|
|
|
|
|
أبو الحسن الرماني |
|
للدكتور: أحمد جمال العمري |
|
|
|
|
|
|
|
هو علي بن عبد الله أبو الحسن الرماني الإخشيدي الوراق |
|
الرماني: بتشديد الراء والميم نسبة إلى الرملن أو قصر الرمان الموجود بواسط. |
|
والإخشيدي: نسبة إلى الإخشيد أستاذه المعتزلي. |
|
ويعرف أيضا الوراق
لقيامه بأعمال الوراقة التي كانت شائعة في عصره وتعيشه مما كانت تدره عليه من
دخل. |
|
ولد الرماني سنة ست
وتسعين ومائتين للهجرة ببغداد أو سامراء، وشغل بطلب العلم وتحلق في حلقات شيوخ
عصره مثل أبي بكر ابن دريد، وأبي بكر السراج. والزجاج.
وغيرهم من أساتذة اللغة والنحو، ولكن يبدو أن أكثر شيوخه أثرا في نفسه وفي علمه
هو الإخشيد المتكلم المعتزلي المشهور في عصره. يقولون إنه تخرج على يديه وكان له أثره البارز في حياته
وعلمه حتى لقب بالإخشيدي نسبة إليه من كثرة ملازمته له عنه وتبنيه لآرائه. |
|
يقول أصحاب التراجم إنه
كان واسع الاطلاع، غزير العلم، متقنا للأدب وعلوم
اللغة والنحو لذلك لقبوه: بالنحوي، شيخ العربية، صاحب التصانيف،
ووضعوه في طبقة أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي. |
|
ويبدو أنه كان مغرما بعلوم المنطق والفلسفة. ونرى أثر ّلك واضحا في كتاباته وتحليله للآراء والموضوعات.وقديما لمس فيه معاصروه هذه الخصيصة وقالوا عنه إنه كان يمزج كلامه في النحو بالمنطق.حتى لقد كان يتفلسف في عباراته ويتخير أوجزها وأدلها على المعنى، سئل يوما (لكل كتاب ترجمة فما ترجمة كتاب الله عز وجل؟ فقال: {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} |
|
لم تقف اهتمامات
الرماني العلمية عند حدود اللغة والنحو - أو علوم
المنطق = والفلسفة والنجوم بل تعدت ذلك إلى العلوم الدينية..علوم القرآن والحديث
والفقه، وألف فيها مصنفات كثيرة. وتظهر مكانة الرجل العلمية فيما ذكره عنه
معاصروه ومترجموه، يقول أبو حيان التوحيدي: "إنه لم ير مثله قط، علما
بالنحو، وغزارة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا
للعويص، وإيضاحا للمشكل مع تأله وتنزه
ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة، وعفافة
ونظافة " . |
|
وقال ابن سنان:
"إنه ذو مكان مشهور في الأدب ". ونظرا لثقته ورجاحة عقاه، وعمق آرائه، وجديتها..فقد اعتمد عليه
كثير من العلماء ونقلوا عنه..في مقدمتهم: |
|
ابن رشيق، وابن سنان وابن أبي الأصبع العدواني، والسيوطي وغيرهم، فكتبهم تنطق بما أخذوه ودونوه عنه في مصنفاتهم . |
|
|
|
آثاره: |
|
صنف الرماني مجموعة
ضخمة من المصنفات والمؤلفات، قدرتها بعض المصادر بما يقرب من مائة كتاب، معظمها في علم النحو الذي علش
له وبرع فيه واشتهر به. |
|
بيد أن هذه المؤلفات لا
تحجب المؤلفات الدينية خاصة في علوم القرآن منها: |
|
1)
تفسير القرآن المجيد: ويوجد بدار الكتب المصرية – المكتبة التيمورية – تفسير جزء عم من هذا التفسير مخطوطا. |
|
2) النكت في إعجاز القرآن: وهي رسالة علمية بليغة طبعت ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن - بدار المارف بمصر-. وستكون محور دراستنا لتوضيح مفهومه للإعجاز القرآني. |
|
3) الجامع في علوم القرآن. |
|
4) ألفات القرآن. |
|
5) شرح معاني القرآن للزجاجي. |
|
6) التفات القرآن. |
|
|
|
أما مؤلفاته النحوية فأهمها: |
|
7)
شرح كتابي المدخل والمقتضب للمبرد. |
|
8) شرح كناب سيبويه. |
|
9) نكت سيبويه. |
|
10)
أغراض كتاب سيبويه. |
|
11) المسائل المفردة من كتاب سيبويه. |
|
12) شرح مختصر الجرمي. |
|
13) شرح المساءل للأخفش. |
|
14)شرح الألف واللآم للمازني. |
|
15) شرح كتاب الموجز والأصول لابن السراج. |
|
16) كتاب الإيجاز في النحو. |
|
17)
كتاب المبتدأ في النحو: هذا
بالإضافة إلى مجموعة أخرى من كتب اللغة أهمها: |
|
18) كتاب الاشتقاق الكبير. |
|
19) كتاب الاشتقاق الصغير والألفاظ المترادفة. |
|
20) كتاب التصريف. |
|
21) كتاب الهجاء. |
|
وغير ذلك من الكتب. |
|
|
|
مفهومه للإعجاز القرآني: |
|
حدد لنا الرماني مفهومه للإعجاز القرآني في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) وهي رسالة أدبية بلاغية قيمة، تعكس لنا تخصصه العلمي، ومنهجه الاستدلالي التحليلي، في توصيل أفكاره ورؤاه. |
|
فهو يقرر في فاتحة رسالته، أن وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات: |
|
1) ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة |
|
2) والتحدي للكافة. |
|
3) والصرفة. |
|
4) والبلاغة. |
|
5) ونقض العادة. |
|
6) وقياس بكل معجزة. |
|
ولما كان الرماني من
علماء اللغة البارزين - في عصره - فقد خص الجهة البلاغية من رسالته بجانب كبير:
فذكر أنها ثلاث طبقات: |
|
-
منها ما
هو في أعلى طبقة. |
|
- ومنها ما هو في أدنى طبقة. |
|
- ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. |
|
فما في أعلاها طبقة فهو
معجز وهو بلاغة في القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من
الناس ثم يعرف الرماني مفهومه للبلاغة قائلا: إنما البلاغة، إيصال المعنى إلى
القلب في حسن صوره من اللفظ، فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن، ولقد حصر
الرماني البلاغة القرآنية فجعلها في عشرة أقسام. هي:
الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف
والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان. |
|
خصص لكل قسم منها بابا على
حدة أبرز فيه سماته البلاغية وأدق خصائصه |
|
فالإيجاز: في نظره تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى،
فإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة، ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ
قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز، وكدأبه دائما يجنح إلى التقسيم، فيقول: والإيجاز
على وجهين: حذف وقصر. |
|
فالحذف: إسقاط كلمة جزاء عنها بدلالة غيرها من الحال،
أو فحوى الكلام. |
|
والقصر: بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى
من غير حذف. |
|
فمن الحذف: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ومنه {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} ومنه {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ}. |
|
ومنه حذف الأجوبة: وهو
أبلغ من الذكر، وما جاء منه في القرآن كثير، كقوله جل ثناؤه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ
قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} كأنه قيل:
لكان هذا القرآن. |
|
ومنه {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}. |
|
كأنه قيل: حصلوا على
النعيم المقيم الذي لا يشوبه التنغيص والتكدير. |
|
وإنما صار الحذف في مثل هذا
أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب فيه كل مذهب. ولو ذكر
الجواب لقصر على الوجه الذي تضمنه البيان، فحذف الجواب أبلغ من الذكر. |
|
|
|
وأما الإيجاز بالقصر: |
|
فهو أغمض من الحذف،
وإن الحذف غامضا، للحاجة إلى العلم بالمواضع التي يصلح فيها من المواضع والتي لا
يصلح، فمن ذلك {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة}[1] ومنه {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}[2] ومنه {إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُس}[3]
ومنه {وَلا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}[4]
وهذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير. |
|
ولكي يدلل الرماني على روعة
الإعجاز القرآني من حيث الإيجاز، يقارن بين قولهم: "القتل أنفى للقتل"
وبين قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة}
فيقول: إن بينه وبين لفظ القرآن تفاوتا في البلاغة والإيجاز، وذلك يظهر من أربعة |
|
أوجه: أنه أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من التكلفة بتكرير الجملة |
|
وأحسن تأليفا بالحروف
المتلائمة، أما الكثرة في الفائدة، ففيه كل ما في قولهم: "القتل أنفى
للقتل" وزيادة معان حسنة منها إبانة العدل لذكره القصاص، ومنها إبانة الغرض
المرغوب فيه لذكره الحياة، ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به. |
|
وأما الإيجاز في العبارة،
فإن الذي هو نظير "القتل أنفى للقتل" قوله: {الْقِصَاصِ حَيَاة} والأول أربعة عشر حرفا
والثاني أحرف. |
|
وأما بعده من التكلفة بالتكرير
الذي فيه على النفس مشقة، فإن في قولهم: "القتل أنفى للقتل" تكريرا
غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك فهو مقصر في البلاغة عن أعلى طبقة. |
|
ثم يتابع
الرماني مستشهدا على دقة المعاني القرآنية، ومدى إعجازها البلاغي الذي يبرزه
الإيجاز متناولا هذا الإيجاز من جميع زواياه..هذا عن
الباب الأول. |
|
بيد أن هذا الباب وإن كان
عميقا إلا أنه يبين حقيقة مفهوم الرماني للإعجاز القرآني وإنما يظهر هذا المفهوم
واضحا في الأبواب التالية. ويكفي أن نقف عند بابين
اثنين من هذه الأبواب، لنتعرف مفهوم الرماني ومنهجه في إبراز أسرار هذا الإعجاز
ولنتفهم مدى عمقه في الفهم ودقة إحساسه بالمعاني القرآنية وسر بلاغها. |
|
|
|
فلنقف أولا عند باب
الاستعارة: |
|
وهو كعادته حين يقف عند
أي باب يبدأ بالتعريف وتحديد العناصر والخصائص. |
|
فالاستعارة: - كما عرفها الرماني
- تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة. ويفرق بين الاستعارة والتشبيه بدقة وعمق قائلا: "والفرق
بين الاستعارة والتشبيه أن – ما كان من التشبيه – بأداة التشبيه في الكلام – فهو
على أصله، لم يغير عنه في الاستعمال.. وليس كذلك
الاستعارة، لأن مخرج الاستعارة مخرج ما العبارة ليست له في أصل اللغة. |
|
ويتناول الرماني
الخصائص الفنية للاستعارة - كمقدمة لدراسة هذا الفن القولي
في القرآن فيقول: "وكل استعارة بليغة فهي جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما –
بالآخر كالتشبيه، إلا أنه بنقل الكلمة. والتشبيه بأداته الدالة عليه في اللغة.
وكل استعارة حسنة فهي توجب بلاغة بيان لا تنوب منا به
الحقيقة. وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة، كانت
أولى به، ولم تجز الاستعارة. وكل استعارة فلابد لها من
حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة. |
|
فإذا انتهى من هذا
الجانب التعريفي النظري، انتقل إلى الجانب التطبيقي الاستدلالي، مستشهدا بما جاء
في القرآن الكريم من الاستعارة على جهة البلاغة. فلنستمع إلى قوله في تحليل بعض
الآيات الكريمة. |
|
قال الله عز وجل: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا
مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}[5]يقول الرماني: حقيقة قدمنا هنا عمدنا،
وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر لأنه من أجل
إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم، وفي هذا تحذير
من الاغترار بال يقول الرماني: حقيقة قدمنا هنا عمدنا، وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل
على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر لأنه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب
عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم، وفي هذا تحذير من الاغترار بالإمهال.
والمعنى الذي يجمعهما العدل
لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ. |
|
وأما {هَبَاءً مَنْثُوراً} فبيان قد أخرج ما لا تقع
عليه الحاسة إلى ما تقع عليه حاسة. |
|
وقال عز وجل: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}[6] يقول:
حقيقته فبلغ ما تؤمر به، والاستعارة أبلغ من الحقيقة، لأن الصدع بالأمر لابد له
من تأثير كتأثير صدع الزجاجة، والتبليغ قد يصعب حتى لا يكون له تأثير، فيصير
بمنزلة ما لم يقع، والمعنى الذي يجمعهما الإيصال، إلا
أن الإيصال الذي له تأثير كصدع الزجاجة أبلغ. |
|
وقال عز وجل: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}[7]حقيقته (شديدة) والعتو أبلغ منه لأن
العتو شدو فيها تمرد. |
|
وقال عز وجل: {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ
مِنَ الْغَيْظِ}[8]
يقول
الرماني: "شهيقا" حقيقته صوتا فظيعا كشهيق الباكي، والاستعارة أبلغ
منه وأوجز والمعنى الجامع بينهما قبح الصوت. |
|
{تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} حقيقته من شدة الغليان
بالاتقاد، والاستعارة أبلغ منه، لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس مدرك ما
يدعو إليه من شدة الانتقام فقد اجتمع شدة في النفس، تدعو إلى شدة انتقام في
الفعل، وفي ذاك أعظم الزجر، وأكبر الوعظ، وأول دليل على القدرة وموقع الحكمة. |
|
وقال تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا
تَغَيُّظاً وَزَفِيرا}[9]
أي
تستقبلهم للإيقاع بهم استقبال مغتاظ يزفر غيظا عليهم. وقال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ}[10] وحقيقته
انتفاء الغضب، والاستعارة أبلغ. لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة فهو كالسكوت
على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال، فانتفى
الغضب بالسكوت عما يكره، والمعنى الجامع بينهما
الإمساك عما يكره. |
|
وقال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}[11] ذرني ها هنا مستعار وحقيقته: ذر عقابي ومن
خلقت وحيدا بترك مسألتي فيه، إلا أنه أخرج لتفخيم الوعيد مخرج ذرني وإياه لأنه
أبلغ، وإن كان الله تعالى لا يجوز عليه المنع، وإنما صار أبلغ لأنه لا منزلة من
العقاب إلا وما يقدر الله تعالى عليه أعظم. وهذا أعظم ما يكون من الزجر. |
|
أما الباب الثاني –
الذي سنطرقه في هذا المقال فهو باب الفواصل، والفواصل – في نظر الرماني – حروف متشاكلة في المقاطع، توجب حسن إفهام المعنى وهي في رأيه من
دلائل الإعجاز القرآني. |
|
والرماني يرى أن هناك فرقا كبيرا بين هذه الفواصل القرآنية والأسجاع، فإذا كانت
الفواصل بلاغة، فإن الأسجاع عيب، (وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع
فالمعاني تابعة لها، وهذا قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة، إذ كان الغرض الذي هو
حكمة إنما هو الإبانة عن المعاني التي الحاجة إليها ماسة، فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهو بلاغة وإذا كانت المشاكلة على خلاف ذلك فهو عيب ولكنة: لأنه تكلف من غير
الوجه الذي توجبه الحكمة ومثله مثل من نظم قلادة ثم ألبسها كلبا. وقبح ذلك وعيبه
بين لمن له أدنى فهم. |
|
ويقدم لنا الرماني لذلك مثلا
فيما يحكى عن بعض الكهان: |
|
"والأرض والسماء، والغراب الواقعة بنقعاء،
لقد نفر المجد إلى العشراء" ومنه ما يحكى عن مسيلمة الكذاب: "يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الماء
تكدرين ولا النهر تفارقين"، ثم يقول: "فهذا أغث كلام يكون وأسخفه، وهو
تكلف المعاني من أجله، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلم بها ما كانت. |
|
وفواصل القرآن كلها بلاغة
وحكمة لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها
عليها. ويرى الرماني أن فواصل القرآن الكريم على وجهين: أحدهما
على الحروف المتجانسة. |
|
والآخر على الحروف المتقاربة. |
|
فمن أمثلة الحروف
المتجانسة قوله تعالى: {طه مَا أَنْزَلْنَا
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}
الآيات، وقوله: {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الآيات. |
|
أما الحروف المتقاربة، فمن أمثلتها تقارب الميم والنون في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيم مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، وتقارب الدال مع الباء نحو قوله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} ثم قال: {شَيْءٌ عَجِيبٌ} |
|
وإنما حسن في الفواصل الحروف
المتقاربة لأنه يكتنف الكلام من البيان ما يدل على المراد ففي تمييز الفواصل
والمقاطع لما فيه من البلاغة وحسن العبارة. |
|
ويفرق الرماني بين
موسيقى العبارة الحاصلة في هذه الحالة وبين القوافي
فيقول: |
|
إن القوافي "لا
تحتمل ذلك لأنها ليست في الطبقة العليا من البلاغة، وإنما حسن الكلام فيها إقامة
الوزن، ومجانسة القوافي، فلو بطل أحد الشيئين خرج عن
ذلك المنهاج، وبطل ذلك الحسن الذي له في الأسجاع، ونقصت رتبته في الأفهام. والفائدة في الفواصل دلالتها على المقاطع،
وتحسينها الكلام بالتشاكل، وإبداؤها في الآي
بالنظائر. |
|
هذا هو مفهوم الرماني
للإعجاز البلاغي للقرآن، كما عرضه في رسالته. ولا شك
أننا لا حظنا أن أسلوبه في عرض أفكاره كان علميا منطقيا يحتاج في كثير من
المواضع إلى الجهد في فهمه وتتبعه. وذلك لغلبة الطابع الكلامي والمنزع الاعتزالي الذي يجنح فيه إلى المجادلة
والمناقشة. |
|
د. أحمد
جمال العمري. |