طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

أضواء من التفسير

لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

 

قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر}

المناسبة:

لما كانت عاد هي التي أعقبت قوم نوح في التاريخ ذكرها عقيبها هنا.

 

القراءة:

قرأ الجمهور "في يوم" بغير تنوين يوم، وقرئ بتنوينه.

 

المفردات: 

"صرصرا" أي شديدة الصوت أو البرد إما من صرير الباب وهو تصويته أو من الصر الذي هو البرد.

"نحس"  أي طار غباره في أقطار السماء، وامتلأ شرا على الكافرين.

"مستمر"  ممتد الشر أو قويه ، "تنزع"   تقلع،  " أعجاز"   أصول.

" منقعر"  منقلع من أصله.من قعرت الشجرة قعرا إذا قلعتها من أصلها فانقعرت،  وقعرت البئر نزلت حتى انتهيت إلى قعرها. وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى انتهيت إلى قعره .

 

التراكيب:

قوله : {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}  إنما عرف عاد بالعلمية وعرف قوم نوح بالإضافة لأنه لما كانت عاد علما لقوم هود كان مقتضى المقام تعريفها بالعلمية،لأنها أبلغ في الذكر من التعريف بالإضافة، ولما لم يكن لقوم نوح علم عرفها بالإضافة إلى نوح. والفاء في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} للترتيب على محذوف تقديره : فعذبوا فكيف كان عذابي ونذر.

وقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} استئناف لبيان ما أجمل أولا من العذاب. وقوله: {تَنْزِعُ النَّاسَ} يجوز أن يكون صفة للريح أو يكون حالا منها لأنها وصفت فقربت من المعرفة. ويحتمل أن يكون مستأنفا. وإنما قال: "تنزع الناس" ولم يقل: تنزعهم فوضع الظاهر موضع الضمير ليشمل ذكور هم وإناثهم. وقوله: "كأنهم أعجاز نخل منقعر" في محل نصب على الحال من الناس وهي حال مقدرة، وقيل في الكلام حذف والتقدير: فتتركهم كأنهم أعجاز نخل. وإنما شبهوا بأعجاز النخل وهي أصولها بلا فروع لطولهم، ولأن الريح كانت تقلع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس وإنما ذكر الصفة وهي منقعر بالنظر إلى لفظ النخل. والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث. والتذكير هنا أولى لمناسبة الفواصل. وأنث في الحاقة فقال: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} بالنظر إلى المعنى ولمناسبة الفواصل فيها.

 

المعنى الإجمالي:  

جحدت قوم هود رسالة هود فعذبوا فكان عذابهم عجيبا غريبا. إنا سلطنا عليهم ريحا شديدة الصوت أو البرد في يوم تطاير شره عليهم، وامتد بلاؤه، تقلع ذكورهم وإناثهم، من حفر الأرض المندسين فيها، وتصرعهم على رؤوسهم، فتدق رقابهم، فتبين الرأس من الجسد، مشبهين بأصول نخل لا فروع لها، وقد قلعت من مغارسها، لقد عذبوا فكان عذابهم عجيبا، إنا سهلنا القرآن وهيأناه للتلاوة والحفظ فهل من متعظ موجود.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1- بيان نوع العذاب الذي عذب به قوم هود.

2-حالتهم البشعة عند نزول العذاب عليهم.

3-تخويف قريش وتهديدهم.

4-الإعذار بتيسير أسباب المعرفة.

 

قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}  .

 

المناسبة:

لما كانت ثمود تعقب عادا في التاريخ أتى بها عقيبها في الذكر.

 

القراءة:

قرأ الجمهور {أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً} بنصبهما ، وقرئ {أَبَشَرٌ مِنَّا وَاحِدٌ}  برفعهما.

وقرأ الجمهور {سَيَعْلَمُونَ}  بالياء وقرئ بالتاء.

 

المفردات:  

"واحدا "  أي منفردا لا تبع له. أو"واحدا "  يعني من آحاد الناس وليس بملك ولا من أشرافهم. " نتبعه"  ننقاد له، "ضلال " حيرة وميل عن الصواب وذهاب عن الجادة . "سعر"  أي من قولهم ناقة مسعورة إذا كانت تفرط في سيرها كأنها مجنونة. قال الشاعر:

كأن بها سعرا إذا العيس هزها

زميل وإزجاء من السير متعب

وفسر قتادة السعر بالعناء. وقيل السعر النيران جمع سعير وهو وقود النار.

" ألقي " أنزل . " الذكر " الكتاب والوحي . "أشر " أي متكبر بطر يريد العلو علينا. " غدا " يراد به هنا الزمان المستقبل لا الذي يلي خطابهم. قال الطرماح:

ألا عللاني قبل نـوح النوائـح

وقبل اضطراب النفس بين الجوانح

وقبل غد يا لهف نفسي في غد

إذا راح أصحابي ولسـت برائـح

يريد وقت الموت لا غدا بعينه. {مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ}  أي موجدوها ومخرجوها من الصخرة . " فتنة" أي ابتلاء واختبارا. "فارتقبهم" فانتظر يا صالح ما هم صانعون وما يصنع بهم." واصطبر" أي اصبر على أذاهم وتجمل بالصبر.

"ونبئهم"  أي أخبرهم إخبارا عظيما عن أمر عظيم . "قسمة" أي مقسوم لها يوم ولهم يوم. "شرب" نصيب من الماء. "محتضر" يحضره صاحبه في نوبته. "فنادوا" أي دعوا رجلا ليقتلها. "صاحبهم" هو قدار بن سالف كما عن محمد بن إسحاق. "فتعاطى" فتناول السيف. والتعاطي تناول الشيء بتكلف. "فعقر" أي فقتل الناقة، من العقر وهو الجرح أو منعقر النخلة إذا قطع رأسها. "كهشيم" كحشيش يابس يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته فتفتته، أو ما يتفتت من الشجر الذي يتخذه للحظيرة. "المحتظر" صانع الحظيرة وهي ما يصنعه العرب وأهل البوادي للمواشي والسكن من الأغصان والشجر والقصب، من الحظر وهو المنع لأنها تمنع ما بداخلها وتحفظه من الذئاب والسباع والحر والبرد.

 

التراكيب:

قوله: {أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ} الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي وبشرا مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ومناصفة. "واحدا" صفة ثانية وجملة "نتبعه" تفسير للفعل المحذوف لا محل لها من الإعراب. وأما على قراءة : {أَبَشَرٌ مِنَّا وَاحِدٌ نَتَّبِعُهُ} بالرفع فيهما فبشر مبتدأ ومنا واحد صفتان له وخبره "نتبعه" والتنوين في إذا عوض عن المضاف إليه المحذوف أي إذا اتبعناه. والاستفهام في قوله:  "أ ألقي" للإنكار . وقوله: "ستعلمون" بالتاء على الالتفات لتشديد التوبيخ أو على حكاية ما أجابهم به صالح. وقوله:

"من الكذاب الأشر" من استفهامية معلقة ليعلمون عن العمل وهي مبتدأ. والكذاب خبرها والجملة سدت مسد المفعولين . وقوله: {إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ} مستأنف . وقوله: "فتنة" مفعول لأجله والفاء في قوله: "فارتقبهم" فصيحة. والطاء في قوله: "واصطبر" بدل من تاء الافتعال. وقوله : {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ} الفاء للعطف على محذوف أي فملوه فهموا بقتل الناقة فنادوا صاحبهم. ومفعول 

"تعاطى" محذوف لظهوره وكذلك مفعول عقر.

 

المعنى الإجمالي:

جحدت قوم صالح الإنذارات التي جاءت عن الله، وأنكروا أن ينقادوا لرجل واحد من جنسهم، قائلين: إنا إن انقدنا له لفي حيرة وبعد عن الصواب وجنون.

أ أنزل عليه الكتاب والوحي دوننا مع أنه ليس بأشرفنا ولا أكثرنا مالا. بل هو كثير الافتراء بطر متكبر يريد العلو علينا. عن قريب يتبين لهم أيهما المفتري المتكبر أهو صالح أم هم؟ إنا مخرجو الناقة من الصخرة –كما بعثناك من بينهم- اختبارا وابتلاء لهم، فانتظر يا صالح ما هم صانعون وما يصنع بهم.

وتجمل بالصبر حتى يأتيك النصر، وأخبرهم إخبارا إعظاما أن ماء البئر الذي يشربون منه مقسوم بينهم وبين الناقة، كل نصيب من الماء يحضره صاحبه في نوبته فملوا وهموا بقتل الناقة، فنادوا أحد رجالهم المبالغين في الضلال، فتناول سيفا فقتل الناقة، فأهلكناهم فكان إهلاكهم بعذاب عجيب.

إنا بعثنا عليهم صوتا فظيعا مرة واحدة من جبريل فصاروا شبه حشيش يابس داسته المواشي في الحظيرة. ولقد هيأنا القرآن للحفظ ويسرناه للتلاوة فهل من متعظ موجود.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-إنكار ثمود للنذير البشري.

2-زعمهم أن اتباع الرسل بعد عن الصواب وجنون.

3-رمي صالح بالكذب والتكبر.

4-تهديدهم بعقاب عاجل.

5-تدميرهم لما كذبوا الرسل.

6-كان تدميرهم الفظيع في غاية السهولة.

7-في القرآن مواعظ فاتعظوا.

 

قال تعالى : {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}

 

المناسبة:

لما كانت قرى لوط المؤتفكة هي أقرب دورا لها لكن إلى ديار ثمود من جهة الشام في طريق أهل مكة ذكرها هنا عقيبها لأنهم يمرون عليهم مصبحين وباليل

 

القراءة:

قرأ الجمهور "بكرة" بالتنوين. وقرئ بغير تنوين.

 

المفردات:

"حاصبا"  أي ريحا  شديدة تحصبهم أي ترميهم بالحصباء وهي صغار الحجارة. " آل لوط" هم لوط وابنتاه. " نجيناهم"   خلصناهم. "بسحر"  أي قبيل انصداع الفجر. " أنذرهم"  خوفهم وحذرهم. " بطشتنا" أخذتنا الشديدة بالعذاب.

" فتماروا"  فتشككوا وكذبوا وهو مشتق من المرية. " بالنذر"  بالأمور التي خوفهم بها لوط. " راودوه"  أي طلبوا منه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبينهم وأن يمكنهم  من هؤلاء الأضياف للفاحشة. "ضيفه" الملائكة الذين زاروه للبشارة بنصر الله وتدمير المكذبين. " طمسنا أعينهم"  أعميناهم ومسحنا أعينهم، وسويناها كسائر الوجه من الطموس وهو الدروس والإغماء " فذوقوا عذابي"  فاختبروا طعمه، وهذا على سبيل التكبيت بسبب إنكارهم. " صبحهم"  أتاهم عند الصباح. " بكرة"  غدوة في أول النهار. " مستقر"  دائم متصل بعذاب الآخرة.

 

التراكيب:

 قوله: " إلا آل لوط"  الاستثناء متصل، ولم يرسل الحاصب على آل لوط. وقوله: " نجيناهم بسحر"  استئناف بياني كأن سائلا سأل وماذا حصل لآل لوط؟ فقيل: نجيناهم بسحر. يعني أنهم خرجوا من البلد قبل إرسال الحاصب على أهلها، فإن آل لوط خرجوا بسحر يعني قبيل الفجر، وأرسل الحاصب في الصباح بعد خروجهم كما قال: " إن موعدهم الصبح"  . وتنوين " بسحر"  لأنه لا يراد هنا سحر بعينه.

وقوله: " نعمة"  مفعول مطلق ملاق لعامله في المعنى وهو " نجيناهم"  لأن الإنجاء نعمة.

ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل نجينا. وقوله: " فتماروا بالنذر"  إنما عدي " فتماروا"  بالباء لأنه ضمن معنى التكذيب فعدي تعديته.

وقوله: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} الفاء داخل على محذوف تقديره فقلنا لهم ذوقوا. "وذوقوا عذابي" مقول لهذا القول المحذوف.

 

المعنى الإجمالي:

لم تصدق جماعة لوط بالأمور المنذرة لهم على لسانه، إنا سلطنا عليهم ريحا ترميهم بالحصباء إلا لوطا وابنتيه. خلصناهم قبل انصداع الفجر. إنعاما منا عليهم. مثل ذلك الإجزاء نثيب من اعترف بنعمتنا وأطاع أوامرنا. والله لقد خوفهم لوط أخذتنا الشديدة بالعذاب فتشككوا وكذبوا بالإنذارات ووالله لقد طلبوا منه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبين أضيافه من الملائكة للفاحشة فمحونا أعينهم، وسوينا وجوههم، فلم يبق بها أثر للأعين، وصارت كسائر الوجه. فقلنا لهم اختبروا طعم عقابي وإنذاراتي. وبالله لقد نزل بهم وقت الصباح أول النهار عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة. فقلنا لهم: اختبروا طعم عقابي وإنذاراتي. وتالله لقد هيأنا القرآن للتلاوة وسهلناه للحفظ فهل من متعظ موجود.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1- إنكار قوم لوط للنذير.

2- تدمير المكذبين.

3- إنجاء المؤمنين.

4- الشكر يدفع الله به البلاء.

5- نصح لوط عليه السلام لقومه

6- تسليط أنواع من العذاب عليهم.

7- اتعظوا يا أهل مكة.

 

قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}

 

المناسبة:

لما كانت قصة آل فرعون من أشهر القصص لدى أهل مكة، وكانت بعد قوم لوط بزمان ختم بها القصص الواردة في هذه الصورة.

 

القراءة:

قرأ الجمهور " أم يقولون"  بياء الغيبة وقرئ بتاء الخطاب. وقرأ  الجمهور "سيهزم الجمع"  بالياء للمفعول وضم العين، وقرئ "ستهزم"  بالتاء مبنيا للفاعل، وقرئ بالنون مبنيا للفاعل، وقرئ "ويولون"  بالياء وقرئ بالتاء. وقرئ " إنا كل شيء "  بنصب كل. وقرئ برفعهما شذوذا. وقرأ الجمهور " ونهر"  بفتح النون والهاء وقرئ بضمها.

 

المفردات:

"النذر"  الإنذارات والتحذيرات على لسان موسى وهارون. " بآياتنا"  أي حججنا التسع وهي العصا واليد والسنين والطمس والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. " عزيز" قوي غالب. " مقتدر"  قادر لا يعجزه شيء. " خير"  أقوى وأشد وأعظم مكانة في الدنيا. " براءة"  أمن وعهد بالنجاة وعدم المؤاخذة. " الزبر"  الكتب الإلهية. " جميع"  أي جماعة مجتمع أمرنا فكلنا يد واحدة. " منتصر"  لا نرام ولا نضام ولا نغلب. " سيهزم"  سيدحر. " الدبر"  هو هنا اسم جنس وهو كناية عن الهزيمة والقهر فكأنهم يمكنون أعداءهم من أدبارهم ليضربوها. " أدهى"  أعظم داهية وبلية. والداهية الأمر الفظيع الذي  لا يهتدى إلى الخلاص منه " أمر"  أشد مرارة. " يسحبون"  يجرون. " مس سقر"  إصابة جهنم. وسقر مشتق من سقرته الشمس أو النار أي لوحته بمعنى غيرت جلده ولونه من ملاقاة حرها أو أحمته. " بقدر"  أي بتقدير. والقدر اسم لما صار مقدرا عن فعل القادر، يقال قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد. " واحدة"  أي كلمة واحدة هي كن . " لمح"  اللمح النظر بالعجلة يقال لمحه إذا أبصره بنظر خفيف. " أشياعكم"  أشباهكم في الكفر. " الزبر"  جمع زبور وهو الكتاب يعني ديوان الحفظة. " مستطر"  مكتتب مسطور في اللوح. يقال سطره واستطره إذا كتبه فهما بمعنى واحد. " جنات"  بساتين. " نهر"  بفتحتين وهي اللغة العالية وهي أفصح من نهر بفتح النون وسكون الهاء. وقد أريد به الجنس أي أنهار. يعني من ماء غير آسن ومن لبن لم يتغير طعمه ومن عسل مصفى ومن خمر لذة للشاربين. " مقعد"  مجلس. " صدق"  أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم. " مليك"  عزيز الملك تام السلطان.

 

التراكيب:

قوله: {وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} إنما صدر القصة بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات، وإنما اكتفى بذكر آل فرعون للعلم بأن نفسه أولى بذلك. وقوله: {كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا} استئناف بياني كأنه قيل فماذا فعل آل فرعون حينئذ؟ فقيل كذبوا بآياتنا كلها. والفاء في قوله: " فأخذناهم"  مفيدة للسببية. والاستفهام في قوله: "أكفاركم خير من أولئكم"  للتبكيت. والضمير في "أكفاركم"  لقريش. والإشارة للأمم الهالكة المعدودة من قوم نوح إلى فرعون. وأم في قوله: "أم لكم براءة في الزبر"  منقطعة بمعنى بل والهمزة المفيدة للتبكيت.والإضراب فيه انتقالي من التبكيت بما ذكر أولا إلى التبكيت بما ذكر ثانيا. وقوله: َمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} أم فيه منقطعة بمعنى بل والهمزة التي للتبكيت أيضا. والإضراب فيه كذلك للانتقال من التبكيت المذكور إلى وجه آخر من التبكيت. والالتفات على قراءة الجمهور للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض وإسقاطهم عن رتبة الخطاب. وإنما لم يقل : جميع منتصرون، بل قال: "جميع منتصر"  على الإفراد باعتبار لفظ جميع. وبل في قوله: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُم} للانتقال من تهديدهم بعذاب فظيع إلى تهديدهم بعذاب أدهى وأمر. وإنما وضع الظاهر موضع الضمير في قوله: "والساعة أدهى"  بدل وهي أدهى لزيادة تهويلها. وقوله: "إن المجرمين"  استئناف لبيان أحوال الكافرين.وقوله: "يوم يسحبون"  معمول لقول مقدر تقديره: يقال لهم ذوقوا مس سقر يوم يسحبون ، ويجوز أن يكون منصوبا  بما يفهم من قوله: "في ضلال وسعر"  أي كائنون في ضلال وسعر يوم يجرون. وسقر ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. وقوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} على قراءة الجمهور بنصب 0"كل" وهو منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور بعده. والباء في قوله: " بقدر"  للملابسة. وأما على قراءة الرفع فهو مبتدأ أو خبره خلقناه والمبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن. وعلى هذا فكل من قراءة الرفع والنصب يثبت القدر الذي يجب الإيمان به. والتقدير على قراءة النصب إنا خلقنا كل شيء خلقناه حالة كونه متلبسا بتقديرنا. والتقدير على قراءة الرفع إنا كل شيء مخلوق لنا حالة كونه متلبسا بتقديرنا.

وقوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} استئناف لبيان حسن حال المؤمنين عقيب بيان سوء حال الكافرين على سبيل الترهيب والترغيب. وقوله: "في مقعد صدق"  في محل رفع خبر ثان لإن. والإضافة في مقعد صدق من إضافة الموصوف إلى صفته. وقوله: "عند مليك مقتدر"  في محل رفع خبر ثالث لـ"إن". ومن تمت له هذه الخصال فقد كملت له الآمال.

 

المعنى الإجمالي:  

والله لقد أتى قوم فرعون الإنذارات والتحذيرات على لسان موسى وهارون. لم يصدقوا بالخوارق التسع جميعها، فأهلكناهم إهلاك قوي غالب قادر لا يعجزه شيء, أكفاركم يا قريش أقوى وأشد وأعظم مكانة في الجناية من هؤلاء المكذبين المذكورين الذين دمرناهم؟ بل ألكم عهد بالنجاة في الكتب الإلهية .بل أيقولون نحن يد واحدة لا نرام ولا نضام ولا نغلب . ستدحر جماعتكم ويضرب المسلمون ظهورهم يعني يوم بدر.

بل لكم الويل يوم القيامة، ولعذاب القيامة أعظم داهية وبلية وأشد مرارة.

إن المشركين في حيرة وجنون أو نيران متقدة يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم اختبروا طعم إصابة سقر وأحسوا بهل وقاسوا حرها. إنا أوجدنا كل شيء أوجدناه بتقدير منا وعلم سابق لوجوده. وما أمرنا لشيء نريد إيجاده إلا بكلمة واحدة كإشارة بالعين في السرعة وهي كن فيكون. ووالله لقد دمرنا أشباهكم وأمثالكم في التكذيب فهل من متعظ موجود. وكل شيء يعمله هؤلاء مكتوب في كنب الحفظة. وكل صغير وكبير من العمل مكتتب في اللوح المحفوظ.

إن الذين يخافون الله فيتخذون لأنفسهم وقاية من عذابه  بطاعته في بسبتين وأنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ومعه عسل مصفى ومن خمر لذة للشاربين. إنهم في مجلس صدق وحق لا لغو فيه ولا تأثيم. إنهم لدى عزيز الملك تام السلطان قد كملت لهم الطيبات بفضل الله تعالى.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-  تكذيب آل فرعون بجميع الآيات.

2-  تدميرهم تدميرا شنيعا بسبب التكذيب.

3-  ليست قريش أشد قوة من هؤلاء الهالكين.

4-  وليس لهم عهد بالنجاة في الكتب الإلهية.

5-  تهديدهم بعذاب آجل هو أشد وأفظع.

6-  تهديدهم بعذاب عاجل لابد منه.

7-  جميع المخلوقات بتقدير الله عز وجل.

8-  لا يصعب على الله إيجاد ولا إعدام.

9-  جميع أفعال العباد مدونة محفوظة .

10-سعادة المتقين وتمام نعمة الله عليهم.