|
|
|
|
توحيد الله
|
|
لفضيلة الشيخ
عبد الله أحمد قادري |
|
المشرف
الاجتماعي بالجامعة |
|
الحكمة في خلق الجن والإنس |
|
|
|
|
|
|
|
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أن الحكمة في خلق الجن
والإنس أن يعبدوا الله تعالى، وأن فائدة عبادتهم له عائدة إليهم، وأما الله
المعبود فهو الغني المطلق، وأنه هو الذي يرزق عباده . قال تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ
هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. |
|
وما ذكره بعض العلماء من أن الحكمة هي الاستخلاف في الأرض
لعمارتها ماديا ومعنويا لا ينافي ما ذكر، لأن العبادة بمعناها الواسع الشامل
الذي سيأتي شاملة لذلك. |
|
وكل خير وصلاح في الأرض يعتبر جزءاً من العبادة، والتعليل
المفهوم من الآية السابقة أصرح من قوله تعالى: {إِنِّي
جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً}، بل ظاهر قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} مع قول
الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يدل على أنه ليس المرد بالخليفة من تجتمع فيه
عمارة الأرض معنوياً ومادياً، وإنما المراد جعل الناس عامة خلفاء في الأرض أي
بعضهم يخلف بعضا، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي
جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْض}، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْض} وليراجع تفسير ابن كثير
(1/69) وهذه الخلافة المذكورة هي الخلافة الكونية، أما الخلافة الشرعية التي هي
تسلم مقاليد أمور الأمم بشروطها فذاك أمر آخر، والله أعلم. |
|
وإذا كانت الحكمة من خلقنا هي عبادة الله فما معنى هذه
العبادة؟ وما الذي تشمله؟ وكيف فهمها السلف الصالح في العصور الإسلامية المفضلة؟
وكيف يفهمها الآن عامة الناس؟ وما نتائج الفهمين؟ |
معنى العبادة
|
|
أصل العبادة في اللغة: أقصى الطاعة والخضوع. |
|
أما معناها في الشرع: فأحسن ما عرفت به وأجمعه تعريف شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله
ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". |
|
كما أشار رحمه الله إلى أن العبادة لا تتحقق بوجود العنصر
اللغوي، وهو الخضوع والطاعة، بل لابد من إضافة عنصر آخر لتحققها وهو حب العبد
ربه المعبود ولذلك قال: "فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له…
ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن
عابدا له. |
شمول العبادة
|
|
يتضح من تعريف شيخ الإسلام السابق للعبادة أنها
شاملة لحياة الإنسان كلها، فكل ما يحبه الله ويرضاه عبادة، فهي شاملة لأصول
الإسلام وفروعه، فرضه ونفله، ما يتعلق بالله وما يتعلق بالعبد نفسه وما يتعلق
بغيره من المخلوقين. |
|
وهي العبادة التي ترسم للإنسان منهج حياته وتحد سلوكه
وعلاقته بالخالق أو المخلوق فلا يتصرف إلا وفق تلك التوجيهات أكان ذلك في
الشعائر التعبدية أو في سياسة الأمة في الحكم أو المال أو التعليم والإعلام، أو
غير ذلك من شؤون المعاملات في السلم والحرب، داخلياً وخارجيا، محليا ودوليا،
وهذا المعنى هو الذي أراده سيد قطب رحمه الله في كتابه "معالم في الطريق"
عندما قال: "لا إله إلا الله منهج حياة". |
|
والخلاصة أن كل عمل نافع يعتبر في الإسلام عبادة حتى
الأعمال المباحة تنقلب عبادة إذا قصد بها وجه الله، ولذلك قال أحد الصحابة: "والله
إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي" أي إني أرجو من الله الأجر على نومي كما
أرجوه الأجر على قيام الليل.. |
|
وقد دل القرآن الكريم على أن المسلم كله لله كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. |
|
وبهذا الشمول فهم السلف الصالح العبادة فكانت حياتهم كلها
عبادة صلاتهم في المسجد وجهادهم في المعركة وقضاؤهم في المحكمة، وتجارتهم في
السوق، وتعليمهم وتعلمهم في المسجد، وصيامهم في رمضان أو غيره، ومعاشرة أهليهم،
وقيامهم لربهم، أو نومهم في جوف الليل أو في وضح النهار. |
آثار هذا الفهم الشامل
|
|
وكان لهذا الفهم العميق الشامل آثاره العظيمة التي
حققت الخلافة الشرعية في أرض الله كما أراد الله، شملت تلك الآثار أفراد
المسلمين وجماعتهم، محكوميهم وحكوماتهم. |
|
وتتلخص تلك الآثار في أمرين: |
|
الأول: صبغ حياتهم وأعمالهم بالصبغة الربانية، فكانوا
مشدودين إلى الله في كل حركاتهم وسكانتهم، فما كانت تفارقهم نية العبادة، ولذلك
استكثروا من عبادة الله في كل عمل نافع يأتونه، لأن في ذلك زيادة لرصيدهم عند
ربهم في ميزان حسناتهم، فعمروا بذلك الأرض والقلوب، وحققوا ما أراد الله من
خلقهم على أكمل وجه. |
|
الثاني: توحيد وجهتهم، ووحدة غايتهم في حياتهم كلها،
يرضون ربا واحداً ويطيعونه ويتجهون إليه، فلا انقسام ولا ازدواج ولا صراع، بل
وحدة وإخاء وتعاون وصلاح وإصلاح شاملان، عنوا بأجسادهم كما عنوا بأرواحهم، وبذلك
حصل التوازن الذي دفع بهم إلى رضا الله في كل عمل، وما كانوا يعبدون في المسجد
فقط كما يفعل عباد النصارى في كنائسهم ثم يعبدون غير الله خارجه في صورة قبر أو
وثن حي أو ميت، أو نظام أو غيره، بل كانت قلوبهم مشغولة بذكره في كل وقت، وكانت
رقابهم لا تنحني لسواه، وكانت رؤوسهم لا تطأطأ إلا له، عنه وحده يتلقون، وإياه وحده
يطيعون، فكان يعبدون ربهم حتى في حال سعيهم ومزاولة وظائفهم التي ظاهرها أنها من
أمور الدنيا، كالبيع والشراء والنوم والأكل والجماع، ولذلك وقفوا عند حدود الله
ولم يعتدوا، فالحلال ما أحله والحرام ما حرمه، والحسن ما حسنه، والقبيح ما قبحه
فكانت حياة القوم كلها عبادة، فشمل أرض الله العدل واختفى فيها الظلم، وانتحى
الصراع، وبرز الإخاء، فعاش الناس كلهم مسلمهم وكافرهم في ظل التوجيهات الربانية
محققة في واقعهم في طمأنينة ورضا، لا يخافون إلا الله، آمنين على أنفسهم
وأموالهم وأهليهم، فكانت فترة نادرة في حياة البشرية في تاريخها الطويل، (وليس
غريباً على سواهم أن يقتربوا من ذروة واقعهم إذا فهموا فهمهم وطبقوا تطبيقهم). |
فهم عامة الناس لمعنى العبادة اليوم
|
|
إذا كان ذلك هو فهم سلفنا الصالح لمعنى العبادة،
وهذه هي آثاره، فما نصيب أمة اليوم من هذا الفهم، وما آثار فهمهم؟ |
|
لقد انكمش هذا المفهوم لمعنى العبادة عند أغلب الناس
فأصبحوا يفهمون معنى العبادة فهما ضيقاً جداً، يجمع هذا المفهوم عند الجميع أن
العبادة هي أداء بعض الشعائر التعبدية على وجه خاص، ولذلك انقسموا إلى طوائف
متشعبة كل طائفة تركز على جزء من الإسلام، وكأنه هو كل الإسلام ناظرة إلى ما عند
غيرها أنه شيء ثانوي إن لم يكن في نظرها تافها. |
|
فاكتفت بعض الطوائف بالعزلة عن المجتمع والعكوف في زوايا
المساجد والتفنن في أشكال السبحات وألوانها، وأنواع العمائم أو الجبب أو أي شارة
من الشارات زاعمين أنهم يذكرون الله بمجرد تحريك ألسنتهم وأتباع حبات السبحات
بعضها بعضا، وأن ذلك الواقع الذي يعيشونه هو المطلوب منهم، لأن المجتمع قد فسد
ولابد من اتقاء شره وفساده بذلك الانعزال ليتحقق التقرب إلى الله وصيانة القلوب
من صدأ المعاصي ودرن الذنوب. |
|
واكتفت طائفة أخرى بالغوص في متون الفقه المعقدة وشرحها
وبيان غامضها والدعوة إلى تفحص حواشيها وتقليد مذهب من المذاهب والانتصار له
والغلو في صاحبه غلوا قد يخشى على صاحبه من الوقوع في عدم توحيد مصدر التلقي. |
|
واكتفت طائفة أخرى بالدعوة إلى التزام سلوك معين في بعض
الشعائر التعبدية والمظاهر الإسلامية، كإقامة الصلاة وصوم رمضان، وأداء مناسك
الحج وفق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والالتزام بالمظهر الإسلامي
كإعفاء اللحية، وعدم استعمال ألبسة الكفار، والحث على تحقيق السنة لمعرفة صحيحها
وضعيفها، والدعوة على الاقتصار على قراءة القرآن والسنة والعمل بهما. |
|
وفي أفراد هذه الطائفة من يفرط في كثير من أمور الإسلام
الهامة، فلا يتعرض لها إلا لماما مع أنها تستحق التركيز والاهتمام البالغين،
كالحكم بما أنزل الله وما يتعلق به، كما أن من أفراد هذه الطائفة من يبالغ في
التهجم على مذاهب علماء الأمصار، وينفر من قراءة كتب الفقه بل ومن غيرها من الأفكار
التي لم يصل هؤلاء الأفراد إلى فهم بعض كتاب الله وبعض سنة رسوله إلا عن طريق
مؤلفي تلك الكتب. |
|
واكتفت طائفة أخرى بخوض غمار السياسة والتعمق فيها، وتحليل
أحداثها، والمقارنة بين سياسة الشرق والغرب والتعليق عليها، وكثير من أفراد هذه
الطائفة بعيدون عن جوهر الإسلام يغلب عليهم الجفاف الروحي. |
|
واكتفت طائفة أخرى بالانسياح في العالم والدعوة إلى أصول
محددة هدفها ترقيق القلوب وإقامة الشعائر التعبدية الظاهرة مع عدم التعرض للأمور
التي فيها خلافات دينية كانت أم سياسية، ويغلب على هذه الطائفة التصوف وعلى كثير
من أفرادها الجهل بكثير من أمور الدين وأهدافه كما تغلب عليهم البدع والخرافات،
وكأنهم يطبقون القاعدة المسيحية المزعومة: دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر. |
|
وإذا رجعنا إلى هذه الطوائف الأربع وجدنا أن خيرها الطائفة
الثالثة، ومع ذلك فهي في حاجة إلى أن تكمل نفسها بأمور لا غنى لها عنها، وأهمها
الفهم الشامل لمعنى العبادة، وتطبيق ذلك عمليا في كل مجالات الحياة. |
|
ولا يمكن أن تحمل الدعوة إلى الله وتنجح في دعوتها إلا
طائفة جمعت كل محاسن الطوائف السابقة وسلمت من سلبياتها، وأضافت إلى ذلك الفهم
الشامل لمعنى العبادة _ طبقاً لفهم السلف الصالح _ وأظهرته في عالم الواقع. |
|
ويمكننا استنباط بعض مزايا أمة العبادة الشاملة من تعريف
شيخ الإسلام الماضي: ((اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال
الظاهرة والباطنة)). |
|
1_ البحث عن الأمور التي يحبها الله ويرضاها، ومعرفتها
معرفة تامة من الكتاب والسنة حتى لا يختلط ما يحبه الله بما يكرهه. |
|
2_ عدم التفريط في أي أمر من الأمور التي يحبها الله _ على
مستوى الجماعة _ لاسيما فروض العين أو فروض الكفاية التي لم يقم بها أحد. |
|
وليس من التفريط ترك شيء من ذلك للعجز عنه ف {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}. |
|
3_ إصلاح الباطن بالعقيدة الصحيحة والإخلاص لله تعالى. |
|
4_ إصلاح الظاهر بأن يكون السلوك شرعياً في أداء الشعائر
التعبدية والمعاملات والملبس والمأكل والمشرب والمنكح، ومن ذلك إعفاء اللحية
وترك التشبه بأعداء الإسلام. |
|
5_ الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم. |
|
6_ جهاد أعداء الله والإعداد له إعدادا معنوياً وماديا،
والبذل والتضحية بكل غال ونفيس. |
|
7_ السعي لإقامة حكم الله في الأرض، ليستقر العدل وتزلزل
قواعد الظلم والطغيان بالوقوف في وجه كل طاغ في الأرض. |
|
8_ الخبرة بأمراض العصر العقائدية والفكرية والسياسية
والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ومعرفة علاجها النافع وأساليب تقديم ذلك العلاج
للناس حتى يكون أكثر قبولا. |
|
9_ لزوم الجماعة والاعتصام بحبل الله، والقضاء على التفرقة
وإخضاع النفس للحق وقبوله من أين أتى. |
|
10_ البدء بالأهم فالأهم في كل ما مضى اقتداء بالنبي صلى
الله عليه وسلم في دعوته ووصيته بذلك كما في حديث معاذ، ولا شك أن الأمة التي
فهمت المعنى الشامل للعبادة وطبقت ما فهمته واقعاً عملياً هي الأنفع والأقوى،
وهي التي يجب أن تكون رائدة الدعوة إلى الله تعالى، لأنها تصورت العبادة تصورا
صحيحا، كما طبقتها في الواقع سلوكاً وعملا، وهي أقدر على تحمل المسؤولية والنهوض
بأعباء الدعوة الثقيلة. |
|
ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي فهم ذلك الفهم فكان
من آثاره ما يعرفه عدوه وصديقه على السواء. |
|
|
|
آثار الفهم الضيق لمعنى العبادة: |
|
وكما أن لفهم العبادة السلفي الذي ذكره شيخ الإسلام
ابن تيمية آثاره العظيمة النافعة في الحياة، فللفهم الضيق أيضا آثاره المنعكسة
على الحياة، وهي آثار يكثر ضررها أو يقل حسب بعد الفهم أو قربه من الفهم الشامل
الصحيح. |
|
|
|
ومن تلك الآثار الضارة: |
|
1_ انزواء كثير من المسلمين في نطاق ضيق من مجالات
العبادة مما سبب ترك كثير من الواجبات أو ارتكاب كثير من المحرمات. |
|
فترى منهم من يزعم الإسلام، ولا يرضى بحكم الله الذي أنزله
في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وترى من يزعم الاسلام وهو يمنع
زكاة ماله مع استكمال شروطها، وترى من يزعم الإسلام وهو يتعامل بالربا دون تحرج،
وترى من يزعم الإسلام وهو يشرب الخمر أو يرتكب الزنا، وترى من يزعم الإسلام وهو
يحارب الدعاة إلى الله وينكل بهم ويقتل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وترى
من يزعم الاسلام وهو
يوالي أعداء
الله ويعادي أولياءه، وترى من يزعم الإسلام وهو قاعد عن الجهاد في سبيل الله، بل
يثبط المجاهدين ويحاول أن يملأ قلوبهم باليأس والقنوط، وكثير من هؤلاء الذين
يزعمون الإسلام ويعملون تلك الأعمال أو بعضها يؤدون بعض الشعائر التعبدية أداء
ميتاً لا روح فيه. |
|
2_ تعميق الفرقة والاختلاف بين جماعات المسلمين بسبب تركيز
كل طائفة على بعض فروع الإسلام مع إهمال الفروع الأخرى التي قد يراها الآخرون
أهم من الفروع التي ركزت عليها تلك الطائفة، وذلك يسبب عرقلة سير الدعوة إلى
الله، لأن كل طائفة من طوائف المسلمين تشغل نفسها بالرد على الطوائف الأخرى وبيان
أخطاء تلك الطوائف، ويبقى الناس الذين أوجب الله تبليغهم دعوته بدون دعاة. |
|
ولو فهمت كل الطوائف الفهم السلفي الشامل لمعنى العبادة،
والأهم والمهم منها لما حصل ما حصل من التناحر والتنابز، بل كانت الجهود ستوحد
وستؤتي ثمارها في وقت أقرب. |
|
3_ تعصب كل طائفة لما فهمت أنه الحق، وتعصب كل فرد لطائفته
في كل أمر من أمورها دون تمحيص لما قد يصدر عنها من خطأ، والغفلة عما قد يكون من
حق عند الطوائف الأخرى لعدم الاهتمام بذلك، وفي هذا ما فيه من ترك كثير من الحق،
ويخشى على أفراد هذه الطوائف من الوقوع في مثل قوله تعالى:
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}. |
|
4_ الحرمان من أجر كثير من الأعمال المباحة بسبب عدم النية
الصالحة، وقصد وجه الله بذلك. |
|
ولنعد مرة أخرى لذكر معنى العبادة حسب تعريف شيخ الإسلام
ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة
والباطنة"، لنقول: إن العبادة صلاة وصيام وحج وزكاة وأمر بمعروف ونهي عن
منكر وجهاد وتضحية وقراءة وتسبيح وإمارة وقضاء وإدارة وتدريس وسفر ونوم وقيام،
وبيع وشراء وأكل وشرب وكل حركة يتحركها العبد أو سكنة يسكنها عبادة لله ما دامت
مشروعة أو مباحة وقصد بها وجه الله {قُلْ إِنَّ
صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا
شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. |
|
سؤالان وجوابها: |
|
السؤال الأول: إذا كانت العبادة كما ذكر شاملة لكل حياة
المسلم فلما ذا عطف عليها غيرها من أوامر الدين ونواهيه كقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الآية ولو كانت هذه الأمور من
العبادة لما كانت هناك حاجة إلى عطفها عليها. |
|
الجواب: أن هذا من عطف الخاص على العام وذكره للاهتمام به
لا لأنه مغاير للمعطوف عليه، وهذا مألوف في اللغة العربية وهو في القرآن كثير. |
|
السؤال الثاني: إذا كان الدين كله عبادة فلماذا قسم الفقهاء
الأحكام إلى عبادات ومعاملات؟ |
|
ولهذا السؤال جوابان: |
|
الجواب الأول: أن تقسيم الفقهاء اصطلاح منهم قصد به تسهيل
الأبواب الفقهية لطالب العلم، ولم يقصدوا بها أن الأحكام الأخرى التي تسمى
المعاملات ليست عبادة بدليل أن تلك المعاملات يدخلها الثواب والعقاب، لأن فيها
الواجب والمندوب وفيها الحرام والمكروه والمباح. |
|
الجواب الثاني: أنهم قصدوا من هذا التقسيم بيان أحكام الشرع
على كل نوع: النوع الأول يضم الصور والكيفيات المحددة التي ليس للعبد فيها إلا
التلقي من الله ثم التنفيذ، وهذه هي الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة
والذكر، فالله هو الذي ينشئ هذا النوع وليس لغيره أن يخترع شيئاً من عنده ويدعو
الناس إلى التعبد به. |
|
النوع الثاني: يشمل الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم
ببعض في حياتهم، وهذه العلاقات موجودة قبل أن يأتي الشرع، فالشرع لم ينشئها
وإنما أقر الصالح منها ونهى عن الفاسد، وبناء على ذلك قررت القاعدة المعروفة:
الأصل في العبادات الحظر، والأصل في المعاملات الإباحة. |
|
راجع في تعريف العبادة وشمولها رسالة شيخ الإسلام ابن
تيمية: العبودية، وكتاب العبادة في الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي. |
تأثير عقيدة التوحيد في حياة الإنسان
|
|
الموحد ليس كالمشرك، فللتوحيد آثاره في حياة الموحد،
وللشرك آثاره في حياة المشرك، كما أن للعلم آثاره في حياة العالم وللجهل آثاره
في حياة الجاهل. |
|
وقد ذكر الأستاذ المودودي في كتابه القيم: مبادئ الإسلام
آثار عقيدة التوحيد ص 92-99 وإليك تلخيصا لذلك: |
|
1_ بعد نظر الموحد لإيمانه بالذي خلق السموات والأرض وما
فيهما وما بينهما، ولذلك لا يستغرب شيئا في هذا الكون لأنه يعرف أنه مخلوق لحكيم
عليم، وعبد لرب قوي قادر. |
|
2_ عزة نفسه لعلمه أن المالك الحقيقي هو الله تعالى القادر
على كل شيء ليس لغيره قدرة على ضر أو نفع، ولذلك ينزع من قلبه خوف أي أحد غير
الله. |
|
3_ تواضعه لعلمه أن الذي وهبه كل ما عنده من صحة أو قوة أو
ولد أو مال أو جاه هو الله، وليس من عند نفسه وأن الذي وهبه ذلك قادر على سلبه
في أي لحظة. |
|
4_ الجد في الأعمال الصالحة لعلمه أن فلاحه يكمن في تزكية
نفسه وعمله الصالح الذي يتقرب به إلى ربه. |
|
5_ قوة الأمل وطمأنينة القلب، لأنه يؤمن بمن عنده خزائن
السموات والأرض، وبيده النفع والضر والعطاء والمنع، وهو لا يغفل عن عبده المؤمن
به، بل يرعاه ويؤيده، فلا يعتريه يأس ولا قنوط. |
|
6_ قوة العزم والصبر والثبات لعلمه أن الله معه وأنه مؤيده
وناصره، ذاكرا قول الله تعالى:
{حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} التي قالها إبراهيم عندما أريد إلقاءه في
النار، ومحمد صلى الله عليه وسلم عندما خوف بصناديد المشركين، وقول هود عليه
السلام لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا
تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه}. |
|
7_ الشجاعة والإقدام، لأن سبب الجبن أمران: الأول حب
الإنسان حياته وولده وماله ونحو ذلك. |
|
الثاني: خوفه من انتزاع أحد ذلك منه، والموحد على يقين بأن
الذي أعطاه كل ما يحب هو الله تعالى، وهو القادر على أخذ ذلك إذا أراد، وأن غير
الله تعالى ليس بيده شيء، ولا يقدر على سلبه ذرة واحدة إلا إذا أقدره الله على
ذلك. |
|
8_ الترفع والقناعة لعلمه بأن الرازق المعطي المانع الخافض
هو الله، فعليه أن يسعى في حصول ما يريد من خير، والله يعطيه ما يشاء ويمنعه ما
يشاء، فلا حاجة إلى سلوك الطرق الدنيئة والأخذ بالوسائل السافلة، لأن النجاح
عنده ينحصر في فضل الله، فلا يكون عبداً لغيره من أجل أن ينجح في أي أمر من
أموره: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ}. |
|
9_ التقيد بقانون الله والمحافظة عليه في أي وقت وفي أي
مكان أو زمان أو حال، لعلمه أن الله مطلع على كل ما يأتي ويذر، لا يغيب عنه شيء،
ولإيمانه بأنه سيجازيه على عمله ولا يفلت من قبضته، ولإيمانه بأن ذلك هو الخير
لصدوره عن حكيم عليم غني، وهو في ذلك يتذكر درجة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". |