|
|
|
رسائل لم يحملها البريد |
|
لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
|
|
أنت... |
|
أنت الذي لا أكنيك في مطلع
هذه الرسالة ولا أسميك، ولا ألقبك ولا أناديك، فأنا أخشى على قارئي أن يروع قلبه
بذكرك، وأن يزلزل جسمه باسمك فيلقى بهذه المجلة جانبا ثم هيهات أن يعود. |
|
أنت لست سيفا صقيلا ولا رمحا طويلا، لست رصاصا يدمدم ويئز
ولا قنابل تدمر وتهز، لست زلزالا يطيح بالجبال ويفجر البراكين ويبتلع القرى
والمدن، ولا إعصارا يطوي ما حملت فوق
ظهورها المحيطات، وينسف ما ازدانت به شواطئ وشواطئ ولا وباء يترك الناس هشيما وترابا.
ومع ذلك فكل أولئك -أيها الموت- بعض جندك، وجزء صغير من مملكتك. |
|
لقد أرسلك الله - أيها
الموت - نعمة من للعالمين ونقمة، فما أحلاك حينا وما أمرك أحيانا، ما أحلاك حين
تدك الظلم وتدق أعناق الظالمين،وما أمرك حين تدرك
أحباء مقربين وحكاما مصلحين وعلماء كانوا مصابيح هدى ومعالم إرشاد. |
|
لا أدري أيها الموت
لماذا أذكرك كثيرا هذه الأيام ولا أكاد أنساك أتراني أصبحت قريبا من أجلي، أم أن
مصارع المسلمين المنبثة على كل أرض، ودماءهم السائلة هدرا في كل واد – جعلتك حيا
في قلبي لا تنسى، شاخصا أمام عيني لا تحتجب؟! |
|
ومهما يكن من أمر فأرجو
أيها الموت ألا يطوف بخلدك أني أكتب إليك هذه الرسالة خوفا وطمعا أو تملقا وزلفى،
فأنا أعلم أن ليس لك من الأمر شيء، وأن الأمر كله بيد الله يصرفه كيف يشاء. |
|
على أن الحياة في هذه
السنوات العجاف قد أمست خاوية عجفاء، ليست خليقة بأن
يتملق في سبيلها ويتزلف، فهي لا تعدو ليلا يقبل ويدبر، وشمسا تشرق وتغرب، وأطعمة
مأدومة بالقلق، وأشربة مر نقة بالخوف والضياع. |
|
لقد فقدت الحياة مثلها
العالية وغاياتها السامية ونواياها الطيبة،فقدت نفسها
المطمئنة وقلبها البريء، فقدت نورا يشع في أحناء الصدر ورجعي تطمئن بها
الأفئدة، فقدت كل هذا على الرغم من هذه المظاهر الجذابة التي تبهر الأعين وهذه
الدعاوى الخلابة التي تملأ الأسماع. |
|
أرجو ألا تسيء فيما
قلته الفهم فتظن أني كرهت الحياة وطبت نفسا بلقائك،
لا، لم يبلغ بي الأمر هذا الحد بعد، على الرغم من أني قد سلخت من حياتي نيفا
وخمسين عاما، وحاولت مرارا كثيرة أن أقنع نفسي بالإخلاد إلى باطن الأرض بدلا من
ظهرها، ولطالما قلت لها:علام التعلق بهذه الحياة، وفيم هذا الحرص الشديد على
العيش، وحتى متى هذا السعي الذي لا يكاد يفتر في ليل أو نهار؟! |
|
يكفيك يا نفس ما من فرح
وترح، وما قضيت من خير وشر،؟ ام
يعد بك قدرة على التزود بالأعمال الصالحة، فقد أفسدت الحياة الحديثة على
الصالحين صلاحهم، ملأت عليهم عيونهم وأسماءهم ودخلت عليهم بيوتهم من غير أبوابها
بلا استئذان، فما استطاعوا لها منعا وما استطاعوا لها دفعا، وغلبوا على أمرهم
فهم يستغفرون الله بكرة وعشيا. |
|
لا، لا أيها الزائر
الذي لا مفر منه، لم أبغض حياتي بعد، ولم أطلب نفسا بلقائك،
ولا أريد أن أتعجل زيارتك التي لا محيص عنها، إنه ليخيل إلى نفسي - وإن كانت لا
تدري ماذا تكسب غدا - إنه ليخيل إليها أنه لا يزال في حياتي بقية أسأل الله أن
تكون نافعة صالحة، وليس الإنسان كما يخيل إلى بعضهم زورقا مرجحنا
هلك ملاحه فوق غوارب موج أرعن. |
|
لا أريد بهذا القول أن
أبرر طول حياتي، ولا أن أقنعك بالتخلي عني إلى حين، فأنا أعلم علم اليقين أن
الأعمار لا تطول ولا تقصر بما لدى أصحابها من حجج، ولا تسرع ولا تبطئ بما لدى
أصحابها من نفع وضر، وأعلم كذلك أنك لا تسير في هذه الحياة حسب منهج يعرفه
العقل، أو طريقة تهواها الأنفس، فلله فيك وفي صرعاك شؤون أغلقت دون فهمها
الأبواب، ولله في قضائه وقدره حكم لا يعلمها إلا هو. |
|
على أنني أود أيها الموت أن
أصارحك وأقول:إنني رجل ما أكثر ما تتغشاني الأحلام،
أحلام اليقظة لا أحلام المنام، ما أكثر ما ألقي بجسمي على الفراش، وأترك خيالي
يهيم قريبا مني كالفراش، أو يحلق بعيدا عني كالسحب، أو يطير عاليا عاليا مع مواكب النجوم. |
|
ولأحلام اليقظة عند علماء
النفس تفسيرات وتعليلات لا يعنيني ولا يعنيك أن أقصها عليك، وإنما الذي يعنيني
أن أقص عليك حلما رأيته ذا علاقة وثيقة بك: |
|
لا أدري متى كان ذلك،
أكان ذات صباح أم ذات مساء، وإنما الذي أذكره أنني سمعت مناديا ينادي: من أراد
أن يمتد عمره بضعة قرون، وأن تطول حياته مئات السنين، فليختر لنفسه عملا يتقنه
وينفع به الناس، لا يقصر فيه ولا يهمل، ولا يخادع فيه ولا يحتال، ومن أراد أن
يدنو أجله فلا يزيد على بضع ليال وقليل أيام فليختر لنفسه عملا يتخون فيه حقوق الناس، ويتبع فيه هوى النفس. |
|
وتعالى النداء يدوي في
الأرجاء يصخ الآذان في كل ميدان، ويهز النائم واليقظان، وأصبح الناس من ذاك
النداء في أمر مريج، قد أصابهم ّذهول وفزع، وأخذتهم
حيرة وتردد. |
|
وما كان أشد دهشتي حين
رأيت جماعات كثيرة من المدرسين على اختلاف الثقافات والشهادات يقدمون
الاستقالات، ثم يتفرقون في البلاد سعيا وراء أعمال أخر هم بها أجدر وأشد لها
إتقانا، وهم عليها أقدر وأكثر إحسانا. |
|
ورأيت أطباء الحكومة يوفضون إلى عياداتهم مبكرين، لا يبرحونها وقت الدوام، ولا
يغلقونها في وجوه المرضى يكلمون زائريهم بلطف ويسألونهم بعطف، ويفحصونهم بأناة
ودقة، ثم هم يقدمون لهم العلاج بلا من ولا ضن، لا يخصون الفقراء بما رخص من
الدواء، ولا يدخرون الجيد الغالي لمن يرجى نفعه أو يخشى ضرره. |
|
رأيت مستشفيات متحركة
وصيدليات متنقلة، وأطباء يرحلون إلى القرى البعيدة والأماكن النائية، يقضون على
الأوبئة، قبل أن تتمكن، ويستأصلون الأمراض قبل أن تعمر وتستوطن. |
|
وفي مساجد كثيرة على شتى
الديار واختلاف الأقطار، رأيت المصلين يموج بعضهم في بعض يتلفتون يمنة ويسرة،
ويتساءلون في لهفة وحسرة، ما بالك يا منابر الجمعة حزينة لا تخطبين وما بالك يا
مجالس الوعظ صامتة لا تعظين؟! |
|
أين أولئك الذين كانوا يفقهوننا في الدين، ويهدوننا الصراط المستقيم،
ويأمروننا بالمعروف وينهوننا عن المنكر؟!أتخالينهم حبسوا عنك فغابوا، أم تظنينهم
سلكوا طريق السلامة وأغراهم حب الحياة؟! |
|
ورأيت الموظفين يغدون
على مكاتبهم مبكرين، ويقبلون على أعمالهم ناشطين
ويستقبلون مراجعيهم منجزين، لا يعدونهم مطالا، ولا
يقولون لهم قولا غليظا. |
|
رأيت الكتاب والشعراء
ورجال الصحافة قد كسروا أقلام النفاق، وأراقوا حبر الكذب، وأخذوا يكتبون صادقين،
وينشرون غير منافقين، قد طلعوا على الناس بأفكار ومعارف تثقف وتنفع، وآداب تهذب
وترفع، ليس فيها قصص تخدير وإسفاف، ولا مقالات يداف
فيها السم الزعاف، ولا دعوات تلبس الحق بالباطل. |
|
ومررت بالكسالى
والعاطلين وأحلاس المقاهي والملاهي، وأولئك المترفين
الذين يقضون حياتهم سائحين، فإذا هم في حيرة، قد علت وجوههم صفرة، وزاغت منهم
الأبصار. |
|
ورأيت المتقين مشفقين من طول الحياة، قد طابت نفوسهم بلقاء الله، يخافون
على أنفسهم من هذه الفتن التي تتوالى كقطع الليل، قد رضوا بما كتب الله لهم في
هذه الدنيا من حياة قصيرة. |
|
ومررت بالمقابر - وكنت أتوقع
أن تكون خالية ليس فيها عين تدمع ولا قلب يجزع - فإذا الجنائز طبقات بعضها فوق
بعض، وإذا الحفر قد غصت بالموتى وفاضت بالجثث، فقلت في همس حزين: يا للمساكين!
لقد كانوا عن ذاك النداء غافلين، فجاءوك عجالا أيها
الموت وهم لا يشعرون. |
|
وإذا قائل يقول :لقد أسمعهم ذلك المنادي، وصلصل
في آذانهم ذياك النداء، ولكن غلبت عليهم شقوتهم في
الحياة الدنيا، والله أعلم بهم في الآخرة. |
|
-
عجبا !
من يكون هؤلاء إذن ؟! |
|
-
هؤلاء
نسوة اغتصبن أعمال الرجال، وتركنهم عاطلين ليس لهم مورد رزق وفوق ذلك كانت رواتبهن تذهب ضياعا،لا تسد خلة ولا تدفع عادية،
كانت تنفق إسرافا وتبذيرا في أدوات الزينة والتجميل، وفي (موضات) الفساتين
والأحذية، ليتها كانت تنفق على أبوين عاجزين أو على صبية صغار، ولكن النسوة
اللاتي من هذا القبيل قليل، وما أراه أمام عيني من الموتى كثير ! |
|
- مع هؤلاء النسوة رجال وثقت بهم حكوماتهم فوكلت ‘ليهم تصريف
أمور الناس
والأشراف على مصالح الشعب، فاتخذوا من وظائفهم مكاتب تجارة ومصايد ثروة وسياط
إرهاب وتهديد . |
|
-
ولكن من
تصف قليل، وما أراه كثير |
|
-
مع هؤلاء
و أولئك أناس ... |
|
وهنا يقرع جرس الباب، فأستيقظ من حلمي أسرع
من ذاك القارع، وإذا امرأة تسأل إحسانا، قد حملت على حضينها
شبح طفل، وعلى الآخر حملت ظلا لك يا موت ! |
|
وحين رأيتها وسمعت صوتها تذكرت
ما كنت فيه من حلم وعرفت بعض من كانوا في أولئك الموتى. |
|
كان فيهم أناس يكنزون
أموالهم وفيها حق للسائل والمحروم، وكان فيهم تجار
يرفعون أسعارهم نهما وظلما فلا يقدر عليها جائع، ولا يستطيعها فقير مضيع. |
|
وهكذا انتهى حلمي أيها
الموت وانتهت رسالتي إليك، ولكن قبل أن أقول وداعا أحب أن أقول فيك كلمة حق،
أرجو ألا تعدها من هذه المجاملات الكاذبة التي اعتادها الناس، ولا من ذاك التزلف
المريض الذي مرد عليه بنو آدم : |
|
لو لم يكن هناك جوع ما
أحس آكل لذة الطعام، ولو لم يكن هناك مرض ما شعر سالم بمتاع الصحة، ولو لم تكن
أنت أيها الموت مقيما معنا في هذا العالم ما ذقنا لذة الحياة، ولا رضعنا هذه
الدنيا أفاويق حلوة، ولا عرفنا إحسان كثير من ذوي
الإحسان، ففيك خير ولك منافع، وماأنت بشر محض. |
|
والآن لا أستطيع أن
أقول وداعا، وداعا أيها الموت، وداعا على أجل قريب أو بعيد، وداعا إلى أن يأتي
أمر الله ، وكان أمر الله قدرا مقدورا. |
|
كل ما خلق الله إلى موت
حتى أنت أيها الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام. |