طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

مهمة المسجد في بناء المجتمع الإسلامي

لفضيلة الشيخ محمد المجذوب: المدرس بكلية الدعوة بالجامعة

بحث قدمته الجامعة الإسلامية إلى مؤتمر رسالة الجامعة بمكة المكرمة

 

 

في رأس الحقائق البديهية أن عبادة الله هي المهمة الأولى للثقلين الجن والإنس، ويؤكد ذلك قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} فهاهنا قصر الخلق على صفة العبادة وحدها، فكأنه لا غرض من وجود الجن والإنس سوى عبادة الخالق وحده، وبذلك يصبح مفهوم العبادة أوسع مدى من الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها مما يدخل بداهة في هذا النطاق، حتى يتناول كل تحرك يأتيه الإنسان في حياته، فلا يستثني من ذلك طعامه وشرابه ومختلف تصرفاته، إذ المفروض أن هذا الإنسان على وعي تام لسلطان الخالق ومراده من خلقه، فلا يأتي شيئاً أو يذر شيئاً إلا وفق الأفضل والأرضى له.. ومتى استوفى الإنسان هذه الصفة كان عبداً ربانياً، وكان كل تحرك له عبادةً لله خالصة.

ولقد تكاملت هذه الخصائص العليا في شخص محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفي رسالته الخاتمة، فكانت الأرض كلها له مسجدا وطهورا، وكان كل عمله من ثم تحقيقاً لفضيلة العبودية الخالصة لله القائم على كل نفس بما كسبت..

والإسلام متتام الأجزاء، أول أركانه بعد شهادة الحق الصلاة، التي عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم  عمود الدين، وكما تنهض على العمود عوالي البناء، هكذا كانت الصلاة الصحيحة منطلق البواعث المحركة لطاقة الفرد في طريق الحياة السعيدة، تسكب روحها في كل تصرفاته..  ومن هنا كان للمسجد أثره العظيم في تكوين المجتمع الإسلامي الأمثل، ولهذا رأينا أول عمل يقوم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقراره في المدينة هو تأسيس مسجد قباء، ثم إنشاء مسجده المبارك، الذي شارك بنفسه في بنائه مع صحابته الأكرمين.

من هذا المسجد المبارك تفجرت ينابيع العلم والهدى وأصول الحضارة المثلى، التي ما لبثت أن عمت العالم فغيرت معالمه، وشقت له الطريق إلى تاريخ لا عهد له بمثله من قبل.

وأدرك الرعيل الأول عظم الأمانة، فتزود لها بكل ما وسعه من معاني الوحي حتى كان الواحد منهم يغشى سوق المدينة، فيخشى أن يشغل المسلمون بصفقاتها عن ذلك الخير الأكبر، فيهيب بهم أن هلم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشاركوا في ميراثه الذي يتقاسمه الناس هناك [1]… وما ميراث النبوة سوى العلم الذي به سيشقون الأعين الكمه، ويفتحون القلوب الغلف..

لقد بدأ هذا المسجد مهامه في تنظيم المجتمع من أول يوم، فكان أشبه بمحطة الكهرباء، تمتد أسلاكها إلى كل ناحية، فتضيء وتحرك وتزود الجميع بكل نافع..

في هذا المسجد تلتقي الجماعة المؤمنة للصلوات الخمس خلف إمامها الأعظم صلى الله عليه وسلم فتتعلم منه كيف تؤديها بالخشوع الذي يحقق أهدافها العليا، وفيه تنتظم حول هاديها لتتلقى منه تعاليم السماء، التي تدربها على تنظيم مسيرتها في الطريق اللاحب الذي لا يعتري سالكه ضلال، وإلى هذا المسجد تهرع الجماعة المؤمنة كلما دعاها إمامها إلى (صلاة جامعة) تطرح في أعقابها المشكلة أو المشكلات الطوارئ، ليشاركوا في معالجتها بما أوتوا من خبرة وإخلاص لدينهم ولمصلحة مجتمعهم فيكتسبوا بذلك الدربة التي تعوزهم لضبط سلوكهم في نطاق الخير العام، ومن ثم لقيادة الأمم التي سيستخلفهم الله على إصلاحها وتوجيهها في قابل الأيام.

من هذه الأصول الأولى تعرف المسلمون أهمية المسجد في حياتهم فكان لهم على مر الدهر المعبد الذي فيه يجتمعون لإقامة الصلاة، والمدرسة التي يتلقون فيها علم الدنيا والآخرة، والندوة التي يبحثون في ظلها معضلاتهم اليومية والأسبوعية، والمركز الذي يتدربون فيه على تطبيق معاني الإسلام في سلوكهم الفردي والاجتماعي والسياسي، والملاذ الآمن الذي يعمق بينهم روابط الأخوة، ويفتت الفوارق التي يحدثها اختلاف المنازل الاجتماعية بين الناس فيعودون كما يريد لهم الإسلام خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، أمة تجمعها أخوة الإيمان، ويتساوى فيها الأفراد في حق الكرامة والعدالة والحياة، فلا يستكبر فيها قوي على ضعيف، ولا يذل ضعيفها لقوي، لأنهم كلهم أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين…

 

جامعات شعبية:

وهكذا أخذ المسجد سبيله في ضبط المسيرة الإسلامية، حتى لقد كانت المساجد الجامعة في صدر الإسلام تؤدي بجانب رسالتها الدينية عدة مهام، فمن على منابرها تذاع أوامر الدولة وجيهاتها، وفيها تنعقد مجالس القضاء للحكم بين الناس.

"وقد شاهد ناصر خسرو في جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه محرري الصكوك والعقود، كما رأى فيه مجلس قاضي القضاة ويقول إنه: كان في الزيادة الغربية من المسجد، كما كان فيها مجلس قاضي الحكم الشافعي، ومجلس القاضي المالكي…"ٍ، وكذلك عاين ابن رستة وهو من رجال القرن الثالث الهجري، بيت المال الخاص بحفظ أموال اليتامى في هذا المسجد نفسه، ووصفه بأنه كان أمام المنبر، وأنه شبه قبة عليها أبواب من حديد، ثم نقل إلى صحن المسجد، وحتى اليوم لا يزال البناء الخاص ببيت المال قائماً في الجامع الأموي بدمشق، وفي الجامع الكبير بمدينة حماة وإن هو قد خلا من كل مال…

أما الجانب التعليمي من حياة المسجد فلا يزال من أبرز مقوماته بعد الصلاة، على الرغم من كل العوائق التي اعترضت طريق الإسلام، وبخاصة في أيامنا هذه، وقلما ترى مسجدا في قرية أو مدينة لا يقوم فيه مدرس أو مدرسون، أو مقرئون يعلمون صغار المسلمين كتاب الله حتى الساعة.

إنها بقية من ماض مجيد، كان المسجد فيه يتخذ صفة الجامعة الشعبية مفتحة الأبواب لكل راغب في المعرفة، لا تقيده بدوام، ولا تفرض عليه مادة دون أخرى، بل تفتح لمواهبه سبيل الانتخاب الطبيعي، فينتقل من حلقة إلى أخرى، حتى يستقر في الاتجاه الذي يتلاءم مع استعداده، وبهذه الطريقة أتيح للمسجد أن يخرج أكبر العباقرة الذين تسنموا مقاعد الإمامة في الدنيا والدين..

ولقد زاحمت المدارس والجامعات النظامية مدرسي المساجد منذ مطلع العصر العباسي، ولكن المسجد لم يتخل عن مهمته لها، بل جعل يضاعف من نشاطه بإزاء ما واجه المسلمين من البدع والفتن والمذاهب التي أحدثتها الفلسفات الوثنية فكان كطوف النجاة وسط الخضم الهائج يفند الباطل، ويدعم الحق، ويعلى رايته فوق كل راية..

ولعل عهود المماليك كانت أحفل عهود الإسلام بالنشاط المسجدي في الشام ومصر، إذ أقبلوا يتنافسون على عمران المساجد، والتفنن في رعايتها وتقويتها، فكان لكل مسجد جامع ملحقاته من الحجرات والمكتبات، يأوي إليها أهل العلم من طلبة وأساتذة فتجري عليهم المساعدات السخية الثابتة لتوفر لهم العيش الكريم، فلا ينصرفوا عن العلم إلى البحث عن الخبز.

وما كاد المسجد يفقد بعض مميزاته في عهود الدول المتتابعة حتى أطل بوجهه الجديد من عاصمة الخلافة العثمانية، يحيي ما اندرس أو كاد يندرس من نشاطه المبارك في خدمة المجتمع المسلم.

يصف أحد المستشرقين اثنين من مساجد العاصمة فيقول: "في عهد العظمة التركية كان المسجد مركزاً اجتماعياً، فمسجد محمد الفاتح مثلا كان على جانبيه كليات وفندق ومستشفى ومركز لتوزيع الطعام، وعلى رابية أخرى كان يربض أوسع المساجد إطلاقاً وهو مسجد سليمان القانوني، الذي كان حوله عشر مؤسسات منها كليات أربع، والمدرسة لم تكن خاصة بالدين، بل كانت وحدة للسكن، وكان المسجد نفسه قاعة للدرس والمحاضرات، وكان بوسعك أن ترى لعهد قريب أساتذة في صحن المسجد خلال الصيف، وفي المسجد نفسه أثناء الشتاء، يدرسون جماعات صغيرة من الطلاب".

 

بين أمس واليوم:

أجل… إن المسجد لم يفقد حتى اليوم تأثيره في حياة المسلمين فهو لا يزال قائماً لاستقبال المصلين، ولا يخلو في كثير من الأحيان والبلدان من مكتبة صغيرة تمد المسجد بنسخ من كتاب الله للتبرك ببعض التلاوة، وقد تحتوي بعض الكتب الإسلامية الأخرى تبرع بها بعض المحسنين دون تفريق بين النافع منها وغير النافع.

على أن قليلا من التأمل في أوضاعها على ضوء الغاية العليا التي من أجلها وجد المسجد في الإسلام يؤكد لنا أن ثمة فجوة هائلة تفصل بين مسجد اليوم ومسجد الأمس.. لا من حيث بناؤه وشكله وأثاثه، فقد توافر لمسجد اليوم من ذلك الشيء الكثير، ولكن من حيث الروح الذي يجب أن يهيمن على واقعه فيجعل منه منطلق حياة وتكوين وتوجيه.

لقد جرد المسجد الحديث من الطاقات التي تمكنه من العمل في بناء الفكر والقلب وتصحيح المفهومات الخاطئة، فقلما نجد على منبره الخطيب المزود بسلاح العلم الواسع، وإذا وجد فقلما تجد لديه الإخلاص الذي يجعل الحق أعلى وأغلى في قلبه من الحياة- إلا من رحم الله- لقد سيطر الرعب على خطيب المسجد ومدرسه وضاقت في أعينهما سبل الرزق، فلا يريان سبيلا للوصول إليه إلا بإرضاء المتسلطين على مرافق الحياة، ممن لا يقيم وزنا لدين الله ولا يعرف حقا لشريعة الله.. ويكاد أن يكون هذا هو واقع المسجد في معظم ديار المسلمين، إلا من رحم الله..

ولا عجب في ذلك ما دام المسلمون في تلك الأقطار محكومين بغير نظام الإسلام، فكل محاولة لتوعية المصلين، وتزويدهم بحقائق دينهم ستصطدم برغبات المخالفين لها من أصحاب السلطان وأعوانهم، ممن باعوا أنفسهم للشيطان بأبخس الأثمان..

فكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار نوعية الخطباء والمدرسين الذين يقع اختيار أولئك المتسلطين عليهم، حيث يكونون من المرتزقة الذين لا يهمهم إلا منافعهم العابرة، فلا يتورعون عن أن يجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً، والظالم عادلا والصالح باغيا..

 

التطور المدمر:

إن الإسلام في توكيده على عمران المساجد إنما يستهدف من ذلك توفير وسائل التوعية الدائمة التي لا مندوحة عنها لإقامة المجتمع الصالح.. المجتمع الذي يعرف كل فرد منه ماله وما عليه، ذلك لأن الجماعة المسلمة هي المادة التي منها تتكون دولة الإسلام، وهي القاعدة التي عليها ترتكز، وإذا كانت وظيفة المجتمع المسلم _شعباً ودولة _ هي تبليغ رسالة الله وإقامة الحكم الأفضل، فطبيعي أن يجد هذا المجتمع من الرعاية والحرية ما يمكنه من تحقيق واجبه في الاستعداد للنهوض بأعباء هذه الرسالة في نفسه أولا، ثم في أوساط الشعوب الأخرى ثانياً..

ولا شيء أفعل في تحقيق هذه المعاني في قلب المسلم من كلمة الحق يسمعها في بيوت الله مؤيدة بآيات الوحي من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أدل على ذلك من توكيد الشريعة على حضور الجماعة في صلوات النهار الخمس وظهيرة الجمعة، وإيجاب صلاة العيدين على كل مكلف من ذكر وأنثى، حتى الحيض والعواتق كيلا تفوتهم المشاركة في شهود الخير، والتفاعل مع روحانية الجماعة، لتستمر للفرد صلته الوثقى بأمته وملته، فتظل الأفكار متقاربة، والأذواق متناغمة، فلا يجد الشيطان مجالا للتسلل إلى وحدة الصفوف..

تلك هي رسالة المسجد في أوضح صورها، وحين تؤدى هذه الرسالة على الوجه الصحيح، لن يتعرض المجتمع الإسلامي لمثل هذه الهزات التي تهب عليه من كل صوب، حاملة إلى أجياله جراثيم التشكيك والتخريب تحت مختلف الأسماء والعنوانات…

ولكن المسجد أوشك أن يفقد سلطانه على النفوس بعد هذه التطورات التي سلخته من معظم مقوماته، وسلطت عليه حتى من لا يؤمن برسالته، فهو اليوم في جل ديار المسلمين أداة شلاء لا يكاد يؤدي أي وظيفة اجتماعية هادفة، بل لا نغالي إذا قلنا إنه بما يعتوره من المعوقات المختلفة، لا يزيد الواقع الاجتماعي إلا بلبلة واضطرابا.

 

لنبدأ من هنا:

على ضوء هذه الأحاديث وجدتني وأنا أهم بكتابة هذا البحث أتساءل: ما الحصيلة التي سيرجع بها المجتمعون في هذا المؤتمر إلى بلادهم؛؟... وإلى أي مدى يمكنهم أن يضعوا مقرراتهم في حيز التنفيذ؟…

لقد تكررت المؤتمرات التي عقدت لعرض أحوال المسلمين، ولدراسة أوضاعهم على مختلف المستويات، وإن في مقرراتها الكثير من العلم والخير… غير أني أتطلع في كل اتجاه لأرى آثارها العملية فلا أكاد ألمح شيئا… ولا جرم أن اجتماعا يعقد لتصحيح أوضاع المسجد والمسجديين جدير بكل تقدير واهتمام، إذا كان من شأنه تغيير هذا الواقع الذي انتهى إليه المسجد وأهله… ولكن ما السبيل إلى ذلك وهو الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الذين لا يريدون هذا التغيير…

في اعتقادي أن أعظم خدمة نقدمها لإحياء رسالة المسجد هو أن نبدأ هذا التصحيح في مساجد هذه المملكة أولا… فإذا نجحت المحاولة هنا كانت الخطوة التالية إقناع الأقطار الإسلامية الأخرى بنقل هذه التجربة إلى مساجدها.

إن المملكة السعودية هي البيئة الإسلامية المتميزة، فقضاؤها إسلامي صرف، وتعليمها لا يزال مرتبطاً بأهداف الإسلام، ونشاطها الإسلامي لا يكاد يفوته جانب من أرض المسلمين، وفي إمكاناتها المادية ولله الحمد ضمان لإنجاح أي مشروع إسلامي من هذا النوع.. فلتكن هي المنطلق الأول لتحقيق الأنموذج الأفضل الذي تتطلع إليه أبصار المصلحين وبصائرهم…

لقد كتب الكاتبون، وألّف المؤلفون، وخطب المحاضرون، وتغنى الشعراء الإسلاميون بعظمات الإسلام وإمكاناته العجيبة لإصلاح الإنسان، وبناء الأوطان وإقامة الحكم الصالح، وإعطاء البشرية أفضل الأنظمة في السياسة والاقتصاد والعدالة… ولكن شيئاً من ذلك لم يترجم إلى نطاق العمل المنظور خارج هذه البلاد حتى الآن، لذلك ستظل هذه الكنوز حديثاً ماتعاً يسلي القارئ والسامع، على حين أن المسلمي،ن ومن ورائهم العالم كله يظلون أحوج ما يكونون إلى رؤية هذه الكنوز بارزة في متناول الأيدي والأبصار، فمتى يتاح لهذه الحقائق الإسلامية أن تحتل مكانها في عالم الواقع، ليقتنع العالم أن لدينا ما نقدمه لإنقاذه من مهامه الضياع.

إن الضمير الإنساني يطالب المسلمين بإقامة أنموذج صحيح للمجتمع الذي يستطيع الإسلام أن يبنيه بإمكاناته الخاصة وحدها، فيكون مجتمعاً ربانياً يحكمه نظام الإسلام في كل شيء، دون أن يسمح للتيارات الدخيلة بأي تأثير في خصائصه العليا، حتى يكون حجة الإسلام على العالم، الذي مزقته التجارب البشرية المقطوعة عن طريق الوحي..

وما لم يتفق المسلمون على هذه الحقيقة وما لم يتقدم من الشعوب الإسلامية من يحقق هذا الأنموذج، فسيظل كماخض الماء، لا يتجاوز حدود الأحلام.

 

المسجد الذي نريده:

أما المسجد الأنموذج الذي تتطلع إليه أبصار المفكرين فهو الذي توافرت فيه كل الوسائل المساعدة على استعادة منزلته وتحقيق رسالته التي أنشئ لها من أول يوم أول مسجد أسس على التقوى.

ولن يكون المسجد كذلك إذا قصرنا العناية فيه على الشكل دون المضمون.. أو على المضمون دون الشكل.

إن الذي قدح فكرة إصلاح المسجد في قلوب المصلحين هو شعورهم بحاجة المجتمع العميقة إلى مؤثرات هذه المؤسسة الإسلامية الهامة، ولابد في تحقيق هذه الغاية من مراعاة التطور الاجتماعي الذي تعيشه الإنسانية في كل مكان وزمان.

ومن موحيات ذلك التطور أن يكون المسجد وحدة اجتماعية متكاملة، تؤمّن لمرتاديها كل متطلباتهم الروحية والعقلية، وحين نفعل ذلك لن نبتعد كثيراً عن أوضاع هذه المؤسسات في ظل الخلافة العثمانية أو عهد المماليك مثلا، ذلك لأن أولئك الذين أنشئوا تلك المساجد، وأحاطوها بالمرافق الاجتماعية المختلفة، إنما صنعوا ذلك بحافز من الوعي التام لرسالة المسجد في نطاق الحاجات الاجتماعية الطارئة..

وعلى هذا فالمسجد الذي يراد أن تتمثل فيه الوحدة الاجتماعية المتكاملة هو الذي يجد فيه المصلون على اختلاف مستوياتهم كل الفرص التي يستطيع توفيرها ناد مزود بكل المرغبات الصالحة…

إن قاعة الصلاة جزء من هذه الوحدة يفيء إليها روادها كلما دعا إليها الداعي في أوقاتها الخمسة، ثم مكتبة عامرة بأفضل المؤلفات الإسلامية في شتى العلوم والفنون، على أن يعنى فيها باختيار الطبعات الرائعة من كتاب الله، فلا تقع فيها العين ولا اليد على تلك المصاحف التجارية التي طبعت أردأ طبع، وجلدت أسوأ تجليد، فلا يتكرر لمسها حتى تتفتت، وتتحول إلى ركام من الأوراق الممزقة. ثم تلحق بهاتين القاعتين ثالثة للجلوس يجتمع فيها أهل الفكر من أبناء المحلة أو زوار الوحدة، حيث يتداول الرأي في أمورها وأحوال روادها، وما ينبغي عمله لاستمرار تقدمها وازدهارها على أن تكون من السعة بحيث تصلح لإلقاء المحاضرات، وإقامة الندوات الفكرية تحت إشراف المسئول عن الوحدة. وسيكون من الإحياء للسنة إجراء عقود النكاح في هذه القاعة، ليحضرها رواد المسجد والمكتبة والمجاورون، فيكون ذلك مدعاة لتقوية الروابط بين أهل المحلة، وأفضل وسيلة لمكافحة السرف الذي اعتاد الناس أن يتنافسوا به في مثل هذه المناسبات.

ولن ننشد المستحيل عندما نتمنى أن تكتمل هذه الوحدة بإضافة مستوصف يتناسب مع حاجة البيئة، يقوم عليه طبيب أو أطباء بصورة ثابتة أو بالتناوب بين أطباء يخصصون بعض وقتهم لخدمة المترددين على هذا المستوصف على أن تصرف لهم الأدوية الأولية من الصيدلية الملحقة به..

إن مركزاً إسلامياً كهذا من شأنه أن يقدم لبيئته أجل الخدمات، ويهب للإسلام أفضل نماذج الدعاية، التي تعرف الناس قدراً غير قليل من جمال هذا الدين، الذي يهدي للتي هي أقوم، ويهيب بالمؤمنين أن يتعاونوا _ دائماً وأبداً _ على البر والتقوى.

على أن كل مجهود يبذل لتوفير هذه المصالح سيظل أبتر معرضاً للخلل فالزوال، إذا لم توجه مثل هذه العناية إلى نوعية الرجال الذين سيشرفون عليها. ولهذا نرى أن أول الشروط التي على أساسها يختارون هو الكفاية الخلقية ثم الكفاية العلمية، فما ينبغي لغير مؤمن بهذا الدين أن يعهد إليه بالإشراف على المسجد وملحقاته، ولا يصح أن يوسد أمرها إلى خبير عليم اللسان فاسد الجنان، لأنه واحد من زمرة الشياطين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما أنه سيكون من الجناية على المشروع أن يعين لها الدراويش من ذوي التقوى، الذين لا يملكون نصيباً وافياً من العلم العاصم، لأن تولية أي من هؤلاء سيكون نذيرا بدماره حسب منطوق الحديث الصحيح: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"  وقد فهم أولو العلم أن المراد بالساعة هنا ساعة خراب الأمر.

إن المسجد الجديد لا يصلح إلا بما صلحت به أوليات المساجد التي أسست على تقوى من الله، وفي رأس ذلك الجمع بين العلم والإيمان، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصلاح أوضاع المشرفين الأعلين على مصاير المساجد في بلاد المسلمين، فلا يرفع إلى تلك المناصب من لا خشية عنده لله، ولا غيرة على حرمات الإسلام، وإني لأكتب هذه الكلمة وفي رأسي ذكرى يوم رافقت فيه أحد مديري الأوقاف في بلد مسلم إلى أحد المساجد التاريخية، وهناك أدركتنا صلاة العصر فإذا هو يستعجل بفراقنا لأنه لايريد الصلاة _أو لا يعلم كيف يصلي_ وما أكثر هؤلاء في معظم ديار المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نعم.. لابد من التركيز على نوعية الخطيب والمدرس والإمام والمشرف العام، فكم من إمام لا يحسن إقامة الآية من كتاب الله، وكم من خطيب لا يصلح إلا للتنفير من دين الله، وكم من مدرس يعلم الناس الخير، وهو غارق بالفساد إلى صماخيه….

لقد آن للمسئولين عن رعاية المساجد أن يحسنوا لها الاختيار، فلا يقل مؤهل الإمام والخطيب عن الشهادة الثانوية الشرعية في أوساط القرى والبوادي، وأما في المدن والحواضر فلا يصل إلى هذه الأعمال امرؤ يقل مؤهله الدراسي عن مستوى الإجازة من إحدى الكليات الإسلامية، وذلك بعد الاستيثاق الكامل من مؤهله الخلقي، على أن هذا يقتضي أن يوفر للعاملين في خدمة المسجد كل ما يؤمن لهم الحياة الكريمة، وقد درج بعض المحسنين أن يلحقوا بالمسجد منزلاً خاصاً للإمام والخطيب، وإنها لسنة حسنة يجدر بالمؤتمر ألا يغفلها.

وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة إلى كل مسجد في أي مكان، فهو أحق بالتحقيق في المسجد الأنموذج، الذي يراد له أن يكون مناراً للهداية، ومنطلقاً للدعوة إلى دين الله بين مختلف عباد الله.

 

المراكز الإسلامية:

وبحث كهذا في شأن المسجد لا يستكمل عناصره ما لم نلق من خلاله نظرة إلى ما يسمى اليوم بالمراكز الإسلامية المنشآت خارج أقطار المسلمين…

إن لبعض هذه المراكز نشاطاً ملحوظاً في خدمة المسلمين وفي الدعوة إلى الإسلام، وقد حقق هذا البعض بفضل الله غير قليل من النجاح في أوساط الجاليات الإسلامية، وطلاب الحق والخير من غيرها…

بيد أن الملاحظ أن أكثر هذه المراكز نجاحاًً في خدمة الإسلام هي التي يقوم على خدمتها عناصر حرة من الشباب المؤمن، الذي لا تقيده وظيفة رسمية.. ففي ظل هؤلاء الأحرار يحسن عرض الإسلام لجاهليه من الأجانب، وتنظم برامج تعليم لصغار المسلمين ممن لا يتاح لهم معرفة شيء من دينهم إلا عن طريق هؤلاء المتطوعة..

هذا على حين نرى المراكز الأخرى التي تتولى أمرها قيادات رسمية لا يهمها من أمرها إلا تحقيق الدعاية السياسية التي تفرضها الدولة.. ومن هنا رأينا مراكز تنفق عليها الأموال الطائلة، ثم لا مردود لها سوى زيادة البلبلة في أوساط الجاليات الإسلامية.. ولقد حدثني زميل فاضل تولى إمامة أحد هذه المراكز من قبل هيئة خاضعة للحكومة فلم يستطع أن يحقق فيه أي مهمة إسلامية، بل لم يستطع حمايته من المفاسد التي ينكرها أهل الإيمان، لأن الذي عهد إليه بإدارته كان أبعد الناس عن فضائل الإسلام، حتى إنه ليفطر رمضان دون عذر، ويأتي من المنكرات ما لا يكتمه زميلي الفاضل لو سئل عنه.. وقد شكا أمره إلى المسئول الأعلى فلم يجد أي مردود سوى التهديد والوعيد…

وهكذا تذهب آمال المسلمين ببعض هذه المراكز مع الريح.. ولا جرم أن إخفاق أي مركز إسلامي في الغرب يجر معه إخفاقاً أكبر للدعوة الإسلامية، إذ يكون سبباً لتشويه الإسلام، وصرف الراغبين عنه إلى البحث عن علاج حيرتهم في غيره….

 

طموح مشكور يرجى تحقيقه:

ومرة أخرى أسمح لنفسي بالقول: إن هذه المملكة أحق بلاد الإسلام في عهدنا هذا بإصلاح هذا الوضع، وذلك بإحداث مراكز للإسلام في مختلف حواضر العالم الغربي، يقوم على رأسها رجال جمعوا بين قوة العلم وأمانة التبليغ، كبعض أولئك الذين خرجوا من هنا بدعوة الله قبل قليل إلى أوربة والفاتيكان، فأحسنوا العرض والحوار وعادوا مكللين بالأجر والغار.

وفي ظني أن أهم واجب يتحمل تبعته كل مركز إسلامي ينشأ خارج البلاد العربية هو لـمُّ شعث الجوالي الإسلامية تحت راية الصلاة، ثم تخصيص برامج أسبوعية لتعليم أبنائهم ما لابد من علمه عن كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى برامج أخرى خاصة لنشر العربية والإسلام بين الأجانب والأعاجم، ودعم كل من البرنامجين بمكتبة صالحة تيسر لطالب العلم الحصول على بغيته من أقرب سبيل، على أن يراعى فيها مستوى كل من القسمين، مع الاهتمام الكبير بنوعية المنشورات والكتب، بحيث تكون مقصورة على عرض الإسلام وتيسير العربية دون انحراف نحو الدعايات السياسية الخاصة.

لقد حدثني قبل أيام فتى سعودي كري،م على اتصال بسمو الأمير المؤمن العامل محمد بن الفيصل منشئ (مؤسسة الإيمان للتربية والتعليم والثقافة الإسلامية) التي تنتشر مدارسها النموذجية حتى الآن في الرياض وجدة والمدينة المنورة، حدثني بخبر يسر كل مسلم هو أن سموه يعتزم أن يوسع دائرة المشروع إلى أبعد من حدود المملكة حتى تشمل أمريكة، فيغزوها بالإسلام عن طريق التعليم، كما تقوم هي بغزو المسلمين بالنصرانية والخنفسة عن طريق المبشرين والهيبيين.

وقد أشار إلى ذلك المنشور الخاص بهذه المؤسسة المباركة، إذ يقول في نهاية الفقرة الرابعة منه: "وتعد المؤسسة مشروعاً لتحويل مدارسها إلى مدارس دولية إسلامية تكون لها نظائر خارج المملكة، سواء في الدول الإسلامية أو الأجنبية".

وقد علمت بعد ذلك من أحد العاملين في هذه المؤسسة أنها ستبدأ خطواتها الأولى على هذا الطريق في القاهرة والإسكندرية، لتكون منطلقاً إلى عمل تعليمي على مستوى العالم الإسلامي…

وياله من طموح يستسهل في سبيل الله كل صعب، ويدغدغ الآمال بمستقبل مشحون بالنصر والمجد، وما أحوج مؤتمر رسالة المسجد إلى مثل هذا الطموح، الذي من شأنه أن يرد بفضل الله وتوفيقه إلى المسجد رسالته العظمى، في إيصال هداية الله إلى كل مستحق لها من الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 



[1] مضمون حديث حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه