|
|
|
|
نظرات في التاريخ |
|
|
لفضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد المدرس بكلية الدعوة بالجامعة |
|
|
|
|
|
يقول
أبو بكر محمد بن محمد بن خميس في مقدمة كتابه ((تاريخ مالقة ))[1]
منوها بعلم التاريخ: "إن أحسن ما يجب أن يعتنى به، ويلم بجانبه بعد الكتاب
والسنة معرفة الأخبار، وتقييد المناقب والآثار، ففيها تذكرة بتقلب الدهر
بأبنائه، وأعلام بما طرأ في سالف الأزمان من عجائبه وأنبائه: |
|
|
ونحن،
وإن كنا لا نأخذ بحرفية كلامه[2]
رحمه الله، فإنا نقر بما لعلم التاريخ من قيمة جليلة، وأثر بعيد في صياغة الأمة،
وتكوينها على نحو ما، سواء في ذلك أفرادها. أو كتلتها العامة، كوجود اجتماعي،
ينبثق منه وجود سياسي هو الدولة. |
|
|
وقصاراي
-الآن- أن ألمس هذا العلم الجليل في ضوء
الحقائق الإسلامية، وفي ضوء أصولنا الحضارية لمسات، وأن أنظر إليه نظرات، توفي
بنا -إن شاء الله -على أفكار ما أحسبنا في غنى عنها. |
|
|
سؤال
أريد أن أطرحه الآن في سياق لمساتنا ونظراتنا هذه، ما التاريخ؟ ما التاريخ لغة؟
وما التاريخ حقيقة، وإن شئنا قلنا القولة التقليدية: ما التاريخ اصطلاحا؟ |
|
|
التاريخ
لغة هو تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: ((أرّخ الكتاب ليوم كذا أي وقته ليوم
كذا.[3] |
|
|
وذهب
الأصمعي إلى أن بني تميم يقولون: ورّختُ الكتاب توريخا، وأن قيسا يقول: أرخته
تأريخا.. مما يؤكد عربية هذه الكلمة، فهي أصيلة في لهجات القبائل، ولهم فيها من
التصرف ما يعرفه اللغويون من تصرفهم بأصل كلامهم، يقول العلماء ((المعجميون))
كابن منظور في لسان العرب: إن كلمة التاريخ مأخوذة من ((الأرْخ)) وهو ولد البقرة
الصغير، كأنه شيء حادث كما يحدث الولد… |
|
|
ومع
ذلك فقد ذهب ناس إلى أن الكلمة فارسية الأصل، مأخوذة من قولهم: ((ماه روز))
بمعنى حساب الشهور والأيام، فعربوها وقالوا: ((مؤرخ))، وجعلوها مصدرا فقالوا: ((التاريخ)) [4]. |
|
|
وعندي
أن هذا المذهب ضعيف مستبعد، وفيه كثير من التكلف، وليس هناك من تقارب بين اللفظ
العربي ((تاريخ)) وبين الأصل الفارسي المدَّعى، وإذا لبعضهم أن هناك نوعا من
تقارب، فليس هو عندي بالذي يسوغ الحكم بفارسية أصل هذه الكلمة، على أن التقارب
في النطق بين لفظين –مهما كان قويا وواضحا- لا يعني بحد ذاته أن أحد هذين
اللفظين المتقاربين مأخوذ من الآخر، بل لابد من ثبوت هذا الأخذ بالتقصي والدليل
العلميين، ألسنا نجد في بعض اللغات كلمات متقاربة في النطق تقاربا يلفت النظر،
ومع ذلك فلا يمكن لمجرد هذا التقارب أن يقال: إن هذه الكلمات مأخوذ بعضها عن
بعض، ولأضرب لذلك مثلا كلمة ((نَيِّف)) بمعنى الزيادة، أو ((نايف)) بمعنى عالٍ
مرتفع، فإنهما تتقاربان في النطق وكلمة ((KNIFE)) الإنكليزية التي تعني مدية
أو سكينًا تقاربًا كبيرا، ولكن أيسوغ هذا التقارب وحده الإذعان بأن إحدى اللغتين
العربية أو الإنكليزية قد (أخذت كلمتها عن الأخرى)، دون توفر ((التقصي والدليل
العلميين))؟ |
|
|
ولست
أقول ذلك تعصبا مني من شعوب الإسلام على
شعب آخر، إني –بحمد الله- من المسلمين إسلاما مطلقا لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[5]. |
|
|
ولقول
رسوله صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على
عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى،
الناس لآدم، وآدم من تراب"
[6]. |
|
|
على
أن ذلك لا يحرم الرأي العلمي حقه، بل يوفيه إياه، ويمنحه فسيح المجال على مستوى التفكير،
والتعبير، والعمل. |
|
|
والخلاصة
أن كلمة ((تاريخ)) عربية الأصل، وأنها لغة شمالية عدنانية، لا جنوبية كما يقول
بعضهم، ولها في لغات القبائل العدنانية جذرها ومأخذها الواضحان، ولها تصرف هذه
القبائل بها تصرفها بأصيل كلامها… هذا هو التاريخ لغة، أما التاريخ حقيقة أو
اصطلاحا، فإني مبينه فيها يأتي بمقدار ما يفتح الله سبحانه ويعين. |
|
|
لقد
عرف المؤرخون التاريخ تعريفات شتى تختلف عمقا، ودقة، وشمولا، وبعدا من الصواب أو
مقاربة له، وإليكم نمادج منها. |
|
|
أولا:
قال ابن خلدون [7]
(732-808هـ-1332-1406م): |
|
|
((فن
التاريخ…هو في ظاهره لا يزيد على أخبارٍ عن الأيام والدول، والسوابق من القرون
الأول، وباطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكفيات الوقائع
وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة [8]
وعريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق)). |
|
|
ثانيا-
يقول محيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي [9]
(788-879هـ-1386-1974مـ): "وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان
وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته". |
|
|
ثالثا:
-يقول محمد بن عبد الرحمن السخاوي [10]
(831-902هـ-1427-1497مـ): "التاريخ في الاصطلاح التعريف بالوقت الذي تضبط
به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاة.. ورحلة وحج، وحفظ وضبط وتوثيق،
وتخريج، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم
واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمة،
وتجديد.. خليفةٍ ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد، وانتزاعه من متغلَّب
عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من
أمور الأمم الماضية وأحوال القيامة، ومقدماتها مما سيأتي، أو دونها كبناء جامع
أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها، مما يعم الانتفاع به، مما هو نافع
مشاهد، أو خفي سماوي، كجراد، وكسوق، وخسوف وكسوف، أو أرضي كزلزلة، وحريق، وسيل،
وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان، وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام،
والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان
في العالم". |
|
|
رابعا-يذهب
سيد قطب [11]-رحمه الله-
إلى أن التاريخ ليس هو الحوادث وإنما هو تفسير هذه الحوادث، والاهتداء إلى
الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع شتائها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات،
متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان
والمكان. |
|
|
وبذلك
يستحيل التاريخ عملية استبطان وتجاوب في ضمائر الأشياء والأشخاص والأزمان والأحدث،
ويتصل بناموس الكون ومدارج البشرية ويصبح كائنا حيا ومادة حياة". |
|
|
هذه
التعريفات التي ذكرناها مختلفة- كما قلنا- عمقا ودقة وشمولا، فتعريفا الكافيجي
والسخاوي يتفقان في التركيز على ((التعيين والتوقيت)) أو على تعيين زمان ((الأحوال
والوقائع)) وينفرد السخاوي في النص على شمول مفهوم التاريخ لما عدَّد من الأمور،
أما ابن خلدون فيركز على ما يسمى في عصرنا بفلسفة التاريخ، حين ينص على الاهتمام
بتعليل الكائنات ((الحوادث والموجودات" وتعرف أسباب وجودها وكيفيته، مما
يفضي إلى معرفة نتائجها، ومعرفة علاقتها بالوقائع والأحوال التي تسبقها أو
تلحقها أو تواكبها تأثرا وتأثيرا، بحيث يبدو التاريخ سلسلة منطقية من الوقائع
والكائنات المترابطة بمبدأ الأسباب والمسببات… وهذا المعنى من ملاحظة واستنتاج
ابن خلدون، وقد أدرك به أو كاد المعنى الحقيقي للتاريخ، وبذلك سبق علماء الغرب
في هذا المضمار سبقا جديرا بالتقدير والإعجاب، واعتبر رائد علم الاجتماع، والبحث
التاريخي العلمي…، وقد علق (( إيف لاكوست ))صاحب كتاب ((ابن خلدون واضع علم
ومقرر استقلال
[12]
على هذه الناحية بقوله: "يستهل ابن خلدون مقدمته بمقطع رائع يشعر قراءه أنه
أمام نفحة ستقود ديكارت[13]
بعد ذلك بثلاثة قرون، وليس مثال ذلك السبق بنادر بين تراث الأدب العربي
(الإسلامي) الذي خلفه لنا العصر الوسيط". |
|
|
ولست
أسوق قول: ((لاكوست )) هذا للتَّقَوِّي به، فنحن –بحمد الله- في غنى عنه، وأرجو
أن يكون إدراكنا لروائع تراثنا، وفضائل رجالنا ذاتيا استقلاليا، وجل ما في الأمر
أني سقته لبيان أن عبقرية ابن خلدون قد فرضت نفسها حتى على الباحثين الأجانب،
وقادتهم إلى الاعتراف بفضلها وتوجيهها لواحد من عباقرتهم المعدودين… |
|
|
أما
سيد –رحمه الله- فقد أقر ما ذهب إليه ابن خلدون، مضيفا إليه فكرة إتصال التاريخ
–إذا فسر على النحو الذي نصه- بناموس الكون ومدارج البشرية، وصيرورته كائنا حيا،
ومادة حياة، وقد استقل-رحمه الله- في كتابات أخرى له في الموضوع نفسه برسم منهج
متكامل يضع دراسة التاريخ الإسلامي في نصابها الصحيح، ويواجه مواجهة ظافرة مستعلية
عبث المستشرقين وأتباعهم في كتابة تاريخنا ودراسته… |
|
|
ولعلنا
بعدما تقدم نستطيع أن نقول في تعريف التاريخ: "إنه علم تبحث فيه الوقائع
والكائنات المختلفة التي تحدث على مسرح الحياة بحثا يحدد زمانها، ويبين أسبابها
وكيفياتها، ونتائجها، وآثارها في مجرى الحياة والأحياء، بحيث يظهرنا هذا البحث
على السنن الله التي لا تحويل لها ولا تبديل، والتي تسير الحياة تسييرا سببيا
منظما، خاليا من الاعتباط، حتميا، ولكن في نطاق مشيئة الله تعالى وقدرته، وفي
نطاق قضائه وقدره". |
|
|
هل
التاريخ علم؟ |
|
|
قبل
الإجابة عن السؤال لابد من بيان المعنى الاصطلاحي ((للعلم)) الذي نورد هذا
السؤال بناءًا عليه، إن هذا المعنى يراد به المعرفة التي تقوم على مبادئ كلية
ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ويمكن الاستشفاف (التنبؤ) على أساسها،
كعلم الكمياء، الفيزياء، والرياضيات… |
|
|
ويذهب فريق من الباحثين إلى أن التاريخ هو علم
بهذا المعنى، منهم المؤرخ الفرنسي |
|
|
foustel de coulange الذي يقول: "إن التاريخ
ليس فنا ولكنه علم محض"[14]. |
|
|
ويقول
هؤلاء إن للتاريخ قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان[15]،
ويذكرون منها مايلي: |
|
|
أ-إن
العبقرية لا تظهر إلا إذا توفرت لها ظروف ملائمة، فعندهم أن هذه القاعدة تحفظ بصحتها في كل زمان
ومكان، فعمر بن الخطاب –مثلا- لولا الظروف التي هيأها ظهورها الإسلام لما كان
بالإمكان أن يكون عمر الذي نعرفه، جل ما هنالك، أنه كان من الممكن أن يكون رجلا
كبيرا من رجالات قريش، وكذلك سيف الله خالد بن الوليد- رحمه الله- لولا الظروف
المواتية التي هيأها الإسلام، لما أمكن أن يكون أكثر من فارس بارز بين فرسان
قريش أو فرسان العرب، فهذه القاعدة- عندهم- تنطبق على كل عبقرية لمعت في الشرق
أو في الغرب، وعندي أنه لابد من تخصيص هذه القاعدة بغير الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، فإنهم لا يخضعون لهذه القاعدة، وإنما يقوم أمرهم على ما يؤيدهم به الله
تعالى من حق، وعون، وإعجاز… |
|
|
ب-
إن تعليم الشعوب والعناية بشؤونها الحيوية إذا سارا معا جنبا.. هذه الشعوب
الهزات العنيفة، والقلاقل والثورات، وأنالها حياة الاستقرار والرفاهية، ووضعاها
على درب التقدم والإسهام في تصحيح مسيرة البشرية وإسعادها، وأما إذا عُلمت دونما
عناية جدية بشؤونها كان حدوث هذه الهزات في حياتها أمرا حتميا… |
|
|
ونستطيع
أن نجد لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة على مدى حياتنا الإسلامية، أذكر منها تطبيقين
اثنين، الأول في عهد عمر بن عبد العزيز، لقد نشر العلم والتوعية والهداية في
أرجاء بلاد الخلافة، وعُني في الوقت نفسه بشؤون الأمة، فأخلدت إلى السكينة، وجعل
الخوارج يجنحون إلى الهدوء، ولو قد طال عمره رحمه الله -لنعمت البلاد والعباد
باطمئنان واستقرار تغير منهما مجرى الحياة الإسلامية، بل مجرى حياة العالم كله..
ولنسأ –والأمر بيد الله- في عمر الدولة الأموية ذاتها. |
|
|
والتطبيق
الثاني هو ما نلاحظه في إحدى الدول الإسلامية المعاصرة، فبينما تبنى في ربوعها
المدارس، وتشاد المعاهد، وتؤسس الجامعات، وتتزايد المشروعات التي تعنى بشؤون
الشعب، فمن مشروعات زراعية إلى مشروعات صناعية، ومن برامج إسكانية إلى أخرى
تتعلق بالتوعية الإسلامية، وتعمل على تنظيم النهضة، وضبط مسيرتها، وبوتقتها
وحمايتها من الآفات المضيعة المعرفة كالانحراف والجنوح. |
|
|
وهذا
في نظر علم التاريخ من الرشاد في السياسة، والله هو المسؤول أن يوفق إلى مزيد من
وضوح الرؤية، وسداد الخطى، على أنه من الملاحظ أن الدول المعاصرة كثيرا ما تعمل
على التسابق في هذه الحلبة نتيجة القيمة المتزايدة التي تحتلها الشعوب على نحو
ما في برامج الحكام العقلاء مسلمين كانوا أو غير مسلمين. |
|
|
ويبدو
أن القائلين بأن التاريخ ((علم محض)) كالفيزياء والكيمياء، والرياضيات قد
بالغوا، إنه لما يبلغ هذه المنزلة، وربما بلغها يوم تنضج العلوم العديدة التي
يعتمد عليها، والتي يسمونها ((بالعلوم المساعدة)) كاللغات، وفقهها، وعلم قراءة
الخطوط، وعلم النميات (علم النقود والمسكوكات) والاقتصاد، والآدب، وعلم النفس[16]… |
|
|
ويوم
تتهيأ الشروط اللازمة للهيمنة على اكتشاف سنته (قوانينه) ونواميسه… على أنه في
وضعه الراهن له من خصائص ((العلم)) إمكان الاستشفاف به أو التنبؤ به كما يقال،
وإلى ذلك يشير ابن الأثير[17]
(555-630هـ-1160-1232مـ) رحمه الله بقوله: |
|
|
"ومنها (أي من فوائد علم
التاريخ ) مايحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه
عواقبها. |
|
|
وأيًّا
ما كان الأمر فلعلنا نستطيع أن نقول أن التاريخ –كما هو الآن- هو علم باعتبارين
على الأقل: |
|
|
الأول:
كون وقائعه تحدث حسب سنن ((إلـهية ثابتة))، وإن لم نحط علما بالكثير منها كما
أحطنا بسنن العلوم الأخرى، كالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات . |
|
|
الثاني:
كونه ذا منهج للبحث يسهم في تحرير مسائله، ونقدها، وتخليصها من الشوائب، وخلاصة
هذا المنهج ما يلي: |
|
|
1-جمع مواد البحث من روايات
ونقول وأخبار. |
|
|
2-نقدها سندا ومضمونا، وإسقاط
ما لا يثبت على هذا النقد. |
|
|
3-دراسة الباقي وتفهمه
وتحليله. |
|
|
4-تنظيمه وتنسيقه، ومقارنة
بعضه ببعض، وتبين ما بين أجزائه من روابط… |
|
|
5-استنتاج النتائج على شكل
مبادئ وضوابط. |
|
|
والخلاصة
أن التاريخ لما يبلغ مرتبة العلوم البحتة، بالرغم من تقدم الدراسات التاريخية
تقدما كبيرا، وما تزال آخذة بالتقدم،
وربما أصبح التاريخ علما محضا حين تنضج- كما قلنا- علومه المساعدة، ويوم تتهيأ
الشروط اللازمة للهيمنة على اكتشاف سننه ونواميسه، ولعلنا ننصف التاريخ في
مرحلته الحالية إذا قلنا عنه: |
|
|
إنه
اليوم علم بحسب الاعتبارين السابقين على الأقل، كما أنه-في الوقت نفسه- حكمة في
فحواه، أدب في طريقة عرضه وأدائه، وفي تأثيره وإمتاعه. |
|
|
فوائد علم التاريخ: |
|
|
لهذا
العلم فوائد جوهرية منها ما يلي: |
|
|
أولا
–إنه يغذي العقل، وينمي الفكر، ويخصب التجارب، بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر
كله، وجرب الأمور بأسرها، وباشر بنفسه كل ما باشر السابقون من الأحوال، ومن هنا
نرى عباقرة الحكام في الإسلام، كمعاوية -رضي الله عنه- يعنون بدراسة التاريخ
عناية فائقة، فلقد كانت له أوقات معينة من كل ليلة تقرأ عليه فيها أخبار الأمم
والدول الماضية، وأخبار سياساتها ومعالجاتها لشؤون الحكم، وكان لديه رجال مختصون
بتهيئة هذه المجالس، وما يكون فيها أحاديث… |
|
|
وأبو
جعفر المنصور لما هم بقتل عبد الرحمن بن مسلم ( أبو مسلم الخرساني) سقط -كما
يقول الجاحظ- بين الاستبداد برأيه، والمشاورة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح
دعا بإسحق بن مسلم العقيلي وسأله عن خبر الملك الفارسي سابور الأكبر مع أحد كبار
رجال دولته، وما أن سمع هذا الخبر التاريخي وتملاه حتى خرج من تردده، وصمم على
قتله، لما استبان له من وجه الاتعاظ في تلك السابقة التاريخية[18]. |
|
|
وكان
الأشرف برسباي من حكام مصر (825-8461هـ) يطلب من البدرالعيني أن يقرأ عنده
التاريخ، وقد قال الأشرف ما معناه، إنه ما عرف الإسلام إلا منه[19]. |
|
|
وممن
كانوا يعنون بدراسة التاريخ السلطان العظيم محمد الفاتح (1451-1481مـ) والسلطان
المحنك عبد الحميد الثاني، ومن يقرأ مذكراته يَرَ أنه قبل أن يقدم على اتخاذ
الخطوة الأخيرة بحق مدحت باشا، قد استعرض بدقة وحصافة السوابق التاريخية كسابقة
المنصور مع أبي مسلم، وسابقة الرشيد مع البرامكة… ثم أرسل من بعدُ مدحت باشا إلى
قلعة الطائف. |
|
|
وما
يزال رجال السياسة الكبار، ولن يزالوا يعنون بدراسة التاريخ والتعلم منه، حتى
قيل عنه: ((إنه علم رجل الدولة))، ويلاحظ أن المسابقات التي تجريها وزارات
الخارجية في العالم لاختبار موظفين دبلومسيين لا يمكن أن تخلو البتة من مادة ((التاريخ)). |
|
|
ولا
يقتصر الاهتمام به على رجال السياسة، بل يشاركهم في ذلك رجال الدعوة، وكل مشتغل
بالأمور التوجيهية من معلمين، وإداريين، وقادة أحزاب، ورؤساء جمعيات. |
|
|
ومن
ثم نرى أئمة الدعوة يستعينون بالتاريخ في تحقيق مهامهم، فها إن شيخ الإسلام أحمد
بن تيمية -رحمه الله- يعمد إلى دراسة تاريخ قبة الصخرة حين أراد أن يسوق الأدلة
على أنه لا يشرع تعظيم هذه الصخرة، ولا الصلاة عندها[20]،
وكلنا يعلم أن مجدد القرن الثاني عشر محمد عبد الوهاب، وابنه الشيخ عبد الله -تغمدهما
الله برحمته- قد ألفا في السيرة كتابين قيمين - والسيرة أصل التاريخ الإسلامي[21]
ليستعينا بهما في الدعوة إلى استئناف الحياة المسلمة… |
|
|
وبناء
على ذلك نقول: إن التاريخ هو علم رجل الدعوة، ورجل الإدارة، ورجل الإرشاد
والتوجيه، كما أنه علم رجل الدولة[22]… |
|
|
ثانيا:
إن دراسة التاريخ والإطلاع على سير الهداة من أنبياء وأئمة ومصلحين، تشد من
عزمات القارئ، وتبعث من همته، وتقذف في نفسه الصبر والقوة والصمود، ولنا أن
نستلهم ذلك من قوله تعالى: {وَكُلاًّ نَقُصُّ
عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي
هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}[23]. |
|
|
ثالثا:
إن دراسة التاريخ تؤثر تأثيرا بالغا في نظرة الأمم إلى ذاتها، فإذا ما درست أمة
من الأمم تاريخها دراسة صحيحة أمكنها أن تعرف نفسها، وأن تدرك ذاتها الحقيقية
إدراكا صحيحا، فالأمة الإسلامية مثلا إذا درست تاريخها دراسة سليمة عارية من دس
الأعداء، وتحريفهم، وعبثهم في تفسيره، أدركت ذاتها، أو هويتها الإسلامية، وعرفت
أنها أمة دعوة، وأنها أمة مسلمة قبل كل شيء، وبعد كل شيء، بل عرفت أنها مسلمة
وحسب. |
|
|
أما
إذا تسلطت على دراستها لتاريخها عوامل التشويش، والتحريف، وفسر على غير وجهه،
فإنها تضل عن ذاتها، وتضيّع ((هويتها)) وتصبح فكرتها عن نفسها، ونظرتها إلى
ذاتها مشوشة، محرفة ، مهزوزة مزيفة… |
|
|
وقد
أدرك أعداؤنا أثر تشويش التاريخ الإسلامي في ((ضياع)) الأمة الإسلامية فراحوا
يدرسونه دراسة عميقة منظمة، ويتلاعبون في تفسيره، ويعطونه من المفاهيم والعلل
والنتائج ما يخدم مآربهم، وما يحرفه عن مواضعه، وقد بلغ الأعداء غايتهم من هذا
النحو إلى حدٍ كبير، فأضاع المسلمون هويتهم الإسلامية الأصلية أو كادوا. |
|
|
يقول
أحد الذين درسنا عليهم التاريخ[24]:
"ونحن العرب أحق الناس أن نذكر أن التقهقر ابتدأ فينا منذ أن طغت العناصر
الأعجمية علينا، وإننا إذا شئنا أن ننهض فيتوجب علينا إزالة هذا العامل بادئ ذي
بدء". |
|
|
وقد
غاب عن هذا الأستاذ أن التقهقر ابتدأ فينا منذ أن بدأنا نحن العرب -نضيع هويتنا
المسلمة الأصيلة، وجعلنا نغادر الخط النبوي الراشدي في التصور والسلوك، على
اختلاف ضروبه في شؤوننا الداخلية والخارجية، ولن نقال من عثارنا حتى نستعيد تلك
الهوية، ونراجع ذلك الخط. |
|
|
ولكن
لا تثريب على هذا الأستاذ، فإنه لم يعرف التاريخ إلا من خلال أساتذته في
الجامعات الأجنبية، أي لم يعرفه من خلال دراسة موضوعية علمية تتفهم الأشياء
بمنطق طبائع الأشياء ذاتها، لا بمنطق مستعار يفرض عليها فرضا، وما أكثر
المشتغلين بالتاريخ في أيامنا هذه، ممن يذهبون مذهب أستاذنا هذا؟ |
|
|
وقد
ترتب على ضياع الأمة هذا الضياع ضعف بنيتها الإسلامية، وزوال مناعتها إلى حد
بعيد، وقد كان إيمانها بدينها، واعتصامها بهويتها الإسلامية مصدرا لقوة بنيتها
ومناعتها في الوقت ذاته. |
|
|
إن
الجسم الذي تضعف بنيته، وتزول مناعته يصبح مضيافا للجراثيم، مفتح الأبواب أمام
مختلف الأمراض، وهكذا أضحت الأمة الإسلامية مضيافة لمختلف الأفكار، مفتحة
الأبواب أمام أي عقيدة، أو فلسفة، أو نزعة…فالقومية، والعرقية، والإقليمية،
والعلمانية، والانحلالية، كلها تجد في كيان هذه الأمة مراعي خصبة… |
|
|
والواجب
الآن على العناصر السليمة الواعية من المسلمين أن تجهد في تهيئة الغذاء الصحيح
المقوي الذي يرد على الأمة صحتها، ويقوي بنيتها ومناعتها، ويريح عليها هويتها
الأصلية المضاعة. |
|
|
وهذا
الغذاء يتمثل في أمور، في مقدمتها دراسة التاريخ الإسلامي دراسة أصلية من خلال
العقيدة الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنة، ومن واقع سيرة النبي صلى الله
عليه وسلم، وواقع تاريخ أصحابه، وخلفائه الراشدين، ومن نحا نحوهم دون تأول أو
انحراف أو عبث… |
|
|
رابعا-
ومما يدخل في بيان فوائد التاريخ أن الاشتغال به يفضل الاشتغال بكثير من مسائل
علم الكلام، والجدل، والفلسفة، التي لا تعود على المسلمين بغير التشكيك وضياع
الوقت، وتشويش الأذهان، كالكلام في الزمان هل له ابتداء وانتهاء، وأول وآخر، وهل
كان هنالك شيء قبل خلق الله للزمان، وهل الزمان فان أو باق، وأمثال ذلك من
المسائل التي لا ينتهي العقل بشأنها إلى مفيد أو مطمئن، وخير من ذلك أن ينصرف
المسلم إلى دراسة التاريخ الذي يغذي مداركه، وخصب تجاربه، ويزيد من خبراته،
ويصله بسير الأنبياء والصالحين، وعظماء الرجال، مما يأخذ بيده إلىملء الوقت
بالأعمال الإيجابية التي تعود على الأمة وأبنائها بالخير في دنياها وآخرتها. |
|
|
خامسا-إن
للتاريخ فائدة إجتماعية أخلاقية، وإن شئت فقل: ((فضيلة قضائية)) ذلك أنه ينصف
الرجال الذين ظلمهم دهرهم، وتنكر لهم معاصروهم، فأساؤوا القالة فيهم، والحكم
عليهم، فيجيء التاريخ بدوره ويعدل فيهم،
بإظهار حقيقتهم وتفنيد المظالم التي وقعت عليهم، كما أنه قد يفعل العكس فيميط
اللثام عن واقع أشخاص استطاعوا أن يستأثروا بتعظيم معاصريهم، بسبب ما توفر لديهم
من مال وسلطان، أو ذكاء استعملوه في غير وجهه. |
|
|
فها
إن أحمد بن تيمية رحمه الله (661-728هـ-1263-1328مـ) يلاقي ما يلاقي في حياته
ويموت حبيسا في قلعة دمشق، ثم ينصفه التاريخ بعد ذلك، ويميط اللثام عن فضائله
وخصائصه، فيكون من أكبر الأئمة المقدرين في صفوف المتدينين الدعاة في أيامنا
هذه، وها إن السلطان عبد الحميد (1842-1942) يظلمه عصره حسب خطط أجنبية محكمة،
ولكن بدأ التاريخ يميط اللثام عن حقيقته، وشرع يعطيه المكانة التي يستحقها، وفي
التاريخ الأفرنسي نجد الملك لويس الخامس عشر (1710-1774مـ) يعيش محفوفا بالتبجيل
والتعظيم، مع أنه من أسوأ الحكام الذين عرفتهم فرنسا، غير أن التاريخ كشفه فيما
بعد، وحقق ما كان يقوله فيه معاصره الفيلسوف الفرنسي النابغة فولتير
(1694-1778مـ): ((مجدوه مجدوه فسيلعنه التاريخ)) وقد لعنه فعلا… |
|
|
سادسا-من
فوائد التاريخ أنه يخدم الدين، ألم تر أنه يدلنا كيف يتقلب الزمان بأهله، فكم من
دول تظهر ويشتد ساعدها، وأخرى تسقط ويتهاوى بنيانها، وكم من أغنياء يفتقرون،
وفقراء يغنون، وأعزة يذلون، وأذلة يعزون، ومدبر الجميع ومحول الأحوال باقٍ
لايحول ولا يزول… أليس في ذلك ما يبعث على التوحيد، الاعتراف بوحدانية البارئ عز
وجل، وكمال قدرته، وبالغ حكمته وعظيم سلطانه؟!، يقول ابن الساعي المؤرخ المعروف
بابن أنجب (193-674هـ -1197-1275مـ): |
|
|
إن
في تدبر مجاري الأقدار، وتقلب الأدوار، واختلاف الليل والنهار، وتوالي الأمم
وتعاقبها، وتداول الدول وتناوبها، عظة للمتقين، وتنبيها للغافلين، قال تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}
ولو لم يكن في ذلك إلا ما ينتفع به المعتبر، من قلة الثقة بالدنيا الفانية،
وكثرة الرغبة في الآخرة الباقية لكفى ما تتوجه إليه البصيرة من جميل الأفعال،
وتحث عليه من صالح الأعمال. |
|
|
ويذهب
الحافظ السخاوي في بيان قيمة التاريخ، وشرح فوائده إلى أنه فن من فنون الحديث
النبوي، وأداة لحفظ الكثير من أحكام الدين، ومدعاة للاحتفاظ بمآثر الصالحين، كما
يذهب إلى أنه فرض من فروض الكفاية.. واستمع إليه يقول[25]:
|
|
|
علم
التاريخ فن من فنون الحديث النبوي، وزين تقرّ به العيون، حيث سلك فيه المنهج
القويم المستوي، بل وقعه من الدين عظيم، ونفعه يتعين في الشرع؛ إذ به يعلم أهل
الجلالة والرسوخ ما يفهم به الناسخ من المنسوخ، ويظهر زيف مدعي اللقاء.. وتحفظ
به الأنساب.. ولذا نعلم منه آجال
الحقوق، واختلاف النقود والأوقات التي ينشأ عنها من الاستحقاق ما هو
معهود، وينتفع به الاطلاع على أخبار العلماء والزهاد والفضلاء، والخلفاء والملوك
والأمراء والنبلاء، وسيرهم ومآثرهم في حربهم وسلمهم، وما أبقى الدهر من
فضائلهم.. بعد أن أبادهم الحدثان، وأبلى جديدهم الملوان… ولهذا صرح غير واحد من
العلماء بأنه فرض من فروض الكفايات والراجح ارتقائه على فرض العين، للاندفاع
بقيامه به عن غيره التأثيمات. |
|
|
سابعًا-من
فوائد التاريخ أن دراسته مسلاة، فإذا نزل بالإنسان هم أو غم، وقرأ تواريخ
الأنبياء، والعظماء، وما انتابهم من أرزاء فصبروا عليها، ولم ينهاروا أمامها شعر
بقوة في نفسه، وراحة في قلبه، ووجد في قصصهم مسلاة وعزاء، وجلاء لهمه، وذهابا
لغمه… بل يجد فيه فوق ذلك مسرة ومتاعا. |
|
|
ثامنًا-
إن التاريخ يحقق التعارف الذي تندبنا إليه الآية الكريمة، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[26]. |
|
|
وأي
فرق بين أن نتعارف نحن والمعاصرين أو بين أن نتعارف نحن والماضين عن طريق دراسة
تاريخهم؟! إن كلا التعارفين سيجر- في أحوال معينة كثيرة- إلى إعجاب، فحب،
وهذان يجران إلى التأسي والإقتداء… فإذا
درسنا تاريخ الأنبياء، والأصحاب، والهداة، والأبطال عرفناهم، وأعجبنا بهم، وانتهينا
إلى الاقتداء بهم على نحو من الأنحاء، وإذن فالتاريخ أداة تعارف، وحب، وأسوة،
ومن ثم أداة ((تربية)) فعالة عظيمة
أيضا، وهو -كما قلنا- أداة لتطبيق الآية الكريمة الآنف ذكرها. |
|
|
والخلاصة
أن التاريخ علم جم الفوائد، لا يكاد يستغنى عنه أحد، ولا سيما إذا كان ذا شأن أو
مسؤولية، وكيف يستغنى عنه وهو -كما عرفنا- حكمة في فحواه، علم في منهج بحثه
وتمحيصه، فن في عرضه وأدائه، وتأثيره وإمتاعه. |
|
|
في دراسة التاريخ الإسلامي: |
|
|
إن دراسة التاريخ
الإسلامي-ولا سيما تاريخ الصدر الأول- دراسة تعليل واستبطان، لا تستقيم إلا لمن
عرف العقيدة الإسلامية معرفة تذوق وممارسة، وعرف إشعاعاتها، وفيوضها، ومبلغ
تأثيرها في تكوين شخصيات أصحابها، وتحديد معالم سلوكهم على مستوى الفرد
والجماعة. |
|
|
إن
هذا التاريخ في حقيقته -إنبثاق من هذه العقيدة، وثمرة من ثمراتها، فهي منه
بمنزلة السبب، وهو منها بمنزلة النتيجة، وأنى لباحث أن يعلل أمرا، وبينه وبين
علته حجاب، فهو غريب عنها غربة معرفة، وتذوق، واستيطان، وممارسة. |
|
|
إن
أي باحث يحاول تفسير التاريخ الإسلامي-ولا سيما تاريخ الصدر الأول- سيأتي تفسيره
مجانبا للصواب، ولعلنا لا نبالغ حين نقول: سيأتي تفسيره تخبطا ورجما بالغيب إلا
إذا سلك فيه أو إليه طريق العقيدة الإسلامية وخصائصها، وإيحاءاتها، وما أودع
الله تعالى فيها من نواميس قادرة على صياغة الحياة، وتكوين الإنسان على نحو ليس
في متناول سواها من العقائد أو المبادئ… |
|
|
التاريخ
الإسلامي- ولا سيما تاريخ الصدر الأول- فذ في التواريخ، إنه لئن أمكن تعليل هذه
التواريخ بالعوامل الجغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وما إليها،
فإن التاريخ الإسلامي لا سبيل إلى تعليله إلا بالعقيدة الإسلامية وإيحاءاتها،
وتأثيراتها…أما العوامل الأخرى التي ذكرناها، والتي اعتاد المؤرخون أن يعللوا بها
التواريخ، فها إن وقعت في شيء من تعليل التاريخ الإسلامي فإنما تقع في منزلة
تالية للعقيدة. |
|
|
إن
التعليل الجوهري لتاريخ الصدر الأول، ولمراحل تاريخية إسلامية أخرى متفرقة جاءت
على غراره إنما تلتمس- من حيث الأصل- في مثل ما يلي: |
|
|
1-{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ} سورة محمد-47. |
|
|
2-{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لا يَنْفَعُ
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
(52)} سورة غافر. |
|
|
3-{وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة
الحج-40. |
|
|
4-{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} المائدة 56. |
|
|
5-{إِنَّ
وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
الصَّالِحِينَ} سورة الأعراف 196. |
|
|
6-{وَاللَّهُ
وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} سورة آل عمران 681. |
|
|
7-{إِنَّهُمْ
لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} سورة
الجاثية 19. |
|
|
8- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا(10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ
آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (11) } سورة
محمد-10. |
|
|
9-{وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} سورة غافر 60. |
|
|
10-{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ
دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}
سورة الأنفال-60. |
|
|
علما
بأن تولي الله تعالى هو نصره، ونصر دينه، وطاعته في نهيه وأمره في توحيده،
وعبادته، والصبر على الجهاد في سبيله، والجد والاستيعاب في الإعداد لهذا الجهاد. |
|
|
ولعلنا
نلاحظ في الآيات الآنف ذكرها أن الله سبحانه قد ربط ربطا وثيقا ظاهرا بين تولي
المؤمنين إياه ونصره وبين توليه سبحانه إياهم ونصرهم، وعلى أساس هذا الربط، ومن
خلال هذا الربط انبثق التاريخ الإسلامي، ولا سيما تاريخ الصدر الأول. |
|
|
والخلاصة
أن التاريخ الإسلامي-كما أسلفنا- هو ثمرة عقيدة، ولا تستقيم دراسته دراسة تعليل واستبطان
إلا من خلالها. |
|
|
ما هي المؤهلات الواجب توفرها فيمن يتصدى؟ |
|
|
للاشتغال بالتاريخ الإسلامي؟ |
|
|
إن التاريخ الإسلامي-كما عرفنا- ذو خصائص يتميز بها
عن سواه، إنه انبثاق من عقيدة، وثمرة من ثمراتها، ومن ثم بات من الضروري أن
تتوفر فيمن يتصدى للاشتغال به شروط خاصة منها: |
|
|
أ-معرفة
العقيدة الإسلامية على وجهها الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي عرفه
الأصحاب كأبي بكر وعمر، وأبي عبيدة، ومعرفة قدراتها، ومناحيها وإيحاءاتها في
صياغة الإنسان على مختلف المستويات الفردية والاجتماعية، الداخلية والخارجية. |
|
|
ب-تجربة
العيش في ظل العقيدة، وممارسة الحياة التي تنبثق منها، وتذوقها، والشعور
بمعطياتها، والتفاعل بها… |
|
|
جـ-الإلمام
بالعلوم الإسلامية من تفسير، وسنة، خصوصا ما يتعلق منهما بالسير والجهاد،
وأهدافه، وآدابه، والإلمام بعلم مصطلح الحديث، وتمثل قواعده في النقد والتقويم،
والجرح والتعديل[27]. |
|
|
د-
التمكن من اللغة العربية بالدرجة الأولى، والتمرس بفهم مختلف أساليب المؤرخين
المسلمين، ومذاهبهم في تدوين التاريخ. |
|
|
هـ-العدالة
والضبط، ومخافة الله تعالى، بحيث يراعي الصدق والأمانة فيما يرويه أو يدونه، دون
محاباة قريب لقرابته، أو ذي سلطان لسلطانه، ودونما جورٍ على بغيضٍ، أو منافس، أو
معاصر. |
|
|
و-
الشجاعة، ونبل النفس، والترفع عن مفاتن الحياة الدنيا، مما يسهل عليه التزام
الحق، واجتناب الباطل. |
|
|
ذلك
إلى جانب ما يجب أن يتوفر في المؤرخ من حيث هو من جدٍ في البحث وصبرٍ على تقصي
الحقائق، وذكاء، وزكانة [28]،
ودقة ملاحظة، وقد أشار ابن خلدون إلى هذه الشروط فقال [29]: |
|
|
يحتاج
صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم
والبقاع والأعصار في السير والأخلاق، والعوائد والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال،
والإحاطة بالحاضر من ذلك (أي يجب أن يحيط بأحوال عصره) ومماثلة ما بينه وبين
الغائب من الوفاق أو بون (بعد) ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منهما
والمختلف، والقيام على أصول الدول…ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها،
وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادث، واقفا على أصول
كل خير، وحينئذ يعرض المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها، وجرى
بمقتضاها كان صحيحا، وإلا زيفة، واستغنى عنه. |
|
|
وبناء
على هذه الشروط، وغيرها مما رأى العلماء توفره في المؤرخ ولا سيما المسلم نرى أن
التاريخ علم جليل القدر، وأن التصدي للاشتغال به يحتاج إلى مواهب فطرية فذة، وطاقات
عظيمة، وأخلاق رفيعة، ودين صحيح.. فكيف وقد صار الاشتغال به في هذه الأيام -غالبا-
إلى العلمانيين، والمستشرقين الكاشحين، وأتباعهم المقلدين؟!! |
|
|
منطلقات
في دراسة تاريخ الصحابة: |
|
|
لابد
للمشتغل بالتاريخ الإسلامي من دراسة الدور الذي قام به الصحابة (رضي الله عنهم)
في هذا التاريخ، ولا غرو، فدورهم هذا، مع دور الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو
أساسه ونبراسه، وقد كثر في دورهم الخلاف، وتشابكت فيه وجهات النظر في كثير من الأحيان.. وقد انتهيت - بعد
تأمل- إلى منطقات في دراسة هذا الدور الجليل الدقيق الحساس أذكر خلاصتها فيما
يلي، ولعلي قد أصبت الحق فيها: |
|
|
أ-عندما
ندرس تاريخ الصحابة يجب ألا يغيب عنا أنهم هم الطبقة المثلى التي فهمت الإسلام
على حقيقته، وعملت به. |
|
|
ب-إن الروايات في
خلافاتهم يجب أن نقف منها موقفا غاية في الحذر والتحقيق، والنقد والتمحيص، لأن
حقبتهم أضحت مجالا كبيرا لدس ذوي الأغراض المنحرفة والمآرب النفعية من سياسية
ودينية وما إليها… |
|
|
جـ-
إذا درسنا ما نسب إليهم من خلاف، أو غلط، على الأساس المتقدم اضطررنا أو هدينا
إلى رد أكثره، وما يتبقى منها فهو قليل جدا…وهذا القليل إذا درسناه دراسة استبطانية
ألفيناه قائما على الاجتهاد في طلب الأفضل، والأرضى لله…والمجتهد إما مصيب فله
أجران، أو مخطئ فله أجر واحد. |
|
|
د-يجب
ألا يغيب عن البال أن الخطأ الاجتهادي
الذي لم يخل منه تاريخ الصحابة -ومن الطبعي ألا يخلو منه- والذي بولغ في روايته
لنا على شكل فتن وزعازع إذا قيس بفضائلهم بدا شيئا يسيرا لا يكاد يستحق الذكر،
على أنهم ليسوا بالمعصومين والله سبحانه لم يتعبدنا بأفعالهم، ولسنا ملزمين
باتباعها إلا من خلال الكتاب والسنة، اللذين هما مصدرا الدين[30]
وهما المقياس الذي نقيس به كل ما عداهما من أقوال البشر وأفعالهم، فما وافقهما
قبلناه، وما خالفهما فارقناه إليهما… |
|
|
وعلى
كل حال فحسن الظن بالأصحاب واجب، والاعتقاد بعدالتهم يستلزمه الدين، والبحث
العلمي الدقيق. |
|
|
هذه
المنطلقات أرى أن تراعى حين ندرس ما يتعلق من التاريخ الإسلامي بهذه الفئة، خير
الناس بعد الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، عسى أن تكتب لنا الإصابة والسلامة. |
|
|
نظرة إلى تقسيم العصور التاريخية: |
|
|
من
المنافذ التي نفذت إلينا من خلالها وجهة نظر الغرب في تفسير تاريخنا، تقسيم
العصور التاريخية المنقول عن المؤرخين الغربيين. |
|
|
وغير
خاف، أن هؤلاء المؤرخين، ومن نحا نحوهم، قد درجوا على تقسيم العصور التاريخية
إلى ثلاثة أو أربعة هي: |
|
|
1-العصور القديمة: |
|
|
وتبدأ
باختراع الكتابة قبل الميلاد بنحو خمسة وأربعين قرنا[31]،
وتنتهي بسقوط الإمبراطورية الرومانية على أيدي البرابرة سنة 476مـ. |
|
|
2-العصور الوسطى: |
|
|
وتبدأ
سنة 476مـ، وتنتهي بفتح القسطنطينية سنة 1453مـ، أو باكتشاف العالم الجديد سنة
1492مـ. |
|
|
3-العصور الحديثة:
|
|
|
وتبدأ
بنهاية العصور الوسطى، وتستمر حتى أيامنا هذه، وبعضهم يقسم العصور الحديثة إلى
قسمين، الأول يدعى العصور الحديثة وتبدأ بنهاية العصور الوسطى حتى مطلع القرن
التاسع عشر الميلادي، والثاني يدعى التاريخ المعاصر، ويبدأ من مطلع القرن التاسع
عشر حتى أيامنا هذه. |
|
|
ويعتبر
المؤرخون الغربيون، ومن تابعهم من الشرقيين العصور الوسطى عصور ظلمات وجهالة
وتأخر، حتى أضحت مثلا شرودا في ذلك، فإذا ما أريد غمز شيء أو عيبه قيل فيه: "أنه
من بضاعة القرون الوسطى)) وإذا دققنا النظر في هذا التقسيم ألفيناه قائما على
نظرة غربية بحتة، وإذا صلح فإنما يصلح لتاريخ الغرب دون التاريخ الإسلامي، ومن
الظلم لحقائق العلم والتاريخ أن نعممه على التاريخ الإسلامي، ألم تر أن الإسلام
قد ظهر، وأدى رسالته العظمية في هداية البشرية، وتمدينها، وآتى حضارته الفذة
خلال الحقبة التي يدعونها بالقرون الوسطى، والتي ينعتونها بالنعوت المنافية
تماما لما كانت عليه الحياة الإسلامية، وإن كانت مناسبة لما كانت عليه حياتهم
هم. |
|
|
ومن
هنا بات من الواجب أن يعاد النظر في هذا التقسيم على أساس ((أكثر علمية)) وأكثر
إنصافا للحقائق التاريخية، وأن يعطى الوجود التاريخي الإسلامي مكانه الطبعي
الحق في التاريخ، وحين نعمد إلى تقسيم
التاريخ الإسلامي ينبغي أن نبني هذا التقسيم على المراحل التي اجتازها هذا
التاريخ نفسه، لا على المراحل التي مر بها تاريخ غيره، وهو التاريخ الغربي. |
|
|
وقد
ألفت لجنة إسلامية[32]
لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وفق مقتضيات العقيدة ومعطياتها، واقترحت تقسيم
بحث التاريخ الإسلامي إلى خمس مراحل هي: |
|
|
1-مقدمات التاريخ الإسلامي. |
|
|
2-التاريخ الإسلامي على عهد
الرسول صلى الله عليه وسلم. |
|
|
3-المد الإسلامي. |
|
|
4-الانحسار الإسلامي. |
|
|
5-العالم الإسلامي اليوم. |
|
|
ولا
شك أن لهذا الاقتراح وجاهته ومسوغاته، وإذا كان فيه من مآخذ فإن التنفيذ الواجب
على الجميع يكشفها، ويساعد على تداركها وإصلاحها.. |
|
|
نظرة في مصطلح ((التاريخ
الإسلامي)). |
|
|
هذا المصطلح هو مصطلح
جديد، يطلق على الحقبة التاريخية التي تبدأ بظهور الإسلام وتنتهي سنة 1517مـ،
وهي السنة التي اجتمعت فيها سورية ومصر وما إليهما مع البلاد الإسلامية الأخرى
التي كانت تابعة للدول الإسلامية العثمانية بمساعي السلطان سليم الأول[33]. |
|
|
وهذا
الاصطلاح ليس مسلما، بل هو موضع مناقشة، ومجال شك، ولنا أن نتساءل متى يجوز لنا
أن نصف تاريخا ما بأنه إسلامي أو غير إسلامي. |
|
|
ولعله
من الواجب، ومن الدقة العلمية أن نقول في تاريخ ما أنه إسلامي عندما يكون ناس
هذا التاريخ مسلمين، وعندما تكون الاعتبارات الإسلامية هي المهيمنة عليهم،
وعندما يكون النظام العام الذي يعيشون في ظله، ويمنحونه ولاءهم عائدا إلى
الإسلام، ومشتقا منه، وعندما يكون انتماؤهم –حين تترك لهم الحرية- انتماء
إسلاميا… |
|
|
وهذه
الشروط ما تزال متوفرة في تاريخنا حتى يوم الناس هذا، فبرغم جميع المخططات
والجهود التي بذلت، ومازالت تبذل لتغيير الواقع، فإن المسلمين ما انفكوا مسلمين
عقيدة وانتماءا، أملا وألما وولاء، وإن لم يكونوا من الناحية التطبيقية سواء،
وكما ينبغي أن يكونوا. |
|
|
وإذا
تعمقنا الأحداث الكبرى التي جرت في ((تاريخنا المعاصر)) ودققنا في اكتشاف
دوافعها وبواعثها وجدناها إسلامية، فمن نشوء الكيان السنوسي في ليبيا الذي أبلى
بلاءه المعروف في مقارعة الاستعمار الإيطالي إلى قيام الدولة السعودية الثالثة
بقيادة الملك عبد العزيز رحمه الله إلى الثورات التحررية في العالم الإسلامي
كالثورة السورية سنة 1925، والثورة الجزائرية 1954، والحركات الاستقلالية في
المغرب.. التي انتهت باستقلاله إلى نشوء دولة باكستان إلى استنهاض الزعماء مشاعر
الأمة في حرب رمضان 1393هـ (تشرين الأول 1974مـ). |
|
|
فالدوافع
والبواعث التي كانت تحرك الجماهير في هذه الأحداث تحريكا رئيسيا إنما كانت
إسلامية. |
|
|
وإذا
سلمنا بسداد هذا الاصطلاح فماذا نقول في
الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي ظهرت في شبه القارة الباكندية
(1526-1857مـ) والتي عرفت مثل الإمبراطور محي الدين أورنكزيب (1068-119؟هـ-1657-1707مـ)
الذي يلحقه بعضهم تديناً، وكفاية، وعزيمة، وتنظيما بالخلفاء الراشدين، بل ماذا
نقول في التجديد الكبير الذي قاده المحمدان: محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب
في القرن الثامن عشر؟ أفنجعل ذلك كله خارج التاريخ الإسلامي؟! |
|
|
والحق أن الإسلام ما زال أكبر محرك يستطيع أن يؤثر في سير التاريخ ((المعاصر)) في العالم الإسلامي، برغم جميع المخططات والجهود الجبارة، والتي بذلت وتبذل –كما قلنا- لإبطال فعاليته، وعلى ذلك فتاريخنا كله هو تاريخي إسلامي، ولكنه مرَّ ويمر في مراحل يقترب في بعضها من حيث التطبيق- من الإسلام، ويزور في بعضها الآخر عنه، ولكنه لا يتنقل إلى سواه البتة برغم جميع المخططات والجهود المشار إليها… |
|
|
ثم نفرض جدلا أن سنة 1517مـ أدخلت البلاد العربية في طور انتهت معه مسوغات وصف
تاريخنا فيها بأنه إسلامي، فهل- يا ترى- كان لهذه السنة الأثر نفسه بالنسبة إلى
العالم الإسلامي كله، أظن أن الأحداث التي أشرنا إلى بعضها آنفا تأبى ذلك، وتؤكد
استمرار إسلامية تاريخنا… |
|
|
وإذن
فإن الحكم على تاريخ هذه الأمة بأن ((إسلاميته)) قد انقضت بدخول العثمانيين هذه
المنطقة هو حكم تعوزه مقومات الحكم العلمي السليم… |
|
|
والصواب
الذي لا ريب فيه هو وجوب نسبة تاريخ أمتنا إلى مناط انتمائها وولائها، إلى
مفزعها في آلامها وآمالها، إلى الإسلام، وبناء على ذلك يجب أن يقال: أن التاريخ
الإسلامي بدأ بظهور الإسلام وما يزال بحمد الله مستمرا، غير أنه لابد من تقسيمه
إلى مراحل على نحو ما ذكرنا من اقتراح اللجنة التي ألمعنا إليها… |
|
|
والخلاصة
أن التاريخ علم جليل، يتناول بالبحث- كما قلنا- مختلف الوقائع والكوائن، ومختلف
ألوان النشاط البشري التي تحدث على مسرح الحياة، ولا يقف بحثه إياها عند رواية أخبارها، بل يشمل تحديد زمان وقوعها،
والوقوف على الروابط الظاهرة والخفية التي تنتظم شتاتها، وبيان كيفية وقوعها،
وأسبابه ونتائجه وأثره في حياة الإنسان فردا أو جماعة، حالا أو مالا. |
|
|
والتاريخ
حكمة في فحواه، علم في منهج بحثه، وفي وقوع حوادثه حسب سنن إلهية لا تبديل لها
ولا تحويل، أدب أو فن في إمتاعه العواطف البشرية ومناغاتها ومبلغ تأثيره فيها… |
|
|
وهو
ذو فوائد عظيمة جعلت منه علم رجل الدولة، وعلم رجل الدعوة، وعلم رجل التربية،
وعلم رجل الإدارة، بل علم كل ذي مسؤولية ذات بال. |
|
|
والتاريخ
الإسلامي هو ثمرة العقيدة الإسلامية بكل خصائصها ومقوماتها وإشعاعاتها وقدرتها
على صياغة الإنسان والمجتمع صياغة متميزة متفوقة، ولا تستقيم دراسته ولا كتابته،
كما لا يستقيم تعليله إلا من خلال هذه العقيدة ذاتها…وهذه النقطة هي محور الخلاف
بين الإسلاميين والعلمانيين الذين يريدون تقسيم تاريخنا وتعليله على أسس تنافي
جوهره وطبيعته الذاتية… |
|
|
وأنا
لا ألومهم بمقدار ما ألوم الإسلاميين الذين طالما أغمضوا العين عن العناية
الجادة بالتاريخ هذه المادة التوجيهية العظيمة الفعالة، ولكن ما يزال هناك مجال
للاستدراك. |
|
|
لقد
آن الأوان لأن ننظر إلى التاريخ النظرة الجدية التي يستحقها، وأن نؤمن بأنه ليس
مجرد حكايات كحكايات العجائز في ليالي الشتاء الطويلة!! |
|
|
هذا
ولا بد لمن يريد الاشتغال بالتأريخ من أن تتوفر فيه مؤهلات هامة فطرية وكسبية،
أشرنا إليها فيما سلف… |
|
|
إن
تاريخنا الإسلامي يحتاج إلى كتابة جديدة، وتفسير جديد في ضوء العقيدة الإسلامية
كما جاءت في الكتاب والسنة، وكما تحققت في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)،
وحياة أصحابه، وفي العهود التالية المتفرقة التي ائتمت بهاتين الحياتين
المثاليتين، كعهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله… بحيث تكون هذه الكتابة، وهذا
التفسير متحررين من الأفكار المبترة، ومن الاتجاهات التي يريد الآخرون أن
يفرضونها عليه لتحريف ((الشخصية الإسلامية))، وتفريغها من محتواها الأصيل… |
|
|
لقد
أورثتنا جهود سلفنا في حقل التاريخ ثورة علمية تاريخية لا أحسب أن أمة من الأمم
الأخرى في القديم أو الحديث قد حظيت بمثلها.. والواجب علينا الآن أن نكمل جهود
ذلكم السلف البر العظيم، فنخدم تاريخنا خدمة جادة حسب الظروف والمقتضيات التي
تواجهنا. |
|
|
وهناك
نواح أخرى في موضوعنا، ما تزال حقيقة بأن ينظر إليها، وبأن تلمس اللمسات
المناسبة، ولكن ضيق الوقت حال دون ذلك، وعسى أن يتاح لنا الوقت المناسب في
المستقبل. |
|
|
وإنا
لنرجو ونتوقع أن يكون هذه الدولة التي يرفرف علمها بكلمة التوحيد أثرها الخالد
في خدمة التاريخ الذي انبثق من كلمة التوحيد، كما نرجو ونتوقع أن يكون لمؤسساتنا
العلمية من جامعات وغيرها دورها التاريخي في هذا المجال… على أننا ننيط بجامعتنا
الإسلامية العتيدة أكبر الرجاء ونحملها أضخم المسؤوليات في هذا الشأن وأنها لذلك
لأهل إن شاء الله. |
|
|
على
قدر أهل العزم يأتي العزائم |
وتأتي
على قدر الكرام المكارم |
|
والله
سبحانه هو المدعو أن يشد العزائم، ويعلي الهمم إلى مستوى المسؤوليات، ويعين على
وضوح الرؤية، ويهدي القافلة إلى السير على طريق رشيد هادف، كما أنه هو المدعو أن
يتقبل عمل العالمين المخلصين. |
|
|
والحمد
لله أولا وآخرا… |
|
|
|
|
|
[1] انظر: السخاوي: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص 25، ومحمد عبد الغني حسين علم التاريخ عند العرب ص 12. |
|
|
[2] نعتقد أن أحسن ما يجب أن يعتنى به ويلم بجانبه بعد الكتاب والسنة هو العلوم التي تقتضيها مصلحة الدعوة وأمتها في ضوء الظروف والأحوال المواجهة، ويبدو أنه كان من مصلحة الدعوة وأمتها منذ قرون أن يعطي المسلمون بعد فقه الكتاب والسنة وبعد العلوم الضرورية له عناية كافية لما نسميه اليوم بالعلوم كالرياضيات والكيمياء والفيزياء ..الخ، أنها علوم أساسية في الحياة، وإن تفوق الأعداء علينا في هذه الحقبة من التاريخ يرجع إلى حد بعيد إلى عنايتهم بها، وتفوقهم فيها، والله أعلم. |
|