|
|
|
|
أضواء من التفسير |
|
لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد |
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
|
|
قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى}. |
|
المناسبة: |
|
بعد أن ذكر أطماعهم وشهواتهم، وهم يطمعون أن تشفع لهم هذه الأصنام، أقنطهم من هذه الشفاعة، ببيان أن الملائكة المقربين لا تغني شفاعتهم إلا من بعد إذن الله ورضاه لمن يكون أهلا للشفاعة، فكيف تشفع الأصنام لمن يعبدها؟ |
|
القراءة: |
|
قرأ الجمهور {شَفَاعَتُهُمْ}، وقرئ شفاعته، وقرئ شفاعاتهم. |
|
المفردات: |
|
{كَمْ} خبرية للتكثير.{مَلَك}ٍ واحد من الملائكة مأخوذ من المأْلَكَةَ وهي الرسالة، ومنه قولهم ألكني إلى فلان أي أبلغه عني. وسمي الملك لأنه يبلغ عن الله تعالى {لا تُغْنِي} لا تدفع ولا تنفع. {يَأْذَنَ}أي يبيح للشافع أن يشفع . {تَسْمِيَةَ الأُنْثَى}أي يقولون إنهم بنات الله.{تَوَلَّى} أعرض. {ذِكْرِنَا}أي القرآن. {مَبْلَغُهُمْ}غايتهم. {ضل} حاد. |
|
التراكيب: |
|
قوله {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} كم في محل رفع على الابتداء، والخبر لا تغني، وأفردت الشفاعة على قراءة الجمهور لأنها مصدر، ولأنه لو شفع جميعهم لواحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً. وجمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك باعتبار المعنى أي وكثير من الملائكة. وقوله{شَيْئا}مفعول مطلق أي شيئاً من الإغناء. واللام في قوله {لِمَنْ يَشَاء}بمعنى في. والواو في قوله {وَيَرْضَى} لمطلق الجمع. وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رضي عن عبده المذنب فإذا رضي عنه أذن للشافع أن يشفع له، وهو سبحانه لا يرضى إلا بالتوحيد. وقوله {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى} التعبير بالاسم الموصول لتسجيل كفرهم وللإشارة إلى نوع الخبر وأنه من نوع القبائح. فإن قيل: زعمهم لشفاعة أصنامهم إيمان منهم بالآخرة؛ قلنا: هم لا يجزمون بالحشر ويقولون إن كان حشر فهم يشفعون. وقوله: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} حال من فاعل يسمون، أي يسمونهم والحال ألا علم لهم بما يقولون أصلاً، وعلم مبتدأ مؤخر، ولهم خبر مقدم. وقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا} الفاء فصيحة. وكان مقتضى الظاهر أن يقول {فأعرض عنهم} ولكنه وضع الموصول موضع الضمير للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز الصلة من الأوصاف القبيحة مع تعليل الحكم بها. وقوله: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْم} قيل الجملة مقررة مضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا. والإشارة فيه قيل إلى ما هم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا. وقيل الإشارة إلى جعلهم الملائكة بنات الله. وقيل إلى الظن أي غاية ما يعلمون أن يأخذوا بالظن. وقوله:{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} تعليل للأمر بالإعراض ووعيد شديد لهم. وإنما كرر {هُوَ أَعْلَمُ} لزيادة التقرير والإيذان بكمال تباين المعلومين. |
|
المعنى الإجمالي: |
|
وكثير من الملائكة الذين هم عباد مكرمون لا يستطيعون أن يطلبوا أن يخفف العذاب عن أحد إلا إذا رضي الله عمن يشفع فيه وأذن للشافع في الشفاعة مع أنه لا يرضى إلا عن أهل التوحيد. |
|
إن هؤلاء الجاحدين للبعث ليصفون الملائكة الذين هم عند الرحمن بصفات الإناث فيقولون هم بنات الله. والحال أنه لا علم لهم بهذا الاسم الذي يطلقونه، فإنهم لم يشهدوا خلقهم، ولم يبصروا أجسامهم. |
|
ما ينقادون إلا للخواطر الشيطانية، وإن الخواطر الشيطانية لا تكون سبيلا للصدق. وإذا كانوا بهذه المثابة فلا تقتل نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا، فإن دأبهم الإعراض، وديدنهم البعد عن مصدر الخير والشرف. وليست لهم أهداف نبيلة، ولا مثل عليا. وإنما همهم بطونهم وما يدور حولها. |
|
هذا الذي وصفناهم به هو منتهى علمهم، وغاية معارفهم، وسيجدون عاقبة كفرهم خزياً ووبالا.. وستجد عاقبة صبرك نصراً وعزا، لأن ربك لا يعزب عنه أحوالهم الخبيثة، ولا يضيع عنده صبرك الجميل. |
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
1_ إقناط الكفار من شفاعة أصنامهم. |
|
2_ لا شفاعة إلا في أهل التوحيد. |
|
3_ لابد للشافع من سبق الإذن. |
|
4_ تسمية الملائكة بنات الله من الرجم بالغيب. |
|
5_ الرمي بالظنون لا يكون علماً. |
|
6_ الأمر بالصبر عليهم. |
|
7_ الوعيد الشديد لهم. |
|
قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}. |
|
المناسبة: |
|
لما قرر أنه عالم بالضال والمهتدي أردف ذلك ببيان أنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض، على سبيل التأكيد للوعيد الشديد. |
|
القراءة: |
|
قرأ الجمهور {لِيَجْزِيَ} الياء، وكذلك {ويجزي}، وقرئ {لنجزي} {ونجزي} بالنون فيهما. |
|
وقرأ الجمهور {كَبَائِرَ الإِثْمِ} وقرئ {كبير الإثم}. |
|
المفردات: |
|
المفردات: {لِيَجْزِي} ليكافئ،
{أَسَاءُوا} أي ارتكبوا القبائح، {أَحْسَنُوا} فعلوا الجميل، {الحسنى} الجنة. {يَجْتَنِبُون}
اجتناب الشيء تركه
والابتعاد عنه كأنه ترك جانبه وناحيته. {كَبَائِرَ
الإِثْم} كبائر جمع كبيرة قيل هي المعصية التي توجب الحدّ، وقيل كل
ذنب قرن بالوعيد. وقيل كل ما نص الكتاب على تحريمه. وسميت كبيرة لعظم خطرها وثقل
وقعها. وأما من قرأ {كبير الإثم} فقيل
أريد الجنس وقيل الشرك. {الإثْمِ} الذنب. {َالْفَوَاحِش} جمع فاحشة وهي ما يشتد قبحه من
الذنوب، يقال فحش يفحش فحشا وفاحشة. وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل. {اللَّمَم} ما قل وصغر، وقال أبو العباس المبرد:
أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه، يقال ألم بكذا إذا قاربه، ولم
يخالطه. وقال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو يقال ألَمّ يفعل
كذا بمعنى كاد يفعل، قال جرير: |
||
|
عـلى ومـَن زيـارتـه لمام |
بنفسي من تَـجَنيّـه عـزيـز |
|
|
وقال آخر: |
||
|
لقاء أخلاء الصفا لمام |
||
|
{أَنْشَأَكُمْ} خلقكم
وأوجدكم. {مِنَ الأَرْض} من التراب
والطين. {أَجِنَّة} جمع جنين وهو الولد
في البطن، سمي بذلك لاستتاره. والاجتنان: الاستتار. {فَلا
تُزَكُّوا} فلا تمدحوا على سبيل الإعجاب. {اتَّقَى} خاف ربه وعمل بطاعته فاتخذ لنفسه وقاية من عذابه. |
||
|
التراكيب: |
||
|
قوله {وَلِلَّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} تقديم الجار والمجرور لإفادة
الحصر، وأنها لله خلقاً وملكاً، لا لغيره أصلا لا استقلالا ولا اشتراكاً.
والتعبير بما التي لغير العاقل للتغليب لكثرة أفراده. وقوله {لِيَجْزِي} قيل اللام متعلقة بما دل عليه معنى
الملك في قوله {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ...} الخ. أي
فيضل ويهدي ليجزي. وعليه فالواو في قوله {وَلِلَّهِ}
للاستئناف. وقيل اللام للصيرورة والعاقبة، لا للتعليل أي عاقبة أمرهم جميعاً
للجزاء بما عملوا. وقيل اللام متعلقة بما دل عليه أعلم، كأنه قيل فيعلم ضلال من
ضل واهتداء من اهتدى ويحفظهما ليجزى. وعلى هذا فجملة ولله ما في السموات الخ
اعتراضية. وتكرير الفعل يجزي لإبراز كمال الاعتناء بأمر الجزاء أو للتنبيه على
تباين الجزاءين. |
||
|
وقوله {الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ ..} الموصول
منصوب بدلا من الذين أحسنوا. وصيغة الاستقبال في صلته للدلالة على تجدد الاجتناب
واستمراره. أو منصوب بإضمار أعني، أو هو مرفوع خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين
يجتنبون. وقوله: {وَالْفَوَاحِشَ} من عطف الخاص على العام.
والاستثناء في قوله: {إِلاَّ اللَّمَم}
منقطع لأنه ليس قبله ما يندرج فيه. وقوله {إِنَّ
رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} تعليل لاستثناء اللمم وتنبيه على أن
إخراجه عن حكم المؤاخذة ليس لخلوه عن الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية.
وقيل إنما عقب وعيد المسيئين ووعد المحسنين بهذا لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمة
الله تعالى. وقوله: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ
أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ} استئناف مقرر لشمول علمه وإحاطته سبحانه بأحوال
عباده، ووقت إيجادهم من التراب، ووقت استتارهم في بطون أمهاتهم، وأفعل التفضيل
فيه لا مانع أن يكون على بابه. والفاء في قوله {فَلا
تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم} فصيحة. وقوله{هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} استئناف مقرر للنهي. |
||
|
المعنى الإجمالي: |
||
|
المعنى الإجمالي: ولله كل كائن في العالم العلوي والسفلي
خلقاً وملكاً، فيعلم ضلال من ضل واهتداء من اهتدى، ويحفظهما ليكافئ الذين
ارتكبوا القبائح بما يسود وجوههم، ويكافئ الذين فعلوا الجميل بالجنة، الذين
يتركون عظائم الذنوب، وما اشتد قبحه منها إلا ما قلّ وصغر. إن سيدك ومالكك ومدبر
أمرك عظيم التجاوز عن هفوات عباده، هو أعلم بكم وقت إيجادكم من التراب ووقت
استتاركم في بطون أمهاتكم، وإذا كان الأمر كذلك فلا تمدحوا أنفسكم على سبيل
الإعجاب بها. هو أعلم بمن خاف ربه، وعمل بطاعته، فاتخذ لنفسه وقاية من عقابه. |
||
|
ما ترشد إليه الآيات: |
||
|
1_ الكائنات كلها لله. |
||
|
2_ الجزاء من جنس العمل. |
||
|
3_ اجتناب الكبائر يكفر الصغائر. |
||
|
4_ سعة عفو الله تعالى. |
||
|
5_ إحاطة علمه بأحوال العباد. |
||
|
6_ الإعجاب بالنفس مذموم. |
||
|
7_ من مدحه الله هو الممدوح. |
||
|
قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ
الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ
يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ
إِلاَّ مَا سَعَى وأن سعيه سوف يرى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى وَأَنَّ
إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ
أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ
نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ
أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً
الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ
آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى}. |
||
|
المناسبة: |
||
|
لما بيّن في الآيات السابقة أن الكائنات له، وأنه عالم
الغيب، أنكر هنا أن يكون غيره يعلم الغيب، ثم عدد نعمه ونقمه ترغيباً وترهيبا. |
||
|
سبب النزول: |
||
|
قال مجاهد وغيره: "نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد
سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب من الإسلام، ثم عاتبه رجل من
المشركين، فقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دين آبائك وأنا أتحمل لك بكل شيء
تخافه في الآخرة على أن تعطيني كذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هَمّ
به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا ثم قطع باقي العطاء فنزلت". |
||
|
القراءة: |
||
|
قرأ الجمهور {وَفَّى}
بتشديد الفاء وقرئ بتخفيفها. وقرأ الجمهور {وَأَنَّ
إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} بفتح همزة أن. وكذلك ما بعدها من
المواضع. وقرئ بالكسر فيهن. وقرأ الجمهور {وَثَمُودَ}
بغير تنوين. وقرئ بالتنوين. |
||
|
المفردات: |
||
|
{تَوَلَّى} أي أعرض عن الإسلام، {أَكْدَى} أصله من الكدية، يقال لمن حفر بئرا ثم
وصل إلى حجر لا يتهيأ له فيها حفر قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتم،
ولمن طلب شيئاً فلم يبلغ آخره. |
||
|
قال الحطيئة: |
||
|
ومن يبذل المعروف في الناس يحمد |
فأعطى قليلا ثم أكـدى عـطاءه |
|
|
ويقال: كديت أصابعه إذا كلت من الحفر، وكدا البيت قل ريعه. وأكدى الرجل قلّ خيره. {وَفَّى} أتم ما أمر به نحو {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُن}. {تَزِرُ} تحمل. {وَازِرَةٌ} نفس آثمة. {وزر} إثم. {سَعَى} عمل وقدم. {يرى} أي يبصر في الآخرة عند العرض. {الأَوْفَى} الأكمل. {الْمُنْتَهَى} المرجع والمصير بعد الموت. {أَضْحَكَ} أفرح حتى انطلقت الأسارير. {أَبْكَى} أحزن حتى سالت العيون. {تُمْنَى} تدفق في الرحم. {النَّشْأَةَ} الإحياء بعد الموت. {أَغْنَى} دفع الحاجة وأكسب المال. {أَقْنَى} أرضى أو أفقر. {الشِّعْرَى} هو الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء. وطلوعه في شدة الحر ويقاله مرزم الجوزاء. وكانوا يعبدونه في الجاهلية. {عَاداً} قوم هود. {الأُولَى} أي القدماء أو المتقدمون الأشراف. أو أن هناك عادا الأخرى من ولد عاد الأولى. وقيل الأخرى ثمود. {ثَمُودَ} قوم صالح عليه السلام. {فَمَا أَبْقَى} فما ترك فيهم من باقية. {مِنْ قَبْلُ} أي قبل عاد وثمود. {أَظْلَمَ} أكثر تجاوزا للحد في الإيذاء. {وَأَطْغَى} أشد عتوا. {والْمُؤْتَفِكَةَ} هي مدائن قوم لوط من دائرة الأردن. وسميت مؤتفكة لأنها انقلبت. ومنه الإفك لأنه قلب الحق كذبا. {أَهْوَى} أسقط بعد أن رفعها إلى السماء وجعل عاليها سافلها. {فَغَشَّاهَا} فألبسها وكساها وجعل فوقها من الحجارة ما الله به وحده عليم. {آلاءِ} نعم. {تَتَمَارَى} تتشكك، أو تجحد. |
|
|
التراكيب: |
|
قوله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى} الهمزة للاستفهام التعجبي. والفاء للعطف على محذوف يقتضيه السياق، ورأى بصرية مفعولها الموصول، وقيل علمية، والمفعول الثاني جملة أعنده علم الغيب، فهي داخلة في حيز الاستفهام المقصود منه الإنكار. ويرى علمية أي فهو يعلم أن غيره يتحمل عذاب الآخرة، وهذه الجملة المقدرة سدت مسد مفعولي يرى. وقوله: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} أم فيه منقطعة بمعنى بل، والهمزة وتقديم موسى في الذكر لأن صحفه عندهم أشهر وأكثر، وقوله: {وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أن هي المخففة من الثقيلة وهي في محل جر بدلا من ما في قوله {بمافِي صُحُفِ مُوسَى } أو في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، كأن قائلا قال: ما في صحفهما؟ فقيل: ألا تزر وازرة وزر أخرى. وقوله {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} أن فيه مخففة من الثقيلة أيضاً واسمها ضمير الشأن محذوف. ولم يفصل هنا بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف. ومحلها الجر أو الرفع عطفاً على أن قبلها. وقوله {وأن سعيه سوف يرى} معطوف على ما قبله فهو في محل جر أو رفع كذلك. وقوله {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} الضمير المرفوع في يجزاه عائد على الإنسان والمنصوب عائد على سعيه. والجزاء مصدر مبين للنوع. وقد تعدى يجزى إلى المفعول بنفسه هنا. وقوله {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} بفتح أن عطفاً على ما قبله، وكذلك المواضع السبعة الباقية. وعلى هذا فيكون مضمون هذه الجمل موجودا في الصحف المذكورة. وأما على قراءة كسر الهمزة في هذه المواضع الثمانية فعلى الاستئناف، ولا يكون مضمون هذه الجمل موجودا في الصحف المذكورة فيكون ما في الصحف قد تم بيانه وانتهى عند قوله {الْجَزَاءَ الأَوْفَى} وقوله {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} المفعول في هذه الأفعال محذوف لقصد العموم. وقد أتى بضمير الفصل لدفع ما يتوهم من أنها بفعل الإنسان. وكذلك الحال في قوله {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} وأما قوله {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ} فإنه لم يؤكد بالفعل لأنه لا يتوهم إنسان أنها بفعل أحد من الناس. وهكذا الحال في الإنشاء الآخر وإهلاك عاد. والتعبير بعليه في قوله {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} للإشعار بوجودها لا محالة كأنه تعالى أوجب ذلك على نفسه. وقوله {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} جيء فيه بضمير الفصل لأن الشعرى لما عبدت من دون الله تعالى نص على أنه تعالى هو ربها وموجدها. وقوله {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} ثمود معطوف على عاداً. وهو بالصرف اسم لأبي القبيلة. والضمير في قوله {إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} لقوم نوح. وأنهم أطغى من عاد وثمود. ويجوز أن يكون الضمير لجميع من تقدم من الأمم الثلاثة أي كانوا أطغى من قريش. ويكون ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله {هُمْ} يجوز أن يكون توكيداً للضمير المنصوب الواقع اسما لإن، ويجوز أن يكون فصلا، لأنه واقع بين معرفة وأفعل التفضيل. وإنما حذف المفضول بعد الواقع خبر لكان لأنه جار مجرى خبر المبتدأ، وحذفه فصيح فيه فكذلك في خبر كان. وقوله {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} يجوز أن تكون المؤتفكة منصوبة بأهوى، ويجوز أن يكون معطوفاً على ما قبله. وأهوى جملة في محل نصب على الحال لتوضيح كيفية إهلاكهم أي وأهلك المؤتفكة مهوياً بها. وقوله {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} يجوز أن يكون الفاعل ضميرا يعود على الله عز وجل، وقوله {مَا غَشَّى} مفعول به. ويجوز أن يكون الموصول هو الفاعل. والإيهام للتهويل. وقوله {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} الباء للظرفية والخطاب للسامع، والاستفهام للإنكار، وقد سبق ذكر نعم ونقم وقد جعلها كلها آلاء لما في النقم من الزجر والوعظ وهو نعمة لأصحاب العقول. |
|
|
المعنى الإجمالي: |
|
أمددت عينك فأبصرت الذي أعرض عن الإسلام، وأعطى شيئاً قليلا لمن تعهد بتحمل العذاب عنه، وقلّ خيره. ننكر أن يكون لديه علم الغيب، وأنه يعلم أنه غيره يتحمل عنه عذاب الآخرة، بل ألم يخبر بالخبر الذي في أسفار موسى من التوراة، وأسفار إبراهيم الذي أتم ما أمر به، أنه لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، وأن الحال والشأن ليس لأحد من الخلق ثواب ولا عقاب إلا على عمله، وأن ما يعمله الإنسان سوف يبصره معروضاً عليه في الآخرة، ثم يثاب عليه الثواب الأتم. وأن إلى ربك المصير والمرجع. وأنه سبحانه لا غيره أفرح من شاء حتى انطلقت أساريره، وأحزن من شاء حتى سالت عيونه، وأنه سبحانه لا غيره سلب الحياة ممن شاء ومنحها من شاء، وأنه أوجد الصنفين الذكور والإناث من سائر الحيوانات من مني عند تدفقه في الرحم، وأن الإحياء الآخر بعد الموت حتم لابد من وجوده. وأنه أكسب المال وأرضى أو أفقر. |
|
وأنه سبحانه لا غيره مالك مرزم الجوزاء الذي عبده الجاهلون، وأنه دمر قوم هود وقوم صالح لما كذبوا الرسل، فما ترك منهم باقية. وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود. إن قوم نوح كانوا أشد تجاوزا للحد في إيذاء الرسل، وأعتى من قوم هود وقوم صالح. والمدائن المنقلبة من دائرة الأردن أسقطها بعد أن رفعت إلى السماء على طرف ريشة من جناح جبريل فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من سجيل. ففي أي أنعم الله المتعددة تتشكك؟. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
1_ سوء حال من نزلت فيه الآيات. |
|
2_ أن الغيب لله. |
|
3_ أن صحف موسى وإبراهيم المشتهرة تنص على أنه لا يتحمل أحد وزر أحد. |
|
4_ لا ينال الإنسان غير عمله. |
|
5_ سيعرض عليه عمله فيجازى عليه. |
|
6_ تشريف المحسن وتوبيخ المسيء. |
|
7_ إثبات القضاء والقدر. |
|
8_ لابد من البعث حتماً. |
|
9_ تدمير المكذبين. |
|
10_ ظهور أنعمه تعالى. |