طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

حديث عن التفرقة والتمييز في الماضي والحاضر

الشيخ عبد الفتاح العشماوي

 

 

الجمع الفاضل الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

عندما أتكلم الآن عن التفرقة أو التمييز، وكلاهما تعبير همجي سخيف، لا أقصد بذلك الحديث عن أولئك الذي أيقظوا هذه الفتنة، وأمدوها بوقود الحقد حتى أصبحت ناراً موقدة وامتد أوارها فلم يعد يسلم مكان من لفحها عن أديم الأرض، فهؤلاء الذين أججوها وهم غير مسلمين، لن يكون حديثي عنهم إلا قليلا، فهو منهم ليس بمستغرب، ولا يحرك الجنان ليتكلم عنه اللسان، فقد اختاروا شقاء الضلال وعناء الكفر، حتى ولو أخذت لهم الأرض زخرفها وازينت، وظنوا قدرتهم عليها، فهؤلاء لا يعنينا أمرهم كثيرا في هذه المحاضرة.

ولكن الذي يهيج المسلم ليتكلم، هو ما يقع من أهل دينه من تصرف صارخ مضاد تماماً لتعاليم هذا الدين، ذلك أن افتك وباء أصبنا به نحن مسلمي هذا الزمان، ما سماه الأعداء بالتطور قد شغفنا حبا، فأصبحنا بهم في كل أعمالهم معجبين متيمين، ولو تظاهرنا في ذلك بالتأبي وعدم الرضا، فالمعروف أن صورة العمل تبطل صورة القول، ولم يسلم حالنا مع عدونا من تقليده في بلاء التفريق والتمييز، فظنه الكثير منا أنه طابع من مدنية القرن العشرين الميلادي، فوباء العنصرية والتفريق بدأ يفشو في الأمة الإسلامية، مع علمها بتحريم الإسلام، وهذا بدافع تقليد عدوها المكب على وجهه من جهة، ومن جهة أخرى لفراغ صدور أهلها من معرفة دينها، ولكي تتسم كلماتنا بالإنصاف نقول إن ملازمة هذه الصفة المقيتة للإنسان، ثابت أمرها من أقدم الأزمان، بل هي أول صفة استعملها الشيطان مع أول بشر، في قصة إبليس مع آدم، لما ميز نفسه وتوهم الفرق بين العنصر الذي خلق منه وهو النار، والعنصر الذي خلق منه آدم وهو التراب {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فأدت به هذه  العنصرية إلى الطرد الأبدي من رحمة الله، إذاً فالأصل في العنصرية أنها صفة إبليسية، ومن تلبس بها فقد يؤدي به ذلك إلى الطرد من رحمة الله كما طرد شيطانه، تلك قضية واقعية لا نمارى فيها، لكن انطواء هذه العنصرية أو انطلاقها على مدى الدهور، يكون حسب معرفة الإنسان لصانعه ولأصل صنعته، فإذا ما أدرك قدرة الصانع الأعظم سبحانه عرف ضالة نفسه باعتباره مصنوعاً، وإذا أدرك أصل صنعته وهو التراب عرف تفاهة قدره، وأن أمره كأمر كل الناس، فلا موجب لديه يجعله يميز نفسه عن غيره، فالصانع واحد هو الله، والأصل واحد هو التراب، تدوسه النعال، كلكم لآدم، وآدم من تراب"، فإذا ما علم هذا وسيطر على الأفهام في أي عصر، سيطرت روح التآخي، وهيمنت مشاعر التواصل، وانزوت نزوات التعالي والكبر، فاعتصموا جميعاً بحبل ولم يتفرقوا، أما إذا أخلد الإنسان إلى الأرض واتبع هواه، ونسي ربه الذي سواه، وأصبح فكره حبيس نفس غرور؟ ولم يخطر بباله ذلك الطين الذي خلق منه، حتى ولو ادعى بأن له ديناً فيمسي على الفور عنصريا عصبياً ومفرقاً غريباً، فيبدأ بتمييز ذاته عن ذوات الغير، فإذا انتقل داخل وطنه ميز مسقط رأسه فإذا انتقل إلى وطن آخر ميز وطنه، فإذا انتقل إلى قارة أخرى ميز قارته، ثم لا ينسى أن يميز نفسه بلونه، ولنا في هذا تفصيل يأتي بعد إن شاء الله، بل ووصل الأمر إلى العيب على ما يرتديه الغير من زي، لأنه ليس كما يلبس هو وقومه، على العادات العادية ولأنها تخالف عاداته وقومه، بل وعلى نوع الطعام لأنه مخالف لطريقة ما يطهى عندهم ويطعم، بل وعلى اللهجات يسخر منها حيث لم تكن كما ينطق هو ويتكلم، وهكذا أصبح يعيش في نفس عيابة نسيت عيبها، فقد نسيت بارئها وما منه صُنعت، لأن عنصريته التي قام عليها كيانه، لم تفهم صيحة القرآن في الناس {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} فالنداء المعظم بدأ أولا لكل الناس، يذكركم بأن الأب واحد والأم واحدة، آدم وحواء، أي كلم أشقاء، ولما تكاثرتم نثرناكم في الأرض، فأصبحتم شعوبا وقبائل هنا وهناك، لكن ذلك لا ينسيكم أصل الأبوين، فتعارفوا لتشعروا بأنكم على سواء، والأشقاء في النسب شيء واحد، لكن لن يكونوا شيئاً واحداً إذا ما تحول التعارف بينهم إلى معرفة بربهم، لأن معرفة الله تعطي صفة الإيمان، ومن الإيمان يأتي التآخي وهو أعلى من التعارف، لأن التعارف عام بين كل الناس، والتآخي خاص بين المؤمنين حتى ولو كانوا أشقاء، فقد يكون بين الأشقاء من استقام ومن اعوج، بل قد يكون منهم من آمن ومنهم من كفر، ولهذا سمَت خصوصية التآخي على عمومية التعارف، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فإن هنا أكدت معنيين، أولهما تأكيد الأخوة، وثانيهما أن تكون فقط بين المؤمنين، ومن تحت ذلك فيقف أمرهم عند التعارف، وأن نبرهم ونقسط إليهم، ما لم يكونوا مقاتلين أو مخرجين من الديار، وإلا فلا بر ولا قسط، والمكرمات عند الله للمؤمنين الأتقياء رتب تتفاوت، وقد جعلت الآية في النهاية أعلى الرتب في المكرمات، لمن انتقل من تقي إلى أتقى، فلم يقل سبحانه تقيكم، وإنما قال {أَتْقَاكُمْ}، ولهذا جاءت الكلمتان بصيغة تفضيل واحدة {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أما ختام الآية {عَلِيمٌ خَبِيرٌ} فمتصل ذكر فيها_ كما هو في كل آية في القرآن الكريم_ عليم بخلقكم الذي أعلمتكم به، لكن خبرته بأتقاكم ينفرد بها {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} ذلك هو توضيح الآية التي لم نعمل بها، والتي يقرؤها الكثير ولا يعرف قصدها، والله بقصدها أعلم، فلما فهمها أهل القرآن يوماً اتحدوا عليها، فلم يتفاضلوا فيما بينهم، إلا بعمل ما يجعل الواحد منهم يطمع أن يكون من الأتقى، فلما صُمَّت الآذان عن هذه الدعوة المؤلّفة، الأمر الذي كما قلت لم يسلم منه مسلمو اليوم، صار منا العنصريون والمميزون والمفرقون، وأصبحت هذه الكلمات الكريهة لها في أوساط المسلمين وجود، وسنحاول إن شاء الله أن نأخذ من ذلك شيئاً من قديم واقعنا وجديده، كأمثلة فقط تتجمع منها كلمات محاضرة، وليس للإحاطة فهو أمر يطول ولا ضرورة له.

الأفاضل المحترمون: _ لما شاء الله تعالى أن ينزل من السماء نوره، وقرن هذا النور بالرسول صلى الله عليه وسلم حاولت هوام الظلام أن تطفي نور الله هذا، فتشعبت جوانب كيدهم منقضة جميعها على النور البازغ حديثاً في شخص الرسول والقلة التي لا تملك من المنعة شيئاً للدفاع عن نفسها وكان من أبرز جوانب هذه المعركة عنجهية الجاهلية، والتي انحدرت متعاقبة منذ القرون الأولى، فكان أول اصطدامها بضدها في عصر نوح عليه السلام، وظل شرها المميز يتوارث ويظهر مع رسالة كل رسول، حتى أتى الرسول الخاتم صلوات الله عليه، فأرادت أن تعمل معه عملها الذي تعودته مع غيره فكان أن لقيت حتفها تماماً على يد نبي الإسلام، بما نزل عليه من وحي قاصم لكل عتل غاشم، وما دمنا قد اكتفينا بضرب المثل بأول الرسل وبآخرهم عليهم جميعاً سلام الله، فلنذكر شيئاً مما وقع لكليهما في ذلك، بادئين بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لا تحيزا منا ولا تمييزا، وإنما المرسل سبحانه هو الذي قال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، فإنه وإن كان نبينا هو الآخر في ترتيب الأزمنة، لكنه الأول في ترتيب المنزلة، فقد وضعه القرآن قبلهم جميعاً بقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} فبدأ سبحانه الخطاب به قبل نوح {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ثم بعد ذلك ذكر نوحاً والنبيين بعده، وفي قوله سبحانه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} فالآية بدأت بالنبيين عامة، وعند الترتيب وضعت نبينا في أول الدرجات قبل نوح ومن بعده {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} وشمل ذلك رسل أولي العزم، وفي القرآن أمر الرسول أن يقول: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، وأمر نوحا أن يقول: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، ولقد عمدت إلى توضيح هذا لتوهم البعض بأننا نميز رسولنا لمجرد التمييز، تعصباً منا كما يفعل أهل الأديان الأخرى مع أنبيائهم، فنحن لا نفضل إلا ما فضل الله {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه}.

أعود فأقول: إن أول ما بدأت تقاوم به دعوة الرسول الكريم كانت العنصرية، تلك الصفة التي لا يتشح بها إلا الجاهليون وكل جاهلي في كل عصر، فقد صور الكفر للغلاظ من أشراف قريش، أن الفارق بينهم ومن أجابوا المنادي صلوات الله عليه من المساكين، يمنع التساوي معهم بالدين الجديد، وعن هذا النوع قدم القرآن قصتهم في غير آية وغير سورة، بما يعلم الكثير، لكني اخترت البعض منها لأتعرض لها بشيء مما نريد الوصول إليه في هذا المقام، فقصة الضعفاء التي أودرها علماء أسباب النزول لآيات سورة الأنعام البادئة بقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أسندوا روايتها بلفظ يختلف ومعنى يتحد إلى ابن حبان وأحمد والطبراني وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن الصحابة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعكرمة وخباب رضي الله عنهم أجمعين، تقول القصة: جاء عتبة ابن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد هؤلاء الأعبد كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فكلم أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلنا ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فنزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُون …} إلى قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}، وكانوا بلالا، وعمار بن ياسر، وسالما مولى أبي حذيفة، وصالحاً مولى أسيد، وابن مسعود، والمقدام بن عبد الله، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وغيرهم، فأقبل عمر فاعتذر، فنزلت فيه الآية: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُون …} إلى آخر الآية، انتهى لفظ القصة، ولنقرأ أولاً الآيات كاملة، ثم نتناول بالتفصيل قليلا منها، {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ، وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ، وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}.

فالآية الأولى قدمت قضية الحقيقة أساساً، وهي أن الذي يخاف من يوم المحشر هو الذي يقبل دائماً أن ينذر، والذي لا يخاف هذا اليوم فما تغنيه النذر ولا ينتفع بها، ثم يأتي بعد ذلك موضوع الطرد ليصحح الوضع، فالذين قبلوا الإنذار خوفاً من يوم الحشر دخلوا في رحمة الله، فلا يملك أحد طردهم منها ولا الرسول نفسه، فأمره سبحانه أن يبقيهم في حضرته، حتى لا يحرموا من تلقي الرحمة المهداة، وأخبره أنه سيكون ظالماً لو طردهم، أما المستحق حقيقة للطرد فهو الذي عصى النذير، لأنه لا يخاف أن يحشر فتكبر، فكان أن طرد من مجلس الرسول ومن جنة الله، وهكذا سدد الإسلام وفي أول ظهوره ضربته الماحقة إلى من تحمله العجرفة على تمييز نفسه وتحقير غيره، ودور عمر رضي الله عنه هام في القصة، فقد استولت عليه الرهبة لما نزلت الآيات تخالف رأيه عندما قال: لو فعلنا ذلك حتى ننظر الذي يريدون، فأسرع خائفاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر إلى الله بين يديه، فتنزل الآية بقبول اعتذاره، لكن بعد أن تذكره أن ما وقع من عمر كان سوءا، فلما علم الله أن هذا السوء غير مَنْوِي، وإنما وقع بغير عمد من صحابي ولي، شرفه في نهاية الآية بالمغفرة له وإحلال الرحمة عليه، فقد خاطب سبحانه نبيه في شأن عمر قائلا: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فإذا كان ما أراده عمر هو استدراج المتعالين لعلهم يؤمنون، ومع ذلك اعتُبِر عمله سوءا يوجب التوبة، ولم يشفع لعمر منزلته عند الله وعند رسوله إلا التوبة مما قال، فكيف بمن يشمخون اليوم ويتميزون، وبمن يمدونهم في طغيانهم بالملق والزلفى، أما الذين قالوا لنبيهم نوح عليه السلام {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} وقالوا له: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} ردّ نوح عن الأولى بشجاعة حملة الحق {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ}، ملاقوا ربهم ينتصر لهم ممن يهزأ بهم، أو مني إذا طردتهم، لأنه بعد ذلك قال: {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ}، فنوح أدرك بأن النصر مؤكد لهؤلاء الذين أزدري بهم، وأن نبوته لن تغني عنه من الله شيئاً إذا عصى الله وطردهم، ثم لكي يغيظهم بدّل كلمة الأرذلين منهم بكلمة المؤمنين منه، لما قال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} في آية، {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} في أخرى، بل وردّ الإهانة عنهم بأن وصم خصومهم المستهزئين بالجهل مرة، وبعدم التذكر ثانية، {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} ثم {أَفَلا تَذَكَّرُونَ}، وبعد الذي قدمه القرآن عن نبينا وعن نوح صلوات الله عليهما، وجب التأسي بهما  في الأخذ على يد دعاة الفُرقة العنصريين، بكل ما يمكن الأخذ ويستطاع.

الأفاضل المكرمون: وبعد أن طوح الإسلام بقوة بعقبة التفرقة، وأجهز عليها في أول صدام معها، انطلق ضوؤه ينير كل بطاح وبقاع، مُبدلا بلاء الشقاق ببهجة الوفاق، لكن القرآن لم يسكت عن التذكير بشر التفرقة، لعلم منزله سبحانه أن هذه الرذيلة لما استعملها الشيطان في أول مرة في السماء، سيكون أولى أن يستعملها في الأرض، يقدمها بسهولة إلى صدور الغاوين باعتبار أنه الوسواس، وليجعلها من أضر وعيد الإغواء لما قال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} لهذا كرر القرآن كلمة التفرقة بوضعها في النهي القاطع بقوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وفي أذم المواضع بقوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وغيرها، ولنجلس قليلا مع آية منها، ولتكن الأخيرة مثلاً، لنعلم أن أسوأ ضروب التفرقة هو تفريق الدين، فلقد أوضحها المفسرون بقراءتين، {فَرَّقُوا دِينَهُمْ}، و{فارقوا دينهم} فالقراءة الثانية عن اليهود والنصارى الذي فارقوا دينهم، الذي يأمرهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فأصبحوا كفارا بكل دين، والقراءة الأولى وهي الأشهر وإن كانت الثانية لا تنكر فرّقوا دينهم فسرتها كلمة (شيعا)، أي فِرقاً يتشيع لها، وهذا تحذير بالقرآن بعدم تفريق الدين، وإذا وقع منا هذا كما وقع من غيرنا فلا يربطنا بالرسول سبب ما {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وجاءت هذه الآية الفاصلة في الأمر بعد آية سبقتها بقليل {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي تتقون عقاب متبع السبل، إن حديث الثلاث وسبعين فرقة التي ستنقسم أو انقسمت فعلا إليها الأمة الإسلامية أخبر المنبّأ صلوات الله عليه بأن الناجية واحدة والباقي في النار، نسبة واحدة إلى ثلاث وسبعين، يا لها من نسبة، ويخبر الرسول بأن هذه الفرقة الوحيدة هي القابضة على ما كان عليه هو وأصحابه، ولم يضف إلى ذلك أحد، وهذا الحديث تفسير للآية الآنفة، نعيدها {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فالرجال العظام من هذه الأمة الذين سبقوا عقلوا وصية ربهم جيداً، وعرفوا منها أن الملة لا تقبل القسمة، وأنه أحكم تفصيلها في آيات نزلت وسنة بينت، فبنوا عزهم المنيع على أمرٍ هم فيه كالجسد الوحيد، وخر عدوهم تحت شراك نعالهم، لأنه لم يجد بين صفوفهم فرجة، وأساس بنيانهم المرصوص هذا هو أنهم لم يمزقوا عقيدتهم إلى تجمعات ولا اتجاهات، ولم يجعلوها جذاذا مفتتة بين المذاهب والفرق، كتاب وسنة فقط، فانحنت لهم أمم الأرض خضوعاً لاتحادهم، وأرض الجنة في شوق لقدومهم، فلما خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب أخذوا عرض هذا الأدنى، ونثروا آياته حسب الرغبة، وبعثروا صفحاته تبعاً للميل، بدأ ذلك في العصر الأموي، ثم تفاحش إلى يومنا هذا، فهذا أشعري وهذا معتزلي وهذا شيعي، إلى آخر ما رزئ به الإسلام، واختفت في أعاصير هذه المذاهب كلمة السني، بل إن الصحابة وهم الراشدون المستن بهم بأمر الله ورسوله، فُرِّق بينهم بل سُبوا وشتموا من عصر يزيد إلى الآن، وذُكر أن رجلا أتى الإمام ابن حنبل رحمه الله وهو في مجلس علمه، وألقى عليه السلام، فلم يبش له الإمام ورد عليه منقبضاً، لأنه كان مشتهراً بالمعصية، فقال الرجل: يا أبا عبد الله لـمَ تنقبض مني، فإني انتقلت عما كنت تعهدني برؤيا رأيتُها، قال: وأي شيء رأيت؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم كأنه على علُوً من الأرض، وناس كثير أسفلُ جلوس، فيقوم رجلٌ منهم إليه فيقول: ادع لي، فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري فأردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه، قال لي: يا فلان، لم لا تقوم إليّ فتسألني أدعو لك؟ قلت: يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه، فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك، فإنك لا تسب أحداً من أصحابي، فقمت فدعا لي، فانتهيت وقد بغض الله إليّ ما كنت عليه، فقال الإمام أحمد لمن في مجلسه حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع.

بل والمذاهب الأربعة المشهورة وهي أقربها صلة بالكتاب والسنة منبعي الشريعة، أتحدى إن كان واحد من هؤلاء الأئمة الراسخين الأربعة، قد طلب أن يكون له مذهب يسمى باسمه، ليقال بعد وفاته أنا مالكي أو حنفي أو حنبلي أو شافعي، إنكم تعلمون أن مالكاً رحمه الله وهو إمام دار الهجرة هذه أبى على الملك العباسي أن يحمل الأمة على موطئه وهو سنة خالصة، وقال للرشيد لا تفعل، فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم انتشروا في الأمصار، وكل منهم روى عن رسول الله فهل كان يقبل أن يجعل له مذهبا معينا ويسمى باسمه؟ وهكذا بقية هؤلاء الأئمة الكرام، ما كانوا إلا علماء حكماء يتعلمون من بعضهم، ويأخذ أحدهم مكانه في مجلس أخيه ليسمع منه العلم، وأتخيل انهم لوكانوا يعلمون أن أقواماً ستأتي بعدهم يكونون مذاهب تسمى بأسمائهم لبرئوا منهم، حتى لا يحملوا أنفسهم وزر المذهبية في الدين، وهكذا نرى من أصبح زيدياً وجعفرياً إلى آخر ما لا يعلمه إلا الله، من مذاهب ابتدعت ونسبت إلى ذوات أشخاص، مما يأباه دين سماه التنزيل باسم واحد {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام} {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}، ولو جاز تغيير هذا الاسم المقدّس، أو إضافة مذاهب بجانبه، لكان اسم الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأولى بأن ينسب إليه مذهب فيقال المذهب المحمدي، أو إلى أصحابه الأبرار، فيقال المذهب البكروي أو العمري وهكذا، وربما سمعتم قصة المسيحي الذي وقع على مسلم غبي ليسلم على يديه، فقال له: على أي المذاهب تريد أن تسلم؟ فقال له المسيحي: حتى أنتم عندكم مذاهب، لقد هربت من (الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت والمارون)، إذاً دعني فيما أنا فيه، وحتى لا تجول جائلة بخاطر أحدكم فيقول: لماذا لم نعرج على الوهابية؟ وأنا أقول: كنا ونحن خارج هنا نقرأ عن الوهابية أنه مذهب وهابي، ينسب إلى محمد بن عبد الوهاب، وشاء الله أن آتي إلى هنا في عام سبعة وستين الهجري وستة وخمسين الميلادي ومكثت سنوات للعمل لم أسمع فيها شيئاً يذكر عن الوهابية والمذهب الوهابي، بل عجبت عندما أعطى أحد المدرسين موضوعاً إنشائياً لطلابه عن المذهب الوهابي، وظن بذلك أنه يفعل شيئا مرضياً للوسط الجديد الذي قدم عليه، وسرعان ما علم المدير فدعاه، وطلب منه تغيير الموضوع على الفور، مفهماً إياه بأنه لا يوجد هنا ما يسمى بالمذهب الوهابي ولا بالوهابيين، وإنما هو إمام كبقية أئمة المسلمين، غضب لما رأى من إهمال دينه، فقام ليجدده ويحارب ما علق به من بدع وخرافات، وما أنشأ مذهباً جديدا في الإسلام ولا نحن أنشاناه، وأنا لا أظن واحداً منا يقول غير هذا إلى هذه اللحظة، إذاً فمحمد بن عبد الوهاب، أو الأئمة الأربعة ومن على شاكلتهم من أعلام الإسلام، قد جعلهم الله أئمة يهدون بأمره، وينتفع جميعُنا بوابل علمهم جميعهم، وليس لتكون مذاهب بأسمائهم للتعصب لهم والتمييز بينهم، ولقد أعجبني ذلك الشيخ في عصر ما، عندما ذهب إليه خدم المسجد وقالوا له: أدرك الناس فقد كادوا يقتتلون في بيت الله، لأن منهم من يصر على صلاة التراويح عشرين ركعة كمذهبه، ومنهم من يصر على ثمانية، ومنهم من يصر على غير ذلك، فقال: أخرجوهم جميعاً وأغلقوا المسجد، قالوا: كيف؟ قال نعم، لأن التراويح سنة، واتحاد المسلمين فريضة، هذا ما أدين به منذ أشدى، وتحدثت به قبل اليوم، يقينا مني بأن هذا سبيل السالفين رضي الله عنهم، والله أعلم بمن اهتدى.

الأفاضل المؤمنون: نحن عرب وكفى، وليكن بعد ذلك ما يكون، ولو لم نقل نحن مسلمون، أسنا نمضغ كلمة العروبة في الدنيا، ثم في الآخرة ندخل بها الجنة؟ أم أنا لعروبتي تعصبت حتى كذبت؟

لقد قضى الإسلام على هذه النعرة أيضاً، كما قضى على غيرها بما ذكرناه في أول المحاضرة، عندما صاح بها النبي الأبي، يرمي بعيداً من يبتغي عصبيته أو قوميته وأهمل عقيدته "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" فهنا وضع للأفضلية الدّعامة التي يستحيل أن يكون لها بديل، لأنها أخذ من وحي السماء، وهي التقوى، إنه صلوات الله عليه وهو العربي، لم يلق من العنت والعسف اكثر مما لقي من العرب، بل من أقرب الأقربين من العرب، فأعمامه الذين هم صنو أبيه، أثبت أهل السيّر أنهم كانوا اثني عشر عماً، وأبوه ثالثُ عشرهم، وعماته ست، فيكون المجموع ثمانية عشر دون أبيه، وعُدُّوا جميعاً بالاسم، لم يُسلم منهم إلا حمزة والعباس وصفية رضي الله عن الثلاثة، والباقون شاقوا الرسول وآذوه بأشد ما يكون الإيذاء، وعكس ذلك تماماً ما حدث، فكان من الندر الأول للإسلام ودخلوا في السابقين الذين مجدهم القرآن من ليسوا عرباً على الإطلاق، فسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، تاريخهم في الإسلام مضيئ، وارتفعوا حتى نسب بعضهم إلى بيت النبوة، بل ووصل بلال إلى مرتبة ما روى البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال يوماً: "يا بلال ما تصنع في الإسلام؟، ما دخلت الجنة إلا وسمعت دف نعليك بين يديّ" قال: يا رسول الله لا شيء غير أني إذا توضأت صليت ركعتين بعد الوضوء )، وهكذا أصبحت هاتان الركعتان سنة في الشريعة، سنها بلال واعتمدها الرسول، فكم من العرب والمسلمين الآن يؤدون هذه السنة التي بدأها هذا الحبشي الغيُر عربي رضي الله عنه، وبلغ الأمر أن سمع الرسول دقة نعله تصطدم بأرض الجنة، وهو لا زال في الدنيا، ومشت على هذا الصراط أمتنا الإسلامية سنين عديدة، لم تقم وزنا لحسب ولا عصب، واختفت الذي حبسته فيه طويلا أخوة الإسلام، إلى أن جاء عصرنا هذا، فحرص الأعداء المستعمرون الذين احتلوا معظم رقعة الأرض الإسلامية أحقاباً طوالا، ألا ينجابوا عنها إلا بعد أن يوقظوا فيها حمية القومية، فنودي على الفور بعد جلاء المفرقين الخبثاء بالقومية العربية، قبل أن يسبق أحد بنداء الأخوة الإسلامية، وساد نداء القومية كل تراب العرب، وكان قد قُدم لها بعمل ثابت، وهو إنشاء الجامعة العربية، ونادت أصوات مسلمة مخلصة تطالب بانتهاز الفرصة وجعلها جامعة إسلامية، لتوصد السبيل على تحريك القوميات مستقبلا، وليجتمع فيها العالم الإسلامي كلّه، عسى أن يكون ذلك تمهيدا لعودة الخلافة، لتعود قوة المسلمين لما وُحِّدوا تحت الحكم بالقانون القرآني، لكن هذه الأصوات أهملت ولم يصغ إليها، وغلبت الجامعة العربية الجامعة الإسلامية، وأتى بعدها تبعاً شعار القومية العربية، وليس الأخوة الدينية، والآن تم للأعداء كل ما أرادوه من إيقاظ التمييز، حيث نظر إلينا بقية العالم الإسلامي نظرة الحذر والخيفة، فلم يشتركوا مع العرب لما بُغي عليهم إلا بالقرارات في المؤتمرات، ولم يطلقوا معنا رصاصة واحدة، والحق لهم، ألم نجعل لأنفسنا جامعة تختص بنا، وقومية تتميز بها، وفي ظل الجامعة العربية والقومية العربية، دخلت الشيوعية عدوة الإسلام الأولى أرض العرب وانتشرت، بل سادت وحكمت، وفي ظل القومية العربية اشتعلت الخصومات بين العرب، وتقاتلت دولهم بالجيوش، وفتك أبناء العم ببعضهم بالآلاف في حروب تتجدد لسنين هنا وهناك، وفي ظل ذلك أيضاً قرأ العالم في صحافة العرب وسمع من إذاعتهم أفحش ما يكتب وما يُقال من قذف وتجريح، وتفضيح للأسرار وتشهير بالأعراض، بما لم ينج منه محكوم ولا حاكم، وهكذا كنا الأمة الوحيدة التي عرف العالم عنها هذا النوع من الأدب العربي الحديث، وفي ظل ذلك وقعت الرزية الكبرى التي أصابت في أحشائها، لما ضاع قدسنا وما حوله من ملك إسلامي عريض، قدمه إلينا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوة زنودهم لما جمعتهم جامعة دينية، وأضعناه نحن في ظل القومية العربية [1] وليمشي المكر السيء من أعدائنا بلا توقف، جعلوا قضيتنا مع اليهود إقليمية وليست عقيدية، حتى لا تتحرك لها مشاعر أمة صاحب الإسراء صلوات الله عليه، فدرّجوها من قضية القدس المقدس إلى قضية فلسطين إلى أزمة الشرق الأوسط، ولأننا أصبحنا إقليميين قوميين، تقبلناها منهم بسرعة، واستقر الأمر عند مجرد أزمة وتزول، وأمسينا جميعاً على كل المستويات نرددها، فلم تعد قضية إسلامية ولا حتى عربية، وقلّ أن تذكر فلسطينية، وإنما هي أزمة الشرق الأوسط، على وزن أزمة الشرق الأدنى سابقاً، ولازلنا وجدنا نبتلع غم هذا الكرب العظيم[2] فهل نرى الجامعة العربية يوماً _ ولا يعز على الله أمر _ يتحول فيها بناؤها الفخم المطل على النيل الجميل إلى جامعة إسلامية، فيدخل في نشاطها الحالي نشاط إسلامي، ولو توقن لنا آخر ما يحدث الآن في الصومال، من منع تحفيظ القرآن الكريم والقبض على محفظيه، أليس الصومال عضوا في الجامعة تعرب أخيراً ليأمن لدى العرب غائلة الجفاف والفقر على يد الشيوعية؟ نتمناها جامعة إسلامية، وليست فقط عربية، وفيما نزل بنا من عقاب الله كفاية {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} ولكن من المؤكد أنه سيعز دين الله، واليأس في ديننا كفر؟!

 

الإخوة الفضلاء:

وما قصة التفرقة بسبب اللون، وهي قصة تلطخت بها مدنية المتحضرين فوق تلطخات ومخاز أهلكت بها الكثير في بؤر المظهر،… لقد أعطاني المدرس وأنا صغير درساً في سبب تباين ألوان البشرة! وقال لي: "إن البشرة يسود لونها إذا عاش الإنسان في المناطق التي تشتد فيها حرارة الشمس، وتكون بيضاء في المناطق الباردة" فلما كبرتُ وكبرت معي مداركي بعض الشيء، علمت أولا بأن هذه النظرية منقولة إلينا عبر الماضي من عند غيرنا، وعلى كل حال لا مانع من أن نقبل أي مفيد من أيّ جهة، فلسنا متزمتين، وقد يكون ذلك صحيحاً فالكون لله، والحرّ والبرد وهو مقلبهما، لكني سألت نفسي في مجتمعها القومية وارتقت الربانية، إلى أن بدأ المسلمون ينسلون من دينهم رويدا عصرا بعد عصر، وبدأ ثعبان القوميات والعصبيات يخرج من جحره، إن الأوروبيين عاشوا مئات السنين مستعمرين للمناطق الحارة، ولم يتغير لون بشرتهم.. وزنوج أمريكا عاشوا فيها قرونا ولم يتغير لون بشرتهم، والطفل الأوربي الذي ولد تحت خط الاستواء، وتلقفته الشمس الحارقة وكبر تحتها لم يتغير لونه، والملونون من مستوطني البلاد الثلجية لم تغير الثلوج البيضاء ألوان أطفالهم الذين لونهم الله بها وهم أجنة في بطون أمهاتهم، ثم إن هؤلاء السمر ابتداًء من صعيد مصر إلى آخر القارة الإفريقية هل كانوا جميعاً عراة حتى غيرت الشمس لون كل أجسامهم، أم أنه لو كانت الشمس هي المغيرة للون لكان الوجه وحده الذي يتغير ويبقى الجسم المستور بالثياب بغير تغيير، فمعروف بأن الأبيض كله أبيض، وأن الأسمر كله أسمر، وقد يقول قائل:- إننا نلاحظ تغيير لون الوجه الأبيض إذا تعرض للشمس طويلا، أوافقه، لكنه تغير قليل لا يلبث أن يعود إلى أصل لونه، عندما ينتهي التعرض لحرارة الشمس، ثم هناك ألوان متعددة فاللون الأصفر يغلب على معظم دول آسيا، فهل الشمس هناك صفراء، والبلاد العربية لونها بَيْنَ بَيْنَ؟! وغير هذا من ألوان متباينة، وصور في تكوين الوجه مختلفة، كلنا نراها وخاصة هنا، في موسم الحج الجامع المهيب، إذًا من الذي لون صور؟ {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.

إننا نرى الأشقاء بل التوائم تتغير صورهم وألوانهم، وما خلقوا جميعاً إلا من نطفة لا يتغير لونها وكوِّنوا في رحم ما نظن أنهم تعرضوا فيه لحرارة الشمس ولا لصقيع البرد، فجعل الله وعز، وعفا الله عن المدرس الذي علمني عكس هذا يوماً، ولكنه أيضا تعلّم قبلي من غيره، والذي قبله كذلك، وهكذا نُسِيَ الخالق ونُسِيتْ صنعته إلى غيره {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر}.

وياليتنا وقفنا عند هذا، بل رحنا نتخذ من صنعة الله هذه تفرقة وتمييزا، ووقع في هذه الفتنة الوافدة مسلمون كثيرون في جهات وأماكن مختلفة أقولها وأنا متأكد منها، ألسنا هائمين إعجاباً بتقليد الأجانب في كل شيء وبدون استثناء؟! حتى ولو عصينا صريح ما في كتاب الله، لما قدم إلينا سبحانه تغير ألواننا على أنه آية من آياته لا يفعلها سواه، لنجعلها من ينابيع الإيمان، المزكية للنفس الفاهمة المدركة، ففي سورة الروم، أسَمِعْنَا؟ في سورة الروم اسم أمة غير عربية سمى الله بها سورة من سور كتابه يقول سبحانه في هذه السورة {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعَالِمِينَ}، فالآية دليل على التحليل الواقع الذي أسلفته، وأن اختلاف اللهجة واللون بما لا يحصيه غيره، هو خلق له مباشر، وليس بسبب كوني من حرارة أو برودة أو بيئة، ولو شاء لسبب فهو لم يمنع، فالتقدير المجمل للآية هو: ومن دلائل وجوده وقدرته خلق السموات والأرض، وخلق اختلاف لغاتكم وألوان وجوهكم، ومع أن اللغة واللون داخلان في خلق السموات والأرض، لكن اختصتا وحدهما بعبارة منفردة ليلفت سبحانه أنظار عباده إلى عِظَمِ آياته، والعالمين منهم خاصة كما ذكرت الآية، والتي من أعجبها ليس فقط اللغة واللون وإنما اختلافهما، وذكرت كلمة: {إِنَّ فِي ذَلِك} مرتين، في أول الآية وفي آخرها، ولكنها لا تفيد إلا العالمين، الذين علموا أمر الوجود والموجد سبحانه، فما الحال إذا قدم الله إلى خلقه ما ذكرته الآية ليميزوا بها الحقيقة، فعكسوا كما يقولون، وانطلقوا يميّزون بين الناس بلون الجلد، فإن كان أهل النكران مصرين على تسفلّهم هذا الذي ابتدعوه فوق كفرهم بهذه الآيات، ومن في ذلك اتبعهم، فنحن عندنا لهم أيضا تمييز يوم يقال لهم {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ويلون الوجوه كذلك، فعندنا لوجوههم سواد لن يزول أبدا {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ولو كانت في الدنيا بيضاء لامعة، فهي يومئذٍ بكفرهم سوداء حالكة، وإذا كانت اليوم سوداء فهي يومئذ بإيمانهم جميلة بيضاء، ثم تسمع أيضاً وصفاً للتمييز بلون الوجوه عندنا فنقرأ {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً} يا لرهبة الوصف!

ولو وقف سبحانه عند كلمة الليل لأعطت المعنى، ولكن الليل قد يضيئه قمر وتتلألأ فيه نجوم، فحدد لون وجه صاحب السيئات بالليل المظلم، الذي لا قمر فيه ولا نجوم، عندما يغيب كلاهما في آخر الليل، ونزيد من هذا اللون ما قال كتابنا أيضاً {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} فوجه سواد الوجه في الآية الأولى لأنهم كفروا بربهم، وفي الثانية لأنهم كسبوا السيئات، وفي الثالثة لأنهم كذبوا على الله، بل منهم من سَيُمَّيز بلون لم يسبق أن لون وجه في الدنيا، وهو اللون الأزرق {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} هذه هي قاعدة التفريق والتمييز عندنا، وحتى التفرقة ببياض الوجه لها عندنا أيضاً مقال جميل {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وإذا كان الخلود في الرحمة هنا بمعنى الجنة فإن ما سنسمع في الآية الآتية أحسن من الجنة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فالنظر إلى وجه بارئ الجنة خير من كل الجنة، أما الوجوه التعسة فهي {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} باسرة: شديدة العبوس، فاقرة: داهية تقصمهم، ثم نسمع من القرآن ما لا يشبع منه سمع لنعرف حقيقة القاعدة للتمييز بين الوجوه {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} مسفرة: مضيئة من الفرح، {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} ظلمة، من هم هؤلاء؟ {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}.

هذه هي قاعدة التفريق والتمييز عندنا تطبع الوجوه بطابع العمل، وليس لبشرة تتلون في دنيا التلون.. ولكن هل في ديننا فرق بين المسلمين وبعضهم؟

أقول: نعم وعلى نفس الأساس والمقياس، فحيثما كانت همة المسلم وشأنه مع ربه كان الفارق بينه ومسلم غيره ألم تقل الآية: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} وحتى أهل صدر الإسلام قالت لهم الآية {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} فالكل في الآيتين وُعِدَ الحسنى وسيضمهم سور الجنة ولكن التمييز داخلها في الدرجات بقدر السبق في الخيرات، وأما عن قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً} فهي درجات الدنيا كي يسخِّر بعضنا بعضاً أي يخدمه ويعينه، وليس المعنى هنا السخرية لأن الآية في معرض المنفعة: فلولا درجات الدنيا ما بني بيت ولا أقيم مصنع، ولا حُصِدَ زرع، فالعامل والممول كلاهما مسخر للآخر ومحتاج إليه، وهذا ما تحدينا به بلاد الإلحاد أن يجعلوا له بديلاً، أما السخرية وهي نوع من التمييز، بل من شر أنواعه لأن الساخر من غيره اعتقد أولا الكمال في نفسه، وأكثر ما يكون من الكافر، وأكثر سخريته من المؤمن، لقوله تعالى {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} وقوله:{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً} إذًا فالساخر في الأصل هو الكافر، والأصل في المؤمن ألا يسخر وإلا ففيه من الكافر شبه، ولهذا كان النداء منه سبحانه ينهانا عن هذا العمل البغيض {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} والآية محفوظة والهدى هدى الله.

 

أيها الحضور الكرام:

سأخص بختام المحاضرة الشباب عامة وشباب جامعتنا خاصة، وليس معنى ذلك أن ينتهز الباقي الفرصة ويخرج فيا أولادنا إن الأمل فيكم عظيم بعد الله، فما من جامعة في الدنيا الآن جمعت بين حناياها نحوا من تسعين جنسية إلا هذه الجامعة التي ضمتكم، جمعت هذه الأجناس المختلفة لغة ولوناً وزياً وخلقاً إلى آخر ما أنتم أدرى به مني، والله إنه لعمل جريء من هذه الجامعة في زمان التردي الأخلاقي والشطح الديني تريد به إعادة صور الإسلام الأولى يوم كان ينادى في أي مكان وا إسلاماه، فيردد كل موحد في الأرض صداه وهي في سبيل هذا العمل المتسع الصعب، تدأب جاهدة لأجلكم سخية باذلة، فكونوا عند ظنها وظن ذويكم الذين تحملوا أو تحملتم فراقهم من أجل مأرب كبير، فأزيلوا بفتوتكم المؤمنة ما يحول دون تحقيق الرباط الديني العظيم، واركلوا بأقدامكم أفكاراً لكفار من دناءات التفرقة والتمييز، إننا نأمل فيكم بعد أن تتخرجوا وتطلعكم الجامعة حمائم الإسلام ووئام إلى بلادكم أن تعيدوا إلى الإسلام وحدته وعزته، وأن تصلحوا خطأ جيلنا الذي ارتكبه، فجيلنا الذي أنا منه ومنهم أصغر أو أكبر مني بقليل حملوا على ظهورهم أوزاراً ثقالاً في حق دينهم، فقد تعطلت شريعة القرآن، وحكم حكام المسلمين بقانون الكافرين، وسكت جيلنا وتهجم حكام المسلمين على دين المسلمين ونبي المسلمين، وسكت جيلنا، انطلقت الخرافة والبدعة، وانطوت على نفسها السنة! وسكت جيلنا، جيلنا أطلق المرأة المسلمة في الشوارع متهتكة فاجرة، بل وعانقت الرجال وراقصتهم، وسكت جيلنا، وأسلم جيلنا لها الزمام آمرة ناهية، ترأسه وتوجهه، خربت المساجد وهجرت إلى المساخر من شواطئ وحانات خمر وتلفزة ودور خيانةوسكت جيلنا.

وأخيراً.. لم نسمع في التاريخ كله قيام دولة يهودية بهذه القوة إلا في جيلنا وفي نادينا، ولا يجرؤ مسلم واحد أن يشد الرحال إلى المسجد الذي بارك الله حوله ليصلي فيه ركعتين، كل هذا وقع من الجيل السيء الحظ الذي أنا منه، فلا أبرئ نفسي، وما ذلك يا أولادنا إلا لأننا تفرقنا، فلم يكن إلا أن يلبسنا الله شيعاً ويذيق بعضنا بأس بعض، وانشغلنا بالتقليد فنظرنا إلى ديننا بغير ثقة فلم ينظر الله إلينا، فأحنى الوهن رؤوسنا فلم ندفع الشر عن إسلامنا إلا بأصوات غيورة هي في هذا الضجيج كالهمس لا تعيها أذن، وهكذا كنا سبباً في أن يصاب الإسلام في كبده، بما لم يسبق له في عصر سبق، وها نحن مرجون لأمر الله، إما أن يعذبنا بما جنينا، وإما أن ينالنا بفيض عفوه فهل أنتم على الطريق الحزين سائرون؟ أعندكم بربكم ومن يدري؟ فقد لا نموت حتى نرى جيلكم هو القوم الذين قال القرآن عنهم {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}.

فاطلبوا العلم متآخين وانبذوا الحساسية والعقد النفسية معتزين بما صوركم به الله، ورددوا قولاً واحداً لا غير هو قول الله لكم {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.

ألف الله بين قلوبنا جميعاً وآخر ما نقوله ما عودتكم عليه من أبيات قليلة تتصل بموضوع المحاضرة بعنوان ((حكاية وعهد)).

 

(حكاية وعهد)

ببعض الصحب في مهجر [3]

 

كأني هاهنا أبصر

وقالوا في المسانسمر

 

وفي يوم قد اتفقوا

وقيل من الذي يخبر

 

فلما تم جمعهم

وقال لهم أنا الأشهر

 

فأوربي تقدمهم

ووجهي لامع يظهر

 

لأني أبيض اللون

أفوق بلوني الأصفر

 

وقال الأسيوي أنا

يسر العين إذ تنظر

 

فوجهي فاقع اللون

أنا حظي هو الأوفر

 

وقال الثالث العربي

بياض اللون والأسمر

 

لأني أمزج اثنين

لوجهي هكذا أنضر

 

فذاك مركب مزجي

فقال: جميعكم ثرثر

 

ورابعهم هو العاقل

نساء الحي لا أكثر

 

بقول تشبهون به

ووجه الله لم يذكر

 

تفاخرتم بأوجهكم

وليس لغيره ننظر

 

ووجه الله غايتنا

لحقاً وجهه مغبر

 

ومن عن ربه يعرض

بهذا وحده نفخر

 

فبالتوحيد وحدتنا

يفرق بينه المظهر

 

ألا سحقاً لمجتمع

حديثك دونه الجوهر

 

فقالوا أيها العاقل

بتفرقة لنا تضمر

 

فبعد اليوم لن نرضى

وشانئنا [4] هو الأبتر [5]

 

وحبل الله واصلنا

بطيبة نورها يبهر

 

وعهد في منورة

مؤاخى كل ذي عنصر

 

ففيها خير مبعوث

دعاة الدين لا نقصر

 

نكون أحبة أبدا

تعاهدنا فلا نغدر

 

فقال الربع العاقل

فعند الله لا يعذر 

 

ومن ينقض لموثقه

 

 

 



 [1]وآخر الحصاد ما يقع الآن من العرب الصلبيين في لبنان بمدد من الصليبية العالمية ليحصروا المسلمين والفلسطنيين بين فكي عبدة العجل وعبدة الصليب دون تقدير لجامعة أو قومية.

[2] وراح من أوقفنا في فخ  هذه القومية ينظر ضاحكا متشفيا.

[3] مكان هجرة

[4] كارهنا

[5] المقطوع الذي لا يوصل بشيء