|
|
|
مع الرعيل الأول |
|
لفضيلة الشيخ: محمود أمين النواوي |
|
|
|
كان الناس
يقولون في عهد التابعين ومن بعدهم: إن فقهاء المدينة سبعة يصدر الناس عن آرائهم،
وينتهون إلى قولهم وإفتائهم، ويقول عبد الله بن المبارك في شأنهم، إنهم كانوا
إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها ولا يقضي القاضي حتى ترفع
إليهم فينظروا فيها، وهؤلاء السبعة هم: سعيد بن المسيب المتوفى سنة 95 للهجرة،
وخارجة بن زيد ابن ثابت المتوفى سنة 100، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى
سنة 106، وعروة بن الزبير المتوفى سنة 99، وسليمان بن يسار الهلالي المتوفى سنة
109، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف المتوفى سنة 94 وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود المتوفى سنة 99. |
|
وجعل
ابن المبارك مكان أبي سلمة بن عبد الرحمن سالم بن عبد الله بن عمر المتوفى سنة
106 ، ونقل العراقي في التبصرة عن يحي بن سعيد أنه بلغ بهم اثني عشر، وعدّ فيهم
سعيد بن المسيب الذي لا خلاف في شأنه، كما أنه قلّ من يخالف في أنه سيدهم
ومقدمهم، بل هو كما صرح أكثر الأئمة أنه أفضل التابعين على الإطلاق إذا استثنينا
أويسا القرني كما تراه في هذه الدراسة. |
|
نقل
عثمان الحارثي عن أحمد بن حنبل قال: سمعته يقول: أفضل التابعين سعيد ابن المسيب،
قيل له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد وعلقمة والأسود، وفي رواية أخرى عنه قال:
أفضل التابعين قيس بن أبي حازم وأبو عثمان الفهدي[1]. |
|
ويقول
علي بن المديني شيخ البخاري: سعيد عندي أجل التابعين. |
|
ويقول
أبو حاتم الرازي: ليس في التابعين أنبل من سعيد. |
|
ويقول
ابن حيان: سعيد بن المسيب أنبل التابعين. |
|
ويقول
جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك الغفاري: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما
أعلمهم بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان،
وأفقههم وأعلمهم علما بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب. |
|
ويقول
الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن
البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، ويقول أيضا: أربعة من قريش وجدتهم بجورا وذكر
ابن المسيب أولهم، وقال الزناد بن الأعرج مثل ذلك. |
|
وما
أكثر تزكيات العلماء والأئمة ممن شاهدوه وأخذوا عنه، أو من أخذوا عنهم، أو من
يليهم غير أنهم ينقلون في هذا المقام ما يفيد ببعض الاختلاف بما لا يخلو عن
تقدير إقليمي، قال الإمام أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي[2]:
اختلف الناس في أفضل التابعين، فأهل المدينة يقولون سعيد بن المسيب، وأهل البصرة
يقولون الحسن البصري، وأهل الكوفة يقولون أويس القرني[3]،
فأنت ترى كل إقليم يفضل بحسب ما لمس وانتفع، ولكن رأي أهل الكوفة يستحسنه ابن
الصلاح ويصححه العراقي، لما روى مسلم في صحيحه من حديث عمر ابن الخطاب قال سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن خير
التابعين رجل يقال له أويس…" الحديث. قال العراقي: إن هذا الحديث
قاطع للنزاع، وأما تفضيل أحمد لابن المسيب وغيره فلعله لم يبلغه الحديث أو لم
يصح عنده، أو أراد الأفضلية في العلم لا الخيرية، ولا تلازم بين الأمرين. |
|
وهو
دفاع مشكور عن أحمد غير أن قوله إن الحديث لعله لم يبلغه أو لم يصح عنده غير
سليم، فإنه أخرجه في مسنده من الطريق التي أخرجه مسلم منها، وله فيه رواية أخرى
تنص على أن من خير التابعين أويس
[4]،
فلم يبق إلا أن يكون تفضيل من فضل سعيدا بحسب العلم ونشر السنة مع مراعاة
الرواية الثانية "من خير التابعين". |
|
مهما
يكن فإن حسبنا في هذه المحاولة أن نعرض في تاريخ هذا العبقري وأمثاله ما هو جدير
أن يحقق الأسوة، ويثير الرغبة، ويكبت الرعونة في نفوس طالما ألحت عليها الشهوات،
وكبت بها المطامع والنزوات والله المستعان. |
|
ولد
هذا الإمام الكريم لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب، من أب وجد صحابيين أدركا رسول
الله صلى الله عليه وسلم وروى سعيد عن أبيه المباشر منهما وهو المسيب ابن حزن،
وكان عهد عمر بن الخطاب عهدا يتسم بالدين في أبهى حلله وفي أبرز صوره يتفاضل
الناس فيه بالعلم النافع والعمل الصالح، ويدركون مآربهم من طريق الدين، ولهذا
كان الناس على دين ملوكهم يدركون ما عندهم بما يحبون، وقد عرف عن عمر أنه يقدم
الناس بالعلم إلى حد عجيب، فهو يقدم مثل عبد الله بن عباس على كبار الصحابة
لذكائه وغزارة علمه، وهو يحتضن عبد الله بن مسعود ويرجع إليه في مشاكله، وهو
يأخذ عن علي ويرجع إلى علمه ومعرفته، كان ذلك كالغريزة فيه، والطبع الذي لا تكلف
فيه، وهذا لأنه بلغ في العلم مبلغا قلّ من يدانيه حتى قال مسروق بن الأجدع:
انتهى العلم إلى ستة من الصحابة: عمر وعلي وعبد الله وأبي بن كعب وأبي الدرداء
وزيد بن ثابت. |
|
وكانت
المدينة تموج في خلافته بالعلماء من إخوانه الذين كان يدفعهم إلى نفع المسلمين
بما عندهم، ولا يأخذهم بهوادة في ذلك ولا لين. |
|
وقد
رأيت أن سعيدا أدرك أكثر العشرة المبشرين بالجنة وإن كان لم يثبت أنه روى عن أحد
منهم سوى سعد بن أبي وقاص أو عمر بن الخطاب إذ سمعه وهو في صباه كما سنعرض عليك
حديث الرجم في نقل الحافظ ابن حجر، وقد ادعى الحاكم في علوم الحديث أنه أدرك
العشرة وسمع منهم، وهذا غير صحيح يبطله أن سعيدا ولد في خلافة عمر بلا خلاف،
فكيف يسمع من أبي بكر، وقال العراقي: إنه لم يسمع من عمر على الصحيح، ثم استدرك
بأن أحمد بن حنبل أثبت سماعه منه، وسترى ما يؤيد ذلك في كلام شيخ الإسلام في
تهذيب التهذيب وهو يترجم له بعد أن تعلم ما نقله أيضا من أنه روى عن أبي بكر
مرسلا وبقية الأربعة كذلك، وحكيم بن حزام وابن عباس وابن عمر وابن عمرو، وروى عن
أبيه المسيب وأبي ذر في آخرين من الصحابة والصحابيات، وأن ابن الجوزي ادعى أنه
أسند عن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وكثير غيرهم أوردهم ابن الجوزي في
صفوة الصفوة، وقوله إنه أسند عن هؤلاء مما يختلف مع ما جزم به آخرون من أنه لم
يسند من العشرة إلا عن سعد بن أبي وقاص لتأخر وفاته، ففي النقل اختلاف غير جوهري
ولا مغير للهدف المنشود، أما شيخ الإسلام ابن حجر فإنه يقول فيما يتعلق بروايته
عن عمر بطريق المباشرة، يقول وهو مغتبط بما يقول: وقد وقع لي حديث صحيح الإسناد
لا مطعن فيه، وهو صريح في سماع سعيد بن المسيب من عمر، ثم روى بسنده إلى سعيد
أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يقول: "عسى أن يكون بعدي أقوام
يكذبون بالرجم يقولون لا نجد الرجم في كتاب الله فلولا أن أزيد في كتاب الله ما
ليس منه لكتبت أنه حق، قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم أبو بكر ورجمت))
ويبدو من ذلك أنه سمع عمر وتحمل عنه وهو صبي، والمحدثون لا يمنعون التحمل في مثل
سنه كما هو مقرر في موضعه. |
|
أما
تلمذته لأستاذه أبي هريرة فإنها مما لا يختلف العلماء والمحدثون فيه فقد اتصل
بأبي هريرة ولزمه للأخذ عنه، وتزوج ابنته وكان أبو هريرة أحفظ الصحابة للسنة
لأنه كان لا يشغله عن صحبة رسول الله من عمل ولا تجارة كغيره من المهاجرين
والأنصار، وله في ذلك أخبار مشهورة نجتزئ بالإشارة إليها، وقاتل الله الملحدين
وأجراء المستشرقين الذين حاولوا صرف المسلمين عن دينهم بالطعن في هذا الصحابي
العظيم، فإنه متى أصيب فقد أصيبت السنة التي هي ركن الإسلام، وهيهات فالله متم
نوره ولو كره الكافرون. |
|
وفي
تاريخ سعيد أنه اتصل بأسماء بنت أبي بكر فعرف منها تأويل الأحلام، وكانت تعرفها
من أبيها الصديق الذي زكاه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العلم الذي يدل على
صفاء الذهن، وإشراق القلب، وكذلك كان أبو بكر وسترى ما يؤيد معرفة ابن المسيب
بالتعبير بعد قليل. |
|
ولكنه
اشتهر رضوان الله عليه بالحديث والفقه في الدين والفتوى في نوازل المسلمين، فلم
تجد معرفته بالتأويل مكانا للشهرة بين تلك المعارف الجليلة، لقد جد سعيد في
مواصلة العلم وطلب السنة والفقه حتى صار أعلم الناس بأقضية رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكبار الصحابة، ويقول في ذلك تحدثا بنعمة ربه ومن حق العالم ذلك حتى
يكون موضع الثقة بين المتعلمين وأهلا للأخذ عنه بينهم "ما بقي أحد أعلم بكل
قضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان مني" وكأنه
لم يذكر عليا مع أنه كانت له أقضية جليلة وفتاوى كريمة يحفظها ابن عباس وغيره،
لأن معارف الإمام علي رضي الله عنه لم تنتشر بالمدينة كما نشر غيرها من معارف
الخلفاء الذين أقاموا بالمدينة المنورة حتى ختموا حياتهم المباركة فأخذ الناس
عنهم فيها يريدون، ولعل ما يؤكد هذا الخبر ويؤكد هذه الدعوى أن كبار الصحابة
وعلى رأسهم الحبر الإسلامي الجليل عبد الله بن عمر كانوا أحيانا يرجعون إليه
ويحيلون عليه، نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن
عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره، قال مالك: لم يدرك عمر
ولكن لما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره، أهـ. |
|
فإذا
كان عبد الله بن عمر يسأله عن شأن أبيه فما بالك بغيره، ألست ترى معي أن ذلك
الرجل كان أعجوبة، ولكن هذا في الحق غير عجيب من شأن رجل كأنه لم يعرف في حياته
غير المسجد النبوي للعلم والطاعة سوى ما يباشر به أمر معاشه، على أنه لا يذكر في
تاريخ حياته شيء تفصيلي من ذلك أكثر من كلمة عامة إنه كان يتجر في الزيت، ولكن
كيف وفي أي وقت وكيف كانت معاملته غير
أنهم وصفوه بالتسامح إلى حد كبير كما سيمر بك. |
|
إننا
مازلنا منذ نشأنا نسمع القائلين ونقرأ للكاتبين أن سعيد بن المسيب كان حمامة
المسجد النبوي لأن قلبه تعلق به عملا لا قولا، وانطبق عليه التوجيه النبوي الكريم
ورجل قلبه معلق بالمسجد فكيف إذا كان خير مسجد بعد المسجد الحرام، لقد عرف فلزم
فكان يواصل الخطا إلى المسجد وينتظر الصلاة تلو الصلاة، ويرى في العلم حق الصلاة
وفي الصلاة حق العلم كلاهما مع الطهارة بكامل معناها مؤد إلى الآخر، ومتفاعل معه
ورافع لشأن من لزمه، وقالوا إنه لم ينظر في الصلاة إلى قفا أحد لأنه لم يكن
أمامه أحد، وقالوا إنه لزم الصف الأول أربعين سنة كان يتابع فيها الصوم ويسرده،
وإنه مع فقهه العجيب لم يترخص في قبول هدية أو منحة، ولا قبِلَ عطاء من بيت
المال مما كانوا يتقربون به إليه أو إلى أمثاله من الأئمة والعلماء، حتى يكون
حرا لا سلطان لغير الله عليه رضي الله عنه، ولعله كان فيه الأسوة الكريمة
للعلماء أرباب المواقف من أمثال ابن حنبل الذي أصيب بمحنة خلق القرآن، وأبي
حنيفة ومالك وقد أريد كل منهما على القضاء فأبى كل الإباء. |
|
قال
ابن حجر في تاريخه: لما بايع عبد الملك للوليد وسليمان أبى سعيد ذلك فضربه
إسماعيل بن هشام المخزومي ثلاثين سوطا وألبسه ثيابا من شعر وأمر به فطيف به في
الأسواق ثم سجن. |
|
فقاتل
الله الظالمين، وجزى الله الثابتين على الحق والدين خير الجزاء آمين. |
|
إنه
يخيل إلي أن سعيد بن المسيب مع هؤلاء الظلمة كان أشبه بالمعشوق المعرض والمطلوب
المدل، ولكنهم إنما كانوا يعشقون إقباله ليصرفوا قلوب الناس إليهم ويعتزوا
بإقبالهم، ولكن له خطة في قلبه رسمها علم الدين، وانتهاج سنة الصالحين. |
|
وبعد
فإنني خشيت أن يتشتت بنا القول مع هذا البحر الخضم فلنجمع أهم ما يتصل به في
طورين اثنين. |
|
أولهما:
عهد الطلب والتعلم الذي تمثل في تردده على حلقات العلم، وأخذه عن الصحابة ما
تسنى له مما أخذوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ليروي عنهم بالسند المتصل غالبا
وما كان أكثرهم بالمدينة وإن كان بعضهم تنقل في البلاد منذ عهد الخليفة الثالث
رضي الله عنه، ولكنه بقي في المدينة منهم الكثير وفيهم كثير من البدريين رضوان
الله عليهم، وقد رأيت في صدر هذا المقال أسماء لبعض من نقل عنهم سعيد، ولهذا لم
ير سعيد ابن المسيب أن يرحل في طلب العلم، وهو في أول مركز للعلم وأهم موطن له
ولقد كان يزكي انتفاعه بهؤلاء ويظهر ثمرة الإفادة منهم ذلك الاستعداد الخصيب مع
ذلك الإقبال العجيب، فتجلى نضجه المبكر وظهر فضله غير متأخر حتى كان يفتي
والصحابة شهود، وكانت تعجبهم فتاواه ويقرونها بل يباركونها. |
|
وثاني
العهدين لسعيد شأنه منذ ظهر فضله، ولمس في نفسه أنه مطلوب لا طالب، وأن نقله
للعلم أول واجب، لا فكاك له منه ولا مندوحة عنه لا يسأل على ذلك أجرا، فأسند ما
سمعه من الصحابة إلى من نقلوه عنه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يرسل
أحيانا بعض الأحاديث[5]،
وكانت مراسيله في الجملة مقبولة لأنه كان لا يرسل إلا عن الثقات، ولأنها وجدت
مسندة في بعض الروايات عنه وليس تفصيل ذلك من همنا اليوم[6]. |
|
وفي
هذا الطور ظهرت شخصيته الخلقية في هذه الشخصية العلمية، فأقام على عبادة الله
وعرف عن الدنيا ومظاهرها إلا ما يقيم به أوده، ويصون به وجهه، وقد أثمر ذلك فيه
الثبات على الحق والمضي فيما يعتقد أنه الحق ولو كان السيف مصلتا عليه، ومهما
أصيب في دنياه إيثارا لسلامة الدين، وقد تجلى ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان
حين رفض البيعة لابنيه الوليد وهشام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن
بيعتين في بيعة كما تقدمت الإشارة، كما تجلى في رفضه لتزويج بنته لولي العهد الوليد
بن عبد الملك مع أنهم عذبوه كذلك وطافوا به في أسواق المدينة، وهل كان مثل سعيد
وهو من هو في ذلك الدين والورع يقبل أن يصاهر هؤلاء، وهو يعاديهم وينكر عليهم،
إذن لتسرب إليه التحليل من قيود التقوى والورع، وهو عليها أحرص ما يكون، ولعل
لنا بعد ذلك أن نجمل القول فيما تجلى فيه من صفات تجمع أمره كله وهي صفات ثلاث
.. العلم الفياض، والحرص البالغ على الطاعة مع الإعراض عن المظاهر الكاذبة،
والصبر على الحق مع الصبر على ما يصيبه في سبيله! |
|
أما
العلم فقد رأيت صورا منه فيه طالبا ومطلوبا، ولمست مكانته في شهادة السلف الصالح
والأئمة وفيهم بعض الصحابة وكثير من التابعين وتابعيهم بإحسان .. وقال مكحول: ما
حدثتكم به فعن سعيد بن المسيب والشعبي، وقال ميمون: دخلت المدينة فسألت عن
أفقهها فدفعت إلى سعيد بن المسيب، ولابد هنا من الإشارة إلى مبلغ بصره بتأويل
الرؤيا كم وعدنا بذلك، فإن المتتبع لشأنه ولاسيما فيما ينقل عنه من ذلك في كتب
التراجم والتواريخ ليرى العجب ويتجلى له أنه أوتي ما هو كالوحي مما لا يخطر على
بال .. وما يتحقق على غرابته كما قال، روى ابن سعد في طبقاته ما خلاصته: أن رجلا
جاء إلى ابن المسيب فزعم له أنه رأى في منامه كأنه أخذ عبد الملك بن مروان
فأضجعه إلى الأرض ثم بطحه فدق في ظهره أربعة أوتاد! فقال له: أنت رأيتها؟ قال
نعم، قال سعيد: لا، ولا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك،
فقال سعيد إن صدقت قتل عبد الملك ابن الزبير، وخرج من صلبه أربعة كلهم يكون
خليفة، فذهب الرجل إلى عبد الملك وأخبره فسر سرورا عظيما، وسأل الرجل عن حال
سعيد ثم أجاز الرجل وأغدق عليه، وقال له رجل: رأيت عبد الملك يبول في قبلة النبي
صلى الله عليه وسلم أربع مرات، فقال إن صدقت رؤياك قام من صلبه أربعة خلفاء،
وجاءه رجل فقال له: رأيت حمامة وقعت على منارة المسجد، فقال: يتزوج الحجاج ابنة
عبد الله بن جعفر، وهذه عجائب حقا. |
|
ويرتبط
بهذه الناحية ما كان ينضح على لسانه من الحكم العجيبة، ومنها ما نقل عن ابن
عيينة قال: سمعت سعيدا يقول: إن الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أقبل وأنذل منها من
أخذها بغير حقها، وطلبها من غير حلها، ووضعها في غير سبيلها، وروى أبو نعيم في
الحلية أن سعيدا لما جرد عن ثيابه ليضرب قالت امرأة حين رأته: هذا مقام الخزي،
فقال سعيد: من الخزي فررنا. |
|
نعم
لقد فر باستمساكه بالحق من الخزي يوم الفزع الأكبر، وانظر إلى استحضاره العجيب
في ذلك الموقف الكئيب، ومن قوله رضي الله عنه: يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه
وضعه الله، الناس تحت كنف الله يعملون بأعمالهم، فإذا أراد الله بعبد فضيحة
أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته. |
|
وأما
النسك والزهادة ففي ذلك التاريخ الملموس، وتلك المواقف العديدة المشهورة، وفيها
آيات بينات على أن طاعة الله وعبادته كانت دعامة حياته، وهي التي غرست في نفسه
احتقار الدنيا ومظاهرها حتى ليبدو أن قليلا من كان يستطيع أن ينافسه على ذلك من
أمثال، الحسن البصري، وزين العابدين بن الحسين بن علي، وابن سيرين، وكانوا مضرب
الأمثال في ذلك المعنى الإسلامي الجليل، فأما سعيد فلم يسمع بمثله دأبا على
الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لا تفوته تكبيرة الإحرام في أربعين
سنة متوالية، ولا يقبل أن يتخلف عن واحدة منها لأية داعية إلا إذا كان في سجن
الظالمين، أو في درس من دروس الصابرين، ثم يندفع سريعا إلى وطنه ويطير إلى وكره،
ويقولون في هذا المقام إن عينه اشتكت في بعض الأيام فقيل له لو خرجت إلى العقيق
فنظرت إلى الخضرة هناك، فقال: وكيف أصنع بشهود العتمة والعشاء، فهو مع العتمة
والعشاء في صنعته الروحية التي يتخذ بها العهد مع الله، ومن أوفى بعهده منه
سبحانه، لقد أذاقهم تلك اللذة فما فتئوا يترقبونها، وقالوا إن بعض خلصائه نصح له
وقد تأزم الأمر بينه وبين الحكام أن يمتنع عن صلاة الجماعة بضعة أيام، وكان
الحاكم يكتفي بأن يرسل إليه فلا يجده تعظيما لشأنه، فقال سعيد: وأنا أسمع الأذان
حي على الصلاة حي على الفلاح، لا يكون ذلك أبدا. |
|
ثم
إنه كان لا يفتر عن تلاوة القرآن في غدوه ورواحه، وفي سفره ومقامه، وهو الكتاب
الذي ارتفع بمستوى البشرية، وعرفه الصفوة منهم فكان خير الزاد لهم، وكان يسرد
الصوم سردا ثم يكون إفطاره في المسجد على شراب يصنع له في بيته، وحج أربعين سنة
لا يشق عليه الحج لنشاطه الروحي العجيب، ولعلك في خلال هذا العرض رأيت كيف كان
حظه من الصبر على عبادة الرب، ولقد أثمر ذلك ثمرة الصبر على كلمة الحق وعدم
ادهان مع أي أحد، فشأنه الثبات والهدوء مهما عصفت رياح الجور، ولذا كان يتنازل
عن عطائه في بيت المال مهما بلغ، ذكروا في هذا المقام أنه كان له من العطاء ما
نيف على ثمانين ألفا مما يسيل لعشر معشاره لعاب أهل الدنيا وطلابها، فلما طُلب
لأخذه لم يستفره، ولا حرك من رغبته ذرة، ولكنه يقول: لا حاجة لي فيها ولا في بني
مروان حتى ألقى الله تعالى فيحكم بيني وبينهم. |
|
كلام
البرم بهؤلاء البريء من كل ما يجيء من عندهم، ورحم الله ذلك الإمام العظيم، وكان
يعد لذلك الاستغناء عدته بالتجارة التي أسلفت الإشارة إليها، ولا يضيع نصيبه من
الطلب فيما يسر الله له، حتى قالوا إنه مات عن ثلاثة آلاف دينار، ولما دنت منيته
قال معتذرا إلى ربه وهو أعلم به: اللهم إنك تعلم أني لم أجمع هذا المال إلا
لأحفظ به نفسي وأصون به عرضي، وأعود به على جيراني وأهلي. |
|
على
أنه كان يتسم بسماحة ويسر هي التي أنطقته بهذه الحكمة "لو نازعني أحد ردائي
لنزعته له"، وقد آن أن أختم هذا الحديث بقصة طريفة هادئة تحدث عن مقدار ما
أثمره فيه العلم والزهد والحصافة وقوة الحق، وهي قصة أوردها المحدثون والحفاظ في
تاريخه الحافل، وفيما ينبغي أن يحتذى من المثل في صفات العلماء وأخلاقهم، وهي في
شأن ابنته الجميلة الكريمة التي ضن بها على ولي عهد الخليفة وثبت على رفضه
مصاهرته مهما لقي من تنكيل، وشأن الطالب الفقير أبي وداعة الذي عرضها عليه وأصر
على هبتها له، ولم يملك من حطامها شيئا يذكر، حدّث هذا الطالب بما خلاصته أنه
كان يجالس ابن المسيب ففقده أياما، فلما حضر قال له: أين كنت؟ فحدثه بوفاة زوجه،
فقال له: ألا أخبرتنا فشهدناها، فلما أراد الانصراف قال الشيخ له: هل استحدثت
امرأة؟ قال: رحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين، فقال له: أنا أزوجك، ثم
حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وزوجه على درهمين، قال:
فقمت وما أدري ما أصنع من شدة الفرح، ثم عدت إلى بيتي لأتناول إفطاري وكنت صائما
وكان طعامي الخبز والزيت، فإذا طارق يقرع الباب، فقلت من؟ قال: سعيد، فأفكرت في
كل مسمى بذلك إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته
والمسجد وإذا هو سعيد بن المسيب! فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك، قال:
لأنت أحق أن آتيك، قلت فما تأمر؟ قال: إنك كنت عزبا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة
وحدك، وهذه امرأتك ثم دفع ابنته وذهب. قال أبو وداعة فسقطت من الحياء، ثم تقدمت
إلى القصعة فأخفيتها، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران فجاءوا .. ثم تطول القصة
ولكن من أبرز ما فيها قول أبي وداعة، إنني حين دخلت وجدت أجمل الناس وأحفظهم
لكتاب الله وأعرفهم بحق الزوج، فمكثت شهرا لا يأتيني ولا آتيه، ثم عدت إليه فوجه
إليّ بعشرين ألف درهم! |
|
وهكذا
يكون العلماء الأمراء، وهذا ما يصنع العلم النافع في النفوس الخصبة والقلوب
الكريمة، فانظر ماذا ترى! |
|
اللهم
وفقنا للانتفاع وجنبنا الجهل والانحراف، يالله يا عظيم يا كريم. |
|
أهم
المراجع: |
|
طبقات
ابن سعد. |
|
تهذيب
التهذيب لابن حجر. |
|
إحياء
العلوم للغزالي. |
|
صفوة
الصفوة لابن الجوزي. |
|
التبصرة
والتذكرة للعراقي. |
|
التدريب
للسيوطي. |
|
حلية
الأولياء لأبي نعيم. |
|
فتحث
المغيث للسخاوي. |
|
تراجم
إسلامية لمحمود النواوي.
|
|
|
|
[1] كلا هذين أدرك الجاهلية والإسلام، فأسلما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهما لم يلقاه. |
|
[2] كان إماما جليلا لقب بأنه شيخ إقليم فارس، قال السلمي إنه صنف من الكتب ما لم يصنفه أحد، توفي سنة 371. |
|
[3] أويس بن عامر القرني بفتحهما، قال شيخ الإسلام في تهذيب التهذيب: إنه سيد التابعين، روى له مسلم ومات مقتولا بصفين. |
|
[4] انظر شرح الحافظ السخاوي للألفية 145/2. |
|
[5] الحديث المرسل عند جمهور المحدثين هو ما يرويه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يخصه بالتابعي الكبير من أمثال سعيد والحسن البصري وابن سيرين. |
|
[6] انظر المطولات في حجية المرسل منها علوم الحديث للحاكم، ومقدمة ابن الصلاح وشروحها، وألفية العراقي وشروحها. |