية لحقائق الإسلام الذي وضع كل فرد تلقاء تبعته، وألزمه طائره في عنقه، فإذا ما تركنا للناس أن ينحرفوا عن جادته يمنة ويسرة لم يكن لنا أي حق في دعوتهم إلى التعاون لإشاعة المعروف وإزالة المنكر، إلا كما نتعاون مع أي فريق من الناس على أساس المنفعة العارضة، تجمع الملتقين عليها إلى حين ثم لا تلبث أن تمزقهم أيدي سبأ.

وهكذا يتضح خطر السكوت عن معظم القضايا الواردة في عبارة فضيلة الدكتور، والتي يرى أن الكف عن ذكرها وتنبيه المسلمين إلى أخطارها من الشروط التي لا مندوحة عنها للتعاون في وجوه أعداء الإسلام.

أما نحن - وأعني كل المؤمنين بخطأ هذا الرأي - فلا نستطيع أن نتناسى أن الإسلام نظام الله الشامل الكامل، لا يسع مسلما أن يساوم على أي جزء منه، فكما يفرض علينا إعلان الحرب على الشيوعية والوجودية والإلحاد أيا كان مصدرها يلزمنا كذلك تنقية صفوف المسلمين من عناصر الهزيمة، الذين لبس عليهم دينهم وأبعدوا عن منهج الحق، فضلوا عن سبيل المؤمنين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وأخيرا ليسمح لي صاحب الفضيلة أن أذكره بالحقيقة التي يجب أن تكون القاسم المشترك بين أفراد المسلمين جميعا، مهما تتفاوت سويتهم العلمية، ألا وهي ضرورة احتفاظ الأمة، أفرادا وجماعات بعناصر الشخصية المتميزة على سائر أصناف الناس. فإذا كان من شأن الشيوعي النفاق السياسي، حتى ليتظاهر بالإيمان وهو ألد أعدائه، ويحتج بمبادئ الإسلام وهو أول الكافرين بها. .

وإذا كان من خصائص اليهودي والنصراني الانسياق وراء مقررات رجال الدين   من أحبار ورهبان، مهما تتصادم مع العقل والنقل .. فإن ميزة المسلم التي لا تتم مقوماته لا تتم مقوماته إلا بها هي التزامه هدى الله كما أنزله على رسوله، حتى يكون جديرا بتمثيل حقائق الإسلام في حياته كلها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. .

ومن أجل هذا نستسمح فضيلة الشيخ الأكبر عذرا إذا قلنا له: لقد قدمت للإسلام بكتابك هذا خدمة نرجو أن تجد ثوابك عليها جزيلا عند الله، ولكنك أخطأت كثيرا عندما دعوت المصلحين للكف عن تنقية الإيلام من بقايا رواسب خلفتها تعاليم الباطنية العبيدية، التي كادت تقطع صلة مصر بالإسلام ذات يوم، لو لم يتداركها الله بالناصر الأمين صلاح الدين والحمد لله رب العالمين.

 

 

 



1 مقدمة الكتاب ص 8.