|
|
|
جوانب من
حياة الرسول صلى الله عليه وسلم |
|
الدكتور عبد الباقي علي
قصة |
|
|
|
أهم ما يميز الرسالة
التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة الإسلام إنها تاريخية جامعة
كاملة عملية، أما أنها تاريخية، فلأن
التاريخ لم يقف عند حد تدوين سيرته، بل تناول كل ما يتعلق به من جميع النواحي،
وحفظ الله ما نزل عليه من آيات القرآن الحكيم . . |
|
ووقف جماعة من المسلمين
حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقواله وأفعاله وتقريراته،
فكان رواة الحديث والمحدثين وأصحاب السير طبقات من الصحابة والتابعين، وتابعيهم
حتى نهاية القرن الرابع من الهجرة، فلما اكتملت السنة جميعا وكتابة وتدوينا، كتب
العلماء سير هؤلاء الرواة من الصحابة فيما عرف بعلم الرجال، وكانت هذه الرسالة
كاملة لأنها شملت جميع أطوار حياة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ البعثة، فحياة
محمد منذ بعثته إلى وفاته معلومة، وهو في حياته، لم يحتجب عن عيون قومه، وقد روى
التاريخ من سيرته اشتغاله بالتجارة وكيفية زواجه، ثم علموا حاله بعد أن نزل عليه
الوحي، وحين واجههم وحين خالفوه، وعرفوا جهاده في سبيل إعلاء كلمة الله، وبذله
النفس والنفيس في سبيل تبليغ دعوة الإسلام، وقد جمع علماء المسلمين من شؤون حياة
النبي وأحواله حتى لم يبق شيء لم يذكروه، فقد "وصفوه في قيامه وجلوسه
ونهوضه من النوم وهيئته في ضحكه وابتسامه وعبادته في ليله ونهاره"[1]
ووصفوا حياته العائلية، وطهارته من الغسل والوضوء. بل أنهم تحدثوا عن
هديه في تناول الطعام والشراب وركوب الدواب والبيع
والشراء والتعامل مع الناس ومع أهله[2]
وتناولوا المأثورات من أدعيته[3]. |
|
وعلى الجملة فقد أذن
النبي لمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه، وهو إذن عام يشمل ما يكون في بيته أهله
وعياله وكان أصحابه وأزواجه يتناولون ذلك، ويسأل بعضهم بعضا عنه، وقد استمر
الأمر على هذا منذ بعثه إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى. |
|
إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يخف عن أصحابه أمرا من أموره، ويكفي أن تقول عائشة رضي الله عنها:
"لا تصدقوا من يزعم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتم مما أوحي
إليه، فلم يبده للناس". |
|
يقول المستشرق
الإنجليزي باسورث سميث: "ترى الشمس ها هنا بارزة
بيضاء تنير أشعتها كل شيء وتصل إلى كل شيء، لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم
عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا أو تبقى منها أمور
مجهولة، بيد أن التاريخ الخارجي لمحمد صلى الله عليه وسلم نعلم جميع تفاصيله من
نشأته إلى شبابه وعلاقته بالناس وروابطه وعاداته ونعلم أول تفكيره وتطوره
وارتقاءه التدريجي" إلى أن يقول: "وإن عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل
له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وأنه لم
يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكا يعتد به، فهو عندنا ممثل لروح
عصره ومرآة لبيئته". |
|
ويقول جيبن: "لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الأولين من
بداية أمره كما نجح محمد صلى الله عليه وسلم حين عرض نفسه بادئ ذي بدء بصفته
رسولا يوحى إليه - على الذين عرفوا ضعفه البشري وعرفوه أكثر مما يعرفه
غيرهم". |
|
ويقول هيجنس في كتابه "الاعتذار عن محمد والقرآن": إن
دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أحدثت في نفوس أصحابه من الحمية ما لم يحدث مثله
في الأتباع الأولين لعيسى (عليه السلام) فقد انفض عنه حواريوه حين ذهب به أعداؤه
ليصلبوه فخذلوه وأسلموه، أمل أصحاب محمد فالتفوا حوله، ودافعوا عنه مخاطرين بحياتهم (في غزوة أحد) إلى أن تم النصر على
أعدائه". |
|
وليس هناك نبي من
الأنبياء عرف من شؤون حياته ما عرف الناس من حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وليس
في حياتهم ما يمكن أن يتخذ مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا
محمدا صلى الله عليه وسلم في هديه وسيرته فموسى عليه السلام عمر طويلا، فما الذي
نعرفه من حياته الطويلة التي بلغت مائة وعشرين سنة ؟
إننا لا نعلم إلا مولده وشبابه وهجرته وزواجه وبعثته، إن كل ما يعنينا من سيرة
النبي الاجتماعية هي أخلاقه وعاداته وهديه، فهي الأسوة والقدوة في الحياة . |
|
وعيسى عليه السلام وهو
أقرب الأنبياء من محمد صلى الله عليه وسلم ماذا نعرف من حياته؟ إنه قد عاش ثلاثا وثلاثين سنة كما يروي الإنجيل، ولكن هذا
الكتاب لم يشتمل إلا على ثلاث سنوات من أواخر حياته.
. |
|
وهكذا تبقى سيرة محمد
صلى الله عليه وسلم
النموذج الكامل للأسوة والقدوة الحسنة فهي الحياة الكاملة والسيرة
الجامعة. . والكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن الكريم حفظه الله من
التبديل والتحريف، أما أسفار التوراة فقد خالج الباحثين في أمرها الشكوك، وقد
جاء في دائرة المعارف البريطانية "أن هذه الأسفار دونت وجمعت بعد موسى عليه
السلام بقرون كثيرة، وأن فيها لكل حادثة روايتان مختلفتان"[4]. |
|
وقد اقتصرت الأناجيل
على أربعا غير إنجيل (برنابا) و (الطفولة) ولا يعرف
شيء عن الذين قاموا بجمع هذه الأناجيل، ولا اللغة التي
كتبت بها لأول مرة، وقد تناولت مجلة (روبر كورت) هذه
المسألة فقالت: إن كل ما يوجد الآن في الأناجيل إنما هو بقايا مما ترك الوثنيون
واليونان والرومان وثار الجدل حول: هل للمسيح وجود تاريخي؟ فإذا كان المسيحيون
أنفسهم يثور بينهم الجدل على هذا النحو فماذا يقول الملاحدة
من الماركسيين[5]. |
|
أما القرآن فقد تنزل
منجما في نحو ثلاث وعشرين سنة هي فترة البعثة المحمدية، فكانت هذه الآيات
يتلقفها الحفاظ من الصحابة، وكتبة الوحي وقد جمعت هذه الآيات مرتين مرة في عهد
أبي بكر بإشارة عمر رضي الله عنهما حينما استمر القتل
في القراء إبان حروب الردة في اليمامة والمرة الثانية في عهد عثمان بن عفان رضي
الله عنه الذي جمع الناس على مصحف واحد. . ولقد كان لآيات هذا القرآن على أسماع
العرب من المشركين فضلا عن المؤمنين أثر كبير، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه
كان لما سمعه من تلاوة آيات من القرآن في بيت أخته فاطمة من سورة طه بقراءة عبد
الله ابن أم مكتوم ما رقق قلبه، ودفع به إلى الإيمان إعجابا بما سمع، ومن ذلك
أيضا موقف الوليد بن المغيرة حينما أسمعه الرسول آيات من سورة فصلت رجع إلى قومه
يقول: لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإن له
لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى
عليه. |
|
ومن ذلك أيضا ما روي من
أن أصحاب رسول الله اجتمعوا يوما فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر
لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن
مسعود: أنا قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن
أرادوا به شرا، قال: دعوني فإن الله سيمنعني، فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في
الضحى، وقريش في أنديتها ثم قرأ {بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ..} فجعل يقرأ
ما شاء الله له أن يقرأ، فجعلت قريش يقول بعضها لبعض: ماذا يقول ابن أم عبد ؟
قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه يضربونه في وجهه. وظهر أثر ذلك حينما خرج أبو سفيان بن حرب
وأبو جهل عمرو بن هشام والأخنس بن شريق الثقفي ذات ليلة يستمعون القرآن من رسول الله وهو يصلي
في بيته، فأخذ كل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون
له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، وتكرر ذلك منهم، فإذا دل ذلك على
شيء فدلالته البالغة أن القرآن أخذ بأسماع العرب، فمن كان طاهر القلب، صافي الحس
والشعور تقبله بقبول حسن ومن كان عنيدا حاقدا وقف منه موقف المتردد، أو المعادي . |
|
وبلغ من وقع القرآن على
أسماع أعدائه أن قال قائلهم كما حكى القرآن عنهم {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}. |
|
ولابد لنا من الإشارة
هنا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان هو المعلم الأول فقد كان لحكمة
أرادها الله أميان لا يقرأ ولا يكتب، ولو سمح له بذلك
لكان من أعظم من قرأ وكتب، ولكنه وقف عند الحد الذي أراده الله له، فظل أميا، لا
يقرأ إلا بالمفهوم الذي نزلت به أول آيات الوحي، فإذا كانت القراءة في معناها
اللغوي تعني الجمع بين الحروف وتأليفها في كلمات، وتأليف الكلمات في جمل تنطق
بواسطة أدوات النطق من مكتوب فإن القراءة كما وردت في هذه الآيات الأولى كانت
تعني أكثر من ذلك، وهو ما سبق أن أوردنا من أنه هو المعنى بقول الملك: للرسول
صلى الله عليه وسلم في غار حراء "اقرأ"
ولذلك نجده يجيبه في المرة الثالثة بعد وعي ما أراده الملك " ماذا أقرأ؟
" وكان حينما أمره في المرتين السابقتين يجيب "ما أنا بقارئ"
وحتى تتأكد أميته للعالم قبل البعثة فلما قال محمد صلى الله عليه وسلم تحت وطأة ما قام به الملك من غطة "ماذا
أقرأ " في بعض الروايات، دل ذلك على أن النبي ربما يكون قد أدرك ما يعنيه
الملك من القراءة، التي يفسرها ما ورد من أنه حينما ينزل عليه الوحي كان يحرك
لسانه به ليحفظه فنبهه الله إلى عدم الحاجة إلى هذا التحريك فقال تعالى : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ
عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ} . |
|
وهذا الجزء الأخير من
الآية فيه رد على من ادعى أن الحديث بلفظه ومعناه من عند محمد وهو قوله: {ثُمَّ إِنَّ
عَلَيْنَا بَيَانَهُ} لأن الحديث هو تفسير ما جاء به القرآن ن فلفظ
الحديث من عند محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه وحي، أما القرآن الكريم فهو
وحي بلفظه ومعناه. . |
|
ومع هذا فالإعجاز في أن
يتلقى محمد صلى الله عليه وسلم الوحي وهو على هذه الصورة من العنف ويتشوق إليه فقد كان يتمثل
في الجهد الشديد الذي عبرت عنه عائشة رضي الله عنها فقالت: "ثم سري عن رسول
الله، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه" . |
|
وقد اتخذ الرسول صلى
الله عليه وسلم كتبة للوحي ممن عرفوا بالقدرة على ذلك من الصحابة، وكانوا عددا
محدودا في مكة، ولكنهم زادوا زيادة كبيرة عندما وجه الرسول عنايته بذلك حينما استقر
في المدينة فكانت بداية ذلك أنه جعل فداء غير القادر من أسرى بدر من المشركين
ويعرف الكتابة أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين. . حتى
أنهم ليكتبون الحديث عن الوحي من القرآن فينهاهم عن ذلك ويقول: "ومن كتب
عني شيئا من ذلك فليمحه" أي من السنة خاصة "ولكن حدثوا عني". |
|
وإذا كان القرآن الكريم
هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم العظمى فإنه إذا كان قد أعجز في نمط تركيبه وتأليفه وبيانه وجرسه ومعانيه العرب وهم من هم في بلاغة اللغة. فإنه جمع العرب على لهجة قريش وهي
اللهجة الأم، وليس هناك مجال لما أثاره مرجليوث وأضرابه وممن لف لفهم مثل الدكتور طه حسين في كتابه
"في الشعر الجاهلي"[6]. |
|
فقد كانت مكة هي أم
القرى ذات الطابع الديني والثقافي الأمثل ولابد وأن
شعر الجاهليين كتب بلهجة قريش وحتى يثبت إعجاز القرآن بتحدي العرب
. . وما زال القرآن قائما - بحفظ الله - للتحدي في مجالات كثيرة غير
الإعجاز البلاغي واللغوي والعلمي ولعل أعظم ذلك جميعه ما أشار إليه الرسول صلى
الله عليه وسلم من
أن جدته لا تبلى على كثرة الرد، فهو ربيع دائم . |
|
هذا ولقد سألت العقاد
يوما في ندوته: ما أثر الإمام ابن تيمية في الفكر الإسلامي؟ قال: أعظم الأثر.
قلت: وما دلالة ذلك؟ قال: إنه أوجد منطقا قرآنيا[7]. |
|
فقد أدرك هذا الإمام
الكبير مدى ما جناه منطق أرسطو على العلوم العربية وعلوم العقيدة والشريعة فأفسد
أسلوبها وأساء مناهجها وقضاياها. |
|
وقد بلغ التحدي من
القرآن مداه للعرب حيث قال الله تعالى: {أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. |
|
ولم يجد العرب بعد أن
أعيتهم الحيل وبعد تأمل وتفكير وإمعان وتدبير إلا أن يوهموا الناس أنه سحر، وأن
محمدا ساحر، وهو اتجاه له دلالته، إذ هي كلمة حق أريد بها باطل، ولذلك نجد
القرآن الكريم إزاء هذه الشبهة التي حاكها الوليد بن المغيرة يهدد هذا المشرك
تهديدا شديدا ويصمه بالعار قال تعالى من سورة المدثر: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً
مَمْدُودا وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ
أَزِيدَ كلا كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآياتنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} ومن سورة القلم
قوله تعالى :{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} . |
|
ونتساءل: لماذا وقف
القرآن هذا الموقف من الوليد بن المغيرة؟ والجواب:
لأنه أوجد بهذا العناد شبهة، وقد كان أقرب إلى الإيمان حينما لمس هذا النمط
الفريد من الترتيل، ولكنه نأى بنفسه بسبب عناده وجهله بعيدا عن النور، وليهيم مع
مشركي مكة في دياجير الظلمات حتى يتخطفه الموت. |
|
ووقع تدبيرهم هذا بعد
هذه المرحلة في غباء الحقد الأعمى فإذا بهم يتفقون على أن يحذروا كل قادم من سحر
محمد فتكون النتيجة على عكس المطلوب ولعل خير دليل نسوقه في هذا المجال قصة
إسلام عمر وابن الطفيل . |
|
وإذا كان الرسول صلى
الله عليه وسلم قد تنزل عليه القرآن نمطا فريدا معجزا من التعبير بواسطة حروف
اللغة العربية، فإن من يقرأ الأحاديث النبوية يستطيع أن يلمس صورة من صور
التعبير تمتاز بالابتكار والإبداع فالسنة هي المذكرة التفسيرية للقرآن، وهي
المستوى الأمثل في توضيح آيات الكتاب العزيز، ومع هذا
لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا النمط من التعبير يرقى إلى المستوى الذي جاء به
القرآن، فالفاصل بين الأسلوبين واضح . . |
|
والفاصل بينهما وبين ما عرف من شعر العرب في الجاهلية والإسلام أكثر
وضوحا، وقد وقف القرآن موقفا محددا من الشعر والشعراء قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا
يَفْعَلُونَ} ومع هذا الموقف المحدد فإن الرسول صلى الله عليه وسلم
أثنى على الصدق في قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. |
|
وكان يستمع إلى الخنساء من شعرها في رثاء أخيها صخر ويقول: "إيه يا
خناس" وقد أهدى بردته لكعب بن زهير حينما ألقى قصيدته يعتذر فيها من موقفه
في هجائه ومعارضته للدعوة الإسلامية بعد أن أهدر دمه أثناء فتح مكة، وكان من
أصحابه من الشعراء من يستمع إلى قصائده التي ينشرها بين يديه حسان بن ثابت وعبد
الله بن رواحة. |
|
وقد كتب للرسول صلى
الله عليه وسلم عدد من أصحابه منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الأرقم، وخالد
بن سعيد، وأخوه أبان، وزيد بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول،
وأبي بن كعب القارئ ن كما كتب له في بعض الأوقات أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله
عنهم جميعا وكتب له كثيرا معاوية بن أبي سفيان، وكذلك الزبير بن العوام ومعيقيب ابن أبي فاطمة، والمغيرة بن شعبة، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهم بن
الصلت وعبد الله بن رواحة،
ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحنظلة الأسيدي وهو حنظلة بن الربيع[8]. |
|
وقد قام بعض هؤلاء بكتابة
الوحي كما قام البعض الآخر بكتابة ماعدا ذلك من كتبه. . ومن أهم الوثائق
التاريخية التي كتبت في العصر النبوي الكتاب الذي أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم في موادعة يهود المدينة. . وهو يمثل الميثاق الذي حددت فيه
العلاقات بين جميع أفراد مجتمع المدينة وقد تم فيه وضع ملامح المجتمع الإسلامي
الجديد والعلاقات بين مجتمع الفئات على اختلاف الدين والعرق والجنس في الحدود
التي رسمها الإسلام . |
|
هذا بالإضافة إلى كتبه
التي أرسلها مع رسله إلى الملوك والأمراء في جميع البقاع، ومنها كتابه الذي
أرسله إلى النجاشي في أمر المهاجرين إلى الحبشة ومنها الوثيقة التي أملاها رسول
الله على علي بن أبي طالب فيما فاوض عليه سهيل بن
عمرو رسول الله بشأن صلح الحديبية. |
|
ومن ذلك كتابه صلى الله
عليه وسلم على ثقيف، وكتابه ردا على كتاب ملوك حمير،
وكتاب مسيلمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ورده
عليه، وغير ذلك من الكتب وعهود الأمان. |
|
وقد بلغ عدد الصحابة
رضوان الله عنهم في حجة الوداع مائة ألف، منهم عشرة
آلاف صحابي ذكرت أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ وهذه إحصائية ببعض أسماء
الصحابة الذين امتازوا بكثرة ما حفظوه من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعدد
ما روى من الأحاديث، وهي تمثل طبقة من الصحابة امتازوا بقوة الحافظة وصفاء
الذهن: |
|
الصحابي |
عدد مروياته |
سنة وفاته |
|
أبو هريرة |
5374 |
59 |
|
مبد الله بن عباس |
2660 |
68 |
|
عائشة بنت أبي بكر |
2210 |
58 |
|
عبد الله بن عمر |
1630 |
73 |
|
جابر بن عبد الله |
1560 |
78 |
|
أنس بن مالك |
1286 |
93 |
|
أبو سعيد الخدري |
1170 |
74 |
|
ومن هنا يتبين أن
العربية الذاكرة كانت قوية، ذلك أنه من سنن الله في خلقه أنهم إذا أكثروا من
استعمال قوة من قواهم ازدادت قوة وحيوية، وقد مرن الصحابة منذ نزل الوحي على حفظ
القرآن كما مرنوا على حفظ الأحاديث حتى بلغوا في ذلك
حدا بعيدا وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الذاكرة الواعية عند العرب منذ عصر
الجاهلية أوجدت هذا اللون من الاستعداد الذي لم يعرف في تاريخ البشرية وأن
الوثائق التاريخية الإسلامية في العصر النبوي اعتمدت على وسيلتين الكتابة والحفظ
وأن القرآن الكريم امتاز على السنة بأنه حفظ بالوسيلتين وأن الوثيقة الشفوية
المحفوظة كان لها نفس القوة في تاريخ النبوة من ذلك ما كان من بيعة العقبة
الأولى والثانية فقد وجد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه مضطرا حينما واجه جيش
المشركين في بدر أن يشاور أصحابه وبخاصة الأنصار. . لأن البيعة الثانية التي على
إثرها وبمقتضاها هاجر الرسول وهاجر أصحابه قد نصت على أن يحمي الأنصار رسول الله
مما يحمون منه أزواجهم وأبناءهم داخل المدينة لا خارجها، ولم يطمئن الرسول حتى
قال له سعد بن معاذ : والله لكأنما تريدنا يا رسول
الله ، قال : "أجل" قال : فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل
واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعل
الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله . |
|
الدكتور عبد الباقي قصة |
|
كلية العلوم الاجتماعية |
|
الرياض |
|
|
|
[1] راجع الندوي : الرسالة ص 104. |
|
[2] راجع زاد المعاد لابن القيم . |
|
[3] راجع المأثورات للشيخ حسن البنا. |
|
[4] راجع مادة بابيل في الطبعة الحديثة من دائرة المعارف البريطانية . |
|
[5] راجع مقدمة كتاب حياة المسيح لعباس محمود العقاد . |
|
[6] راجع " مطلع النور " لعباس محمود العقاد، ومقدمة " الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي. |
|
[7] راجع الرد على المنطقيين لابن تيمية . |
|
[8] راجع الروض الأنف للسهيلي ج 4 ص .26 |