طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

رسالة بدماء القلب

إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز

رئيس الهيئة العليا للدعوة الإسلامية

ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام

لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق

 

 

يا صاحب السمو الملكي … أعزك الله بالإسلام وأعز الإسلام بك، وأرشدك إلى الحق وأرشد الحق إليك، ورغبك سبحانه وتعالى في الخير ورغب الخير فيك، وجعلك من الدعاة إلى الدين الحق لا تبتغي بذلك سوى وجهه الكريم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}..؟

أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله هو، وأصلي وأسلم على نبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم وأستفتح إن شاء الله تعالى بما هو خير ..

 

يا صاحب السمو الملكي:

حينما ترامت إلينا الأنباء من جميع الأنحاء، تزفّ إلينا بشرى تنصيبك رئيسا للهيئة العليا للدعوة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية فرحنا واستبشرنا وامتلأت قلوبنا بالأمل والغبطة لأسباب عدة:

أولها: هو تأسيس هذه الهيئة نفسها للدعوة الإسلامية في شتى أنحاء الأرض، فهذا واجب وضعته المملكة على عاتقها منذ إنشائها، بل هو الأساس الصلب الذي قامت عليه حين أسسها البطل القوي الأمين الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه.

ثانيها: هو اختيارك على رأس هذه الهيئة المباركة، وأنت رجل مخلص لهذه الدعوة الخالدة، وقد بدا هذا في تصريحاتك التي أدليت بها للصحفيين غداة إعلان تأسيس هذه الهيئة، حيث أعربت عن سرورك بالمشاركة في العمل على نشر الدعوة الإسلامية والقيام بهذا الواجب، لأن الدعوة إلى الله فيها عز هذه الأمة.

وثالثها:

إن مئات الملايين من مسلمي العالم اليوم، في كل القارات تقريبا، يتلفتون في كل الاتجاهات بحثا عن الجهة التي يمكنهم أن يشعروا بالانتماء إليها، ثم يولون وجههم شطر المملكة العربية السعودية، وكلهم ثقة أن هذه الأرض التي شهدت تفجر النور الإسلامي لابد أن تظل تحتضنه وترعاه، ولا تتخلى عنه قيد شعرة، وإنه لواجب مقدس أن تنهض هذه المملكة بالذات ـ وتتصدى لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية في كل مكان ـ هذا دورها وتلك رسالتها التي قدّر لها أن تنهض بها بحكم قيادتها للعالم الإسلامي.

فلهذه الأسباب وغيرها آثرت أن أكتب لكم هذه الرسالة بدماء قلبي، لأن ما شاهدته وعانيته وأنا أدعو إلى الإسلام في قارة إفريقية وكل مشاكل المسلمين فيها متشابهة يجعل أي غيور على الإسلام ينتفض غضبا لما يراه ويسمعه، وسأنقل إليكم الآن بعض ما يهمكم أن تعرفوه بحكم منصبكم الجديد، وبحكم رسالتكم في هذا العالم، وبحكم ما تقتضيه الأخوة الإسلامية من واجب الرعاية والحماية والنصح والإرشاد.

 

أولا: مشكلات الدعاة ..

يا صاحب السمو الملكي ..

إن من أكبر معوقات النجاح بالنسبة للدعاة في الخارج اختلاف الجهات التي تبتعث الدعاة، وبالتالي اختلاف المستويات الاقتصادية بينهم، ولكي أزيد الأمر وضوحا أقول:

إن هناك حاجة ماسة لتجميع الجهات التي تتولى إرسال الدعاة في هيئة إسلامية دولية واحدة، وليس ذلك بعسير على الإطلاق ما دامت النية الصادقة معقودة على خدمة الدعوة الإسلامية والعمل على نشرها بشتى الوسائل، انظروا بارك الله فيكم كيف يتم إرسال عدد من الدعاة إلى منطقة واحدة من عدة منظمات إسلامية مثل:

أ- دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

ب- إدارة البعثات بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بمصر.

ج- هيئة الدعوة الإسلامية بالجمهورية العربية الليبية.

هذا بالإضافة إلى جهود تطوعية يقوم بها عدد من المدرسين وغيرهم من العرب وغيرهم، وكلهم ذوو اتجاهات متعددة إن لم تكن متباينة، وقد يخدم بعضهم أغراضا غير دينية، بينما يتوقع الناس أن يكون لهم جميعا صوت إسلامي واحد.

هذا بالإضافة إلى أن تفاوت مرتباتهم يجعلهم مختلفين على أنفسهم، ما بين أناس شغلتهم الدنيا عن الآخرة، وآخرين أغرقوا أنفسهم بما لا يجوز لهم من انهماك في تعويض ضالة المرتبات بالاشتغال ببعض الأعمال الإضافية التي تؤثر في صورتهم المثالية باعتبارهم دعاة مخلصين، والآن أتساءل: لماذا لا تكون هناك هيئة متخصصة في تدريب الدعاة، وفي تقويم ألسنتهم وفي تثقيف عقولهم وتنقيتها من البدع والخرافات، ثم ابتعاثهم إلى بلاد الله لنشر دين الله؟ ثم لماذا لا تكون المملكة هي المركز الأول الذي تتبعه جميع المراكز والمعاهد التي تتكفل بشؤون الدعوة في بلادها؟ لماذا لا تكون هناك وحدة في الإعداد والتوجيه بدلا من هذه الازدواجية في الإشراف والمتابعة والتمويل؟ ألا نستطيع أن نقضي على الفوارق الضارة في مجال الدعوة، امتثالا لقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[1].

لا جرم أن هذه الاختلافات في جهات الابتعاث تؤدي إلى آثار ضارة ووخيمة، وتقود إلى نتائج لا تحمد عقباها في مجالات الهداية والتأثير، أهمها ما يأتي:

1- أن الاختلافات المذهبية بين الدعاة تؤثر في نفور الناس منهم بلا استثناء، كما أنهم قد يتباعد بعضهم عن بعض كما قد يكيد بعضهم لبعض، وقد سجنت إحدى الحكومات الإفريقية مبعوثا ثم طردته من أرضها، لأنه أحدث الفرقة بينه وبين إخوانه، ثم أحدث بلبلة في نفوس المسلمين فكان جزاؤه الطرد لما تسبب فيه من شحناء بين المسلمين[2].

 إن الاختلافات بين المستويات الاقتصادية للدعاة نتيجة تفاوت المرتبات يجعل بعضهم ينأى عن بعض، وقد يتسبب هذا في إثارة حفيظة بعضهم على بعض .. ومن الواجب حفظ الكرامة الشخصية للدعاة، ومنع بعضهم من التطاول على بعض، لأن ذلك قد يحدث ولو بطريقة غير شعورية نتيجة المعاملة المالية غير العادلة التي يعامل بها بعض المبعوثين، لاسيما إذا أدخلنا في الاعتبار ما طرأ على أسعار السلع الأساسية، وما طرأ على إيجارات العقارات من ارتفاع جنوني في مختلف بلاد العالم.

 تتفاوت جهات الابتعاث في مدى الجدية أو التهاون في متابعة نشاط المبعوثين، ومن هنا قد ينشط بعضهم تلقائيا، وقد لا يظهر بعضهم إلا في المناسبات الرسمية الدينية، وقد يكتفي بعضهم بأداء وظيفة المدرس في إحدى المدارس الدينية لمدة قليلة كل يوم، أو يوما بعد يوم.

 

ومن الناحية العلمية:

قد ينسى بعضهم كل ما تلقاه أو بعضه إزاء تكاسله عن أداء واجبه المقدس، حتى ليستفتيه الناس فلا يفتيهم، وما أكثر هؤلاء الآن في حقل الدعوة، وما عادوا يستحقون أن يلقبوا بالدعاة، ولذلك فإن من أوجب الواجبات على جهات الابتعاث أن يكون لديها تقريرات وافية ومفصلة عن نشاط الداعي، وتحركاته طوال شهر كامل، ومدى فاعليته في تبليغ الدعوة، وعدد من أسلموا عليه، وهل استطاع أن يربط قلوب الناس بالإسلام؟ ولا مانع مطلقا من رصد حوافز مادية أو أدبية للداعي، لأنه مهما كان مثاليا فهو قبل كل شيء بشر، أما أن نرسل الداعي إلى المنطقة التي اختير لها دون دراسة مسبقة عن شخصيته وملامح ثقافته، وما يعرف من لغات أو لهجات، وما يتحمل من صعاب أو مكائد، فذلكم هو العبث بعينه، وقد نستطيع أن نتعلم الكثير إذا أحطنا علما بطرق تدريب المبشرين، ووسائلهم في التنقل من مكان إلى مكان، وفي التأقلم مع ظروف كل بيئة على حدة، وفي دراسة لهجات القوم كأنهم عاشوا معهم منذ نعومة أظفارهم، أما نحن فنزود الداعية بطائفة من النصائح الشفهية غير الكافية، ثم نقذف به في خضم الموج ونقول له: لا تغرق، وهو لذلك في العادة يحيا على هامش المجتمع الذي نرسل به إليه، وإلا فكم من الدعاة أجرى مسحا شاملا اجتماعيا أو دينيا أو جغرافيا للإقليم الذي عاش فيه، وكم منهم من كتب بحثا مستفيضا عن عادات الشعوب وتقاليدها وخصائصها النفسية، وكم منهم استطاع أن يحقق أغلبية إسلامية في المدينة التي يقطنها، وكم منهم من استطاع أن يترك مؤسسات تعمل من بعده في الدعوة أو التعليم أو تحقيق التضامن الإسلامي.

 

يا صاحب السمو الملكي..

إن كل نجاح في ميدان الدعوة الإسلامية يبدأ من الداعي وينتهي به، وبقدر ما تنجح الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في تدريب الداعي وتوسيع أفقه وتهذيب روحه فسوف يكون نجاحه كاملا بإذن الله، مع ضرورة وضع النقاط التالية موضع الاعتبار:

1- ليس كل متخرج من الجامعات الإسلامية صالحا لأن يكون داعيا إلى الإسلام، والمفروض أن الدعوة تتطلب نوعية خاصة من الرجال العلماء العاملين، الأذكياء المقتدرين، الراغبين في الدعوة والمتحمسين لها والساعين إليها أو من يمكن أن يكونوا كذلك بعد حضورهم تدريبا معينا.

 

2- التدريب الذي أقترحه:

يستهدف تحويل الطالب إلى داعية، ويستغرق ما لا يقل بأي حال من الأحوال عن ستة أشهر كاملة، يدرس فيها:

(أ) الصفات العقلية والجسدية والعلمية التي يجب أن تتوفر في الدواعي، مستقاة من حياة وجهاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.

(ب) بعض النظريات السكلوجية المستمدة من علم النفس الاجتماعي وسيكلوجية الجماهير وعلم النفس الكلينيكي وسيكلوجية الفرد.

(ج) دراسة مستوعبة وشاملة للمنطقة التي يختار الداعية للعمل بها، تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا وحضاريا بما في ذلك العادات والتقاليد.

د) استيعاب كامل وشامل لتجارب الدعاة السابقين، وكتب الرحالة المسلمين من أمثال فضيلة الشيخ العامودي في كتابه في أفريقية الخضراء، وفضيلة الشيخ الصواف في كتابه رحلاتي في الديار الإسلامية وغيرهما من كتب الرحلات وكتب الدعوة الإسلامية، حتى يكون لدى الداعية خبرات واسعة تملأ عقله وقلبه وسمعه وعينه وأذنيه، فيكون محيطا بما يمكن أن يصادفه من مخاطر، وما أكثر المخاطر التي تقع في طريق الدعاة المجاهدين!.

هـ) الدراسة لإحدى اللغات الحيّة مسألة لا يختلف فيها اثنان على أهميتها للداعي، وكم من الدعاة قد تعرضوا لمواقف مخزية نتيجة عدم إلمامهم لا باللغة الرسمية التي يتكلم بها المثقفون، وتقدّم بها البرامج الإعلامية والصحف الرسمية، ولا باللهجة المحلية التي يستطيع الداعية عن طريقها أن يدخل في حياة الناس الاجتماعية اليومية ويشاركهم أحاديثهم ومحاوراتهم، ويمكنه إفهاهمهم ما يريده من أحاديث دينية سواء في المساجد أو الأماكن العامة أو غير ذلك من أماكن التجمعات العامة أو الخاصة.

 

ثانيا: تخطيط شئون الدعوة:

صحيح أن النجاح مرهون بقوة الداعي وأمانته .. ولكن .. هل يكفي ذلك وحده لتحقيق الأهداف المطلوبة من وراء نشر الدعوة الإسلامية؟ كلا، على الإطلاق، إذن فالواقع أننا محتاجون، يا صاحب السمو الملكي إلى قادة أشبه بقادة الفتح الإسلامي، يجلسون معا، ويفكرون معا، ويخططون معا، وبيد كل منهم معلومات مفصلة، وأرقام دقيقة، ومسح جغرافي شامل لأماكن الأقليات الإسلامية وأسباب انكماشها، ووسائل إنعاشها، وتقريرات مفصلة عن جهود الدعاة هناك، وأسباب تقدمها، ومعوقات نجاحها، وهلم جرا ..

نحن في حاجة إلى تخطيط شئون الدعوة، وتخطيط شئون الدعوة يستلزم بالضرورة وجود خبراء ومتخصصين في شئون الدعوة وهؤلاء الخبراء نعثر عليهم من بين:

أ- الدعاة السابقين والحاليين المتمرسين بالدعوة، وأصحاب السبق والفضل فيها، والمشهود لهم بالنشاط والحركة الإيجابية والقوة والجرأة في التبليغ.

ب- كبار المفكرين الإسلاميين في العالم الإسلامي، ممن لهم نظرة أفقية مستعرضة لمشكلات المسلمين وجذورها الفكرية والحضارية، وهم أصحاب فلسفة يجدر الاستفادة بها في تخطيط شئون الدعوة.

ج) كبار العلماء والفقهاء الذين يستطيعون تقديم خلاصات مركزة مستوحاة من التراث الفقهي والسيرة النبوية، ودروس من حيوات الإعلام ودعاة الإسلام على مدى عصور التاريخ.

وهؤلاء الخبراء يستطيعون أن يتقدموا في مجال تخطيط شئون الدعوة بأعمال ممتازة، وهذه بعض النماذج:

- إعداد خرائط دعوة .. تتضمن بعض المعلومات عن مناطق تركيز الدعاة، ومناطق ندرتهم، ومناطق تناوب العمل فيما بينهم، الخ ..

- تقديم بعض المعلومات عن الشكل الأمثل الذي يبرز فيه الداعي، والطريقة المثلى التي يعرض بها دعوة الحق، والتي تختلف باختلاف المناطق والقارات، طبقا لما تتميز به بعض الشعوب من طباع وتقاليد ونفسيات خاصة.

- إخراج مجلة أكاديمية متخصصة يتم تعميمها على الدعوة بوجه خاص، تتناول أخبار نشاطهم، وأبرز أعمالهم، وتبادل المشورة بينهم، وعقد مؤتمر عالمي يضم البارزين منهم، وتعرض فيه بحوثهم ومشكلاتهم، (والدعاة في جميع أركان الأرض محتاجون إلى كلمة تجمعهم أو صحيفة تضم خبراتهم والعوائق التي توضع في طريقهم وقد تعطل بالكلية عملهم) على أن تصدرها جهة مركزية واحدة يحملون لها في قلوبهم الإجلال والاحترام، ولن تكون هذه الجهة سوى الهيئة العليا للدعوة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.

-  إنتاج سلسلة من كتب الدعوة الإسلامية في الجانبين النظري والتطبيقي يتوفر على كتابتها كل مشهود له بالعلم والإخلاص وبذل الخير للناس، بحيث يجد فيها الدعاة تجديدا لفكرهم، وحلا لمشكلاتهم، وتنويرا لأذهانهم، وحبذا  لو قامت هذه السلسلة على مشكلات حية بالفعل، يعرضها الدعاة على أهل الذكر ليكونوا معهم على البعد، يأخذون بيدهم ويقودونهم دائما إلى الطريق الصحيح.

 

يا صاحب السمو الملكي …

إن ترك شئون الدعوة للارتجال، أو ترك الحبل على الغارب لأولئك الرجال في كل جزء من أجزاء المعمورة أمر يجب أن يتوقف فورا، ومنذ أنشئت هذه الهيئة المباركة فإن الدعاة الإسلاميين بعامة، والمبتعثين من دار الإفتاء بخاصة يتوقعون أن يتلقوا المزيد من الدعم والتأييد، وأن يجدوا زادا من الإرشاد يحملهم على العمل الدائب، ويزيح عنهم شبح الكسل الرهيب، ويشعل في داخل صدورهم ذبالة الأمل في متابعة العمل.

وإني أقدم لسموكم بعض الملاحظات الضرورية في هذا الصدد على ضوء ما عاينته وعانيت منه:

 

أ- موقف السفارات من الدعاة:

إن الشكوى مرة في حلوق الدعاة من بعض السفارات والقنصليات العربية في الخارج، (أقول من بعضها ولا أقول كلها، فهناك والحمد لله نماذج مشرفة للتعاون الإيجابي) لأن بعض هذه السفارات أو القنصليات لا تحترم عمل الداعي، إما قولا أو سلوكا، وإلا فدعوني أتساءل: هل من المروءة أن يدعو الداعية في المسجد أو غيره إلى طاعة الله والعمل بكتابه وسنة رسوله، بينما يعكف الديبلوماسيون على الخمر، ويتهاونون في أداء الصلاة، ويعبثون بكرامة الوطن وقدسية الدين؟ وما مقام الداعية حينئذ بينهم؟ وما موقفه أمام ربه؟ ثم أمام المساكين من أبناء قومه؟ هل يرفع عليهم السلاح؟ هل يجاهر بالإنكار لما يعملون؟  ثم ما ذا يكون حاله لو سوّل لهم الشيطان فشوهوا صورته أمام جهة الابتعاث وكالوا لهم التهم جزافا؟ أو جعلوه سلفا ومثلا للآخرين؟ إن الدعاة محتاجون إلى ملحق ديني في كل سفارة يتابع عملهم، وينسق بينهم، ويحفظ كرامتهم ويحل مشكلاتهم، حتى ولو كلف أحد الدعاة بهذا العمل لتتحقق التبعية اللازمة المحققة لآمال الدعاة في تخطيط سليم ومباشر على أرض المعركة.

وغير خاف: من هو الشخص الذي يوكل إليه أمر الدعاة؛ إنه لابد أن يكون داعية في الأساس أو فيه روح الداعية، من حب الدين والرغبة في العمل به، على أن يكون الداعية للدعوة فقط لا للعمل في أي مجال آخر سوى الدعوة نفسها، وبكل الإمكانات المتوفرة للداعي دون تعويق أو تثبيط ودون تهاون أو تجاهل.

 

ب- وضع خطة عمل للدعاة ..

وسواء وضعت هذه الخطة في مكتب ((الملحق الديني)) أو غيره، فالهدف منها ينبغي أن يكون واضحا، وهو تغطية الدولة كلها بالمبعوثين حسب الجدول الزمني للخطة؛ بحيث يتحرك الدعاة في كل ركن، ويلتقوا بجميع الناس، ويناقشوا كل مثقف أو داعية مسيحي أو وثني، ويتصدوا لأرباب المذاهب الضالة التي تجد صيدها في البلاد ذات الأقليات الإسلامية، وينبغي أن يكون ارتياد المساجد خاضعا لجدول زمني وموضوعي كذلك؛ بحيث لا تتكرر الموضوعات العامة التي يعالجها كل داعية لا يقدّر المسئولية، ولا يحمل نفسه على الاطلاع وبذل الجهد في الاستزادة من العلم، ويخرج إلى الناس وهو أشبه بالطبل الأجوف، بل ينبغي أن يسمع الناس اليوم ما لم يسمعوا بالأمس، وأن يكون حديث الدعاة حديثا في قلب الدين وجوهر أحكامه، لا في ترديد شعارات عامة مجردة يحسنها كل من له ثقافة ضحلة ولم يتلق قسطا وافرا من علوم الدين.

وبهذا يعتبر الدعاة مسئولين عن هذه الرعية التي تبحث عما يحييها من هدى الله وشرعه، فهناك للأسف الشديد مناطق واسعة تقع على الحدود المشتركة لمختلف الدول لم تبلغها الدعوة إلى الآن! ولا يزالون عاكفين على الأصنام أو عبادة الأنهار أو الأشجار، أو تقديس الكواكب والنجوم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

 

ج- ازدواجية التعليم وأخطارها

ما جنى المسلمون على أنفسهم وأولادهم في كثير من الدول الإفريقية والآسيوية بمثل ما جنوه حين عزلوا أولادهم عن نظام التعليم الرسمي في دولهم، اكتفاء بما أقاموه من مدارس متهاوية أو كتاتيب مختفية بين الغابات وفي المغاور وسموها مدارس إسلامية، وكان يمكنهم أن يفعلوا الشيء نفسه لأولادهم عقب انتهائهم من دراستهم اليومية في المدارس الرسمية الحكومية، التي تكفل لهم العمل بوظائف الحكومة، والانخراط في سلك الجندية، والرقي إلى المناصب الوزارية وبذلك يكونون أقدر على نشر دينهم، وخدمة بنيهم وذويهم، والإسهام في خدمة دينهم ودنياهم، ولكنهم للأسف وبدافع من الحب المكين لدينهم، فعلوا ذلك ثم التمسوا العون في إصلاح ما فعلوه.

عرضت هذه المشكلة لأنها من أخطر ما يصادف عمل الدعاة ويعوق انطلاقهم مع من ابتعثوا إليهم، حيث يبقى الجميع في معظم الدول وراء ستار، لا يتحركون إلا بصعوبة، ولا يملكون التأثير في غيرهم إلا بحذر شديد وجهد أشد، وكل هذا محسوب على عمل الدعاة ومقلل من أثره.

 

يا صاحب السمو الملكي.

هذا أوان الملحمة .. اليوم يبدأ العمل الجاد لخدمة أهداف الدعوة الإسلامية العالمية.

اليوم نترقب، ونحن في غاية الشوق واللهفة، إلى ما يعيد مجد الإسلام في ديار الإسلام على يد دعاة الإسلام.

سوف تدب الروح إن شاء الله تعالى في هذا الجسد الذي طالما أثخن بالجراح وهبت عليه سوافي الرياح، حتى كاد أن يقعد عن مواصلة الكفاح.

يا صاحب السمو الملكي، يا صاحب السمو الملكي، البدار البدار، قبل أن يرين اليأس على القلوب، فكم من نفوس تزايدت فيها الأنفاس، وكم من جماعات اشرأبت فيها الأعناق، وكم من دعاة طال عليهم الليل قد لمحوا أشعة الفجر، وهاهو ذا نور الدعوة يترامى في الآفاق، لا يحتاج في حمله إلى قلوب الناس إلا دعاة أخلصوا لله همتهم وعملهم، ليجزل الله ثوابهم ويضاعف أجرهم ويحسن عاقبتهم.

كان الله في عونكم، وسدد على طريق الخير خطاكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إبراهيم محمد سرسيق

داعية سابق إلى الإسلام في إفريقية

ومدرس بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية

 

 

 



[1] المؤمنون 52 .

[2] انظر رحلاتي في الديار الإسلامية للشيخ محمد محمود الصواف 1-588 .